سحب نضال علي الذي تهالكت قواه بشدة وأخذه بعيداً وهو يمشي به أخذه عند جدار قد تحطم لثقل الهموم التي ألقاها علي عليه فغفا علي ودموعه لا زالت تجري وهو يهذي... إلى أن أشرق صباح يومٍ جديد"
علي: أين أنا؟ وأين محمد وسارة؟ هل حملتني ولم تأخذهم؟ سأذهب لهما حتماً هم استيقظا الآن..
نضال"وقد احتد صوته": علي توقف لقد قُتلا يكفي ذلك تقبل الأمر...
علي: لا لا يمكنهم ذلك محمد صديقي لا يتركني وحيداً
نضال"وقد أمسك علي وهو يصرخ": يكفي يا علي...محمد قد مات تقبل الأمر لا يعودا أبداً
"سقط علي على الأرض وكأنما قد عزل عن جميع ما في الدنيا وتكور على نفسه وهو يبكي وينتحب ثم اسند ظهره على ذلك الجدار وأخذ يستعيد ذكرياته معهما"
"أخذ يتذكره حينما كانا يتراكضان وسط البيت يتذكره حينما كان يوقظه بعنف ويصرخ فيه يتذكره حينما كان يصرخ ألماً في ذلك المعتقل يتذكره وهو يسنده على ظهره يتذكره وهو يبتسم يوم عرسه يتذكر جمال قلبه ثم يتذكر سارة وهي تتمازح معهم يوم عرسها يتذكر بسمة الحب التي أطلقتها عندما أهداها السلسلة يتذكر عينيها التي لطالما كانت مفعمة بالحياة ثم يبكي ويبكي بصمت..."
" قضت كلٌ من هيفاء وخالتيها الليل على قارعة الطريق وفي الصباح الباكر خرجت هيفاء للعمل ومن ثم عادت إلى مكان خالتيها"
هيفاء: ألم يصلوا إلى الآن؟
أم أيمن: لا لم يصلوا..
هيفاء: لا تخافي يا خالتي قد يكون هنالك حصار والآن هم في طريقهم إلينا.
"لاح جسد علي يمشي من بعيد وهو متهالك من شدة التعب"
هيفاء" وبعينها الفرحة": خالتي إنه علي لقد وصل...
"راحت أم سارة تركض على كبر سنها له وبأقصى سرعة وعندما وصلت إليه تعثرت وسقطت فنزل لها علي ورفعها"
أم سارة: علي أين ولداي؟
"فأشاح علي بنظره"
أم سارة" وقد أدارت وجه علي بيديها لترى عينيه وتفهم ما حصل": علي لا تشح بوجهك عني وأخبرني أين ولداي؟ هم جرحى بالمستشفى أليس كذلك؟
"فأنزل علي رأسه"
أم سارة "وقد بدا الانفعال يبدو بتصرفاتها فأخذت تهز كتفيه وهي تصرخ": علي أخبرني أين تركت ولداي؟ لقد وعدتني بأنك ستعيدهم معك وأنت لا تخلف الوعد يا علي....
علي"وبه غصة": لقد عادا للذي خلقهما فهو أرحم بهما...
"وبدأت بالصراخ والنحيب وهي تهز علي بعنف"
أم سارة: وا حسرتاه عليكما وعلى شبابكما... وا حسرتاه على عرس الدم الذي أحاط بكما.. وا حســــــــــــرتاه على أولاااااااادي
"حاولت أم أيمن والتي لم تقاوم نزول دموعها أن تفك أم سارة من قميص علي ولكن علي أبعد يديها وترك أم سارة تطلق آهات القهر المحبوسة...بالبداية زوجها ثم ولدها ثم جارتها وتختم بالنهاية بولديها... وبعد أن هدأت ثورة أم سارة أخذها علي بأحضانه"
علي" وهو يبكي": سامحيني يا خالتي سامحيني أرجووكِ كل هذا بسببي لقد تأخرت عليهم سامحيني يا خالتي...
أم سارة: وما نفع الأسى والحسرة الآن؟قد قضي القضاء وانتهى الأمر..
"هدأ الجميع ولكن الصمت القاتل خيّم على المكان ذلك الصمت المشحون بشرارات الحزن والأسف والفقد....إلا هيفاء لم تكن وسطهم قد رحلت بعيداً تبكي وتصرخ وتنتحب..."
