رد: تكملة (( رواية انت لي ))
لم احتمل... أزحتُ الستارة و عدتُ إلى الداخل و مددتُ يدي إلى رغد التي سرعان ما تشبثتْ بها بقوة...
" معكِ يا صغيرتي... تحمّلي قليلا أرجوك "
و استدرتُ إلى الطبيب :
" أعطها مسكنا أرجوك... أرجوك في الحال "
الممرضة كشفتْ عن ذراع رغد اليسرى بهدف غرس الإبرة الوريدية في أحد عروقها... و لمحتْ الندبة القديمة فيها فسألتني :
" و ما هذا أيضا ؟ "
قلتُ غير مكترث:
" حرق قديم...لا علاقة له بالحادث "
و بمجرد أن انتهتْ الممرضة من حقن رغد بالعقار المسكن للألم عبر الوريد، عادتْ رغد و مدتْ يدها إليّ و تشبثتْ بي...
" لا تقلقي صغيرتي... سيزول الألم الآن "
قلتُ مشجعا و أنا أرى الامتقاع الشديد على وجهها المتألم الباكي...
و مضتْ بضع دقائق غير أن رغد لم تشعر بتحسن
" ألم يختفِ الألم ؟ "
سألتها فقالتْ و هي تتلوى و تهز رأسها:
" تؤلمني يا وليد... تؤلمني كثيرا جدا "
خاطبتُ الممرضة :
" متى يبدأ مفعول هذا الدواء ؟ أليس لديكم دواءٌ أقوى ؟؟ "
الطبيب أمر الممرضة بحقن رغد بدواء آخر فحقنته في قارورة المصل المغذي و جعلته يسري بسرعة إلى وريدها...
قلتُ مخاطبا الطبيب :
" هل هذا أجدى ؟ "
قال :
" فعال جدا "
قلتُ :
" إنه ألم فظيع يا دكتور... هل تظن أن عظامها انكسرتْ ؟ "
أجاب :
" يجب أن أفحصها و أجري تصويرا للعظام قبل أن أتأكد "
بعد قليل... بدأتْ جفون رغد تنسدل على عينيها... و صمتتْ عن الصراخ... و ارتختْ قبضتها المتشبثة بي...
نظرتُ إلى الطبيب بقلق فقال :
" هذا من تأثير المخدّر... ستغفو قليلا "
ثم باشر فحص رجل رغد و أعاد تفحص يدها اليمنى... و بقية أطرافها... و عندما انتهى من ذلك، أمر بتصوير عظام رجلَي رغد و يديها و حتى جمجمتها تصويرا شاملا...
" طمئني أيها الطبيب رجاء ً ... هل اتضح شيء من الفحص ؟؟ "
نظر إليّ الطبيب نظرة غريبة ثم سألني و هو يتكلم بصوتٍ منخفض:
" قل لي... هل حقا وقعتْ على درجات السلم ؟ "
استغربتُ سؤاله و بدا لي و كأنه يشك في شيء فأجبتُ :
" نعم... هذا ما حصل"
قال الطبيب :
" كيف ؟ "
قلتُ :
" لا أعرف فأنا لم أشاهد الحادث... و لكن لماذا تسأل ؟ "
قال :
" فقط أردتُ التأكد... فوجهها مكدوم بشكل يوحي إلى أنها تعرضتْ للضرب! و ربما يكون الأمر ليس مجرد حادث "
أثار كلام الطبيب جنوني و غضبي فرددتُ منفعلا :
" و هل تظن أننا ضربناها ثم رميناها من أعلى الدرج مثلا ؟ "
لم يعقّب الطبيب فقلتُ :
" وجهها متورم نتيجة شيء آخر لا علاقة له بالحادث "
تبادل الطبيب و الممرضة النظرات ذات المغزى ثم طلب منها اصطحاب رغد إلى قسم الأشعة.
و لأنني كنتُ هلعا على رغد عاودتُ سؤاله :
" أرجوك أخبرني... هل تبين شيء بالفحص لا قدّر الله ؟ "
رد صريحا :
" لا أخفي عليك... يبدو أن الإصابة في الكاحل بالغة لحد ما... أشك في حدوث تمزق في الأربطة "
ماذا ؟؟ ماذا يقول هذا الرجل ؟؟ تمزّق ؟ كاحل ؟؟ رغد ... !!
تابع الطبيب :
" الظاهر أن قدمها قد التوتْ فجأة و بشدّة أثناء الوقوع... و لديها تورم و رض شديد في منطقة الساق... قد تكون ساقها تعرضت لضربة قوية بحافة العتبة... أما يدها اليمنى فأتوقع أنها كُسِرتْ "
كسر؟؟ تمزق ؟؟ التواء؟؟ تورم؟؟ رض ؟؟ما كل هذا ؟؟ ماذا تقول ؟؟
شعرتُ بعتمة مفاجئة في عيني ّ و بالشلل في أعصابي... يبدو أنني كنتُ سأنهار لولا أن الطبيب أسندني و أقعدني على كرسي مجاور... وضعتُ يدي على رأسي شاعرا بصداع مباغت و فظيع... كأن أحد الشرايين قد انفجر في رأسي من هول ما سمعتُ...
الطبيب ثرثر ببعض جمل مواسية لم أسمع منها شيئا... بقيتُ على هذه الحال حتى أقبلتْ الممرضات يجررن سرير رغد و يحملن معهن صور الأشعة...
