![]() |
|
قصص الصحابة رضي الله عنهم والتابعين..
الصـــــــحابة
محامي الفقراء أبو ذر الغفاري إنه الصحابي الجليل أبو ذر الغفاري جندب بن جنادة -رضي الله عنه-، ولد في قبيلة غفار، وكان من السابقين إلى الإسلام، وكان أبو ذر قد أقبل على مكة متنكرًا، وذهب إلى الرسول ( وأعلن إسلامه، وكان الرسول ( يدعو إلى الإسلام في ذلك الوقت سرًّا، فقال أبو ذر للنبي (: (بم تأمرني؟ فقال له الرسول (: (ارجع إلى قومك فأخبرهم حتى يأتيك أمري)، فقال أبو ذر: والذي نفسي بيده لأصرخنَّ بها (أي الشهادة) بين ظهرانيهم، فخرج حتى أتى المسجد ونادى بأعلى صوته: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله. فقام إليه المشركون فضربوه ضربًا شديدًا، وأتى العباس بن عبد المطلب عم النبي ( فأكب عليه، وقال: ويلكم ألستم تعلمون أنه من غفار، وأنه طريق تجارتكم إلى الشام؟ فثابوا إلى رشدهم وتركوه، ثم عاد أبو ذر في الغد لمثلها فضربوه حتى أفقدوه وعيه، فأكب عليه العباس فأنقذه._[متفق عليه]. ورجع أبو ذر إلى قومه فدعاهم إلى الإسلام، فأسلم على يديه نصف قبيلة غفار ونصف قبيلة أسلم، وعندما هاجر النبي ( إلى المدينة، أقبل عليه أبو ذر مع قبيلته غفار وجارتها قبيلة أسلم، ففرح النبي ( وقال: (غفار غفر الله لها، وأسلم سالمها الله) [مسلم]. وخصَّ النبي ( أبا ذر بتحية مباركة فقال: (ما أظلت الخضراء (السماء)، ولا أقلت الغبراء (الأرض) من ذي لهجة أصدق ولا أوفى من أبي ذر) [الترمذي وابن ماجه]. وكان أبو ذر من أشد الناس تواضعًا، فكان يلبس ثوبًا كثوب خادمه، ويأكل مما يطعمه، فقيل له: يا أبا ذر، لو أخذت ثوبك والثوب الذي على عبدك وجعلتهما ثوبًا واحدًا لك، وكسوت عبدك ثوبًا آخر أقل منه جودة وقيمة، ما لامك أحد على ذلك، فأنت سيده، وهو عبد عندك، فقال أبو ذر: إني كنت ساببت (شتمت) بلالاً، وعيرته بأمه؛ فقلت له: يا ابن السوداء، فشكاني إلى رسول الله (، فقال لي النبي (: (يا أبا ذر، أعيرته بأمه؟ إنك امرؤ فيك جاهلية)، فوضعت رأسي على الأرض، وقلت لبلال: ضع قدمك على رقبتي حتى يغفر الله لي، فقال لي بلال: إني سامحتك غفر الله لك، وقال (: (إخوانكم خولكم (عبيدكم)، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم) [البخاري]. وكان أبو ذر -رضي الله عنه- يحب الله ورسوله ( حبًّا كبيرًا، فقد روى أنه قال للنبي (: يا رسول الله، الرجل يحب القوم ولا يستطيع أن يعمل بعملهم، فقال له النبي (: (أنت مع مَنْ أحببت يا أبا ذر) فقال أبو ذر: فإني أحب الله ورسوله، فقال له النبي (: (أنت مع مَن أحببت) [أحمد]، وكان ( يبتدئ أبا ذر إذا حضر، ويتفقده (يسأل عنه) إذا غاب. وقد أحب أبو ذر العلم والتعلم والتبحر في الدين وعلومه، وقال عنه علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-: وعى أبو ذر علمًا عجز الناس عنه، ثم أوكأ عليه فلم يخرج شيئًا منه. وكان يقول: لباب يتعلمه الرجل (من العلم) خير له من ألف ركعة تطوعًا. وكان -رضي الله عنه- زاهدًا في الدنيا غير متعلق بها لا يأخذ منها إلا كما يأخذ المسافر من الزاد، فقال عنه النبي (: (أبو ذر يمشى في الأرض بزهد عيسى بن مريم عليه السلام) [الترمذي]. وكان أبو ذر يقول: قوتي (طعامي) على عهد رسول الله ( صاع من تمر، فلست بزائد عليه حتى ألقى الله تعالى. ويقول: الفقر أحب إليَّ من الغنى، والسقم أحب إليَّ من الصحة. وقال له رجل ذات مرة: ألا تتخذ ضيعة (بستانًا) كما اتخذ فلان وفلان، فقال: لا، وما أصنع بأن أكون أميرًا، إنما يكفيني كل يوم شربة ماء أو لبن، وفي الجمعة قفيز (اسم مكيال) من قمح. وكان يحارب اكتناز المال ويقول: بشر الكانزين الذين يكنزون الذهب والفضة بمكاوٍ من نار تكوى بها جباههم وجنوبهم يوم القيامة. وكان يدافع عن الفقراء، ويطلب من الأغنياء أن يعطوهم حقهم من الزكاة؛ لذلك سُمي بمحامي الفقراء، ولما عرض عليه عثمان بن عفان أن يبقى معه ويعطيه ما يريد، قال له: لا حاجة لي في دنياكم. وعندما ذهب أبو ذر إلى الرَّبذة وجد أميرها غلامًا أسود عيَّنه عثمان بن عفان -رضي الله عنه-، ولما أقيمت الصلاة، قال الغلام لأبي ذر: تقدم يا أبا ذر، وتراجع الغلام إلى الخلف، فقال أبو ذر، بل تقدم أنت، فإن رسول الله ( أمرني أن أسمع وأطيع وإن كان عبدًا أسود. فتقدم الغلام وصلى أبو ذر خلفه. وظل أبو ذر مقيمًا في الرَّبَذَة هو وزوجته وغلامه حتى مرض مرض الموت فأخذت زوجته تبكي، فقال لها: ما يبكيك؟ فقالت: ومالي لا أبكي وأنت تموت بصحراء من الأرض، وليس عندي ثوب أكفنك فيه، ولا أستطيع وحدي القيام بجهازك، فقال أبو ذر: إذا مت، فاغسلاني وكفناني، وضعاني على الطريق، فأول ركب يمرون بكما فقولا: هذا أبو ذر. فلما مات فعلا ما أمر به، فمرَّ بهم عبد الله بن مسعود مع جماعة من أهل الكوفة، فقال: ما هذا؟ قيل: جنازة أبي ذر، فبكى ابن مسعود، وقال: صدق رسول الله (: يرحم الله أبا ذر، يمشى وحده، ويموت وحده، ويبعث وحده)، فصلى عليه، ودفنه بنفسه. [ابن سعد]، وكان ذلك سنة (31هـ) وقيل: سنة (32 هـ). |
رد: قصص الصحابة رضي الله عنهم والتابعين..
