غادر كل منهم إلى عمله وفي الليل عندما انتهى دوام هيفاء خرجت من المستشفى وإذ بأحدهم يسحبها"
هيفاء"تشهق": علي مالذي أصابك ولمَ كل هذه الدماء؟ وأين محمد؟ ومن الذي جرحك؟
علي"وصوته يتقطع": بالراحة يا هيفاء... لا أستطيع الإجابة عن كل هذه الأسئلة... اسمعيني فقط من دون أن تتكلمي.. هل أستطيع الدخول للمستشفى من دون أن يراني أي أحد؟
" أومأت هيفاء برأسها إيجابا ودموعها على وشك السقوط"
علي: إذا هيا بسرعة...
" استغربت هيفاء مما يحدث "
علي: هيا يا هيفاء.
" دخلوا للمستشفى من الباب الخلفي وصعدوا سلم الطوارئ حتى دخلوا غرفة مواد التنظيف فجلس علي على الطاولة"
علي: اسمعيني ونفذي... أريد ملقطاً وولاعة وشاش وإبرة وخيط.
هيفاء: ولمَ كل هذه الأشياء؟
علي: لنعمل ورق عنب..
هيفاء: هل هذا وقت مزاحك؟
علي: وليس وقت أسئلتك لأنني أتقطع من الألم.
" تسللت هيفاء إلى مخزن المستشفى وأحضرت ما طلبه علي..فدخلت عليه الغرفة فشق قميصه عند كتفه التي نزفت بحر من الدماء وبوسطه فتحة كأنما هي فتحة بركان قد خرج منها دمه الثائر فشهقت هيفاء وهي تبكي"
علي"وصوته يشكي تعبه وألم": يكفي يا هيفاء لا تؤلميني أكثر مما يؤلمني الجرح واسمعي كلامي خذي الماء وطهري به جرحي بعد ذلك خذي الملقط وابحثي عن الرصاصة وأخرجيها بالملقط الذي ستعقمينه بنار الولاعة ثم عقمي الإبرة وخيطي الجرح ولفيه بالشاش.
"فما إن أكمل كلامه إلا وهي تبكي"
هيفاء: لا استطيع... لا استطيع
علي: بلى تستطيعين يا هيفاء سأموت إن لم تفعلي.
"تقدمت هيفاء ببطء وحملت الماء و بدأت تطهر الجرح ويداها ترتجفان بعد ذلك عقمت الملقط وأدخلته بين أنسجة كتف علي وهو يعض على شفتيه من شدة الألم ويصدر صوت أنين خفيف حتى لا يسمعه حتى نعم حتى الألم أصبحوا يخافون أن يعبروا عنه"
هيفاء: يا الهي لا استطيع التحمل هل هذا يكفي يا علي؟ يبدو أنك تحتضر لا دماء في وجهك.
علي: واصلي يا هيفاء بسرعة...
"أخرجت هيفاء الرصاصة وبدأت بعد ذلك باخاطة الجرح"
هيفاء"وهي تبكي": علي لا استطيع إنني أغرز الإبرة في لحمك يا الهي.
علي: هيفاء أرجوكِ أكملي عملك إنني بخير .. حتى أنه لا يؤلم كثيراً
"أكملت هيفاء عملها ولفت له كتفه بالشاش"
هيفاء: والآن اخبرني ماذا حصل؟
علي" وهو يتنهد": آه يا هيفاء أحدهم بلغ عني وعن محمد وجاءت الجيوش تبحث عنا فرحت هارباً أنا ومحمد وافترقنا هو من طريق وأنا من طريق ولكن رصاصةً أصابتني وها أنا هنا وعالجتني الدكتورة هيفاء.
"ابتسمت هيفاء ودموعها لا زالت تسري على خدودها الحمراء...فاعتلى صوت جرس انتهاء الزيارات بالمستشفى وبأنه سيغلق بعد خمس دقائق"
هيفاء: هيا بنا يا علي.
علي: أخلعي معطفكِ يا هيفاء.
هيفاء " وقد امتقعت": ماذا؟
علي: اخلعي معطفكِ أأنت خرساء؟
هيفاء: قصدكَ صماء...
علي: نعم.. نعم
هيفاء: اسمع يا علي صحيح أنك أنقذت حياتي ولكني لا أبيع شرفي.
علي: عن أي شرف تتحدثين
"فابتسم كأنما فهم ما ترمي إليه"
علي: لست أقصد أي شيء مما تفكرين فيه ولكن الجنود تبحث عن رجل له قميص أبيض ولهذا بمعطفك سأتحول إلى رجل بمعطف أسود.
