![]() |
//خـــلق التــهكم ،،!
×× ســـلام الله عليكـــم ؛؛
أخلاق التهكم http://shabab.ps/vb/images/icons/Shabab19.gif لَقَدْ رُزِقَ الجاحِظُ حِسَّ اكتِشافِ الْجَوَانِبِ الْمُضْحِكَةِ في طَبَائِعِ النَّاس، كما رُزِقَ رُوحاً تَهَكُّميَّةً نادرةً تَتَناقَضُ بِصُوْرِةٍ فَرِيْدَةٍ وَابْتِذَالِ الْمُهَرِّجِيْنِ والْمُحْتَرِفِيْنِ الذين كَانَ يَشْعُرُ بِدافعٍ لِمُعَاشَرَتِهِمْ ومُصَادَقَتِهِمْ. التَّهَكُّم في أصل ما اجتمع لـه من اللُّغة والاصطلاح هو الإزراء والعبث بالمتهكَّمِ به، الذي يُشترط أن يكون إنساناً، فلا تَهَكُّم بحيوانٍ أو نباتٍ أو جمادٍ، والتَّهَكُّم بما هو كذلك يقوم إمَّا على إرسال القول على غير وجهه كأن تقول قولاً وأنت تقصد ضدَّهُ. ومن ذلك قولك: «عظيم!!»، وأنت تقصد: «ما أسوأ ذلك». أو أن تقول: «خيرُ ما فعلت»، ومرماك: «أسوأ ما فعلت»... وغير ذلك من أمثاله. وإما أن يقوم على المبالغة المقصودة في الوصف أو التَّقدير إلى حدِّ الطَّرافة والشُّذوذ. وقد يكون وصف أشكالٍ أو أفعالٍ. أما موضوع التَّصوير فقد يكون موجوداً في الموصوف حقًّا وقد لا يكون، فإن كان موجوداً كان التَّهَكُّم بالعَبَثِ به تطويلاً وتقصيراً وتقريباً وتبعيداً، تماماً كما يفعل الرسَّام السَّاخر «رسام الكاريكاتير»، وإن لم تكن موجودةً كان المراد منها تركيب صورةٍ مسخيَّةٍ أو هزليَّةٍ أو ساخرةٍ... من خلال تناقض أبعادها وعدم توافق تراكيبها، وبذلك فالتَّهَكُّم بعيد عن الموضوعية بالضّرورة. ولذلك يجوز لنا القول إنَّ «التَّهَكُّم شكلٌ من أشكال الكَذِبِ. إنَّه الكذب الذي لا يرمي إلى الخداع دائماً، على الرَّغْمِ من أنَّه يرمي غالباً إلى الخداع. إنَّه يفترض، ككلِّ كذب، تناقضاً بين التَّعبير وبين جزءٍ من الفكرِ على الأقل، وإنَّ التَّهَكُّم يعرف، بوجهٍ عامٍّ، هذا التَّناقض، بل ويرضى به، ويقدِّر شأنه ومداه، ويستخدمه ابتغاء غايةٍ جماليَّةٍ أو عمليَّةٍ». «وهناك أنواعٌ من التَّهَكُّم ليست كلُّها صالحةً بالطبع، هناك تهكُّم سمجٍ ثقيلٍ منحطٍّ، وتهكُّمُ مجنَّحٍ رهيفٍ، هناك تهكُّمُ شرِّيرٍ، وتهكُّمُ مزدرٍ أو عطوفٍ، هناك تهكُّمُ ساذجٍ وتهكُّمُ عليمٍ؛ هناك تهكُّمُ عدوٍّ للإنسانيَّة وتهكُّم محبِّها. هناك تهكُّم القاتل الذي يسخر من ضحيته، والتَّهَكُّم الذي قد يوحي إلى مُثل جان هوس ـ Jean Huss على محرقته... ومهما تفاوتت أنواع التَّهَكُّم فإنَّها تصدر عن طبيعة من يستخدمها وتتأثَّر بظروف حياته. فكلُّ إنسانٍ يذود عن نفسه كيفما يستطيع». إنَّ ما سبق وأسلفناه يطرح على بساط بحثنا مسألتين نعتقد أنَّ الضَّرورة تلحف علينا أن نسلِّطَ عليهما ولو بقعة صغيرة من الضَّوء، وهما وظائف التَّهَكُّم وبواعثه، ونجدنا مضطرين هنا أيضاً إلى بسط ديباجتنا القديمة ذاتها، التي تصرُّ على عدم القبول بالتَّفاصل القطعيِّ بَيْنَ الوظائف والبواعث، فهما ترفدإحداهما الأخرى تكاملاً وتواصلاً. بواعث التَّهَكُّم كما أنَّ الضَّحك جزءٌ من طبائع الإنسان كذلك شأن التَّهَكُّم، ولكنَّهُ يختلف عنه من حيث مبدأ ارتباط النَّعت بالمنعوت، فالضَّحك خاصَّةُ جِنْسٍ، ولكن التَّهَكُّم خاصَّة فردٍ، ويشبه ذلك العلاقة بين التذُّوق الفني والجمالي، والإبداع؛ فالتَّذوق خاصَّةٌ عامَّةٌ للإنسان، وإن تفاوتت وتباينت، أمَّا الإبداع فهو خاصَّةُ أفراد. بمعنى أن التَّهَكُّم فنٌّ، والفنُّ بحاجةٍ إلى موهبةٍ والموهبةُ لا توجد عند كلِّ النَّاس. فالتَّهَكُّم إذاً واحدٌ من فنون الإضحاك وأساليبه، وأن تجعل إنساناً أضحوكة لك أو لغيرك فهذا يعني أن تخفضه دونك ودون الآخرين، وخفض الآخر يقابله التَّعالي عليه، والتَّعالي إمَّا أن يكون طبعاً أو أن يكون تشفِّياً، فإن كان طبعاً كان أصله إما تكبُّراً أو غروراً أو ميلاً إلى الدَّعابة والفكاهة. وإن كان تشفيَّاً إمَّا أن يكون حقداً أو حسداً أو هزءاً أو استنكاراً لأمرٍ غير مقبولٍ ولا مستساغٍ. ولعلَّنَا لا نبالغ إذا قلنا إنَّ الجاحظ قد حوى ذلك جميعه تقريباً في شخصه. أولاً: التَّهَكُّم بالطبع يؤكد الجاحظ أنَّ من كان فيه طبع التَّهَكُّم واصطناع الفكاهة يصعب عليه التَّخلِّي عن هذا الطَّبع وإن غلا ثمنه أَو عَظُمت عواقبه، ويورد حادثةً طريفةً تؤكِّد هذا الرَّأي، وتعبر عن إيمانه بهذه الحقيقة، يقول: «كان رجل من أهل السَّواد (فلاحي أرض العراق وزرَّاعها) يتشيَّع، وكان ظريفاً، فقال ابن عمٍّ له: بَلَغَنِي أنَّك تبغض عليَّاً؟ والله لئن فعلت لَتَرِدَنَّ عليه الحوض يوم القيامة ولا يسقيك! فقال: والحوض في يده يوم القيامة؟ فقال: نعم فقال: .... والله لا تركت النَّادرة ولو قتلتني في الدُّنيا وأدخلتني النَّار في الآخرة». والجاحظ ذاته مطبوعٌ على حبِّ التَّهَكُّم واصطناع الفكاهة «فقد رُزِقَ حسَّ اكتشاف الجوانب المضحكة في طبائع النَّاس، كما رُزِقَ روحاً تهكُّميَّةً نادرةً تتناقض بصورةٍ فريدةٍ وابتذال المهرِّجين والمحترفين الذين كان يشعر بدافعٍ لمعاشرتهم ومصادقتهم» هذا الحسُّ الذي وإن تنامى وتطوَّرَ واغتنى مع الأيام فإنَّهُ لم يأت طارئاً ولا عارضاً وإنَّما «ظَهَرَ ميله إلى الاستهزاء منذ غضاضة عوده، واستحكم فيه هذا الميل بعد أن تهيَّأت لـه أسباب التَّهَكُّم بحذافيرها، فقد خُلِقَ مطبوعاً على هذا التَّهَكُّم، وقَوَّت فيه ثقافته هذا الطبع»، «ويجدر بنا ألا ننسى أنَّهُ عاش في البصرة في وسطٍ سادت فيه الخفَّة والتَّهَكُّم، وعمَّه الميل إلى العبث والتَّندر، ومن هنا نشأَ ميله إلى المزاح، شريطة ألا يخرج عن حدوده». ورُبَّما كان لشعوره بمقدراته ومواهبه وأهمِّيَّتها أثر في هذا الميل والتَّوجُّه، ويؤكِّد لنا هذه الحقيقة عَبْرَ تهكُّم لطيف شكلاً، لاذعٍ مضموناً، فقد «دخل عليه رجل فقال له: ـ يا أبا عثمان، كيف حالك؟ ـ فقال الجاحـظ: سألتني عن الجملة فاسـمعها مني واحداً واحداً. حـالي أنَّ الوزير يتكلَّم برأيي وينفِّذ أمري، ويواتر الخليفة الصِّلات إليَّ، وآكل من لحـم الطَّير أسـمنها، وألبس من الثِّياب أفخرها، وأجلس على ألين الطبري، وأتكئ على هذا الريش، ثُمَّ أصبر على هذا حَتَّى يأتي الله بالفَرَج. ـ فقال الرُّجل: الفَرَجُ ما أنت فيه. ـ قال: بل أحبُّ أن تكون الخلافة لي، ويعمل محمد بن عبد الملك بأمري ويختلف إليَّ، فهذا هو الفرج». لا تفوتنا هنا الإشارة إلى أنَّ ما يعنيه التَّهَكُّم بالطبع أنَّه مرتبطٌ بسرعة البديهة في الرَّدِّ ونوعيَّة الرَّدِّ التي قد تكون مثل الصَّفعة على الخدِّ أحياناً وقد تكون شبه وخزة، مما يدور في رحاب ما أسلفناه في التَّهَكُّم. ولذلك فإنَّ المطبوع على التَّهَكُّم مغرمٌ به، وغالباً يأتي منه عفو البديهة سهواً رهواً من غير تكلُّف، ومن ذلك نورد بعض هذه الطَّرائف الجاحظيَّة في التَّهَكُّم: ـ قال أبو العيناء: كان الجاحـظ يأكل مع محمد بن عبد الملك الزَّيات فجاؤوا بفالوذجة، فتولَّم محمد بأبي عثمان الجاحظ وأمر أن يُجعل من جهته ما رقَّ من الجام، فأسرع في الأكل فتنظَّف ما بَيْنَ يديه، فقال ابن الزيَّات: تقشَّعت سماؤك قبل سماء النَّاس؟ فقال الجاحظ: لأنَّ غيمها كان رقيقاً!!. ـ قال الجاحظ: نـزلت على صديقٍ لي فلم آكل عنده لحماً، فعرضت له، فقال: إنِّي لا أكثر من اللحم منذ سمعت الحديث: « إنَّ اللّه يكره البيت اللحم » فقلت: يا أخي، إنَّما أراد البيت الذي تؤكل فيه لحوم النَّاس بالغيبة!! فلم يؤخِّر حضور اللحم من ذلك اليوم». ويتابع الدكتور جميل جبر بالتعليق على هذا الخبر نقلاً عن المصدر: «وهذه إحدى معابث الجاحظ وتلاعبه بالكلام حَتَّى يصرفه عن وجهه، فإنَّ الحديث متواترٌ على الصِّحة. ومهما يكن من شيء فهي من ألطف النكات». ـ قال أبو بكر محمد بن إسحاق: قال لي إبراهيم بن محمود ونحن ببغداد: ألا تدخل على عمرو بن بحر الجاحظ؟ فقلت: ما لي وله؟ فقال: إنَّك إذا انصرفت إلى خراسان سألوك عنه! فلو دخلت إليه وسمعت كلامه؟ فدخلت عليه فقدَّم لنا طبقاً عليه رطب. فتناولت منه ثلاث رطبات ثُمَّ أمسكت، ومرَّ فيه إبراهيم. فأشرت إليه أن يمسك. فرمقني الجاحظ وقال لي: دعه يا فتى فقد كان عندي بعض إخواني فقدمت إليه الرُّطب فامتنع فحلفت عليه فأبى إلا أن يبرَّ قسمي بثلاثمئة رطبة!!. ثانياً: تهكم التَّشفِّي http://shabab.ps/vb/images/icons/Shabab19.gif «من الطَّبيعي أنَّ قيمة التَّهَكُّم هي قيمة الفكر المتهكِّم، فالتَّهَكُّم أسلوبٌ عامٌّ ممتازٌ، ولكن من الجائز أن يساء استعماله؛ إنَّهُ أسلوبٌ دفاعيٌّ قد يحمي أحياناً أشياء مؤسفة. هناك تهكُّم العاجزين الذين لا يملكون سواه؛ إنَّهُم يسخرون مما لا يستطيعون فهمه، ولا يستطيعون الشُّعور به، ولا يستطيعون فعله. وهم بالتَّهَكُّم يردُّون جميع الأفكار وجميع العواطف العليا التي تغزوهم وهم يقصِّرون عن استقبالها واحتضانها. إنّهم يحاولون، هم أيضاً، أن يجعلوا حياتهم أمراً لا يطاق، ولكننا لا نعجب بهم. وثَمَّةَ تهكُّم أشبه بالتَّهَكُّم السَّابق، هو تهكُّم الحسَّاد. فقد نجد أناساً غير عاجزين من جهةٍ، ولكنَّهُم لا يطيقون من جهةٍ أُخْرَى إلاَّ أن يروا الآخرين عاجزين. إنَّهُم يحتاجون إلى ازدراء ما لم يستطيعون امتلاكه، وخاصَّةً عندما يرغبون فيه. ولذا فإنَّهم يحملون النَّاس، ويحملون أنفسهم، على تقدير ما يبقى لهم... وتهكم الحسَّاد هذا ـ ذائع أكثر الذيوع». ولكن ليس هـذا تَمَام تَهَكُّم التَّشفِّي ولا كلَّه، إنَّهُ أَحَدُ ضــروبه التي وإن وجدت مكانها في الفلسـفة الأخلاقية فإنَّها رُبَّما لا يُفسح لها في المجال للانضـمام إلى رحـابة الأدب، وهذا ما ليس يعنينا كثيراً الآن، وإنَّما غرضنا أن نظهر أن دائرة تهكُّم التَّشفِّي تتسع لاحتواء ضروب أخرى، هي ما يمـكن أن نؤطِّـرها بالهزء والسُّخرية بالغلط والتَّمادي والجهل والغباء وغير ذلك مما يندرج عليه حكم هذه المفاهيم، ليغدو تهكُّم التَّشفِّي بهذا المعنى نشاطاً جمالياً وأخلاقيًّا في آن معاً، يهدف إلى الكشف عن الانحراف ومعاقبة صاحبه معاقبةً أدبيَّةً ترنو إلى إصلاحه وتبيان خطئه، وهذا موضوع حديثنا في وظائف التَّهَكُّم، ومن تهكُّم الجاحظ على هذا الصَّعيد جلُّ ما قدمه في كتاب البُخلاء، وكتاب التَّربيع والتَّدوير، وفي غيرهما من كتبه. لننظر في هذا التَّهَكُّم الجاحظي. «قال: جاءني يوماً بعض الثُّقلاء فقال: سمعت أنَّ لك ألف جوابٍ مسكتٍ، فعلِّمني منها؟ فقلت: نعم فقال: إذا قال لي شخصٌ: يا زوج القحبة، يا ثقيل الرُّوح، أي شيء أقول له؟ فقلت: قل له: صدقت!!». ولنتساءل الآن، ألا يستحقُّ السَّائل مثل هذا التَّهَكُّم اللاَّذع الذي يبذُّ إيلامه إيلام لسعة السوط على الظَّهر العاري؟ لعلَّنا لا نبالغ إذا قلنا إنَّ السَّائل ذاته هو الذي فرض على الجاحظ هذا التَّهَكُّم، لأنَّه لو كان معتدلاً في سؤاله لن يبلغ التَّهَكُّم به ما بلغ جرَّاء هذا السُّؤال. ويستفتح أبو عثمان رسالة التَّربيع والتدوير، هذا العنوان التَّهَكُّمي بحدِّ ذاته، بتهكُّمٍ طريفٍ بديعٍ، لعلَّهُ من الآيات الجمالية الفريدة في النثر العربي فيقول: كان أحمد بن عبد الوهاب مفرط القصر، ويدَّعي أنَّه مفرط الطول. وكان مربَّعاً، وتحسبه لسعة جفرته، واستفاضة خاصرته، مدوَّراً. وكان جعد الأطراف قصير الأصابع، وهو في ذلك يدَّعي البساطة والرَّشاقة، وأنَّه عتيق الوجه، أخمص البطن، معتدل القامة، تام العظم. وكان طويل الظَّهر، قصير عظم الفخذ، وهو، مع قصر عظم ساقه، يدَّعي أنَّهُ طويل الباد، رفيع العماد، عاديُّ القامة، عظيم الهامة، قد أعطي البسطة في الجسم، والسعة في العلم. وكان كبير السِّنِّ، متقادم الميلاد، وهو يدَّعي أنَّه معتدل الشَّباب، حديث الميلاد. وكان ادِّعاؤه لأصناف العلم على قَدْرِ جهله بها، وتكلُّفه للإنابة عنها على قدر غباوته عنها. وكان كثير الاعتراض، لهجاً بالمراء، شديد الخلاف، كَلِفاً بالمجاذبة، متتابعاً في العنود، مؤثراً للمغالبة، مع إضلال الحجَّة، والجهل بموضع الشُّبهة، والخطرفة عند قصر الزَّاد، والعجز