الصـــــــحابة
ذو الجناحين جعفر بن أبي طالب إنه جعفر بن أبي طالب -رضي الله عنه- شهيد مؤتة، وابن عم رسول الله (، والشقيق الأكبر لعلي -رضي الله عنه-، أسلم مبكرًا، وأسلمت معه في نفس اليوم زوجته أسماء بنت عُميْس، وتحملا نصيبهما من الأذى والاضطهاد في شجاعة وثبات. كان أشبه الناس خَلْقًا وخُلُقًا بالرسول (، كنَّاه الرسول ( بأبي المساكين، ولقبه بذي الجناحين، وقال عنه حين قطعت يداه: (إن الله أبدله بيديه جناحين يطير بهما في الجنة حيث يشاء) [الحاكم]. وكان جعفر -رضي الله عنه- يحب المساكين ويطعمهم ويقربهم منه، ويحدثهم ويحدثونه، يقول عنه أبو هريرة: كان خير الناس للمساكين جعفر بن أبي طالب. ويقول عنه أيضًا: ما احتذى النعال، ولا ركب المطايا، ولا وطئ التراب بعد رسول الله ( أفضل من جعفر بن أبي طالب. ولما خاف الرسول ( على أصحابه اختار لهم الهجرة إلى الحبشة، وقال لهم: (لو خرجتم إلى أرض الحبشة، فإن بها ملكًا لا يظلم عنده أحد)، فخرج جعفر وأصحابه إلى الحبشة، فلما علمت قريش، أرسلت وراءهم عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة -وكانا لم يسلما بعد-، وأرسلت معهما هدايا عظيمة إلى النجاشي ملك الحبشة؛ أملا في أن يدفع إليهم جعفر وأصحابه فيرجعون بهم إلى مكة مرة ثانية ليردوهم عن دين الإسلام. |
رد: قصص الصحابة رضي الله عنهم والتابعين..
ووقف رسولا قريش عمرو وعبد الله أمام النجاشي فقالا له: أيها الملك! إنه قد ضوى (جاء) إلى بلادك غلمان سفهاء، فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينك (المسيحية)، بل جاءوا بدين ابتدعوه، لا نعرفه نحن ولا أنت، وقد بعثنا إليك فيهم أشراف قومهم من آبائهم، وأعمامهم، وعشائرهم لتردهم إليهم. فلما انتهيا من كلامهما توجَّه النجاشي بوجهه ناحية المسلمين وسألهم: ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم، واستغنيتم به عن ديننا؟
فقام جعفر وتحدث إلى الملك باسم الإسلام والمسلمين قائلاً: أيها الملك، إنا كنا قومًا أهل جاهلية نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف، حتى بعث الله إلينا رسولاً منا، نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى عبادة الله وحده، وخَلْعِ (ترك) ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم، فصدقناه وآمنا به، فعذبنا قومنا وفتنونا عن ديننا؛ ليردونا إلى عبادة الأوثان، فلما ظلمونا، وضيقوا علينا، وحالوا بيننا وبين ديننا، خرجنا إلى بلادك، ورغبنا في جوارك، ورجونا ألا نظلم عندك. استمع النجاشي إلى كلمات جعفر، فامتلأت نفسه روعة بها، ثم سأله: هل معك شيء مما أنزل على رسولكم؟ قال جعفر: نعم، فقال النجاشي: فاقرأه علي. فقرأ جعفر من سورة مريم، فبكى النجاشي، ثم توجه إلى عمرو وعبد الله وقال لهما: إن هذا والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة (يقصد أن مصدر القرآن والإنجيل واحد). انطلقا فوالله لا أسلمهم إليكما. فأخذ عمرو يفكر في حيلة جديدة، فذهب في اليوم التالي إلى الملك وقال له: أيها الملك، إنهم ليقولون في عيسى قولاً عظيمًا، فاضطرب الأساقفة لما سمعوا هذه العبارة وطالبوا بدعوة المسلمين، فقال النجاشي: ماذا تقولون عن عيسى؟ فقال جعفر: نقول فيه ما جاءنا به نبينا (: هو عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم، وروح منه. عند ذلك أعلن النجاشي أن هذا هو ما قاله عيسى عن نفسه، ثم قال للمسلمين: اذهبوا، فأنتم آمنون بأرضي، ومن سبكم أو آذاكم فعليه ما يفعل، ثم رد إلى قريش هداياهم. |
رد: قصص الصحابة رضي الله عنهم والتابعين..
وعاد جعفر والمسلمون من الحبشة بعد فتح خيبر مباشرة، ففرح الرسول ( فرحًا كبيرًا وعانقه وهو يقول: (ما أدرى بأيهما أنا أشد فرحًا؛ أبقدوم جعفر أم بفتح خيبر؟) [الحاكم]. وبنى له الرسول ( دارًا بجوار المسجد ليقيم فيها هو وزوجته أسماء بنت عميس وأولادهما الثلاثة؛ محمد،
وعبد الله، وعوف، وآخى بينه وبين معاذ بن جبل -رضي الله عنهما-. وفي العام الثامن من الهجرة، أرسل النبي ( جيشًا إلى الشام لقتال الروم، وجعل الرسول ( زيد بن حارثة أميرًا على الجيش وقال: (عليكم بزيد بن حارثة، فإن أصيب زيد، فجعفر بن أبي طالب، فإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة) [أحمد والبخاري]. ودارت معركة رهيبة بين الفريقين عند مؤتة، وقتل زيد بن حارثة، فأخذ الراية جعفر، ومضى يقاتل في شجاعة وإقدام وسط صفوف الروم وهو يردد بصوت عالٍ: يَا حَبَّذَا الجَنَّةُ وَاقْتِرَابُهَــــا طَيَّبَةٌ، وَبَارِدٌ شَرَابُهَــــــا وَالرُّومُ رومٌ قَدْ دَنَا عَذَابُهَــا كَافِرَةٌ بَعيِدَةٌ أنْسَابُهَــــــا عليَّ إِذْ لاقيتها ضرابهـــا وظل يقاتل حتى قطعت يمينه، فحمل الراية بشماله فقطعت هي الأخرى، فاحتضن الراية بعضديه حتى استشهد. يقول ابن عمر: كنت مع جعفر في غزوة مؤتة، فالتمسناه فوجدناه وبه بضع وتسعون جراحة، ما بين ضربة بسيف، وطعنة برمح، وعلم الرسول ( خبر استشهاده، فذهب إلى بيت ابن عمه، وطلب أطفال جعفر وقبلهم، ودعا لأبيهم -رضي الله عنه-. |
رد: قصص الصحابة رضي الله عنهم والتابعين..
