![]() |
أطفال غزه يودعون طفولتهم قبل الأوان
بفرح الدنيا وبسعادة لا أول لها ولا آخر بدأ أمجد صاحب الثمانية أعوام في نقل الأمتعة والحاجيات إلى السيارة وهو يغني ويرقص طربًا، فبعد ساعات سيترك العنان لأمواج البحر بأن تعانقه، وسيسمح لرمال الشاطئ بأن تداعبه فينسى حر الصيف ولهيبه، وبينما هو غارق في خيالاته إذا بصوت والده يرتفع: "يا أمجد.. يا أولاد.. أعيدوا الحاجيات إلى المنزل لن نذهب للبحر". كلمات كان لها وقع الصاعقة وأشد على قلب أمجد وإخوته الصغار.. وبعد لحظات من الصمت اقترب أمجد من أبيه وبدأ يُعاتبه بحزن وألم: "بابا.. نحن لم نشاغب، وأنت وعدتنا إن بقينا هادئين ومؤدبين فستأخذنا للبحر، فلماذا لا نذهب؟". وأخذت دموع أمجد تتكلم نيابة عنه، ضمّه الأب إلى صدره بحنان وردّ قائلا: "لا أريد أن ألقي بكم في الموت.. البحر لم يَعُد آمنًا.. زوارق الاحتلال انتشرت على طول الشاطئ تضرب وتقصف وتقتل". رائحة الموت بكاء أمجد ساق الله على رحلة ضاعت في البحر وبقيت حبيسة الخيال؛ صورة تكاد تتكرر في كل بيت من بيوت قطاع غزة، فالاستراحات والخيام التي كانت تغص بآلاف المصطافين من الأطفال وذويهم في هذا الوقت من العام باتت خالية من روادها، ولم يَعُد على رمال شاطئ غزة الناعمة أية آثار لأقدام المتنزهين.. فوحدها قذائف الموت الإسرائيلية والأجسام المشبوهة الموجودة مكانهم الآن. وبحزنٍ بالغ أيقن أطفال غزة كما كبارها بأن البحر ليس هو الوحيد على رأس قائمة الأماكن الممنوع الذهاب إليها واللعب فيها، فبعد أن قررت إسرائيل أن تُغرق المكان بما أسمته بـ"أمطار الصيف" بعد عملية نوعية فدائية نفذتها ثلاثة أجنحة عسكرية في معبر كرم أبو سالم، تمكنت خلالها من أسر جندي إسرائيلي في 25 يونيو 2006 باتت المنتزهات والحدائق والملاهي كمنطقة ألغام ممنوع الاقتراب منها، والأقسى في المشهد أن بيوت الأطفال لم تَعُد هي الأخرى في مأمن؛ فمنذ بداية العدوان الإسرائيلي سقط حوالي 29 شهيدًا معظمهم قضوا نحبهم حين قصفت الطائرات بيوتهم وفراش عمرهم وأحلامهم لتتحول أفراحهم كما أجسادهم إلى أشلاء. لغة كبيرة بشفاهٍ صغيرة نظرة متأنية لدبابات العدو وكأنهما يسألانها ببراءة ما الذى أتى بك إلى هنا؟ وبالرغم مما يجري ويحدث أمام مرأى أطفال غزة وهم يُشاهدون براعمهم تتحول إلى أشواك وخيالاتهم وأحلامهم الجميلة إلى كوابيس.. ومع أن براءتهم اغتيلت وربيعهم احترق، فإنهم باتوا كبارًا في ذاكرتهم وتصرفاتهم.. تركوا طفولتهم جانبًا ودخلوا من حيث لا يدرون عالم الكبار. فلا تستغرب إذا وجدت طفلاً في السادسة يُحدثك بلغة السياسة، أو طفلة تُخبرك عن أسلحة الدمار، فقد أصابتنا كلماتهم بالصدمة قبل أن تصدمك، لكنها المعاناة التي كبرتهم قبل الأوان بأوان. أحمد في السابعة من عمره نادى بصوتٍ عال على جاره وصديقه خالد: "هيا.. هناك جنازة لشهيد.. سنذهب لنشيعها بعد أن نصلي عليه". وما هي إلا دقائق حتى كان أحمد وخالد يهرولان