يضحك من أنوار المدينة مساءً عندما تحاول ايهامه بأنها تتلألأ من السعادة...
يضحك عندما يرى كل يوم في المرآة شعراته البيضاء... ولم يتجاوز الثلاثين من عمره...
يضحك عندما يجلس على شرفته ويحدق في الأفق.. متأملاً رماد أحلامه القديمة... كيف سحقته رغبات أهل الحل والربط في المنطقة...
يضحك عندما يتجرع قساوة الغربة.. ثم يتذكر أنه في وطنه ومدينته... وبين أحضان بيته كما يقولون؟؟!!..
يضحك عندما يجلس على مكتبه فيرى قلمه الأثري وأوراقه البيضاء.. ثم يتذكر أن محبرته قد جفت.. ويمناه قد شلت ولم يعد قادرا على الكتابه إذ أصبح ممنوعا من حمل القلم...
يضحك عندما يتذكر أين دفنوا طموحه الكبير في الحرية والعدالة والأمن... عندما يتذكر مقالاته الجريئة التي كان يعدها الكثيرون متنفساُ لهم..يحكي بها كل مشاكلهم دون خوف أو تردد.
يضحك عندما يتذكر كيف كان يلملم الأمل فوق الأمل من بذور مبادئه الواعدة.. وكيف كان يغزل من أوراق أحلامه غطاء يدثر به طموحه حتى لا يموت بردا غير مكترث بحيه القديم... ولا بالكتل المعمارية الآيلة للسقوط التي يعيش وسطها ...
يضحك عندما يتذكر كيف كان أصدقاؤه يعلقون عليه كل آمالهم... فيجتمعون لديه كل مساء ليسمعوا منه ما يكتب.. وما ينشر من مشاكلهم، تماما كالحكواتي الذي يزين أمسيات الأحياء القديمة... بحكاية كل مساء... تمس مشاعرهم...
يضحك عندما يتذكر أنه كان الأشجع والأجرأمن بين أبناء جيله... عندما يتذكر كيف كان يظن المستقبل مشرقاُ... وكيف كان يظن أنه سيغير شيئاُ في النفوس الضغيفة... فيزرع الأمن بدلاُ من الخوف .. والصدق بدلاُ من النفاق...
يضحك.. ويضحك.. ويضحك.. ثم يتوقف برهة عن الضحك.. قبل أن يسدل الستارة على مشهده اليومي.. دموع الألم.. والإحساس بالضياع.. هكذا هو.. على هذه الحال كل يوم.. منذ أن أطلقوا سراحه.. وعاد من المعتقل.. والذي أمضى فيه.. بضع سنوات.. بتهمة الشرف والنزاهة.. وبتهمة الطموح.. والبحث عن الحقيقة...

مع سبق الإصرار والترصد
.gif)
مع تحياتي يافا القدسية