الصـــــــحابة
أول من أظهر إسلامه خباب بن الأرت إنه الصحابي خباب بن الأرت -رضي الله عنه-، وكان خباب قد ولد في قبيلة تميم، وأُسر في مكة، فاشترته أم أنمار بنت سباع، وكان صانِعًا للسيوف، يبيعها ويأكل من عمل يده، فلما سمع عن الإسلام أسرع إلى النبي ( ليسمع منه عن هذا الدين الجديد، فشرح الله صدره، ثم أعلن إسلامه ليصبح من أوائل المسلمين. وتعرض خباب لشتى ألوان العذاب، لكنه تحمل وصبر في سبيل الله، فقد كانوا يضعون الحديد المحمي على جسده فما يطفئ النار إلا الدهن الموجود في ظهره، وقد سأله عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- يومًا عما لقى من المشركين، فقال خباب: يا أمير المؤمنين، انظر إلى ظهري، فنظر عمر، فقال: ما رأيت كاليوم، قال خباب: لقد أوقدت لي نار، وسحبت عليها فما أطفأها إلا ودك ظهري (أي دهن الظهر). وذات يوم كثر التعذيب على خباب وإخوانه المسلمين المستضعفين، فذهب مع بعض أصحابه إلى رسول الله (، وكان متكئًا في ظل الكعبة، وقالوا: يا رسول الله، ألا تستنصر لنا، ألا تدعو لنا؟ فقال لهم رسول الله (: (قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها، فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه، فما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمَّنَّ هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون) [البخاري]. فزاد كلام النبي ( خبابًا وأصحابه إيمانًا بنصر الله، وإصرارًا على دعوتهم، فصبروا واحتسبوا ما يحدث لهم عند الله -عز وجل-. وكانت أم أنمار تأخذ الحديد الملتهب ثم تضعه فوق رأس خباب الذي كان يتلوى من شدة الألم، ولكن الله أخذ بحق خباب من هذه المرأة المشركة حيث أصيبت بسعار جعلها تعوي مثل الكلاب، ولا علاج لها إلا أن تكوى رأسها بالنار، فكان الجزاء من جنس العمل. |
رد: قصص الصحابة رضي الله عنهم والتابعين..
وأحب خباب إسلامه حبًّا شديدًا، جعله يضحي من أجله بأغلى ما يملك من نفس ومال، فقد ذهب إلى العاص بن وائل أحد المشركين الكافرين ليطلب منه ثمن السيوف التي صنعها له قبل ذلك، فيقول له العاص: لا أعطيك شيئًا حتى تكفر بدين محمد، فرد عليه خباب: لا، والله لا أكفر بمحمد حتى تموت ثم تبعث، فقال له العاص مستهزءًا وساخرًا: فأني إذا مت ثم بعثت، جئتني يوم القيامة، ولي هناك مال وولد فأعطيك؟! فأخبر خباب النبي ( بذلك، فأنزل الله قرآنا كريمًا يذم فيه هذا المشرك، قال تعالى: {أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لآوتين مالاً} [مريم: 77]_ [ابن سعد والبخاري].
وأحب خباب العلم، وحرص على سماع القرآن ونشره بين إخوانه المسلمين، ففي أيام الدعوة الأولى كان خباب يدرس القرآن مع سعيد بن زيد وزوجته فاطمة بنت الخطاب، عندما دخل عليهم عمر بن الخطاب. وجاءت الهجرة، فأسرع خباب ملبيًّا أمر النبي (، فهاجر إلى المدينة، وهناك آخى الرسول ( بينه وبين تميم مولى خراس بن الصمة -رضي الله عنهما-، وشارك خباب في جميع غزوات الرسول (، وأظهر فيها شجاعة وفروسية، وظلَّ محبًّا للجهاد في سبيل الله، وشارك خباب في الفتوحات أيام أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب -رضي الله عنهما-. |
رد: قصص الصحابة رضي الله عنهم والتابعين..
ثم نزل خباب في الكوفة وبنى لنفسه بيتا متواضعًا عاش فيه حياة زاهدة، وبالرغم من هذه الحياة البسيطة، كان يعتقد أنه أخذ من الدنيا الكثير، فكان يبكى على بسط الدنيا له، وكان يضع ماله كله في مكان معروف في داره لكي يأخذ منه كل محتاج من أصحابه الذين يدخلون عليه، وفي مرضه الذي مات فيه دخل عليه بعض الصحابة، فقالوا له: أبشر يا أبا عبد الله، ترد على محمد ( الحوض، فأشار خباب إلى أعلى بيته وأسفله قائلاً: كيف بهذا؟! وقد قال رسول الله (: (أنه يكفي أحدكم مثل زاد الراكب)
[ابن ماجه]، ولقد رأيتني مع رسول الله ( ما أملك درهمًا، وإن في جانب بيتي (الآن) لأربعين ألف درهم. وطلب خباب كفنه، فلما رآه بكى، وقال: لكن حمزة -رضي الله عنه- لم يوجد له كفن إلا بردة ملحاء إذا جعلت على رأسه قلصت (انضمت) عن قدميه، وإذا جعلت على قدميه قلصت عن رأسه، حتى مدت على رأسه، وجعل على قدميه الإذخر. ودخل عليه بعض أصحابه فقال لهم: إن في هذا التابوت (الصندوق) ثمانين ألف درهم، والله ما شددت لها من خيط ولا منعتها من سائل، ثم بكى، فقالوا: ما يبكيك؟ قال: أبكى أن أصحابي مضوا ولم تنقصهم الدنيا شيئًا، وإنا بقينا بعدهم حتى لم نجد لها موضعًا إلا التراب. وفي عام (37 هـ) صعدت روح خباب إلى بارئها ودفن بالكوفة، ولما عاد علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- من معركة صفين، مر بقبر خباب؛ فقال: رحم الله خبابًا، أسلم راغبًا، وهاجر طائعًا، وعاش مجاهدًا، وابتلى في جسمه أحوالاً. |
رد: قصص الصحابة رضي الله عنهم والتابعين..