عند التَّوقُّف، والمحاكمة مع الجهل بثمرة المراء، ومغبَّة فساد القلوب، ونكد الخلاف، وما في الخوض من اللغو الدَّاعي إلى السَّهو، وما في المعاندة من الإثم الدَّاعي إلى النَّار، وما في المجاذبة من النَّكد، وفي التَّغالب من فقدان الصَّواب. وكان قليل السَّماع غمراً، وصحفياً غفلاً، لا ينطق عن فكر، ويثق بأوَّل خاطر، ولا يفصل بين اعتزام الغمر، واستبصار المحقِّ، يعدُّ أسماء الكتب ولا يفهم معانيها، ويحسد العلماء من غير أن يتعلَّق منهم بسبب. وليس في يده من جميع الآداب إلاَّ الانتحال لاسم الأدب. وظائف التَّهَكُّم http://shabab.ps/vb/images/icons/Shabab19.gif بأخذ بواعث التَّهَكُّم بعين النَّظر يمكننا الحديث على وظائفه باختصارٍ نظراً لوثيق التَّرابط بينهما، بل وحَتَّى التَّشابه. ولكنَّ ذلك ليس يعني أنَّه في مكنتنا استنتاج إحداهما من الأخرى استنتاجاً منطقيًّا أو رياضيًّا، أو أن نربط باعثاً ما بوظيفة ما، هكذا، بطريقةٍ ساذجةٍ أو عشوائيَّةٍ. قد تكون وظائف التَّهَكُّم كثيرة، ولكن بالإمكان إجمالها في وظيفتين محوريتين، يمكن أن تنشعب كلٌّ منهما إلى أفرع مختلفة. وهاتان الوظيفتان هما الشَّجب بمعناه الواسع بوصفها دالَّةً متعدِّدة الأسهم المؤشرة على معان ومقاصد متباينة. والدِّفاع عن الذَّات بالمعنى الأوسع شمولاً. أولا: الشجب لنأخذ هذه الوظيفة بالطَّريقة التي حدَّدها أناتول فرانس ـ Anatole France الذي يضمُّه بعضهم إلى كوكبة حذَّاق المتهكِّمين في التَّاريخ، يقول: «لا أزداد تفكيراً في حياة البشر إلا ازددتُ اعتقاداً أنَّ من الواجب علينا أن نجعل شهود هذه الحياة وقضاتها: التَّهَكُّم والشَّفقة. فالتَّهَكُّم بابتسامةٍ يحبِّب إلينا الحياة، والشّفقة بدموعها تقدِّس هذه الحياة، والتَّهَكُّم الذي أرغب فيه ليس فيه شيء من القساوة، إنَّه لا يستهزئ بالحبِّ والجمال، فهو رقيقٌ وفيه عطف، فضحكه يكظم من الغيظ، وهذا هو التَّهَكُّم الذي يعلمنا أن نسخر من الأشرار والحمقى، ولولاه لأفضى بنا الضَّعف إلى كراهيتهم». يبدو أن الوظيفة التي أناطها أناتول فرانس بالتَّهَكُّم هي إضفاء مسحةٍ جماليَّةٍ على الحياة برفِّ رفيف الفكاهة على النفوس. وذلك بشجب أفعال الأشرار وسخافات الحمقى بطريقةٍ أنيقةٍ خاليةٍ من القسوة والعنف، بل مفعمة برهافة الجمال وشفافيته. ولهذا الغرض خصَّ الجاحظ، في اعتقادنا، كتاب البخلاء على أقلِّ تقدير، ثُمَّ ما وشَّى به بقيَّة كتبه. وسنعرض فيما يلي لأنموذجين من التَّهَكُّم الجاحظي الذي يشرئب إلى تحقيق هذا الغرض الوظيفي للتهكم، أولهما حوار وثانيهما سلوك تهكُّمي يتشفَّى من موقف غير لائقٍ ولا محمود. حدَّث سلام بن يزيد قال: قصدت بغداد فسألت عن الجاحظ فقيل لي: هو بسرَّمن رأى. فاصعدت إليها، فقيل لي: قد انحدر إلى البصرة، فانحدرت إليها. وسألت عن منـزله فأرشدت إليه، فإذا هو جالس وحواليه عشرون صبيًّا ليس فيهم ذو لحية غيره، فدهشت، فقلت: أيكم أبو عثمان؟ فرفع يده وحرَّكها في وجهي وقال: من أين؟ قلت: من الأندلس. فقال: طينة حمقاء. فما الاسم؟ قلت: سلام. فقال: اسم كلب الطرَّاد، ابن من؟ فقلت: ابن زيد. فقال: بحقِّ ما صرت أبو من؟ فقلت: أبو خلف. فقال: كنية قرد زبيدة. ما جئت تطلب؟ فقلت: العلم. فقال: ارجع بوقتك فإنَّك لا تعلم. فقلت له: ما أنصفتني! فقد اشتملت على خصال أربع: جفاء البلديَّة، وبعد الشقة، وعزَّة الحداثة، ودهشة الداخل. فقال: فترى حولي عشرين صبيًّا ليس فيهم ذو لحيةٍ غيري، أكان يجب أن تسأل: أيكم أبو عثمان؟. أما السُّلوك التَّهكُّمي فقد قال: صحبني محفوظ النقَّاش من مسجد الجامع ليلاً. فلمَّا صرت قرب منـزله، وكان منـزله أقرب إلى مسجد الجامع من منـزلي، سألني أن أبيت عنده وقال: أين تذهب في هذا المطر والبرد، ومنـزلي منـزلك، وأنت في ظلمة وليس معك نارٌ، وعندي لِبأ(23) لم ير الناس مثله، وتمر ناهيك به جودة، لا تصلح إلا لك. فملت معه. فأبطأ ساعةً ثُمَّ جاءني بجام لِبأٍ وطبق تمرٍ، فلمَّا مددت يدي قال: يا أبا عثمان إنَّه لِبأٌ وغِلَظُه(24)، وهو الليل وركوده، ثمَّ ليلة مطرٍ ورطوبة، وأنت رجلٌ قد طعنت في السِّنِّ، ولم تزل تشكو من الفالج طَرَفاً، ومازال الغليل(25) يسرع إليك. وأنت في الأصل لست بصاحب عشاء. فإن أكلت اللِّبأ ولم تبالغ، كنت لا آكلاً ولا تاركاً، وحرَّشت طباعك(26)، ثُمَّ قطعت الأكل أشهى ما كان إليك. وإن بالغت بتنا في ليلة سَوْءٍ، من الاهتمام بأمرك. ولم نعدَّ لك نبيذاً ولا عسلاً. وإنَّما قلت هذا الكلام، لئلا تقول غداً: كان وكان. والله قد وَقَعْتُ بَيْنَ نابي أسدٍ، لأنِّي لو لم أَجِئْكَ به، وقد ذكرته لك، قلتَ: بخل به وبدا لـه فيه. وإن جئت به، ولم أحذِّرك منه، ولم أذكِّرْك كلَّ ما عليك فيه، قلتَ: لم يشفق عليَّ ولم ينصح. فقد برئت إليك من الأمرين جميعاً. فإن شئت فأكلة وموتة، وإن شئت فبعض الاحتمال، ونوم على سلامة. ولكنَّ الجاحظ لم يترك الأمر يمرُّ هكذا فعقَّب قائلاً: فما ضحكت قطُّ كضحكي تلك الليلة، ولقد أكلته جميعاً فما هضمه إلا الضحك والنَّشاط والسُّرور، فيما أظنُّ. ولو كان معي من يفهم طيب ما تكلَّم به لأتى عليَّ الضحك، أو لقضى عليَّ. ولكن ضحك من كان وحده لا يكون على شطر مشاركة الأصحاب. إنَّ سلوك الجاحظ التَّهَكُّمي يتجلَّى هنا في سرعة استجابته لدعوة الرَّجل لـه في منتصف الليل وهو يعلم أنَّ ذلك إنَّما كان من باب المجاملة واللباقة أو تخوفاً مما قد يبدر من الجاحظ من تعليقٍ أو قولٍ يعيب الرَّجل لأنَّهُ لم يدعه. ويتجلَّى أيضاً في أنَّه، على الرَّغْمِ من كلِّ ما أفاض به الرَّجل من الحديث عن مساوئ هذا الطَّعام ومضاره عليه، فقد أصرَّ على تناوله، ولتأكيد تهكُّمه لم يكتف منه بقليل بل أتى عليه كله. ثانياً: الدِّفاع عن الذات لا يتوقَّف تهكُّـم الدِّفاع عن الذَّات عند ردود الأفعال التَّهَكُّمية الصَّادرة عن الحسَّاد وأضـرابهم، ولا يختصُّ بتهكُّم الخـائفين مما يهدِّدهم عند افتقارهم إلى الوسائل الدِّفاعية الأخرى. لقد قصدنا بهذا الضَّرب من التَّهَكُّم ـ بوصفه وظيفة لـه ـ كلَّ تخلُّص تَهَكُّميٍّ من أيِّ مأزقٍ حرجٍ سواء أكان حرج الحاسد أمام ذاته من محسوده أم كان تهرُّباً من قول حقٍّ، أو فِراراً من مهمَّة، أو تَمَلُّصاً من واجبٍ غير مستحبٍّ أَو غير مرغوبٍ في تأديته...«ولا يقتصر التَّهَكُّم على أن يكون دفاعاً عن الذَّات ضدَّ الآخرين وإنَّما قد يكون كذلك دفاعاً عن الذَّات ضدَّ الذَّات وضدَّ ذوات الآخرين». ولكن، ما لا بُدَّ من الإشارة إليه هنا، هو «أنَّ التَّهَكُّم ـ هذا ـ لا يقود بالضَّرورة إلى سوء النِّية والشَّراسة حتماً. فهو ليس بالضَّرورة موقف امتهانٍ وترفُّعٍ واحتقارٍ. وربَّما صحبته مشاعر الطِّيبة والتَّعاطف والصَّلاح. ومن الملاحظ أنَّ التَّهَكُّم يحمي الضَّعف أيضاً» وهذا ما ينطبق على أنموذجنا الآتي من نماذج التَّهَكُّم الجاحظي الذي يؤدِّي وظيفة الدِّفاع عن الذَّات ليحمي ضعفها أمام جبروت السُّلطان. التَّهَكُّم الذاتـي إنَّ براعة الجاحظ التَّهَكُّميَّة ـ التي سَبَقَ الحديث فيها ـ حَدَتْ بشارل بللا ـ Charles Pellat إلى القول بأنَّ الجاحظ هو نَسِيْجُ وَحْدِهِ في هذا الباب ، وذهب إلى الظنِّ بأنَّ تهكُّمه ذاتيٌّ، وأنَّ ملاحظته وتصويره عيوب معاصريه يجعلانه أقرب إلى لابرويير ـ La Bruyére وموليير ـ Moliére منهما إلى غيره من كتَّاب العربيَّة. إن التَّهَكُّم الذَّاتي الذي قصده الباحث الفرنسي غير التَّهَكُّم الذَّاتي الذي عنونا به هذا الفصل، ذلك أنَّه يريد من الذَّاتية إضفاء إحساسه وخصائص شخصيَّتِهِ على تَهَكُّمِهِ ليغدو الذَّاتي بهذا المعنى مقارناً للنَّـزعة أو الاتجاه الذَّاتي في الاصطلاح الفلسفيِّ، أمَّا نحن فإنَّنا نقصد بالتَّهَكُّم الذَّاتي ضرباً جديداً من التَّهَكُّم هو جَعْلُ الذَّاتِ موضوعاً يَتَهَكَّمُ به صاحبها. وهذا من الطَّرافة والأصالة والجدَّة بباب ما يستحقُّ وقفة تأمُّلٍ وتفكُّرٍ طويلةٍ، وخاصَّةً أنَّه قلَّ نظيره ونَدَرَ في التُّراث الإنسانيِّ. لا شكَّ في أنَّنا إذا تكلَّفنا عناء البحث والتَّفتيش فإنَّنا سنجد في بطون الكتب وفي متون غرائب الأخبار طرائف ونوادر من التَّهَكُّم الذَّاتي، ولَعَلَّ أوَّل ما يَخْطِرُ في بالنا هنا هو قِصَّةُ الحطيئة عندما ضاقت به نفسه لهجوٍٍ في خياله ليس يدري لمن يقوله، حَتَّى وصل إلى بركة ماء فرأى فيها وجهه فأكمل فكرته وقال: أَبَتْ شَــفَتَايَ اليَوْمَ إلاَّ تَكُلُّما بِهَـجْوٍ وَلا أَدرِي لمـن أَنَا قَائلهْ أَرى لِيَ وَجْــهاً قَبَّح الله وَجْهَهُ فَقُبِّحَ مِن وجهٍ وقُبِّحَ حاملهْ طبعاً، لا نريد أن نحلِّل هذين البيتين أو نناقشهما، ولكن لا بُدَّ أن نشير إلى أنَّهُمَا ليسا نتيجةً لضيق نَفَسِ الشَّاعر لأنَّهُ لم يجد من يهجوه ففرَّج عن نفسه بهجو نفسه، وإنَّما هو تندُّرٌ من الشَّاعر طريفٌ غريبٌ. وعلى نحوٍ مشابهٍ لهذه القصَّة نجد تندُّر الأديب السَّاخر برنارد شو في قصته مع المرأة الجميلة التي قالت له: ما رأيك لو تتزوجني؛ أنت رجلٌ ذكيٌّ جدًّا، وأنا امرأةٌ جميلةٌ جدًّا. فيأتي ابننا وارثاً الجمال عنِّي والذَّكاء عنك، فيكون أعجوبة زمانه. فعلَّق برنارد شو قائلاً: أخاف أن يرث الجمال عنِّي والذَّكاء عنك فيكون أضحوكة أهل زمانه. وهذا نابليون يعلِّق تعليقاً طريفاً لا يخلو من تهكُّم بالذَّات إذ يقول: «سيصرخ العالم بعد موتي قائلاً: أوف». ولكنَّ تهكُّماً بالذَّات على النَّحو الذي افتنَّه الجاحظ وَبَرَعَ فيه حَتَّى اسـتطاع بجدارةٍ وحقٍّ أن ينتـزع الضِّحك من أفواهنا انتزاعاً في الوقت الذي يزيد صاحبه من نفوسـنا اقتراباً وفي قلوبنا حبًّا ووداداً، لأنَّ تهكُّـمَهُ هذا تهكُّم حاذقٍ خبيرٍ، وبارعٍ قديرٍ، لا تهكُّم السَّاذج أو الغرِّ أو الأحمق. وإن كان قد أطرب نفوسنا ببديع شدوه ورنيم عزفه على أوتار حماقات هذه الفئة من النَّاس، وكأَنَّهُ لا يريد أن يفوِّت على قرَّاء كتبه فرص الاستمتاع بكلِّ صنوف الفكاهات والطَّرائف الصَّادرة عن مختلف شرائح المجتمع وفئاته وأفراده، حَتَّى ما كان منها على ذاته. إنَّ تَهَكُّم الجاحظ الذَّاتي، وهذا ما سيتضح لنا جلياً في أثناء عرضه، ينبي عن خصائص وسمات أخلاقيَّةٍ رفعيةٍ ومستحبَّةٍ ومحمودةٍ، نتمنَّى وجودها لدى كلٍّ منا؛ كالأريحيَّة في التَّعامل مع الذَّات والآخرين، والبساطة في ذلك بعيداً عن عُقَدِ النَّقص والقصور ومتاهات الخداع والتضليل التي قلَّما وجدنا من تعافى منها، كُلَّها أو بعضها، كما يكشف هذا التَّهَكُّم عن تواضعٍ جليلٍ، وصدقٍ نبيلٍ، وأمانةٍ في النَّقل والتَّصوير، وبالمختصر؛ لم يكن التَّهَكُّم الذَّاتي عند الجاحظ لمحض الإضحاك أو تكميل سلسلة ضروب فنون الإضحاك، وإنَّما كان مؤشِّراً على مجموعةٍ من الخصال الأخلاقيَّة اللطيفة الظَّريفة، وحَتَّى وإن كان غرض الجاحظ من ذلك محض الإضحاك فإننا لا نستطيع إلا أن نؤكِّد ما تؤشِّر إليه من الخصال الأخلاقيَّة السَّالفة الذِّكر، وفي النَّماذج التَّالية ما يؤكِّد هذا الاتِّجاه خير التَّأكيد. تصالح الأضداد كلُّ إنسانٍ معرَّضٌ للمرض على اختلاف ضروبه وتباين آلامها، ولكلِّ إنسانٍ أسلوبه وطريقة تعامله مع المرض، ولكن قلَّ ونَدَرَ كلَّ النُّدْرَةِ أن تجد من يتعامل مع مرضه لا بروح تفاؤليَّة وإنَّما بِنَفَسٍ دعابي فَكِهٍ مثل الجاحظ، فها هو يصوِّر حاله، بعد أن أصابه الفالج، تصويراً تهكميًّا لطيفاً فيقول: « قد اصطلحت الأضداد على جسدي، إن أكلت بارداً أخذ برجلي، وإن أكلت حاراً أخذ برأسي». لقد وَصَفَ بعضهم نُكَتَ الجاحظ بأنَّهَا صعبةٌ حيناً وممتنعةٌ على بعض الأذهان ضيِّقةِ الأفق أحياناً، والحقُّ أنَّهُم لم يتعدُّوا الصَّواب في ذلك، فلَعَلَّكَ قرأت لـه طرفةً أو نكتةً من دون أن تجد فيها، ما يدعو إلى الضَّحك ولكنَّكَ إن أمعنت التَّفكير فيها وتفقَّهتها ستجد نفسك مرغماً على الضَّحك، ولَعَلَّ هذا التَّهَكُّم من هذا النَّوع، فـهو