هيفاء" وقد احمّرت خدودها": نعم لقد فهمت ... بصراحة كنت فاهمة ما ترمي إليه من البداية ولكن لقد كنت أمزح معك.
علي: هاهاها فاهمة من البداية أعطيني المعطف.. ثم كيف تفكرين بأمور كهذه أنا وانتِ؟ "وهز رأسه نفياً" مستحيل.
"وهموا خارجين من الغرفة"
هيفاء: ولمَ هو مستحيل؟ ما عيبي يا هذا؟
علي: يووووه عيب انك ممتلئة بالعيوب.
هيفاء" وقد بان الغضب على وجهها": مثلاً...
علي: أنني أمزح معكِ... أنتِ أروع فتاة قابلتها في حياتي
"أنزلت هيفاء رأسها وهي تبتسم"
علي: وأرجل بنت رأيتها
"فعبست بوجهها"
علي: ساعدني يا رب
هيفاء: تعال يا علي
علي: إلى أين ؟
هيفاء: أريد أن أنزل بالمصعد كنت أتمنى دائماً أن أنزل به ومادام الوقت متأخراً فلم يرانا أحد تعال.
"ركبوا المصعد وهو ينزل وإذ به يتوقف وتنطفئ أنواره"
علي: مالذي يحدث؟
هيفاء" وقد ضربت على جبهتها": يا الهي كيف نسيت... إن المصاعد تطفئ بعد الدوام.
علي: ماذا؟ هل هذا يعني أننا عالقون إلى الغد؟
هيفاء: نعم عالقون.
علي: يا فرحتي يا لهوتي أحسنت يا مدام هل أعجبكِ ركوب المصعد؟
"بكت هيفاء"
علي: هيفاء ما لكِ تبكين أنا آسف...
هيفاء: أنا آسفة الذنب ذنبي..
علي: لا الذنب ليس ذنبك... سنجلس هنا ونستمتع بوقتنا حتى تشبعي من ركوب المصاعد ليس وراءنا شيء
"ابتسمت هيفاء وابتسم علي .... ساد الصمت بينهما للحظات"
هيفاء: علي....
علي: نعم
هيفاء: من أنت؟
علي: عفواً
هيفاء: أقصد ما هو دورك في هذه الحياة ومن تكون؟ وأين بقية أهلك؟
علي"وقد أنزل جفناه يخفي ألماً قد دفنه في فؤاده المدمي": أنا مجرد إنسان أريد أن أعيش على أرضي وحولي عائلتي وناسي الذين أحب لست أريد أن نعيش في قصر أو حتى شقة أو غرفة محطمة بل يكفيني أن أعيش وسطهم ولو كنا مشردين نضم بعضنا البعض لنتقي شر البرد ونعيش... فقط نعيش...هل أنا أطلب المستحيل؟ أخبريني يا هيفاء هل طالبت بشيء ليس من حقي؟ يكفي ذلك، لا أريد أن أفقدهم أمام عيني وبأبشع طرق القتل...أما عن بقية أهلي قد تجدين نصفهم مشردين والنصف الآخر في المعتقلات والبقية إما في رحمة ربنا أو غادروا الأرض ليعيشوا كما فعل أبي....
هيفاء: وهل أبوك لا زال حياً؟
علي"بحدة": وما أدراني إن كان حيا أو لا وبمَ استفيد إذا عرفت؟
هيفاء: هذا أبوك ألا تشتاق له ألست تريده أن يحيطك بحنانه؟
علي: ههههه أبي وعن أي أب تتحدثين؟ تركني وأمي وراح مغادراً غير مكترث وغير آبه إذا ما كنا أحياء أم أموات؟
هيفاء: يجب أن يكون هناك سبباً قوياً دفعه لذلك...
علي:نعم كان هناك سبب ما إن قصفنا بأول مدفعية حتى ولى هارباً يريد أن يعيش بأرض أخرى ليتمتع على حد قوله بالحياة.
هيفاء: ولمَ لم يأخذكم معه؟
علي: إلى أين؟ أمي لم تكن تريد أن تغادر الأرض التي بُنيت من عرق جبين أجدادنا لنخرج بتلك السهولة ونسلمهم أرضنا بل ونسهل عليهم الاحتلال فعند رفض أمي ورفضي الذهاب معه رحل ولم يعد رحل عن أرض العزة والإباء وباع الوطن خوفاً على نفسه طمعاً في الدنيا.