الصـــــــحابة
الكريم سعد بن عبادة إنه سعد بن عبادة -رضي الله عنه- زعيم الخزرج، وحامل راية الأنصار، أمه عمرة بنت مسعود، وكان يكنى أبا ثابت، وأبا قيس، وقد أسلم مبكرًا، وحضر بيعة العقبة الثانية مع سبعين رجلاً وامرأتين من الأنصار، وكان أحد النقباء الإثني عشر. ورغم أن سعدًا كان سيد قومه، لم تمنعه تلك السيادة من أن ينال قسطًا من تعذيب قريش، وذلك أنه بعد أن تمت بيعة العقبة الثانية، وأخذ الأنصار يستعدون للسفر والرجوع إلى المدينة، علمت قريش بمبايعتهم للنبي (، واتفاقهم معه على الهجرة إلى المدينة ليناصروه ضد قوى قريش، فجن جنونهم، وطاردوا المسلمين، حتى أدركوا منهم سعد بن عبادة، فأخذه المشركون، وربطوا يديه إلى عنقه، وعادوا به إلى مكة حيث التفوا حوله يضربونه، وينزلون به أشد العذاب. يقول سعد: فوالله إني لفي أيديهم إذ طلع عليَّ نفر من قريش فيهم رجل وضئ، أبيض، شعشاع من الرجال (يقصد سهيل بن عمرو)، فقلت في نفسي: إن يك عند أحد من القوم خير، فعند هذا، فلما اقترب مني رفع يده فلكمني (ضربني) لكمة شديدة، فقلت في نفسي: لا والله، ما عندهم بعد هذا من خير، فو الله إني لفي أيديهم يسحبونني إذ أوى (جاء) إلى رجل ممن كان معهم فقال: ويحك، أما بينك وبين أحد من قريش جوار؟ قلت: بلى، كنت أُجير لجبير بن مطعم تجارة، وأمنعهم ممن يريد ظلمهم ببلادي، وكنت أجير للحارث بن حرب بن أمية، فقال الرجل: فاهتف باسم الرجلين، واذكر ما بينك وبينهما من جوار، ففعلت، وخرج الرجل إليهما، فوجدهما في الكعبة، فأخبرهما أن رجلا من الخزرج يضرب بالأبطح، وهو يهتف باسميهما أن بينه وبينهما جوارًا، فسألاه عن اسمي، فقال: سعد بن عبادة، فقالا: صدق والله، وجاءا فخلصاني من أيديهم. [ابن سعد]. |
رد: قصص الصحابة رضي الله عنهم والتابعين..
وعندما هاجر الرسول ( وأصحابه إلى المدينة استقبلهم سعد خير استقبال، وسخر ماله لخدمتهم، وعرف سعد بالجود والكرم، وبلغت شهرته في ذلك الآفاق، وكان دائمًا يسأل الله المزيد من رزقه وخيره، فيقول: اللهم هب لي مجدا، لا مجد إلا بفعال، ولا فعال إلا بمال، اللهم إنه لا يصلحني القليل، ولا أصلُح عليه. [الحاكم].
وكان الرجل من الأنصار يستضيف واحدًا أو اثنين أو ثلاثة بينما هو يستضيف ثمانين، وكان مناديه يصعد أعلى داره وينادي: من كان يريد شحمًا ولحمًا فليأت. وقد دعا له النبي ( فقال: (اللهم اجعل صلواتك ورحمتك على آل سعد بن عبادة) [أحمد]. وكان سعد يجيد الرمي، وكانت له فدائية وشجاعة فائقة، قال عنها ابن عباس -رضي الله عنهما-: كان لرسول الله ( في المواطن كلها رايتان؛ مع علي راية المهاجرين، ومع سعد بن عبادة راية الأنصار. [عبد الرزاق وأحمد]. ووقف سعد بن عبادة موقفًا شجاعًا في بدر، حينما طلب النبي ( مشورة الأنصار، فقام سعد مشجعًا على القتال، فقال: يا رسول الله، والذي نفسي بيده لو أمرتنا أن نضرب أكبادها إلى برك الغماد لفعلنا. [أحمد ومسلم]. وفي غزوة الخندق تجمعت القبائل الكافرة ضد الإسلام، وحاصرت المدينة، وعرضت قبيلة غطفان على النبي ( أن ينسحبوا من جيش الأحزاب، ولا يقفوا مع الكفار، في مقابل أن يأخذوا ثلث ثمار المدينة، فشاور الرسول ( كلا من سعد بن عبادة وسعد بن معاذ في هذا الأمر، فقال سعد بن عبادة: يا رسول الله، أمرًا تحبه فنصنعه، أم شيئًا أمرك الله به، ولابد لنا من العمل به، أم شيئًا تصنعه لنا؟ فقال رسول الله (: (إنما هو شيء أصنعه لكم، لما رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة). فقال سعد بن معاذ: والله يا رسول الله، ما طمعوا بذلك منا قط في الجاهلية، فكيف اليوم؟ وقد هدانا الله بك وأكرمنا وأعزنا، والله لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم. فقال رسول الله (: (فأنت وذاك) [ابن هشام]. وبعد وفاة النبي ( اجتمع الأنصار في سقيفة بني ساعدة، والتفوا حول سعد بن عبادة منادين بأن يكون خليفة رسول الله ( من الأنصار، ولكن عمر بن الخطاب وأبا عبيدة بن الجراح رأيا أن أبا بكر أحق بالخلافة بعد رسول الله (، فوافق المسلمون على رأيهما، وبايع سعد أبا بكر -رضي الله عنه- بالخلافة، وتوفي سعد في خلافة عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-. |
رد: قصص الصحابة رضي الله عنهم والتابعين..
الصـــــــحابة
الشهيد العائذ بالبيت عبد الله بن الزبير إنه أبو بكر عبد الله بن الزبير بن العوام -رضي الله عنه-، ابن ذات النطاقين أسماء بنت أبي بكر، وقد وضعته أمه حين وصلت قُباء، فكان أول مولود للمهاجرين بعد الهجرة، ثم أتت به أمه الرسول ( فوضعه في حجره، ثم دعا بتمرة فمضغها ثم وضعها في فمه، فكان أول شيء دخل بطنه ريق النبي (، ثم دعا له بالبركة، وسماه عبد الله على اسم جده أبي بكر وكناه بكنيته. [مسلم]، وكان ميلاده حدثًا عظيمًا أبطل مزاعم اليهود الذين زعموا أنهم سحروا المسلمين فلن يولد لهم بالمدينة ولد، وكبَّر الصحابة حين ولد تكبيرة اهتزت المدينة منها. ونشأ عبد الله في بيت النبوة حيث تربى في حجر خالته عائشة أم المؤمنين -رضي الله عنها-، وظهرت عليه علامات الشجاعة منذ طفولته. وذات يوم تحدث بعض الصحابة مع النبي ( في أمر أبناء المهاجرين والأنصار الذين ولدوا في الإسلام حتى ترعرعوا من أمثال عبد الله بن الزبير، وعبد الله بن جعفر، وعمر بن أبي سلمة، وقالوا له: لو بايعتهم فتصيبهم بركتك، ويكون لهم ذكر؟، وجاءوا بهم إلى النبي ( فخافوا ووجلوا من النبي ( إلا عبد الله بن الزبير الذي اقتحم أولهم، فرآه النبي ( فتبسَّم، وقال: (إنه ابن أبيه). وبايعه النبي ( وهو ابن سبع سنين. [مسلم]. وكان عبد الله فارسًا شجاعًا يحب الجهاد، ويذهب مع أبيه ليتدرب على ركوب الخيل والمبارزة، وشهد معه معارك عديدة منها اليرموك، واشترك في فتح إفريقية، وهو الذي حمل البشرى إلى الخليفة عثمان بن عفان -رضي الله عنه- بفتحها. وكان -رضي الله عنه- عابدًا لله، قارئًا لكتاب الله، قوامًا لليل، صوامًا للنهار، قال عنه عمرو بن دينار: ما رأيت مصليًا أحسن صلاة من ابن الزبير. وقال ثابت البناني: كنت أمرُّ بابن الزبير وهو خلف المقام يصلي، كأنه خشبة منصوبة لا تتحرك. وكان أحد الذين أمرهم عثمان -رضي الله عنه- بنسخ المصاحف. قال عمر بن عبد العزيز يومًا لابن أبي مليكة: صف لنا عبد الله بن الزبير فقال: والله ما رأيت نفسًا رُكبت بين جنبين مثل نفسه، ولقد كان يدخل في الصلاة، فيخرج من كل شيء إليها، وكان يركع أو يسجد فتقف العصافير فوق ظهره وكاهله لا تحسبه من طول ركوعه وسجوده إلا جدارًا. |
رد: قصص الصحابة رضي الله عنهم والتابعين..