هيفاء: يا الهي لم يكن لي في هذا العالم غير صديقتي سارة ماذا أفعل من دونها الآن يا الهي هل قُدر لي أن أعيش وحيدة في هذا العالم "فتكورت على نفسها وهي تبكي وتأن"
"مضت تلك الأيام قاتله حتى استطاع علي إيجاد بيت لهم هو أربعة جدران تحيط بهم لكن ببعض التعديلات أصبح تاماً أما هو فقد عاش بين ثلاثة جدران أخرى تتسع فقط ليفرشها بقماش وينام عليه و حمام أضيق منه يغلق بقطعة من القماش و كانت هذه الغرفة ملاصقة لبيت خالاته"
"وفي ليلة من الليالي المعتمة التي أبى أن يخرج فيهن القمر حداداً مع علي، عادت هيفاء من عملها وإذ بها ترى علي جالس على سور بيته وحاله يرثى لها كأنه لم يأكل ولم ينم منذ أن فارق محمد"
هيفاء: علي مالذي أصابك؟ مالكَ شاحب الوجه هكذا؟
"وعلي كالصخر صامت وكأنه لا يسمع"
هيفاء: علي إنني أتحدث معك ألا تسمعني؟
"أدار علي وجهه لها ورفع حاجبيه يبعث من وسطهما سؤالاً عن ماذا تريد منه"
هيفاء"وعلامات الاستغراب تبدو واضحة على وجهها": علي مالذي أصابك؟ أكلمك ولا ترد عليّ، وها أنا أراك جالس هنا منذ ثلاثة أيام تندب حظك ولكن إلى متى ستبقى هكذا؟هذا ليس علي الذي أعرفه علي الذي أعرفه قوي لا يهز ولا يكسر علي الذي أعرفه أقوى من أن يحطمه ويقتل روحه الحيوية فقد صديقه أعلم أن محمد كان بالنسبة لكَ كل شيء ولو رآك على هذه الحالة لكان قد فضل أن يموت حرقاً إن محمد وسارة معنا يا علي إنهم ملائكة يحيطون بنا ويسمعونا ويتألمون إذا ما رأونا هكذا، علي إن محمد يريد أن يرى علي القديم علي القوي الأبي، لا يريد أن يراك تبكي وتنتحب كالنساء إنهم في الجنة فيجب أن تفرح لهم وتعود لنا فقد طال غيابك ، فأين علي يا علي؟
"أنزل علي رأسه دون كلام فجرت هيفاء أذيال خيبة الأمل وهمت بالدخول للمنزل"
علي: علي الذي كنت تعرفينه قد مات لقد دفنته مع محمد ولن يعود أبداً، علي الذي تعرفينه طوال تلك السنين لم يحطمه ترك أبيه له ، لم يحطمه فقد أصحابه وأقاربه ، لم يحطمه "وشرع بالبكاء" موت أمه بين يديه لكن قلبه تعب نعم يا هيفاء لقد تعب واعذروه لأنه تعب أوليس قلبي قلب إنسان يحس ويشعر ويحزن لقد أُهلك قلبي من الوقوف أمام كل هذه الأمواج والزلازل والبراكين وفي النهاية سقط عندما سقط شقيق روحي محمد .
هيفاء:"وهي تبكي": لا لن نعذر قلبك يا علي فهو ليس قلب إنسان فقط هو قلب البطل هو القلب الذي يستمد منه كل عربي الكرامة، هو القلب الذي نستمد منه الأمان، هو القلب الذي نشعر بسماع دقاته أن الأرض ستعود، هو القلب الذي يصيح بكل أنحاء العالم فلسطين حرة فإن مات هذا القلب ستموت الكرامة وسنفقد الأمان والأمل بعودة الأرض ولن تكون فلسطين حرة...أرجوك يا علي عُد لنا كما كنت أعلم أن هذا الأمر فوق طاقتك ولكنك لطالما كنت وستبقى فلسطيني عربي لا يُقهر ببساطة.
"تركت علي في دوامة من الألم والحيرة ورحلت هي في تلك الدوامة الأخرى من القهر والحسرة....وفي اليوم التالي وعند عودة هيفاء من عملها إذ بيد تغطي فمها وتسحبها بقوة وهي تقاوم ذلك الشاب الذي لف الوشاح حول عينيه و أخذها وراء جدران محطمة"
علي"وهو يفك اللثام": يا الهي كم أنتِ متعبة! لمَ كل هذه المقاومة؟
هيفاء" بحنق": ما هذا يا علي كدتُ أموت خوفاً هذه ليست المرة الأولى التي تسحبني فيها هكذا ستقتلني بتصرفاتكَ هذه متى ستتوقف عنها؟
علي: إلى أن تتوقفي عن الخروج والجيش المحتل فارض الحصار على هذه المنطقة.
هيفاء: وكيف أذهب لعملي؟
علي: هناك طرقٌ مختصرة جربيها.
"وقفت هيفاء تتفحص علي ببنطلونه الزيتي و معطفه الجينز عاصبُ رأسه وبندقيته بيده اليمنى و لفافه الذي يتراقص على أنغام الريح وهو واقف ينصت لأصوات الطلقات النارية عاقدٌ حاجبيه فالتفت إلى هيفاء فأدارت وجهها مسرعة"
علي: إلامَ تنظرين؟
هيفاء: لم أكن أنظر لشيء.
" ابتسم علي و خبئها في مكان آمن وهم بالرحيل"
هيفاء: علي إلى أين أنت ذاهب؟
علي: لأساند بقية المجموعة.
هيفاء: سآتي معك.
