![]() |
قصة من كتابتي "استحق ان احيا لأنني سأعود الى عكا"
قصة: استحق أن أحيا... لأنني سأعود إلى عكا يا أجمل المنازل يا منزلي, يا أجمل من القصور كلها, يا منزلي الصغير. تعلقت بك كما تعلقت بحضن أمي, وبطيبة أبي, وأحببتك كما أحببت نفسي, وكما أحببت كل شيء جميل في حياتي, كما أحببت هذه الدنيا الجميلة. اذكر أيام طفولتي ,حين كنت اركض وخلفي احد إخوتي , فأضحك واصرخ , واقفز من سرير إلى آخر , وأمي تصرخ علينا , ونحن نستمر بالعب والضحك والصراخ . واذكر عندما كان إخوتي يقومون بواجباتهم المدرسية , فأجلس وحدي وانظر إليهم , أتمنى أن أكون مثلهم في المدرسة ولدي واجبات مدرسية لأقوم بعملها , أقف وأطيل النظر إليهم , وأتخيل نفسي في المدرسة وعندما أعود إلى البيت ابدأ بالدراسة , ولكنني أتذكر بعدها أنني لست بالمدرسة ولا استطيع أن اكتب أو اقرأ . وقتها , اذهب إلى أمي , وأقول لها : أمي , متى سأصبح مثل إخوتي ؟ ثم أعود إليهم وأعاود النظر إليهم , اسأل أخي الأصغر فيهم سناً : ماذا لديك واجبات ؟ فيقول لي : لدي واجب رياضيات ولغة عربية و لغة انجليزية . اذهب واجلس وحدي في غرفتي , وأقول في نفسي : أنا أيضا لدي واجبات كثيرة منها واجب رياضيات , وعلي أن ادرس وأقوم بواجباتي كي لا تصرخ علي الآنسة , فأحضر ورقة وقلم من أخي , وابدأ برسم خطوط معوجة عليها , واقنع نفسي بأن هذا هو واجب الرياضيات , وأنني قد قمت بعمله ,ثم أخبئ هذه الورقة في درج مكتبتي الصغيرة , واذهب إلى أمي وأقول لها: أمي , أمي , كان علي واجب رياضيات كبير , لكن أنا " شاطرة " قد قمت بواجبي بسرعة , وقد أنهيته الآن . واذهب بسرعة إلى أخي و اخبره بنفس الشيء, ثم أختي ثم أخي الأكبر, وانتظر عودة والدي من العمل كي اخبره بهذا الخبر أيضا, وأكون سعيدة لدرجة لا توصف. ياااااه , كم كانت ايام جميلة , لا استطيع نسيانها ابداً , عندما اكون وحيدةً مع امي في البيت , اقف بجانبها في المطبخ وهي تطهو لنا الطعام اللذيذ , فأقول لها : امي , متى يمكنني ان اصنع طعام مثلك ؟ فتقول لي : عندما تكبرين إن شاء الله , ستصنعين الطعام , ونتذوقه جميعا , ونرى من أطيب طعامي أم طعامك . وتبتسم لي فأشعر بالفرحة لذلك . وبعد فترة قليلة من الزمن , أقول :أمي , لقد تأخر إخوتي , متى يرجعون ؟ فتقول لي : بعد قليل , انتظري قليلاً . وبعد فترة من الزمن الطويل , يرجع إخوتي من المدرسة , وقد احضروا لي شيءً من الشوكولاتا والشبس وأشياء لذيذة أخرى , فأفرح وأُقبل كل منهم واشكرهم عليها , وابدأ بتناولها , وأكون اسعد طفلة في العالم . آه على أيام عشتها ومضت, وأتمنى لو أنها لم تمض, أتذكر في الأيام الأولى من دخولي للمدرسة, صنعت لي أمي كعكة لذيذة, وقالت لي: هذه بمناسبة دخولك المدرسة. كم كنت سعيدة بهذا وكم وجدت الطعم اللذيذ لهذه الكعكة المطلية بالشوكولاتا , ولم ولن أتذوق ألذ منها في حياتي كلها . اذكر أن أبي كان يأخذنا في نهاية كل أسبوع في رحلة جميلة , فكنا نذهب للسباحة في البحر الأبيض المتوسط , وكنا نذهب للتنزه في المتنزهات الجميلة في رام الله وجنين , وكنا نعد ألذ الأطعمة ونذهب للتنزه وتناول هذه الأطعمة تحت أشجار السرو الكثيرة في جبال نابلس , وفي أحراش الخليل . كنا نذهب إلى أريحا , تلك المدينة الدافئة دائماً , كنت استمتع كثيرا وأنا اركض بين الورود الطويلة جداً , قد كنت اختفي بينها ويبدأ إخوتي بالبحث عني , كنت اضحك فيعرف إخوتي مكاني ونبدأ بالجري خلف بعضنا البعض , ونذب للسباح في البحر الميت فيها , ونعيش أجمل أوقات اللعب والتسلية , ثم نعود إلى المنزل في المساء . فآه على ايام مضت وانتهت . آه يابساتين بيتنا كم احبكم , فكل حفنة تراب بكم تذكرني بلحظة رائعة من عمري , وتلك القطة الشقية , التي كانت تعيش معنا في ذلك البيت العظيم , كنت العب معها عند غياب اخوتي , كنت اتحدث معها عندما افرح او احزن , كنت ابكي فتجلس بجانبي وتنظر الي , وكأنها تقول لي : لاتبكي ياصديقتي العزيزة , لا تبكي , فلا شيء في الدنيا يساوي دمعة من دموعك . واشعر وكأنها ستنخرط بالبكاء , فأهدأ وكأن احدا قد ازال الحزن عني , فأبتسم , وابدأ باللعب معها , اجري خلفها وتجري خلفي , وكأننا طفلتين صغيرتين , صديقتين منذ الولادة . عندما ادخل الى غرفتي , وارى تلك الصور الجميلة المعلقة على الحائط , ذاك البحر الجميل والسفن التي تزينه , وذاك الطفل الصغير الذي يغرس غصناً صغيرا في تربة , على امل ان يصبح شجرة في يوم ما , اسعد واطمئن , واسعد اكثر عندما اقترب من سريري الصغير الذي تكاثرت عليه الدمى , العب بها حتى امل , وبعدها انتقل الى كراستي الصغيرة العزيزة , وأبدأ بالرسم والتلوين , وامضي وقتي بالرسم . آه على ايام الطفولة , ايام مضت ولم تمحى من ذاكرتي المغبرة . كبرت وكبرت, ودخلت غرفتي, وقلت: وداعاً غرفتي. لم اكن اتخيل ان يوماً سيأتي ويجعلني اقول هذه الجملة , نعم , نطقتها في آخر يوم لي في هذه الغرفة وهذا البيت , حيث ولدت , نشأت و كبرت , حيث ركضت وضحكت وبكيت , وداعاً غرفتي , وداعاً بيتي , ياايها البيت الذي عشقت فيك كل حائط تزين بصورة شمس وجبل ونهر ووردة , عشقت حديقتك , عشقت كل شجرة جلست عندها , كل وردة شممت عطرها , كل حفنة تراب لمستها بيدي , وداعاً منزلي , لن اتأخر عليك كثيراً , باذن الله تعالى . اخذت ذال المفتاح الجميل ذو الانف العريض , ووضعته بأجمل عقد لدي وزينت به عنقي , كي لا يضيع مني ابداً , فبعد اسبوع سأعود لأفتح به باب منزلي الجميل , كنت اريد ان آخذ معي لعبتي العزيزة التي كنت اسميها " لولو " لكن اب قال لي : اتركيها يا ابنتي , فلن نغيب طويلاً , سنعود بعد ايام قليلة . فتركتها حيث هي , على سريري . وسرت مبتعدة مع اسرتي , متجهين نحو سوريا , لنقيم هناك , وحال انتهاء هذه الحرب سنعود الى ارضنا فلسطين . سبب رحيلنا هو خوفنا من الموت , لأننا نريد ان نحيا لهذه الارض . كنا نسمع كثيراً في المذياع عن المجازر المخيفة التي ترتكبها القوات الاسرائيلية في بعض القرى الفلسطينية , كقرية دير ياسين , وغيرها الكثير .