واشترك -رضي الله عنه- مع أبيه في موقعة الجمل، وبعد أن أصبح الحكم في
يد بني أمية ظل عبد الله على خلاف معهم، فاعترض على ولاية يزيد بن معاوية. ولما توفي يزيد بايعت جميع الولايات الإسلامية عبدالله بن الزبير أميرًا للمؤمنين، واتخذ عبدالله من مكة عاصمة لدولته، وبسط يده على الحجاز واليمن والبصرة والكوفة والشام كلها ما عدا دمشق، وظل عبدالله باسطًا يده على هذه البلاد حتى استطاع مروان بن الحكم أن ينتزع منه هذه الولايات عدا الحجاز التي ظلت تحت سيطرة عبدالله. ورغم ذلك لم يهدأ الأمويون، فأخذوا يشنون حروبًا متصلة ضد ابن الزبير، انهزموا في أكثرها حتى جاء عهد عبد الملك بن مروان الذي أرسل الحجاج بن يوسف الثقفي على رأس جيش كبير لغزو مكة عاصمة ابن الزبير، فحاصرها ستة أشهر مانعًا عن الناس الماء والطعام كي يحملهم على ترك عبد الله بن الزبير، وتحت وطأة الجوع استسلم الكثير من جنوده، ووجد عبد الله نفسه وحيدًا، فقرر أن يتحمل مسئوليته حتى النهاية، وراح يقاتل جيش الحجاج في شجاعة فائقة، وكان عمره يومئذ سبعين سنة. وأثناء ذلك ذهب عبد الله إلى أمه أسماء بنت أبي بكر الصديق -رضي الله عنها-، وأخذ يشرح لها موقفه، فقالت له: يا بني، إنك أعلم بنفسك، إن كنت تعلم أنك على حق، وتدعو إلى حق، فاصبر عليه حتى تموت في سبيله، ولا تملك من رقبتك غلمان بني أمية، وإن كنت تعلم أنك أردت الدنيا فلبئس العبد أنت أهلكت نفسك، وأهلكت من قتل معك. فقال عبد الله: والله يا أماه، ما أردت الدنيا، ولا ركنت إليها، وما جُرْتُ في حكم الله أبدًا، ولا ظلمت، ولا غدرت. فقالت أمه أسماء: أني لأرجو الله أن يكون عزائي فيك حسنًا، إن سبقتني إلى الله أو سبقتك، اللهم ارحم طول قيامه في الليل، وظمأه في الهواجر (الأيام الشديدة الحر)، وبرَّه بأبيه وبي، اللهم أني أسلمته لأمرك فيه، ورضيت بما قضيت، فأثبني في عبد الله ثواب الصابرين الشاكرين. وانطلق عبد الله يقاتل الحجاج مع مَنْ تبقَّى معه من المسلمين حتى استشهد ومعه كثير من المسلمين وكان ذلك عام (37هـ). ولما قتل عبد الله كبر أصحاب الحجاج فسمعهم ابن عمر، فقال: أما والله للذين كبروا عند مولده خير من هؤلاء الذين كبروا عند قتله. ثم صلبه الحجاج على إحدى الطرق، فمرَّ به ابن عمر وهو مصلوب فقال: السلام عليك يا أبا خبيب، قالها ثلاث مرات، أما والله، لقد كنت أنهاك عن هذا (يقصد قتال بني أمية) ثم أخذ يثني عليه ويذكر صيامه وقيامه ومكانته. وجاءت أمه أسماء بنت أبي بكر وكانت عجوزًا مكفوفة البصر، فقالت للحجاج: أما آن لهذا الراكب أن ينـزل (تقصد عبد الله المصلوب)؟ فأنزله، فغسله المسلمون ودفنوه -رضي الله عنه-. |
رد: قصص الصحابة رضي الله عنهم والتابعين..
الصـــــــحابة
حبر الأمة عبد الله بن عباس إنه الصحابي الجليل عبد الله بن عباس -رضي الله عنه-، ابن عم النبي (، ولد -رضي الله عنه- قبل الهجرة بثلاث سنين، وبايع رسول الله ( وهو صغير لم يبلغ الحلم، وهاجر إلى المدينة مع أبويه قبل فتح مكة. وكان ابن عباس -رضي الله عنه- محبًا للعلم منذ صغره، يقبل عليه، ويهتم به حفظًا وفهمًا ودراسة، وما إن اشتد عوده حتى أصبح أعلم الناس بتفسير القرآن وأحكام السنة المطهرة، يأتي إليه الناس من كل مكان يتعلمون منه أحكام الدين على يديه. دعا له رسول الله ( قائلاً: (اللهم فقهه في الدين) [البخاري]، وكان يسمى بـترجمان القرآن. ولقِّب بالحَبْر لكثرة علمه بكتاب الله وسنة رسوله (، ويروى أنه كان معتكفًا في مسجد الرسول (، فأتاه رجل على وجهه علامات الحزن والأسى، فسأله عن سبب حزنه؛ فقال له: يا ابن عم رسول الله، لفلان علي حق ولاء، وحرمة صاحب هذا القبر (أي قبر الرسول () ما أقدر عليه؛ فقال له: أفلا أكلمه فيك؟ فقال الرجل: إن أحببت؛ فقام ابن عباس، فلبس نعله، ثم خرج من المسجد، فقال له الرجل: أنسيت ما كنت فيه؟! (أي أنك معتكف ولا يصح لك الخروج من المسجد). فرد عليه قائلاً: لا، ولكن سمعت صاحب هذا القبر ( والعهد به قريب -فدمعت عيناه- وهو يقول: (من مشى في حاجة أخيه، وبلغ فيها كان خيرًا له من اعتكاف عشر سنين، ومن اعتكف يومًا ابتغاء وجه الله تعالى، جعل الله بينه وبين النار ثلاث خنادق أبعد مما بين الخافقين (المشرق والمغرب)) [الطبراني والبيهقي والحاكم]. |
رد: قصص الصحابة رضي الله عنهم والتابعين..