إلى حيث الشهيد.. أجسادهم الصغيرة تتقدم المسيرة وأصواتهم تنطلق بالتهليل والتكبير. وما أن ينتهي التشييع حتى يذهب أحمد وخالد بصحبة أطفال الحي إلى أهل الشهيد يقدمون واجب العزاء، يقفون هناك بالساعات الطوال للمساعدة في لصق صور الشهداء والشعارات واللافتات على الجدران. داخل المستشفى حيث الأطفال الجرحى بالمئات وقفت "سالي عياد" 9 أعوام تُقدم باقات الورود، وهي تتمنى الشفاء العاجل للجرحى، وبصوت الكبار تنامى إلى مسامعنا صوتها قائلا: "حسبي الله ونعم الوكيل.. ما ذنبهم هؤلاء الأبرياء". وفجأة ارتفعت أصوات أخرى لأطفال آخرين يتحدثون بلغة مفرداتها تفوق قدراتهم العقلية والذهنية؛ لغة صنعتها الأحداث المحيطة بهم من كل جانب. يستنكرون ويحللون سامر الزهارنة، طفل في التاسعة من عمره وقف بجوار شقيقه عبد الله وأمسكا بطائرة ورقية على شكل علم فلسطين، اللافت في الأمر أنهم ربطوا ذيل الطائرة الورقية بشعارات تندد بالعدوان على إسرائيل وتتوعدهم بالانتقام، وابتسم سامر مضيفًا: "سيشاهدون من خلال الزنانة (لقب يطلقه الفلسطينيون على طائرة الاستطلاع الإسرائيلية) ما كتبنا". وأضاف بثقة: "حتى ألعابنا ستقاومهم". أمام منزل عائلة أبو سلمية -التي فقدت تسعة من أفرادها؛ سبعة منهم أطفال في قصف إسرائيلي استهدف بيتهم بقنبلة تزن طنًّا بذريعة وجود عدد من المقاومين- تجمهر أطفال الحي حولنا وبدءوا في الحديث إلينا وكأنهم في مؤتمر صحفي؛ فالطفل "أنس مهنا" استنكر الحادثة، وتساءل بحرقة وهو صاحب الستة أعوام: "لماذا يستهدفون المدنيين الأبرياء وهم نيام؟!". سألته: وهل تعرف كلمة مدني، فأجابني على الفور: "مدني يعني بدون سلاح، أما العسكري فهو من يملك السلاح.. وعائلة أبو سلمية لم يكن بحوزتها أية أسلحة". وفجأة ارتفع صوت لصغير آخر في السابعة من عمره: "إنها جريمة حرب، وعلى الفصائل أن تتوحد وترد بقوة على هذه المجزرة، يجب ألا نصمت أو نسكت"، ويواصل الصوت الذي كان لأسامة: "تألمت عندما سمعت الخبر، وبإذن الله عندما أكبر سأنتقم لدماء الشهداء". وترفض الطفلة سجى الشوا (6 أعوام) مشاهدة برامج الأطفال، بل تبكي وتصرخ لأمها بأنها تريد رؤية قناة الجزيرة ومتابعة الأخبار، والدة سجى أكدت أنها تحاول ما استطاعت إلى ذلك سبيلاً أن تُبعد أطفالها عن هذا الجو المشحون بالقلق والعنف والتوتر. وتضيف: "أكتم دموعي أمامهم وألمي لما يحدث.. أريدهم أن يعيشوا طفولتهم ببراءة، لكن أين المفر؟ طائرات العدو تستهدفنا في بيوتنا.. في أسرتنا". ماما.. خبر "عازل" في الوقت الذي يستمتع أقرانهم بأوقاتهم يحملون أعلامهم نصرة لقضيتهم وأبدى الكثير من الأهالي انزعاجهم من وعي أطفالهم المبكر؛ حيث قالت هدى النخالة، وهي أم لثلاثة أطفال أصغرهم في الثالثة من عمره: "أُحاول جاهدة أن أمنع أطفالي من مشاهدة ما يحدث، ولكن هذا مستحيل، ويكفي أصوات الطائرات التي يسمعونها"، وتستدرك ضاحكة: "طفلي الصغير ما إن يرى شريط الأخبار أسفل الشاشة حتى يأتي ليجري ويقول لي ماما خبر عازل (يعني خبر عاجل)". ويرى سعيد صبيح -متزوج وله أبناء- أن الأسرة والإعلام يتحملان مسئولية كبيرة في حرمان الطفل الفلسطيني من طفولته، حيث يقول: "الأسرة تُهلل وتُصفق عندما يبدأ طفلها في الحديث عن السياسة دون أن تدرك أثر ذلك على نفسه مستقبلاً، كما أن الإعلام صدق بأن أطفالنا كبار ولم تَعُد تستهويهم برامج الأطفال، ولكن علينا أن نعي تمامًا أنهم يحلمون باللعب في حدائق خضراء والنوم في أسرة هادئة". شهود على العصر رئيسة الوزراء الإسرائيلية السابقة "جولدا مائير" وقفت ذات مرت تحدث شعبها عن أفضل طريقة للتخلص من الفلسطينيين فقالت: "اقتلوا كبارهم فينسى صغارهم" فهل ينسى أطفال فلسطين؟ يجيب الدكتور "أنور البرعاوي" أستاذ علم النفس بالجامعة الإسلامية بغزة على هذا التساؤل قائلاً: "أبدًا لن ينسوا، وستبقى ذاكرتهم قوية حية تحكي عن صناع الموت الذين قتلوا طفولتهم وحرموهم من مرحها وعالمها، وسيبقى هؤلاء الأطفال شاهدين على جراحهم وألمهم وهدم بيوتهم وتجريف أرضهم، على دموعهم وخوفهم من القصف والحوار وعلى أشرس احتلال عرفته البشرية". وأشار إلى أن الطفل الفلسطيني يملك قاموسًا من المفردات والصور والقصص التي هي أكبر من عمره وسنه. وعن مدى تأثير ذلك على نفسية الطفل وتكوينه العقلي قال البرعاوي: "الخطر يتمثل في أن الطفل يتكلم بما لا يعيه، ولا يستطيع تشخيص الأمور التي حوله بدقة وهذا يؤدي إلى قوة (الأنا) والانخداع الثقافي، فيظن الطفل أنه قادر على التحدث، وتحليل ما هو أكبر منه". وأوضح أن سلبية ما يجري تكمن في أن الطفل عاش مرحلة الكبار ولم يلتفت إلى طفولته وعالمه البريء، وهو ما يؤثر على نفسيته سلبًا عندما يكبر. وأكد على أن أطفال فلسطين قادرون على تجاوز سلبيات ما يجري بمساعدة من حولهم، خاصة الآباء والأمهات حيث طالبهم بتقديم الدعم النفسي لأطفالهم والترويح عنهم قدر الإمكان. مع التحيه |
رد: أطفال غزه يودعون طفولتهم قبل الأوان
"حسبي الله ونعم الوكيل.. ما ذنبهم هؤلاء الأبرياء".
"اقتلوا كبارهم فينسى صغارهم" فهل ينسى أطفال فلسطين؟ "أبدًا لن ينسوا، وستبقى ذاكرتهم قوية حية تحكي عن صناع الموت الذين قتلوا طفولتهم وحرموهم من مرحها وعالمها، وسيبقى هؤلاء الأطفال شاهدين على جراحهم وألمهم وهدم بيوتهم وتجريف أرضهم، على دموعهم وخوفهم من القصف والحوار وعلى أشرس احتلال عرفته البشرية". |
رد: أطفال غزه يودعون طفولتهم قبل الأوان
تسلم يا شمس الوداع على المرور
|
رد: أطفال غزه يودعون طفولتهم قبل الأوان
حسبي الله ونعم الوكيل
مشكور لانيا لموضوعك |
رد: أطفال غزه يودعون طفولتهم قبل الأوان
تسلم ابو ساليم على المرور
|
رد: أطفال غزه يودعون طفولتهم قبل الأوان
حسبي الله ونعم الوكيل
|
| الساعة الآن 06:50 PM. |
Powered by vBulletin® Version 3.8.4
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd.
new notificatio by 9adq_ala7sas