يحتاجُ إلى نوعٍ من خصوبة الخيال في تتبع الحال، انظر إلى تركيبته التَّهَكُّـمية البديعة أولاً، إنَّ الأضداد لا تتصالح ولا تتوافق، ولكِنَّها اتَّفَقَتْ وتضـافرت عند الجاحظ في مرضه فأوقعته في تناقضٍ رهيبٍ، إن أكل بارداً أخذ الألم برجله وإن أكل حاراً أخذ الألم برأسه، ولَعَلَّهُ قَصَدَ بالحارِّ والبارد أمزجة الأشياء التي إما أن تكون حارةً أو باردةً وعندها ستكون الطَّامة الكبرى والمصيبة العظمى. لأنَّه لا شيء يكون إلا بارد المزاج أو حارَّه. ويصوِّرُ تصالح الأضداد في جسده مرَّة أخرى وبصورة متباينة لا تقلُّ إضحاكاً عن الأولى إن لم تفقها في ذلك، قال أبو العباس المبرد: «عدت الجاحظ فسمعته يقول: أنا من جانبي الأيسر مفلوجٌ، فلو قُرِضَ بالمقاريض ما علمت، ومن جانبي الأيمن منقرسٌ، فلو مرَّ بي الذبَّان لأَلِمْتُ، وبي حصاة لا ينسرح البول معها، وأشدُّ ما عليَّ سِتٌّ وتسعون (عمره حينها). لاحظ في التَّهَكُّم السَّابق كيف أنَّ السِّن لم تُغَيِّر من روحه المرحة وميله إلى الدَّعابة والفكاهة، حَتَّى على ذاته، وهذا هو أيضاً في أواخر عمره يصوِّر ذاته صورةً تهكُّمِيَّةً بديعةً، ولكِنَّها بِقَدْرِ ما تستثيره من الضَّحك فإنَّها تنتزع الشَّفقة والحسرة على ما آل إليه، قال يموت بن المزرع (ابن أخت الجاحظ): «إنَّ المتوكل، في السَّنَةِ التي قُتِلَ فيها، وَجَّه إلى الجاحظ أن يُحمل إليه من البصرة، فوجده لا فضل فيه، فقال لمن أراد حَمْلَهُ، ما يصنع بامرئ ليس بطائل، ذي شقٍّ مائل، ولعاب سائل، وفرج بائل، وعقلٍ زائل، ولونٍ حائل؟». البادئ أظلم ومن بدائع تهكُّمه الذَّاتي وروائعها قِصَّتَاه فيمن أخجله وغلبه، ولطرفتهما فقد شـاعتا شـيوعاً كبيراً حَتَّى تكاد لا تجـد مثقفاً ورُبَّما غير مثقف إلا وقد حفظ إحـداهما على أقل تقدير، ونتركه يرويها لنا بذاته. قال: ما أخجلني أحدٌ إلا امرأتان، رأيت إحداهما في العسكر، وكانت طويلة القامة، وكنتُ على طعام، فأردت أن أمازحها، فقلت لها: انـزلي كلي معنا، فقالت: اصعد أنت حَتَّى ترى الدُّنيا!! وأما الأخرى فإنَّها أتتني وأنا على باب داري فقالت: لي إليك حاجة وأريد أن تمشي معي، فقمت معها إلى أن أتت بي إلى صائغٍ يهودي وقالت له: مثل هذا!!! وانصرفت. فسألته عن قولها فقال: إنَّها أتت إليَّ بفصِّ وأمرتني أن أنقش لها عليه صورة شيطان! فقلت لها: يا ستي ما رأيت الشَّيطان؟!! فأتت بك وقالت ما سمعت؟!! . لاحظ هذه الأريحيَّة في نقل الخبر والتَّعامل معه وكأَنَّهُ انتزع ذاته من ذاته ليجعلها موضوعا لهزئه وسخريته، وكأَنَّ هذا القبيح كلَّ القبح هو شخصٌ آخر غيره، وتزداد حيرةً وضحكاً في آن معاً عندما تعلم أنَّه قال في غير هذا الموضع: «إنَّ ضرب المثل بقبح الشَّيطان دليل على أنَّهُ في الحقيقة أقبح من كلِّ قبيح». وهاهو يعرض علينا أيضاً موقفاً أشدَّ إحراجاً وأعمق تهكُّماً وهو المحرج وهو موضوع التَّهَكُّم، ولكنَّه لا يجد حرجاً من إطلاعنا عليه، بشقَّيه، وكأن المحرج والمتهكَّم به شخصٌ آخر لا علاقة لـه بالجاحظ. قال: ما غلبني أحد إلا رجل وامرأة. فأمَّا الرَّجل فإني كنت مجتازاً في بعض الطَّريق فإذا برجلٍ قصيرٍ بطينٍ، كبير الهامة طويل اللحية، مؤتزر بمئزر، وبيده مشط يمشِّطها، فقلت في نفسي، رجلٌ قصيرٌ بطينٌ ألحى! فقلت: أيها الشَّيخ، لقد قلت فيك شعراً! فترك المشط من يده وقال: قل. فقلت: كَأَنَّكَ صَعْوَةٌ فِي أَصْلِ حُشِّ أَصَابَ الحُشَّ طشٌّ بَعْدَ رشِّ فقال: اسمع جواب ما قلت: فقلت هات، فقال: كَأَنَّكَ جُنْدُبٌ فِي ذَيْلِ كَبْشٍ * * * تَدَلْدَلَ هَكَذَا وَالكَبْشُ يَمْشِـي وأمَّا المرأة فإني كنت مجتازاً في بعض الطَّريق فإذا أنا بامرأتين، وكنت راكباً على حمارةٍ، (فَأَحْدَثَت) الحمارة. فقالت إحداهما للأخرى، وَيْ! حمارة الشَّيخ (تُحْدِث)!! فغاظني قولها فقلت لها: إنَّهُ ما حملتني أنثى قطُّ إلا (أَحْدَثَتْ). فضربت بيدها على كتف الأخرى وقالت: كانت أمُّه منه تسعة أشهرٍ في جهد جهيد؟!! . ولَعَلَّ قصَّتَهُ مع الجارية السِّنديَّة تدخل في هذا الباب، فقد أعيته بعجزها عن النُّطق السَّليم، فاضطرته إلى الاستسلام والانسحاب. قال: أتيت منـزل صديقٍ لي فطرقت الباب فخرجت إليَّ جارية سنديَّةٌ فقلت : ـ قولي لسيِّدك: الجاحظ بالباب. ـ فقالت: أقول الجاحد بالباب؟ على لغتها. ـ فقلت: لا، قولي: الْحَدَقِيُّ بالباب. ـ فقالت: أقول الْحَلَقِيُّ بالباب؟ ـ فقلت: لا تقولي شيئاً، ورجعت. واحدة بواحدة قال: سألني بعضهم كتاباً بالوصيَّة إلى بعض أصحابي، فكتبت لـه رقعةً وختمتها، فلَّما خَرَجَ الرَّجُل من عندي فضَّها فإذا فيها: «كتابي إليك مع من لا أعرفه، ولا أوجب حقَّه، فإن قضيت حاجته لم أحمدك، وإن رددت لم أذمَّك». فرجع الرَّجل إليَّ فقلت له: كأنَّك فضضت الورقة؟ فقال: نعم. فقلت: لا يضيرك ما فيها فإنَّهُ علامةٌ لي إذا أردت العناية بشخص. فقال: قطع الله يديك ورجليك ولعنك. فقلت: ما هذا؟ فقال: هذا علامة لي إذا أردت أن أشكر شخصاً. في هـذه الطُّرفة يبدو تهكُّم الجاحظ المزدوج، فهو يتهكَّم بمن عَهَدَ إليه بالوساطة وهـو لا يعرفه، ويَتَهَكَّم بصاحبه الذي إن أقام للصحبة شأناً لم يُحْمَدْ على فعله، وإن أدار لها ظـهره لم يذم على ذلك، ولكن المستوسط كان أشدَّ تهكُّما، وردَّ الصَّاع بالمكيال ذاته مضـاعفاً. وعلى الرَّغْمِ من ذلك فقد تقبَّل الجاحظ جزاءه ولم يأنف من تفكيهنا به، وإمتاعنا بطرافته. حقًّا إنَّ الجاحظ، على عبقريته وألمعيَّته، وسموِّ مكانته ورفعته، شخصٌ مفعمٌ بالطَّرافة، موشَّحٌ بالظَّرافة. متفرِّدٌ في روحه الدعابيَّة الفَكِهَةِ، متفرِّدٌ في ذلك ببراعته وأسلوبه وخصائصه وموضوعاته، «إنَّ حدَّة قوى ملاحظته، وريبيَّته ـ Scepticism وقلبه المستنير، وحسُّه السَّاخر الهازئ، قد قادته إلى تكييف فكره مع ميوله في تصوير النَّماذج الإنسانيَّة والاجتماعيَّة، موظِّفاً كلَّ مهاراته ومعارفه في ثلب أخلاق عصره وعاداته وأحواله»، كلُّ ذلك بأسلوبٍ ممتعٍ رشيقٍ، ومنهجٍ علميٍّ دقيقٍ، ولفظ باهرٍ، وتعبيرٍ ساحرٍ، ممتزجاً بالنكتة حيناً، وبالسُّخرية حيناً، وبالتَّهَكُّم حيناً ثالثاً، يواجهك في الخطاب تارة، ويتوارى خلف شخصيَّات محدِّثيه تارةً أخرى، يناقشك بمشكلة ويترك لك الباب مفتوحاً لتدلي بدلوك إن شئت. ولعلَّنا لا نعدو الحقيقة إذا قلنا إن الجاحظ قد بلغ بفنِّه التَّهَكُّمي مبلغاً منقطع النَّظير في التَّاريخ، ولبراعته في ذلك فقد طاش ذكره وفنُّه على ملء عينه، وارتفعت مكانته وسمت بين معاصريه، فصار المقرَّب من ندماء الخلفاء والوزراء والأمراء على الرَّغْمِ من دمامة خلقته وقبيح هيئته، حَتَّى صار يتهكَّم بمن يتهكَّم ولا يجد من يجرؤ على التَّهَكُّم به. قال ياقوت الحموي: «قيل لأبي هفَّان لم لا تهجو الجاحظ وقد ندَّد بك وأخذ بمخنقك؟ فقال: أمثلي يخدع عن عقله، والله لو وضع رسالة في أرنبة أنفي لما أمست إلا بالصين شهرة، ولو قلت فيه ألف بيت لما طنَّ بيتٌ في ألف سنة». وهذا حقُّ ولا غرابة فيه، فحديثه وتهكُّمه بالبخلاء حَتَّى في أحاديثه من دون الكتاب، خوَّف النَّاس من شرِّ لسانه فتحاشى من يعرفه ألا يظهر كريماً أمامه، وأظهر البخلاء بخلهم أمامه ليطير ذكرهم في البلاد وتبتعد النَّاس عنهم خشية اضطرار تكلُّف أقلِّ القليل، وما زلنا نتندر بطرائف قصصه ونوادره، وبدائع تهكُّمه حَتَّى الآن، وكيف لا يحلِّق قوله في أذهان النَّاس وأخيلتهم وهو الذي لم ينس نفسه من التَّهَكُّم، حَتَّى فيما لا يظنُّ فيه إمكان تهكُّم؛ في نسيان اسمه، وهل هناك من ينسى اسمه؟! قال: «نسيت كنيتي ثلاثة أيام فسألت أهلي: بم أكنَّى، فقيل لي: أبو عثمان». :ShababSmile221: اسمحوا لي ألا اعتذر عن الإطاله فعلى قدر طوله ممتـــع دمتــم :ShababSmile224: |
| الساعة الآن 09:51 AM. |
Powered by vBulletin® Version 3.8.4
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd.
new notificatio by 9adq_ala7sas