وكان يحب إخوانه المسلمين، ويسعى في قضاء حوائجهم، وكان يقول: لأن أعول أهل بيت من المسلمين شهرًا أو جمعة أو ما شاء الله أحب إلي من حجة بعد حجة، ولهدية أهديها إلى أخ لي في الله أحب إلي من دينار أنفقه في سبيل الله. وكان عمر -رضي الله عنه- يحب عبد الله بن عباس ويقربه من مجلسه ويستشيره في جميع أموره، ويأخذ برأيه رغم صغر سنه، فعاب ناس من المهاجرين ذلك على عمر، فقال لهم عمر: أما أني سأريكم اليوم منه ما تعرفون فضله، فسألهم عمر عن تفسير سورة {إذا جاء نصر الله والفتح}، فقال بعضهم: أمر الله نبيَّه إذا رأى الناس يدخلون في دين الله أفواجًا أن يحمده ويستغفره، فقال عمر: يا ابن عباس، تكلم. فقال عبدالله: أعلم الله رسوله ( متى يموت، أي: فهي علامة موتك فاستعد، فسبح بحمد ربك واستغفره. [البخاري وأحمد والترمذي والطبراني وأبو نعيم].
وكان سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه- يقول عن ابن عباس: ما رأيت أحدًا أحضر فهمًا، ولا ألب لبًّا (عقلاً)، ولا أكثر علمًا، ولا أوسع حلمًا من ابن عباس، لقد رأيت عمر يدعوه للمعضلات فيقول: قد جاءت معضلة، ثم لا يجاوز قوله وإن حوله لأهل بدر. [ابن سعد]. وكانت السيدة عائشة -رضي الله عنها- تقول: أعلم مَن بقي بالحجِّ ابن عباس. وكان ابن عباس يقيم الليل، ويقرأ القرآن، ويكثر من البكاء من خشية الله، وكان متواضعًا يعرف لأصحاب النبي ( قدرهم، ويعظمهم ويحترمهم، فذات يوم أراد زيد بن ثابت -رضي الله عنه- أن يركب ناقته فأسرع ابن عباس إليه لينيخ له الناقة، فقال له زيد: تنيخ لي الناقة يا ابن عم رسول الله؟! فرد عليه ابن عباس قائلاً: هكذا أمرنا أن نأخذ بركاب كبرائنا. وكان ابن عباس كريمًا جوادًا، وذات مرة نزل أبو أيوب الأنصاري البصرة حينما كان ابن عباس أميرًا عليها، فأخذه ابن عباس إلى داره وقال له: لأصنعن بك كما صنعت مع رسول الله (، فاستضافه ابن عباس خير ضيافة. وحضر ابن عباس معركة صفين، وكان في جيش الإمام عليَّ، وأقبل ابن عباس على العلم والعبادة حتى أتاه الموت سنة (67 هـ)، حينما خرج من المدينة قاصدًا الطائف، وكان عمره آنذاك (70) سنة، وصلى عليه الإمام محمد بن الحنفية، ودفنه بالطائف وهو يقول: اليوم مات رَبَّاني هذه الأمة. وكان ابن عباس -رضي الله عنه- من أكثر الصحابة رواية عن النبي ( فبلغ مسنده (1660) حديثًا، كما كان من أكثر الصحابة فقهًا، وله اجتهادات فقهية تميزه عن غيره من الصحابة. |
رد: قصص الصحابة رضي الله عنهم والتابعين..
المقداد بن عمرو
أول فرسان الاسلام تحدث عنه أصحابه ورفاقه فقالوا: " أول من عدا به فرسه في سبيل الله، المقداد بن الأسود.. والمقداد بن الأسود، هو بطلنا هذا المقداد بن عمرو كان قد حالف في الجاهلية الأسود بن عبد يغوث فتبناه، فصار يدعى المقداد بن الأسود، حتى اذا نزلت الآية الكريمة التي تنسخ التبني، نسب لأبيه عمرو بن سعد.. والمقداد من المبكّرين بالاسلام، وسابع سبعة جاهروا باسلامهم وأعلنوه، حاملا نصيبه من أذى قريش ونقمتها، فيس شجاعة الرجال وغبطة الحواريين..!! ولسوف يظل موقفه يوم بدر لوحة رائعة كل من رآه لو أنه كان صاحب هذا الموقف العظيم.. يقول عبدالله بن مسعود صاحب رسول الله: " لقد شهدت من المقداد مشهدا، لأن أكون صاحبه، أحبّ اليّ مما في الأرض جميعا". في ذلك اليوم الذي بدأ عصيبا.ز حيث أقبلت قريش في بأسها الشديد واصرارها العنيد، وخيلائها وكبريائها.. في ذلك اليوم.. والمسلمون قلة، لم يمتحنوا من قبل في قتال من أجل الاسلام، فهذه أول غزوة لهم يخوضونها.. ووقف الرسول يعجم ايمان الذين معه، ويبلوا استعدادهم لملاقاة الجيش الزاحف عليهم في مشاته وفرسانه.. وراح يشاورهم في الأمر، وأصحاب الرسول يعلمون أنه حين يطلب المشورة والرأي، فانه يفعل ذلك حقا، وأنه يطلب من كل واحد حقيقة اقتناعه وحقيقة رأيه، فان قال قائلهم رأيا يغاير رأي الجماعة كلها، ويخالفها فلا حرج عليه ولا تثريب.. |
رد: قصص الصحابة رضي الله عنهم والتابعين..
وخاف المقدادا أن يكون بين المسلمين من له بشأن المعركة تحفظات... وقبل أن يسبقه أحد بالحديث همّ هو بالسبق ليصوغ بكلماته القاطعة شعار المعركة، ويسهم في تشكيل ضميرها.