هيفاء: ولكننا يا علي في حرب خاسرة هم معهم كل شيء ونحن ليس معنا أي شيء كأنما تسقط دماءنا هدرا..
علي" وقد اشتعلت عيناه كرامة": فليسقط دمي وتتقطع شراييني وأوردتي على تراب أرضي فتسقيها من دمي عزة وقوة وإباء..
"تساقط دموع هيفاء"
علي: ما بالكِ تبكين؟
هيفاء: حسرةً على شبابنا المقهور...حسرةً على أطفالنا اليتامى..حسرةً على شيوخنا المكسورين...حسرةً على نساءنا الثكلى
علي: هذا هو قدرنا و إن الله سيعوضنا بخير من هذه القصور الفانية وهذه المتعة الزائلة وستبقى لنا السعادة الأبدية ما دمنا صامدون فلن ولن ينسانا التاريخ وسنبقى الشعب الأبي والأسطورة الخالدة....
"صمتا قليلاً و بدا التعب يقطع تلك العيون الذابلة"
علي: هيفاء إذا تعبتِ يمكنك أن تستلقي...
هيفاء: ولكن المصعد صغير ولا يكفي فأين ستذهب أنت إذا استلقيت؟
علي: سأقف "ووقف" انظري انه يكفي.
هيفاء: دعك من هذا لن استلقي وادعك تقف طوال الليل..
علي:ولكنكِ متعبة وغداً لديك دوام من الصباح الباكر ولا تخافي علي فما إن اتعب سوف أوقظك صدقيني...
"كان التعب والإجهاد قد غلب عليها فوافقت وراحت في سبات عميق ظل علي واقف مكانه وبين فترة وأخرى يغلب عليه النعاس حتى انه أخذ غفوة بسيطة وهو واقف من شدة التعب وكاد أن يسقط لولا أن أمسك نفسه... بعدها توجه عند الباب وحاول فتحه أخذ يحاول ويحاول ولكن كتفه الجريح صعب من العملية حتى استيقظت هيفاء على صوت محاولاته فزعة"
هيفاء: ماذا يحدث؟ من أنت؟ أين أنا؟
علي:بسم الله الرحمن الرحيم، حتى وأنت في نصف نومك إذاعتك مفتوحة؟ لا شيء يحدث فقط أحاول فتح الباب أكملي نومك.
"رفعت هيفاء رأسها وأخذت تراقبه وهو يحاول فتح الباب حتى فُتح جزء منه وبعدها استطاع فتحه كله أخذ ينظر للأعلى وإذ بالباب الرئيسي قريب منهم "
علي"وهو يبتسم":هيفاء ... قريبا سنخرج...
هيفاء: كيف؟
علي"وبكل حماس": سوف اقفز فوق المصعد وأفتح الباب الرئيسي ثم تصعدين ونخرج.
"أخذت هيفاء تصدر شتى أنواع أصوات الفرح وعلي مثلها وهم يقفزون من شدة الحماس ولكن ذلك المصعد لم يكن مصنعاً ليتحمل جنونهما فاخذ يسقط ذلك المصعد وهما يتدافعان على بعضيهما حتى أمسك علي هيفاء واضعا يده حول خصرها وبيده الأخرى مسك إحدى زوايا المصعد حتى لا تفلت وتوقف فجأة فسقط كل منهما على الأرض صامتين لبرهة...ثم انفجرا ضاحكين كانت تلك ضحكة بريئة أنستهما هموم الدنيا كلها للحظة وكأن العالم كله وقف يتفرج على أجمل ضحكة أًطلقت من القلوب قبل الأفواه أخذا بعدها يتبادلان شتى أنواع الحديث من ذكريات ماضية وأحلام وردية أُعجبت هيفاء بشخصية علي القوية التي تخفي بين ثناياها حناناً كبيراً و أُعجب علي بشخصية هيفاء البسيطة وأحلامها الجميلة التي جعلته ينظر للحياة بنظرة أخرى بها حب للعيش ووجود للأمل والحب حتى تحت تلك الظروف الحالكة انتهت تلك الليلة الطويلة الجميلة التي أبى أن يخرج فيها القمر وسط وجود قمرين صافين القلب كما اللؤلؤ...وجاء الصباح بازغاً وخرجا من المصعد فتوجهت هيفاء لعملها وتوجه علي يسلك تلك الطرق الصعبة حتى يسلم من الجنود حتى وصل للمنزل"
يتبع