وكنا نسمع كثيراً عن التهجير القسري , وقتل من يرفض ذلك , لذلك قررنا الهجرة المؤقتة الى سوريا . وسمعنا ايضاً ان الجيش العربي يحارب الجيش الاسرائيلي ويدمر طائراته ومعداته الحربية في كل لحظة تمر من هذه الحرب , لذلك كنا نقول انها " شغلة يومين وراجعين عالبلد " , كان شعوري يقول لي انها رحلة ولا بد من عودة , لأن بيتناوحديقتنا لن يعيشوا دوننا , نعم , لأنهم لنا , ونحن لن ننساهم ابداً . بدأنا رحلتنا , كنا نسير ونحن نسمع بآذاننا اصوات القنابل والرصاص والصراخ والانين , وبين الحين والآخر نسمع ازيز الطائرات , ونرى بأعيننا الصواريخ المتسارعة لهدم المنازل في الكثير من القرى , فتقتل وتصيب وتجرح , ولا تبقي الا الجثث المحروقة والمسودة , والانين المسموع , ورائحة الموت التي تنتشر بالمكان بشكل لا مثيل له . لم ارى كهذه المناظر البشعة شيئاً في حياتي , فحفرت بذاكرتي , وتَركت في قلبي الماً عميقاً اعجر الآن عن ازالته , وقتها اذكر ان امي كانت تعمل جاهدة لاغماض عيني عن هذه المناظر البشعة , كي لا ارى هذا الطفل المتشرد , والم المقتولة دون ذنب , وهذا الاب الذي يبكي على اطفاله وزوجته الذين قلتلوا , لم اكن اتصور ان هناك اجرام في هذا العالم قد يصل الى هذه الدرجة , وكذلك لم اكن اتصور ان من الممكن للناس ان تفعل هذا ببعضها , لم اكن اتخيل ذلك ابداً . في كل مكان نسير فيه كنا نرى الجثث الهامدة والبيوت التي تشتعل بها النيران , كنا نسير وليس لدينا الكثير من الماء او الطعام , كنا نسير دون امان , او حتى دون درب , دون خطى , دون هدف , وفي كل منظر بشع , يزداد خوفي وقلقي , والم يحتل ذاتي , كما احتل الصهاينة وطني . سمعت اختي تسأل : ابي , متى يمكننا العودة الى بيتنا ؟ اجاب ابي على الفور : يا ابنتي , ادعي الله ان نصل الى سوريا سالمين دون ان نخسر احداً منا , ثم باذن الله حالما تنتهي هذه المجازر وهذه الاوضاع الصعبة نعود الى حيفا . وصلنا بعد ذلك الى جبل كبير مليء بالاشجار , والشمس تختبىء خلف هذا الجبل , سألت : ماهذا المكان يا ابي ؟ اجاب ابي : انه جبل الجرمق . كنا نريد الذهاب الى صفد ومن ثم الى سوريا . وقتها كان الظلام قد بدأ يخيم على المنطقة , فقال ابي : سننام هنا هذه الليلة . ارتعشت عندما سمعت كلماته وقلت : ماذا ! ننام هنا ! كيف لنا ان ننام هنا بين هذه الاشجار ؟ فلو اننا لم نمت من المجازر , من المؤكد اننا سنموت من الكلاب المفترسة التي تهوى قتل البشر كهؤلاء المحتلين الصهاينة . قال ابي : لا تخافي يا ابنتي , فان الله حامينا باذنه , وانا سأسهر في هذه الليلة لأحرسكم , فلا تخافي , حسناً . اطمأننت لكلام ابي , لكن , ومع هذا بقيت خائفة جداً . وفي الليل الطويل حاولت كثيرا من المحاولات التي بائت بالفشل بأن انام , كان الجو بارداً قليلاً , والسماء صافية , ونجومها تصدر بريقا سراقاً للنظر . ذهبت الى ابي وجلست بجواره , وتحدثت اليه , فقلت : ابي , اين ذهبت عائلة عمي احمد ؟ فأنا اشتاق اليهم كثيراً , واشتاق لابنة عمي لين . واشتاق كثيراً الى ابنة عمتي منى , فأين تراهم ذهبوا ؟ قال ابي : والله يا ابنتي لا اعلم , ولكني اتمنى ان يكونوا جميعاً بخير جميعاً , ادعي لنا ولهم بأن يحمينا الله يا ابنتي . دعيت الله في قلبي , وعدت للحديث مع ابي , فقلت : يا ابي هل يمكننا ان نراهم مرة اخرى ؟ فأنا احبهم كثيرا واعتاد ان اقضي معظم اوقاتي معهم . قال ابي مجيباً : اتمنى ذلك يا ابنتي , اتمنى ذلك .وصمت ابي , وتوقفت مع صمته دقات قلبي , اخذ ينظر الى النار التي كان قد اشعلها مسبقاً , وبقيت انا انظر الى عيني ابي وهو يتأمل النار , ورأيت في نظرته كثير من الاحاسيس الغريبة , التي لم اكن قد رأيتها مسبقاً في عينيه , احسست بعجزه , وحزنه الذي ليس له حدود , احسست بأن ابي يحمل ثقلاً كبيراً على كاهليه . نظرت الى ابي طويلاً , والتفت الى النار , وبسرعة البرق , قفزت الى ذهني صور البيوت المشتعلة والجثث المسودة والجرحى والشهداء والابرياء والمشردون الذين كنت قد رأيتهم في النهار , نظرت الى ابي , وقطعت بصوتي ذاك الصمت المخيف , فقلت : ابي , كم من الوقت سنمضي في سوريا ؟ اجاب بسرعة : اسأل الله ان لا يكون وقتاً طويلاً , سنقيم هناك حتى تنتهي هذه الحرب اللعينة , وبعدها على الفور سنعود الى بيتنا وارضنا , وسيعود كل شيء الى وضعه الطبيعي ’ سنعود الى بيتنا وبستاننا . ثم ربت على كتفي وابتسم ابتسامة جعلتني اطمئن كثيراً, واضاف : وستعودين الى مدرستك , انت وبنات عمك وعمتك باذن الله . فرحت جداً بكلامه , واحسست بموجة امل تدخل الى نَفسي , تذكرت اثناء حديث ابي تلك الجوهرة المعلقة في عنقي , بل هو اغلى من جواهر الدنيا , هو مفتاح منزلنا في عكا , لمسته بيدي لأطمئن عليه , فوجدته لايزال موجوداً , فارتحت اكثر , لأنني شعرت بأنني سأعود حقاً الى منزلنا . انا في ذلك الوقت لم اكن اتجاوز العاشرة من عمري , ولم اكن افهم او حتى اعرف ماهو الحرب , وما اسباب هذه الحرب , فنظرت الى ابي , الذي عاد يتأمل تلك النار , وقلت : ابي , هل تستطيع ان تخبرني عن هذه الحرب ولو القليل من المعلومات , فأنا لا اعرف عنها شيئاً , من هم الذين يقتلوننا ويشتتوننا ويشردوننا ؟ ولماذا يفعلون هذا كله بنا ونحن في ارضنا وبيوتنا ؟ هل سبق ان آذيناهم في يوم ما ؟ ماقصة هذه الحرب يا ابي ؟ اخبرني ارجوك . اجاب : يا ابنتي , نحن لم نؤذ احداً في اي مكان في العالم , لكننا يا ابنتي في فلسطين , هذه الارض العظيمة , ارض الرسالات السماوية الثلاث , الارض الخصبة , وذات الموقع الاستراتيجي المميز , هذه الارض الواصلة بين اسيا وافريقيا واوروبا , هذه الارض الجميله , فيها من المناطق الجميلة ما لا يعد , يا ابنتي , لقد طمع العالم بهذه الارض وخيراتها , لقد احتلت بريطانيا فلسطين , وارادت ان تجعلها دولة للمستعمرين الصهاينة وديانتهم اليهودية , والتي لو كان لها لسان , لتبرت منهم لما يفعلوه بنا نحن الشعب المسكين , يا ابنتي هناك وعود اقرتها بريطانيا لهم , منها ات تقيم لهم وطن في ارضنا , ارض فلسطين , منهم وعد " بلفور " وهو وعد ينص على اقامة وطن قومي للصهاينه في فلسطين . واعطي هذا الوعد يا ابنتي في تاريخ 2 / 11 /1917 , ويعد هذا الوعد من اغرب الوثائق الدولية في التاريخ , لأن مُنح بموجب ارض لا تمتلكا الدولة التي اعطت هذا الوعد , وهي ارض فلسطين , الى اناس وحركة لا يستحقونها , وهم الحركة الصهيونية والشعب الاسرائيلي , وهذا كله يا ابنتي على حساب الشعب الفلسطيني , وهذا ما اوصلنا الى هنا . اشار بيده الى المكان الذي نجلس فيه , فنظرت الى الارض التي نجلس عليها , وانا افكر بالقضية التي فهمتها الآن , اذن بيتنا الجميل , وحديقتنا الرائعة التي طالما لعبت في احضانها , سيقيم بها اناس غيري , ويلعبون في احضانها , ينامون تحت اشجارها , وهذا ليس من حقهم ابدا , انهم كالسارق الذي يسرق المال من غيره , ويسرق الامان من غيره , ويسرق الحرية من غيره , ويتنعم هو به , لم اكن اتصور ان هذا من الممكن ان يحصل يوما , اعدت النظر الى ابي , وسألت : ابي لقد علمتنا معلمة الجغرافيا ان هناك دول عربية مجاورة لنا , طالما اعناهم واعانونا , فلماذا لا يحرروننا من هذا الاحتلال الغاشم ؟ طال الصمت كثيراً , وانا انتظر اجابة , فقلت : ابي اجبني , لماذا ؟ فأجابني : يا ابنتي هذا السؤال الذي اجهل اجابته , فانا لست اعلم ماسر هذه الاكاذيب , اهي المشكلة بالحكام ام بالجنود ام بالشعوب انفسهم , لكن الذي اعلمه واتأكد منه , هو اننا على حق وعلينا ان نبقى نعمل ونجاهد لاسترجاع هذا الحق المسلوب , وتعود لنا ديارنا وبيوتنا ووطننا , يا ابنتي , هذا حقنا ويجب ان لا نسمح لأحد ان يسلب حقنا . بعث ابي العزم والاصرار على العودة في داخلي , ولكن , ماذا يمكنني ان افعل ؟! , ودعت ابي وذهب للنوم بجانب امي , ولكن بالحقيقة انا لم انم , ولم اكن اريد ان انام , لكني كنت اريد ان افكر بتدقيق بالحوار الذي دار بيني وبين ابي قبل حين , استلقيت بجانب امي , واسندت ظهري الى ساق شجرة خلفي , واستغرقت بتفكير عميق بالحوار الذ كان قبل قليل , اذن هناك طفلة غيري ستعيش في بيتي , وربما تنام على سريري ايضاً , ماهذا العدل والسلام والحرية التي تسود العالم ؟! ولم استيقظ الاعلى صوت عصافير اعلى الشجرة التي استند اليها , وكان صباح