"التف علي لها و عيناه تفيض غضباً"
علي : إلى أين؟ ستظلين حيث أنتِ ولا تتحركي مهما يحدث حتى لو رأيتهم يقطعوني أمامك مفهوم؟
"تساقطت دموع هيفاء لا شعورياً وهزت رأسها بالإيجاب.... تلثم علي ورفع بندقيته وهم بالرحيل"
هيفاء"وهي تنادي": علــي
"التف علي لها"
هيفاء"ودموعها على وجنتيها": سأظل أنتظرك هنا حتى وإن طال بي الأمر فلا ترحل عني كما فعل البقية.. اعتن بنفسك.
" رفع علي بندقيته وابتسامته واضحة في عينيه اللامعة ورحل..."
"طال انتظار هيفاء فتيممت وأخذت تصلي فما أن قضت فريضتها حتى رفعت يديها بالدعاء وما إن ارتفعت يداها حتى خارت دموعها وبصوتها المبحوح أخذت تنادي"
هيفاء: يا رب يا رب يا رب يا مجيب دعوة المظلومين يا أمل المستضعفين احمِ شبابنا وأرجعهم لأهلهم سالمين اللهم أحفظ أرضنا من كل مغتصب "ثم استرسلت بالبكاء الذي اخترق ثناياه صوت الرجاء" اللهم قد رحل أبي و أمي وجميع أهلي وأصدقائي ولم يبقَ لي أحد في الدنيا سواه يا الله احرسه بعينك التي لا تنام فهو عيني التي لا أرجو فقدها....
"هبت ريح خفيفة فوقفت من مكانها لترى شخصاً قادماً من بعيد حاملاً بين يديه جثة هامدة اقترب قليلاً"
هيفاء"في خاطرها": إنه هو نعم هو ولكن من هذا الذي بين يديه؟
"دخل بين تلك الجدران المحطمة ولثامه قد لف حول رقبته وقد غطت خصلات شعره عيناه فجلس ووضع تلك الجثة بين أحضانه وكأنه قد مات معها... اقتربت هيفاء ثم جلست بقربه"
هيفاء: علي ... علي....
"ارجع علي رأسه للخلف فتراجعت خصلاته عن عينيه لتكشف ألماً كُبت بين مقلتيها"
هيفاء"ودموعها تساقطت": علي مالذي حدث؟
علي" وقد التف لها والعبرة تخنقه": هه مالذي حدث؟ لم يحدث أي شيء هاهو المشهد يعيد نفسه في كل مرة يُقتل أعز الناس عليّ على صدري هذا ما حدث "وتساقطت دموعه رغماً عن رجولته الحديدية " وها أنا أموت في اليوم مليون مرة ويتقطع قلبي إنه العذاب السرمدي الذي سحقني به قضائي وقدري.
"رفع علي خصلات شعره عن عينيه ثم أخذ يحبس دموعه ويقاوم نزولها واضعاً خده على خد صديقه نضال"
هيفاء" وقد سالت دموع الحرقة على وجنتيها": علي يكفي ما تفعله بنفسك لا تحبس حزنك في صدرك فتختنق.
علي: دعني أختنق لأموت.
هيفاء: هذا ليس اختناق الموت هذا اختناق الحياة الذي ستعيشه كل يوم أطلق لحزنك العنان وأصرخ وابكي ولا تدع الدمعة تُحبس.
علي: لا استطيع...
هيفاء: بلى تستطيع...يكفيك هذه الهموم التي تحملها وحدك لقد تهالكت يا علي من الكبت فأصرخ ولا تبلع ألمك هذا صديقك وساندك في شدتك وفتح لك أبواب بيته إن البكاء رحمة من الله يا علي كي نرتاح فتمتع بهذه النعمة..
"أصدر علي أقوى أصوات الألم على الأرض وصرخ بآهات العذاب المكبوت بين ثنايا قلبه النابض بالعزة وتساقطت معه دموع فراق أمه ومحمد وسارة ونضال وكل الذين يحبهم"
علي "ودمعته على رمشه وابتسامة خفيفة": أشعر بتحسن
هيفاء: كلما أحسست بضيق جرب هذه الطريقة ومن ثم استهدِ بالرحمن وصلِِ على محمد.
علي: عليه الصلاة والسلام.
"هم علي بالوقوف وحمل الجثة"
هيفاء: إلى أين؟
علي"والغصة في حلقه": سأدفن صديقي.
هيفاء: لن تذهب لأي مكان إنك بالكاد تستطيع الوقوف على قدميك تكاد تسقط من شدة تعبك، هيا يا علي اتركه غداً بعد أن ترتاح أدفنه.
علي: بربكِ أتسمين هذا تعب إنه ألم خفيف! سيزول ثم أن جميع من اعرفهم قتلوا أمام عيني أو بين أحضاني ولم استطع دفنهم دعيني أدفن صاحبي علني أشعر بالارتياح لا تعلمين ما سيحصل غداً.
"مشى علي بخطوات متهالكة ولحقته هيفاء"
يتبع