الجهاد مفهومه وانواعه
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله الامين وبعد
اضع هنا بينا لمفهوم الجهاد الشرعي وانواعه حتى نكون على بصيرة من امرنا واسال الله ان يرزقنا الفهم الصحيح فنقول وبالله التوفيق
الجهاد بمفهومه الشامل فرض عين على كل مسلم ومسلمة في كل وقت وحين، وفي كل زمان ومكان كل بحسب ما يستطيع، فللجهاد أنواع كثيرة، منها جهاد النفس وجهاد الشيطان، ثم جهاد الظلم والفساد، ثم جهاد الكفار والمنافقين، والجهاد بالسيف نوع من ثلاثة عشر نوعا من الجهاد .
أما القتال فقد يكون فرض عين، وقد لا يكون، وقد يتعين على بعض الناس ولا يتعين على البعض الآخر، وقد يتعين في وقت ولا يتعين في غيره.
وكان الجهاد في العهد المكي جهاد تبليغ ودعوة لم يؤمر فيه المسلمون بقتال، وتعين القتال عندما أصبح للمسلمين دار، ولأسباب كثيرة منها دفع الظلم ، ونصرة الحق ، وإخماد الفتن ، وإنقاذ المستضعفين في الأرض . فإذا ما حدث قتال فالمسلمون ملتزمون بأخلاقيات الحرب .
كلمة (الجهاد) مثل كلمة (الاجتهاد) كلتاهما مشتقة من كلمة (جهد) ومعناها: بذل (الجُهُد) وهو الطاقة أو تحمل (الجَهْد) وهو المشقة.
ولكن (الاجتهاد) يعني: بذل الجُهد أو تحمل الجَهد: العلمي والفكري لمعرفة أحكام الشرع واستنباطها من أدلتها.
أما (الجهاد) فهو يعني: بذل الجُهد أو تحمل الجَهد: البدني والنفسي والعملي من أجل الدفاع عن الدين، حتى تكون كلمة الله هي العليا.
وهو يبدأ بجهاد النفس. ثم جهاد الشيطان، ثم جهاد الظلم والفساد في المجتمع، ثم بجهاد الكفار والمنافقين.
وقد قسم ابن القيم في كتابه الشهير (زاد المعاد) الجهاد إلى ثلاث عشرة مرتبة: أربعه منها لجهاد النفس، واثنتان لجهاد الشيطان، وثلاث لجهاد الظلم والفساد والمنكر في المجتمع. وأربع لجهاد الكفار والمنافقين، بالأيدي والألسنة والأموال.
وواحدة فقط من هذه الأربع هي التي اشتهرت باسم (الجهاد) وهي قتال الكفار بالسيف أو باليد.
مع أن من يتأمل النصوص يجدها تفرق بين مفهوم (الجهاد) ومفهوم (القتال) فكل مسلم يجب أن يكون مجاهدا، وليس من الضروري أن يكون مقاتلا، إلا حين يفرض عليه القتال لسبب من الأسباب، كما قال تعالى: (كتب عليكم القتال، وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم) البقرة .
جهاد الدعوة :
ولقد رأينا القرآن يتحدث عن الجهاد في العهد المكي، قبل أن يشرع القتال، وهو جهاد الدعوة وتبليغ الرسالة وإقامة الحجة، هو (الجهاد البياني) بالقرآن، كما قال تعالى في أوائل سورة العنكبوت: " أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ " إلى أن قال: " وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ " فهو جهاد التحمل والثبات على المشاق والعذاب لأجل الدين.
وفي ختام سورة العنكبوت قال تعالى: " وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ " العنكبوت
فالجهاد هنا سلمي، ويتمثل في : جهاد النفس والشيطان، في طاعة الله، وابتغاء مرضاته.
وقد ظل الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه خلال العهد المكي (مجاهدين) ولم يكونوا (مقاتلين) يتحملون الاضطهاد والحصار، والإيذاء حتى كانوا يأتون إلى الرسول ما بين مشجوج ومضروب ومكسور، ويقولون: ائذن لنا أن نقاتل دفاعا عن أنفسنا، فيقول لهم: كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة.
مفهوم الجهاد القتالي وأسبابه :
حتى كانت الهجرة وأصبح للإسلام دار، وتكونت للمسلمين قاعدة صلبة: أذن الله للمسلمين الذين ظلموا وأخرجوا من ديارهم بغير حق أن يدافعوا عن أنفسهم، تقريرا لحرية التدين، وذودا عن حرمات الأديان وأماكن العبادة كلها: لليهود والنصارى والمسلمين جميعا. لنقرأ هذه الآيات: " أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ {39} الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ {40} " الحج .