اليوم التالي . نظرت حولي فوجدت امي وابي واخوتي مستيقظون . فقال ابي : هيا بنا يا ابنائي وزوجتي , فعلينا ان نصل اليوم الى قرية السموعى القريبة من صفد . فقلت : ابي انا جائعة . فتناولت امي من الحقيبة الصغيرة التي تحملها قطعةً من الخبز وقالت : خذي يا ابنتي , كلي هذه . وقالت لأبي : يا ابا محمد , لم يتبقى معنا من الطعام سوى هذه القطعة من الخبز . واشارت الى قطعة اخرى في الحقيبة الصغيرة . فاجاب ابي : الله يساعدنا , ان شاء الله سنحصل على الطعام عندما نصل السموعى . حملنا امتعتنا , وبدأنا بالمسير من جديد تحت اشعة الشمس , وعادت اصوات الطائرات كما كانت في اليوم السابق , وبدأ صوت الرصاص والقنابل , وعلا صوت الصراخ بعد كل قنبلة , وبدأت النيران تشتعل بالمنازل . اكملنا مسيرنا في الرحلة على امل العودة , وبقينا نسير ونسير , حتى بدأت الشمس بالغروب , كنا جميعاً جائعين ولم يكن لدينا سوى قطعة الخبز الوحيدة , حتى وصلنا الى قرية السموعى , نظرنا فرأينا بيوت مضاءة , احسسنا بالراحة شيئاً ما , طرقنا باب احد المنازل , فتح الباب لنا رجل كبير بالسن , فطلبنا منه ان يبيعنا شيئاً من الطعام , ولكنه رفض بيعنا بل كان كريماً جدا , فاستضافنا في بيته , واطعمنا من الطعام الموجود ليه وزوجته العجوز , وبقينا عندهم حتى الصباح , وفي الصباح ودعناهما , وبدأنا السير من جديد عادت الاصوات المخيفة , القنابل والصواريخ والرصاص وازيز الطائرات , ورائحة الموت المنتشرة في كل مكان , سرنا تحت اشعة الشمص الحارة , تعبنا وأرهقنا , حتى وصلنا الحدود الفلسطينية السورية , عبرنا الحدود , ودخلنا الاراضي السورية , نظرت خلفي الى الاراضي الفلسطينية , وشعرت وكأنها تودعني الى غير رجعة , كذبت شعوري بقولي : عائدون , مهما طال غيابنا , لا بد عائدون . بدأت الاحوال تعود كما كانت قبل الحرب , هذا داخل الاراضي السورية , لكننا كنا نرى افواجاً من الناس التي حالها كحالنا في المنطقة هناك ,نصب هؤلاء الناس الخيام , واستراحوا بها , اما نحن فذهبنا الى بيت قريب لنا , وصلنا بيته , واسترحنا عنده وعائلته , لم اكن اشعر بأي شيء من الراحة او السعادة , بل على العكس تماماً , كنت اشعر انني ضيفة غير مرغوب بها , رغم ان تعملهم معنا كان جيد ,كنت اشعر بحزن عميق عندما يسألني احدهم عن عكا , او عن مدرستي في عكا او حتى عن اي شيء عني . يا الله , لقد نفيت من موطني , لقد هُجرت , انا الآن لا املك وطنا ولا بيتاَ ولا بستانا ولا حتى دمية , كان اقاربنا طيبون معنا جداً , لكن كان صعب علينا جداً ان نعيش عندهم , لأننا كيف كان , سنكون ضيوف . بحثنا عن مكان نقيم فيه , حتى العودة الى عكا , وجدنا اناس مثلنا , مهجرون قد استقروا في اماكن سوياً , فذهبنا عندهم , ونصبنا الخيام لنا , وبعدها بفترة من الزمن الطويل المؤلم , بدا لنا ان زيارتنا لسوريا