ولكنه قبل أن يحرك شفتيه، كان أبو بكر الصديق قد شرع يتكلم فاطمأن المقداد كثيرا.. وقال أبو بكر فأحسن، وتلاه عمر بن الخطاب فقل وأحسن.. ثم تقدم المقداد وقال: " يا رسول الله.. امض لما أراك الله، فنحن معك.. والله لا نقول لك كما قالت بنو اسرائيل لموسى اذهب أنت وربك فقاتلا انا هاهنا قاعدون.. بل نقول لك: اذهب أنت وربك فقاتلا انا معكما مقاتلون..!! والذي بعثك بالحق، لو سرت بنا الى برك العماد لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه. ولنقاتلن عن يمينك وعن يسارك وبين يديك ومن خلفك حتى يفتح الله لك".. انطلقت الكلمات كالرصاص المقذوف.. وتلل وجه رسول الله وأشرق فمه عن دعوة صالحة دعاها للمقداد.. وسرت في الحشد الصالح المؤمن حماسة الكلمات الفاضلة التي أطلقها المقداد بن عمرو والتي حددت بقوتها واقناعها نوع القول لمن أراد قولا.. وطراز الحديث لمن يريد حديثا..!! أجل لقد بلغت كلمات المقداد غايتها من أفئدة المؤمنين، فقام سعد بن معاذ زعيم الأنصار، وقال: " يا رسول الله.. لقد آمنا بك وصدّقناك، وشهدنا أنّ ما جئت به هو الحق.. وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا، فامض يا رسول الله لما أردت، فنحن معك.. والذي عثك بالحق.. لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدوّنا غدا.. انا لصبر في الحرب، صدق في اللقاء.. ولعل الله يريك منا ما تقر عينك.. فسر على بركة الله".. وامتلأ قلب الرسول بشرا.. وقال لأصحابه:" سيروا وأبشروا".. والتقى الجمعان.. |
رد: قصص الصحابة رضي الله عنهم والتابعين..
وكان من فرسان المسلمين يومئذ ثلاثة لا غير: المقداد بن عمرو، ومرثد بن أبي مرثد، والزبير بن العوّام، بينما كان بقية المجاهدين مشاة، أو راكبين ابلا..
** ان كلمات المقداد التي مرّت بنا من قبل، لا تصور شجاعته فحسب، بل تصور لنا حكمته الراجحة، وتفكيره العميق.. وكذلك كان المقداد.. كان حكيما أريبا، ولم تكن حمته تعبّر عن نفسها في مجرّد كلمات، بل هي تعبّر عن نفسها في مبادئ نافذة، وسلوك قويم مطرّد. وكانت تجاربه قوتا لحكته وريا لفطنته.. ولاه الرسول على احدى الولايات يوما، فلما رجع سأله النبي: " كيف وجدت الامارة"..؟؟ فأجاب في صدق عظيم: " لقد جعلتني أنظر الى نفسي كما لو كنت فوق الناس، وهم جميعا دوني.. والذي بعثك بالحق، لا اتآمرّن على اثنين بعد اليوم، أبدا".. واذا لم تكن هذه الحكمة فماذا تكون..؟ واذا لم يكن هذا هو الحكيم فمن يكون..؟ رجل لا يخدع عن نفسه، ولا عن ضعفه.. يلي الامارة، فيغشى نفسه الزهو والصلف، ويكتشف في نفسه هذا الضعف، فيقسم ليجنّبها مظانه، وليرفض الامارة بعد تلك التجربة ويتتحاماها.. ثم يبر بقسمه فلا يكون أميرا بعد ذلك أبدا..!! لقد كان دائب التغني بحديث سمعه من رسول الله.. هوذا: " ان السعيد لمن جنّب الفتن".. واذا كان قد رأى في الامارة زهوا يفتنه، أو يكاد يفتنه، فان سعادته اذن في تجنبها.. ومن مظاهر حكمته، طول أناته في الحكم على الرجال.. وهذه أيضا تعلمها من رسول الله.. فقد علمهم عليه السلام أن قلب ابن آدم أسرع تقلبا من القدر حين تغلي.. وكان المقداد يرجئ حكمه الأخير على الناس الى لحظة الموت، ليتأكد أن هذا الذي يريد أن يصدر عليه حكمه لن يتغير ولن يطرأ على حياته جديد.. وأي تغيّر، أو أي جديد بعد الموت..؟؟ وتتألق حكمته في حنكة بالغة خلال هذا الحوار الذي ينقله الينا أحد أصحابه وجلسائه، يقول: " جلسنا الى المقداد يوما فمرّ به رجل.. فقال مخاطبا المقداد: طوبى لهاتين العينين اللتين رأتا رسول الله صلى اله عليه وسلم.. والله لوددناةلو أن رأينا ما رأيت، وشهدنا ما شهدت فأقبل عليه المقداد وقال: ما يحمل أحدكم على أن يتمنى مشهدا غيّبه الله عنه، لا يدري لو شهده كيف كان يصير فيه؟؟ والله، لقد عاصر رسول الله صلى الله عليه وسلم أقوام كبّهم الله عز وجل على مناخرهم في جهنم. أولا تحمدون الله الذي جنّبكم مثلا بلائهم، وأخرجكم مؤمنين بربكم ونبيكم".. |
رد: قصص الصحابة رضي الله عنهم والتابعين..
حكمة وأية حكمة..!!
انك لا تلتقي بمؤمن يحب الله ورسوله، الا وتجده يتمنى لو أنه عاش أيام الرسول ورآه..! ولكن بصيرة المقداد الحاذق الحكيم تكشف البعد المفقود في هذه الأمنية.. ألم يكن من المحتمل لهذا الذي يتمنى لو أنه عاش تلك الأيام.. أن يكون من أصحاب الجحيم.. ألم يكون من المحتمل أن يكفر مع الكافرين. وأليس من الخير اذن أن يحمد الله الذي رزقه الحياة في عصور استقرّ فيها الاسلام، فأخذه صفوا عفوا.. هذه نظرة المقداد، تتألق حكمة وفطنة.. وفي كل مواقفه، وتجاربه، وكلماته، كان الأريب الحكيم.. ** وكان حب المقداد للاسلام عظيما.. وكان الى جانب ذلك، واعيا حكيما.. والحب حين يكون عظيما وحكيما، فانه يجعل من صاحبه انسانا عليّا، لا يجد غبطة هذا الحب في ذاته.. بل في مسؤولياته.. والمقداد بن عمرو من هذا الطراز.. فحبه الرسول. ملأ قلبه وشعوره بمسؤولياته عن سلامة الرسول، ولم يكن تسمع في المدينة فزعة، الا ويكون المقداد في مثل لمح البصر واقفا على باب رسول الله ممتطيا صهوة فرسه، ممتشقا مهنّده وحسامه..!! وحبه للاسلام، ملأ قلبه بمسؤولياته عن حماية الاسلام.. ليس فقط من كيد أعدائه.. بل ومن خطأ أصدقائه.. خرج يوما في سريّة، تمكن العدو فيها من حصارهم، فأصدر أمير السرية أمره بألا يرعى أحد دابته.. ولكن أحد المسلمين لم يحط بالأمر خبرا، فخالفه، فتلقى من الأمير عقوبة أكثر مما يستحق، أ، لعله لا يستحقها على الاطلاق.. فمر المقداد بالرجل يبكي ويصيح، فسأله، فأنبأه ما حدث فأخذ المقداد بيمينه، ومضيا صوب الأمير، وراح المقداد يناقشه حتى كشف له خطأه وقال له: " والآن أقده من نفسك.. ومكّنه من القصاص"..!! وأذعن الأمير.. بيد أن الجندي عفا وصفح، وانتشى المقداد بعظمة الموقف، وبعظمة الدين الذي أفاء عليهم هذه العزة، فراح يقول وكأنه يغني: " لأموتنّ، والاسلام عزيز"..!! أجل تلك كانت أمنيته، أن يموت والاسلام عزيز.. ولقد ثابر مع المثابرين على تحقيق هذه الأمنية مثابرة باهرة جعلته أهلا لأن يقول له الرسول عليه الصلاة والسلام: "ان الله أمرني بحبك.. وأنبأني أنه يحبك"... |
رد: قصص الصحابة رضي الله عنهم والتابعين..