ثم أُمِر المسلمون أن يقاتلوا من يقاتلهم، ويكفوا أيديهم عمن يسالمهم، كما قال تعالى: " وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ " . وقال تعالى : " وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ فَإِنِ انتَهَواْ فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ "
والفتنة هي الاضطهاد في الدين من أجل العقيدة، وهو ما اعتبره الإسلام أشد من القتل، وأكبر من القتل، لأن القتل اعتداء على الجسد، والفتنة اعتداء على الفكر والروح.
ويقرر القرآن وجوب القتال لإنقاذ المستضعفين في الأرض من الشيوخ والنساء والولدان الذين لا يجدون لهم وليا ولا نصيرا، يقول تعالى: " وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَـذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيّاً وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيراً " النساء.
وفي مقام آخر قال القرآن عن المشركين :" فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْاْ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً "النساء.
الإسلام لا يتطلع لسفك الدماء :
فالإسلام لا يتشوف إلى القتال، ولا يتطلع إلى سفك الدماء، بل إذا انتهت الأزمة بين المسلمين وخصومهم بغير دماء ولا قتال، عقب القرآن بمثل هذه الكلمة المعبرة: " وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْراً وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيّاً عَزِيزاً " الأحزاب، فما أبلغ هذه الكلمة وما أصدقها تعبيرا عن روح الإسلام السلمية " وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيّاً عَزِيزاً " .
وحين انتهت غزوة الحديبية بالصلح مع قريش، وإقامة الهدنة بين الفريقين، نزلت في ذلك سورة الفتح: " إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً " الفتح ، وقال الصحابة: أفتح هو يا رسول الله؟ قال: " نعم هو فتح " فلم يتصوروا فتحا بغير حرب.
وفي هذه السورة امتن الله على المؤمنين فقال: " وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً " الفتح: فانظر: كيف امتن بكف أيدي المؤمنين عن أعدائهم.
وكان الرسول الكريم ـ وهو أشجع الناس ـ لا يحب الحرب، ويقول لأصحابه: " لا تتمنوا لقاء العدو، وسلوا الله العافية، فإذا لقيتموه فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف ".
وكان يقول: " أحب الأسماء إلى الله: عبد الله وعبد الرحمن… وأقبح الأسماء: حرب ومرة ".
حتى لفظة (حرب) يكرهها، ولا يحب التسمية بها ، كما كان يفعل العرب في الجاهلية، مثل حرب بن أمية.
انتهاك حرمات الإسلام ومقدساته سبب في الأمر بالقتال :
ومع هذا يحرض الإسلام على القتال، وبذل النفس والنفيس، إذا انتهكت حرماته، أو ديست أرضه، أو دنس عرضه، بمثل هذه الآيات: " } أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْماً نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُم بَدَؤُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤُمِنِينَ . قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ " التوبة
وهذه الروح القتالية المستبسلة هي التي يخشاها خصوم الإسلام، ويريدون إخماد جذوتها، أو ـ على الأقل ـ إضعافها ما استطاعوا، حتى يستسلم المسلمون لهم، ويرضخوا لإرادتهم وهذا ما لا يكون، ما دام للمسلمين قرآن يتلى، وأحاديث تحفظ، ومنابر تذكر.
وقد حاول الاستعمار من قديم إنشاء نِحَل مثل (القاديانية) تنادي بفكرة: (إلغاء الجهاد) ولكنها أخفقت، ولم تقدر على تغيير جوهر الأمة.
وهذه آثار الروح الجهادية نراها اليوم ماثلة للعيان في الانتفاضة الفلسطينية، والمقاومة الفلسطينية الباسلة، التي أذهلت العالم بما قدمت من بطولات وتضحيات وشهداء، رغم ضعف الإمكانات وقلة الناصرين.
ومع هذا لا يغلق الأبواب في وجه المسالمة والمصالحة، إذا تهيأت أسبابها، فقال تعالى:" وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ " الأنفال.
أخلاقيات القتال في الإسلام :
والجهاد في الإسلام تحكمه (أخلاقيات) صارمة ملزمة، فلا يجيز إلا قتل من يقاتل، ولا يقتل النساء ولا الولدان والشيوخ الكبار، ولا الرهبان ولا الفلاحون أو التجار، ولا يجيز الغدر ولا التمثيل بالجثث، ولا قطع الأشجار، ولا هدم الأبنية، ولا تسميم الآبار، ولا يفعل سياسة الأرض المحروقة.
وهذا ما شهد به المؤرخون للمسلمين في فتوحهم ـ التي كانت في حقيقتها تحريرا للشعوب من طغيان الإمبراطوريات القديمة (الفرس والروم) ـ وقالوا: ما عرف التاريخ فاتحا أعدل ولا أرحم من العرب، أي المسلمين.
ارجو ان يكون اتضح الامر والله ولي التوفيق ولا تنسونا من دعوة صالحة وبوركتم
|