ستطول , فقررنا ان نبني بيتاً من الطوب حتى نعود الى عكا , نجحنا بهذا الامر , وبدأ الناس الذين يقيمون معنا باقامة منازل له بنفس الطريقة , واصبح هذا المكان يسمى بمخيم درعا , وعشنا به طوال 5 سنوات , ونحن نتأمل العودة الى عكا . لا زلت اذكر عكا , وايام عكا , وليالي عكا , وشاطىء عكا , وذكريات عكا , ولا زلت اذكر بيتنا في عكا , ولا زلت اضع ذال المفتاح في عنقي , اذكر العابي في عكا , وصديقاتي في عكا , واقربائي الذين لم نعرف اين هم بعد ان خرجنا من عكا , اشتاق الى بحر عكا , والى كل شجرة في عكا , والى كل حجر في عكا , والى كل حفنة تراب تزين ارض عكا , اشتاق اليك يافلسطين . منعنا من العودة الى فلسطين , وبقينا في مخيمنا , كَبرتُ سنوات وكَبُرت ذكرياتي معي , وانا لا ازال اذكر عكا , وبيتنا الذي طالما شدني الحنين اليه , سأبقى اذكرك يا فلسطين , ولن اساوم عليكي ابداً , لأن ابي قال لي يوماً : ان لا اسمح لأحد ان يسلب حقي , وحقي هو حق العودة , فأنا استحق ان احيا , لأنني سأعود الى عكا .... الملحق الوثيقة التي تضمنت تصريح بلفور : " ان حكومة جلالة الملك تنظر بعين العطف الى تأسيس وطن قومي للشعب اليهودي على ارض فلسطين,وستبذل جهدها لتسهيل تحقيق هذه الغاية,على ان يفهم جلياً انه لن يؤتى بعمل من شأنه ان يضر بالحقوق المدنية والدينية التي تتمتع بها الطوائف غيراليهوديةالمقيمة في فلسطين , ولا الحقوق اوالوضع السياسي الذي يتمتع به اليهود في البلاد الاخرى ". " اللاجئون الراغبون في العودة الى ديارهم , والعيش في سلم مع جيرانهم ينبغي ان يسمح لهم بذلك في اقرب وقت عملي , ودفع تعويضات عن ممتلكات اولئك الذين يختارون عدم العودة , وكذلك عن الخسائر والاضرارالتي لحقت بالممتلكات حيث ينبغي بموجب القانون الدولي ومن باب الانصاف,ان تعوض عنهاالحكومات اوالسلطات المسؤولة ... ". فقرة (د) من قرار الجمعية العامة للامم المتحدة رقم 194 الصادر في تاريخ ( 11/12/ 1948 ) . " يعرب مجلس الامن عن اهتمامه الدائم بخطورة الوضع في الشرق الاوسط , ويئكد عدم جواز احتلال الارض عن طريق القوة ... , والحاجة الى اقامة سلام عادل ودائم يقوم على تطبيق المبدأين الآتيين : 1. انسحاب القوات المسلحة الاسرائيلية من ( اراضٍ )* احتلتها في الحرب الاخيرة . 2. انهاء كافة حالات الحرب , واحترام السيادة , والسلامة الاقليمية والاستقلال السياسي لكل دولة في المنطقة , وحقها في العيش ضمن حدود آمنة ومعترف بها دون تهديد او استخدام القوة ... ". قرار مجلس الامن الدولي 242 الصادر في 22 تشرين الثاني 1967. *: يهمني لفت النظر الى ان هذا القرار قام مجلس الامن الدولي بتعديله بعد الخلاف مع الاسرائيليين على كلمة ( اراض ) حيث كانت في البداية ( الاراضي التي ) وتعني سحب القوات من جميع الاراضي المحتلة في هذا الحرب , وبعد التعديل تعني الانسحاب