رد: نعود الي الماضي حدثنا عن زمن الرسول (ص)..
زد على ذلك ما في إقامة الحدود من بركات تعم المجتمع بأسره، وفي الحديث: "حد يعمل به في الأرض خير لأهل الأرض من أن يمطروا أربعين صباحا" وفي رواية "أربعين ليلة"، أما أن الحدود رحمة بالمعتدي فيتجلى ذلك في مغفرة اللّه ورحمته التي تحوطه بعد إقامة الحد عليه. فالحدود كفارات للآثام وجوابر لها، تغسل أثرها وتمحو ذنبها، وكون الحدود جوابر لا ينفي أنها زواجر كذلك. وفي حديث الرسول صلى اللّه عليه وسلم عن ماعز: "لقد تاب توبة لو قسمت بين أمة لوسعتهم" وعن الغامدية: "لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم" كما جاء في السنة: "من أصاب في الدنيا ذنبا، فعوقب به فاللّه أعدل من أن يثني على عبده العقوبة" . وروي أن "السارق إذا تاب سيقت يده إلى الجنة وإن لم يتب سيقت يده إلى النار" ، فالحد أشبه بجرعة من الدواء الكريه يشربها الإنسان ليحصل بعد ذلك على الراحة، وفي الحديث: "من أصاب منكم حدا فعجلت له عقوبته فهو كفارته" .
يقول ابن القيم: "بلغ من رحمة الله تعالى وَجُوده أن جعل تلك العقوبات كفارات لأهلها. وطهرة تزيل عنهم المؤاخذة بالجنايات إذا قدموا عليه، ولا سيما إذا كان منهم بعدها التوبة النصوح والإنابة. فرحمهم بهذه العقوبات أنواعا من الرحمة في الدنيا والآخرة" .
3- لا يرى الإسلام العقوبة غاية في ذاتها، ولكنه يراها وسيلة - ضمن وسائل كثيرة أخرى - لتقويم النفس الإنسانية وكفها عن الانحراف؛ ولذلك فإن الإسلام لا يتربص بالمجرم لكي يوقع عليه العقاب، ولا ينتظر عثرة العاثر ليبطش به أو ينتقم منه، إنه طالما نصح بالستر عليه لعله يتوب أو يستغفر، دليل ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: "تعافوا الحدود بينكم فما بلغني من حد فقد وجب" ، وعنه صلى الله عليه وسلم: "اجتنبوا هذه القاذورات التي نهى اللّه عز وجل عنها فمن ألم فليستتر بستر اللّه عز وجل، فإنه من يبد لنا صفحته نقم عليه الحد" ، وقال عليه الصلاة والسلام: "من ستر مسلما ستره الله يوم القيامة" . ويكره الإسلام أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا حتى لا تجرح أعراض الجماعة المسلمة. ويلوث جَوَّها بالقيل والقال.. ولما جاء ماعزا إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم قال لهزال - رجل حرضه على الإقرار-: "لو سترته بثوبك كان خير لك" . ويروى أن ماعزا مرّ على عمر قبل أن يقر فقال له عمر: "أأخبرت أحدا قبلي"، قال: "لا". قال: "فاذهب فاستتر بستر الله تعالى وتب إلى اللّه، فإن الناس يعيرون ولا يغيرون، والله تعالى يغير ولا يعير، فتب إلى الله تعالى ولا تخبر به أحدا". وذهب إلى أبى بكر فقال مثل ما قال عمر، ثم ذهب إلى هذا الرجل الذي لامه النبي صلى اللّه عليه وسلم فأمره بما أقر به .. وهذا يدل على أن الجريمة إذا ارتكبت في غير إعلان ينبغي سترها وعدم كشفها.
4- إذا ضبط الجاني وجيء به إلى القاضي هل يقام عليه الحد فوراً.. لا.. إنه يدرأ ما كان هناك مخرج منه لقوله صلى اللّه عليه وسلم: "ادرؤا الحدود عن المسلمين ما استطعتم فإن كان له مخرج فخلوا سبيله. فإن الإمام إن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ فيالعقوبة" .. فحين توجد أي شبهة، فمبدأ الإسلام هنا هو قول النبي صلى الله عليه وسلم : "ادرؤوا الحدود بالشبهات" . ولذلك يقول عمر بن الخطاب: "لأن أعطل الحدود بالشبهات أحب إلى أن أقيمها بالشبهات" ، ولهذا لم يقطع عام الرمادة عندما انتشرت المجاعة ، ولم يقطع كذلك عندما سرق غلمان حاطب بن أبي بلتعة ناقة رجل من مزينة بعد أن تبين أن سيدهم يجيعهم، وغرم السيد ضعف ثمن الناقة تأديبا له . ولعل القصد من وراء الأخذ بمبدأ الشبهة التي تدرأ الحد هو التقليل من العقوبات ما أمكن. إذ القليل منها كاف في الزجر والتخويف . ومن أمثلة ذلك ما ذكره الفقهاء من أنه لا قطع إذا كان السارق والدا أو زوجا . أو كان في ظروف مجاعة. وبالنسبة للقذف قالوا لا حد بالتعريض ، وبالنسبة للزنا قالوا لا حد إذا لم يصرح الشهود أو المقر بالعبارات الدالة عليه من غير احتمال فإن الحد يقام كما جاء في كتاب المغني لابن قدامة أنه إذا ادعى أحد الجهل بفساد نكاح باطل قبل قوله؛ لأن عمر رضي اللّه عنه قبل قول المدعي الجهل بتحريم النكاح في العدة، ولأن مثل هذا يجهل كثيرا ويخفى على غير أهل العلم فالتضييق في الحدود أمر محبب في الإسلام حتى يكون العقاب قليلا مانعا بدل أن يكون عاما جامعا. على أن الفقهاء وإن كانوا اتفقوا على أن الشبهات تدرأ الحدود، إلا أنهم لم يتفقوا على كل الشبهات، فما يراه البعض شبهة صالحة للدرء قد لا يراه الآخرون كذلك، وتلك أمور كلها من مصلحة المتهم، ومن أمثلة ذلك أن كل نكاح أجمع على بطلانه كنكاح الخامسة أو المتزوجة أو المعتدة أو المطلقة ثلاثا يدرأ فيه أبو حنيفة الحد ولو كان الجاني عالما بالتحريم لأن العقد في رأي أبي حنيفة شبهة والشبهة تدرأ الحد ، ولا يرى مالك والشافعي وأحمد درء الحد في هذه الحالات؛ لأنهم لا يعتبرون العقد شبهة .