الطبيب أخذ الأفلام و راح يتأملها على المصباح الخاص... و ذهبتُ أنا قرب رغد حتى توارينا خلف الستار...
الصغيرة كانت نائمة و بقايا الدمع مبللة رموشها... تمزق قلبي عليها و أمسكتُ بيدها اليسرى و ضغطتُ بقوّة...
كلا يا رغد !
لا تقولي أن هذا ما حدث؟ أنتِ بخير أليس كذلك؟؟ ربما أنا أحلم... ربما هو كابوس صنعه خوفي المستمر عليك و جنوني بك !
رباه...
بعد ثوان ٍ تركتُ رغد و ذهبتُ إلى حيث كان الطبيب مع مجموعة أخرى من الأطباء يتفحصون الأشعة و يتناقشون بشأنها. وقفتُ إلى جانبهم و كأني واحدٌ منهم... أصغي بكل اهتمام لكل كلمة تتفوه بها ألسنتهم، و لا أفقه منها شيئا...
أخيرا التفتََ الطبيب ذاته إليّ فقلتُ بسرعة:
" خير؟؟ طمئني أرجوك ؟ "
قال الطبيب و هو يحاول تهوين الأمر:
" كما توقعتُ... يوجد كسر في أحد عظام اليد اليمنى... و شرخ في أحد عظام الرجل اليسرى و هناك انزلاق في مفصل الكاحل سببه تمزق الأربطة "
و لما رأى الطبيب الهلع يكتسح وجهي أكثر من ذي قبل، أمسك بكتفي و قال:
" بقية الأشعة لم توضح شيئا... الإصابة فقط في اليد اليمنى و الرجل اليسرى، أما الكدمات الأخرى فهي سطحية "
ازدرتُ ريقي واستجمعتُ شظايا قوتي و قلتُ غير مصدّق:
" أنتً... متأكّد ؟ "
قال :
" نعم. جميعنا متفقون على هذا "
و هو يشير إلى الأطباء ممن معنا...
قلتُ و صوتي بالكاد يخرج من حنجرتي واهنا :
" و... هل ... سيشفى كل ذلك ؟ "
قال :
" نعم إن شاء الله. لكن... ستلزمها عملية جراحية... و بعدها ستظل مجبّرة لبعض الوقت "
صُعِقتُ !! لا ! مستحيل !
عملية ؟؟ جبيرة ؟؟ أو كلا ! كلا !
كدتُ أهتف ( كلا ) بانفعال... لكنني رفعتُ يدي إلى فمي أكتم الصرخة... قهرا...
الطبيب أحس بمعاناتي و حاول تشجيعي و تهوين الأمر... لكن أي كارثة حلّتْ على قلبي يمكن تهوينها بالكلمات ؟؟
قلتُ بلا صوت:
" تقول ... عملية ؟ "
رد مؤكدا :
" نعم. ضرورية لإنقاذ الكسور من العواقب غير الحميدة "
أغمضتُ عيني و تأوهتُ من أثر الصدمة... و قلبي فاقد السيطرة على ضرباته... و لما لاحظ الطبيب حالتي سألني بتعاطف :
" هل أنت شقيقها ؟ "
فرددتُ و أنا غير واع ٍ لما أقول:
" نعم.. "
قال :
" و أين والدها ؟ "
قلتُ :
" أنا "
تعجب الطبيب و سأل :
" عفوا ؟ "
قلتُ :
" لقد مات... كلُهم ماتوا... أنا أبوها الآن... يا صغيرتي "
و أحشائي تتمزق مرارة... أنا لا أصدق أن هذا قد حصل... رغد صغيرتي الحبيبة... مهجة قلبي و الروح التي تحركني... تخضع لعملية؟؟
وقفتُ و سرتُ نحو سرير رغد بترنح... يظن الناظر إليّ أنني أنا من تحطمتْ عظامه و انزلقتْ مفاصله و تمزّقتْ أربطته و ما عاد بقادر على دعم هيكله...
اقتربتُ منها... أمسكتُ بيدها اليسرى... شددتُ عليها... اعتصرني الألم... و اشتعلتْ النار في معدتي...و أذابتْ أحشائي...
الطبيب لحق بي و أقبل إليّ يشجعني بكلمات لو تكررتْ ألف مرة ما فلحتْ في لمّ ذرتين من قلبي المبعثر...
قال أخيرا :
" علينا إتمام بعض الإجراءات الورقية اللازمة قبل أخذها لغرفة العمليات "
الكلمة فطرتْ قلبي لنصفين و دهستْ كل ٍ على حدة...
التفتُ إليه أخيرا و قلتُ متشبثا بالوهم:
" ألا يمكن علاجها بشكل آخر؟؟ أرجوك... إنها صغيرة و لا تتحمّل أي شيء... كيف تخضع لعملية؟؟ لا تتحمل... "
و كان الطبيب صبورا و متفهما و عاد يواسيني...
" لا تقلق لهذا الحد... عالجنا إصابات مشابهة و شفيتْ بإذن الله... "
لكن مواساته لم تخمد من حمم القلق شرارة واحدة.
هنا أقبلتْ الممرضة تخاطبه قائلة :
" أبلغنا أخصائي التخدير و غرفة العمليات جاهزة يا دكتور "
الطبيب نظر إليّ و قال :
" توكلنا على الله ؟ "
نقلتُ بصري بينه و بين الممرضة ثم إلى رغد ...
|