من اي متر من هذه الاراضي ويكونوا بذلك قد طبقوا القرار . " لقد اقيمت القرى اليهودية مكان القرى العربية , انتم لا تعرفون حتى اسماء هذه القرى العربية , وانا لا الومكم لأن كتب الجغرافيا لم تعد موجودة , وليست كتب الجغرافيا هي وحدها التي لم تعد موجودة , بل القرى العربية نفسها زالت ايضاً , فقد قامت نهلال في موضع معلول , وكيبوتس غفان في موضع حباتا , وكيبوتس ساريد في موضع خنيفس , وكفار يهوشوع في موضع تل الشمام , وما من موضع بني في هذا البلد الا وكان فيه اصلاً سكان عرب ". موشيه ديان, من كلمة القاها في معهد التكنلوجي في اسرائيل في حيفا. صحيفة (هأرتس) 4 نيسان,1969. ((كي لا ننسى– وليد الخالدي)) |
رد: قصة من كتابتي "استحق ان احيا لأنني سأعود الى عكا"
بليييييز اقرأوا القصة
وبدي رأيكم اختكم عاشقة جبل النار |
رد: قصة من كتابتي "استحق ان احيا لأنني سأعود الى عكا"
يسلموو ايديكي أختي عاشقة ... هيني أخدتها عشان أقرأها .. وأنا متأكدة انها رح تعجبني .. لإنو عنوانها روووعة .. تحياتي لك أختي .. وانتظريني لأخبرك عن رأيي بها ... |
رد: قصة من كتابتي "استحق ان احيا لأنني سأعود الى عكا"
:icon5::icon5:
يا حبيبتي يا عكـــا كـــم اشتـــاق اليـــكِ رغــم ان عينـــاي لــم تـــراكِ أبدا تهــجرنــا و أُبعدنـــا عنـــكِ و مــا زلنـــا مهـــجريـــن في بـــلاد ليســت بـــلادنــا :icon5: مــا ذنــــبك و مــــا ذنبنـــــا ،، ان يحرمـــونــا منـــك و ان تنحرمـــي منـــا :( ربـــي اكتــب لنــا عــودة عــلى بـــلادنــا و هــي منتصـــرة و محررة بإذن الله تعــالى ،، عـــاشقة جبـــل النــار اشكركٍ جــزيل الشكـــر على هـــذه القصـة الرائعـــه و المـــؤثـــرة بارك اللـــه فيـــكِ دمـــتِ بـــود :icon26: |
رد: قصة من كتابتي "استحق ان احيا لأنني سأعود الى عكا"
يسلموو خيتوو عاشقة !
ما قصرتي ! |
رد: قصة من كتابتي "استحق ان احيا لأنني سأعود الى عكا"
يا ما شاء الله
كتبتي كل هادة وطبعتيه على الكمبيوتر جهد مبارك وقصة حلوة اكيد منك يا عسل الله يبارك فيك ويطيك العافية اختي مع الف تحية ^_^ |
رد: قصة من كتابتي "استحق ان احيا لأنني سأعود الى عكا"
رح اصورها اختي
واقلك رايي لي عودة ان شاء الله |
رد: قصة من كتابتي "استحق ان احيا لأنني سأعود الى عكا"
عنجد قصة كتييييييييير حلوة ...... ومؤثرة
يسلمو ايديكي عليها |
رد: قصة من كتابتي "استحق ان احيا لأنني سأعود الى عكا"
صراحة قصة رائعة بكل معنا الكلمة ....
لو ما بعرفك كان قلت عنك لاجئة عنجد .. من الاحاسيس والمشاعر الحقيقية الموجودة في القصة .. ربي يوفقك حبيبتي .. ويعطيكي الف عافية ... |
| الساعة الآن 12:59 AM. |
Powered by vBulletin® Version 3.8.4
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd.
new notificatio by 9adq_ala7sas