ويجعل أبو حنيفة التفاهة شبهة في المال تدرأ الحد عن سارقه، ويرتب على ذلك ألا قطع في التراب والطين والتبن والحصى وأشباهها إلا إذا أخرجته الصنعة عن تفاهته كان القطع واجبا، ويخالف مالك والشافعي وأحمد مذهب أبي حنيفة، ولا يهون شبهة في تفاهة المال ما دام يبلغ النصاب .
ولا يرى أبو حنيفة الحد في سرقة ما يتسارع إليه الفساد كالطعام والرطب والبقول واللحم ولا في سرقة باب المسجد لشبهة عدم تحريزه ، ويرى مالك والشافعي وأحمد القطع في كل هذا .
5- يوفر الإسلام الضمانات الكاملة والكافية لكل متهم، حتى لا يؤخذ بغير دليل ثابت ولذلك كان من المبادئ المقررة في الشريعة أنه لا يصح الحكم بالعقوبة إلا بعد التثبت من أن الجاني ارتكب جريمته، فإن كان هناك شك في ارتكاب الجاني لجريمته، ولم تتقرر بالنسبة له أدلة الإثبات وجب العفو عنه، وأصل ذلك المبدأ قول النبي صلى اللّه عليه وسلم : "إن الإمام إن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة" . ومن جهة أخرى نجد أن أدلة الإثبات التي قررتها الشريعة في الحدود دقيقة قلما ثبتت إلا على محترفي الإجرام.. فهي في الزنا مثلا الإقرار أو أربعة شهود رجالا يقرون برؤية الفعل، فإذا لم يتكامل العدد أربعة وأصر واحد أو اثنان أو ثلاثة على قولهم اعتبر من أصر قاذفا ويحد حد القذف وذلك لقوله تعالى { والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون }(سورة النور آية 4). وفى القذف بشهادة اثنين أو بالإقرار بعد الدعوى ، وفي السرقة الاعتداء على مال الغير المتقوم المحرز خفية…ِ الخ تلك الشروط. ولابد معها من الإقرار وشهادة اثنين . وفي الشرب مثل السرقة بالإقرار أو بشهادة اثنين . ومثل هذه الشروط لا تنطبق إلا على المصر المجاهر بمعصيته الذي تكررت منه حتى أمكن أن تقع منه علنا. ويضبط متلبسا بها، ومن حق المجتمع أن يحمي نفسه ممن لا يأبه بحرمة الله دون استثناء لأي اعتبار كان. ولذلك كان صلى اللّه عليه وسلم يقيم حدود اللّه دون مجاملة، وقد رفض الشفاعة فيها من أعز أحبابه أسامه بن زيد وقال له: "أتشفع في حد من حدود اللّه، إنما هلك بنو إسرائيل أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، والذي نفس محمد بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها" ، وعنه صلى اللّه عليه وسلم قال: "من حالت شفاعته دون حد من حدود الله فقد ضاد اللّه في أمره" .
6- ذهب بعض العلماء إلى أن توبة الجاني تسقط الحد عنه وتكون سببا للتجاوز عنه وإخلاء سبيله. واستدل هؤلاء بقوله تعالى بعد آية المحاربة {إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} (سورة المائدة 34).. وحجتهم في ذلك أن القرآن نص على سقوط عقوبة المحارب بالتوبة، وجريمة الحرابة هي أشد الجرائم. فإذا دفعت التوبة عن المحارب عقوبته، كان من الأولى أن تدفع التوبة عقوبة ما دون الحرابة من الجرائم، وأنَّ القرآن لما جاء بعقوبة الزنا الأولى رتب على التوبة منع العقوبة، وذلك قوله تعالى {وَالَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا}(سورة النساء16).. وذكر القرآن حدّ السارق وأتبعه بذكر التوبة في قوله تعالى {فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ} (سورة الأنفال 38).
|