بسم الله الرحمن الرحيم
معاوية رضي الله عنه هو الميزان في حب الصحابة الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ، ثم أما بعد :- أقول : يلهث الكثير ممن استهوته الشياطين بالطعن في معاوية رضي الله عنه ، وإن لم يطعن قلل من شأنه بأن يسمه بأنه من مسلمة الفتح وأنه من الطلقاء إلى غيرها من الأمور .. حتى وصل بالبعض منهم إلى أن يتوقف في شأنه و يعرضه على ميزان الجرح والتعديل .. ناسياً أو متناسياً أنه من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأن الأمة قد أجمعت على تعديلهم دون استثناء من لابس الفتن منهم و من قعد .. و لم يخالف في ذلك إلا شذوذ من المبتدعة . انظر حول عدالة الصحابة : الاستيعاب لابن عبد البر (1/19) و فتح المغيث (3/103) و شرح الألفية للعراقي (3/13-14) والإصابة (1/9) و مقدمة ابن الصلاح (ص 147) والباعث الحثيث (ص 181-182) وشرح النووي على صحيح مسلم (15/149) والتقريب للنووي (2/214) والمستصفى للغزالي (ص 189-190 ) وفي غيرها من الكتب . ذكر النووي في شرح صحيح مسلم (8/231) و ابن القيم في زاد المعاد (2/126) أن معاوية رضي الله عنه من مسلمة الفتح ، أي أنه أسلم سنة ( 8 هـ ) ، في حين ذكر أبو نعيم الأصبهاني كما في معرفة الصحابة (5/2496) و الذهبي كما في تاريخ الإسلام - عهد معاوية - ( ص 308) أنه أسلم قبيل الفتح . ومرد الاختلاف بين المصادر حول تاريخ إسلام معاوية رضي الله عنه يعود إلى كون معاوية كان يخفي إسلامه ، كما ذكر ذلك ابن سعد في الطبقات (1/131) ، وهو ما جزم به الذهبي ، حيث قال : أسلم قبل أبيه في عمرة القضاء أي في سنة ( 7 هـ ) وبقي يخاف من الخروج إلى النبي صلى الله عليه وسلم من أبيه .. وأظهر إسلامه عام الفتح . انظر : تاريخ الإسلام عهد معاوية ( ص 308) . وبعد هذا هل يبقى مطعن في معاوية رضي الله عنه من كونه من مسلمة الفتح وليس في ذلك مطعن - . وإن سلمنا بأنه من مسلمة الفتح ؛ فهل هذا يقلل من شأن صحبته رضي الله عنه ؟! |
رد: قصص الصحابة رضي الله عنهم والتابعين..
و لمن لا يعرف معاوية جيداً أعرّفه به : إن معاوية رضي الله عنه كان من كتاب الوحي ، و من أفضل الصحابة و أصدقهم لهجة و أكثرهم حلماً فكيف يعتقد أن يقاتل الخليفة الشرعي و يهرق دماء المسلمين من أجل ملك زائل ، و هو القائل : والله لا أخير بين أمرين ، بين الله و بين غيره إلا اخترت الله على سواه . سير أعلام النبلاء للذهبي (3/151) .
وقد أفرد ابن أبي الدنيا وأبو بكر بن أبي عاصم تصنيفاً في حلم معاوية رضي الله عنه ، ولعل هذا من بركة دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم لمعاوية . انظر : تاريخ الإسلام للذهبي عهد معاوية ( ص 315) . روى الترمذي في فضائل معاوية أنه لما تولى أمر الناس كانت نفوسهم لا تزال مشتعلة عليه ، فقالوا كيف يتولى معاوية و في الناس من هو خير مثل الحسن و الحسين . قال عمير و هو أحد الصحابة : لا تذكروه إلا بخير فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : اللهم اجعله هادياً مهدياً و اهد به . رواه الإمام أحمد في المسند (4/216) و صححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (3/236) . و زاد الإمام الآجري في كتابه الشريعة (5/2436-2437) لفظة : ( ولا تعذبه ) . إسناده صحيح . و أخرج الإمام أحمد ، عن العرباض بن سارية رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : اللهم علم معاوية الكتاب و قه العذاب . فضائل الصحابة (2/913) إسناده حسن . و أخرج أبو داود و البخاري في الأدب المفرد من طريق أبي مجلز قال : خرج معاوية على ابن الزبير و ابن عامر ، فقام ابن عامر و جلس ابن الزبير ، فقال معاوية لابن عامر : اجلس فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : من أحب أن يتمثل له الرجال قياماً فليتبوأ مقعده من النار . سنن أبي داود (5/398) و الأدب المفرد (ص 339) ، الشريعة للآجري (5/2464) . و أخرج ابن كثير في البداية والنهاية بسند صحيح ، أن معاوية رضي الله عنه ، كان إذا لقي الحسن بن علي رضي الله عنهما قال : مرحباً بابن رسول الله وأهلاً ، و يأمر له بثلاثمائة ألف ، و يلقى ابن الزبير رضي الله عنه فيقول : مرحباً بابن عمة رسول الله وابن حواريه ، ويأمر له بمئة ألف . البداية والنهاية (8/137) . |
رد: قصص الصحابة رضي الله عنهم والتابعين..
و أخرج الآجري عن الزهري قال : لما قتل علي بن أبي طالب رضي الله عنه و جاء الحسن بن علي رضي الله عنهما إلى معاوية ، فقال له معاوية : لو لم يكن لك فضل على يزيد إلا أن أمك من قريش و أمه امرأة من كلب ، لكان لك عليه فضل ، فكيف و أمك فاطمة بنت رسول صلى الله عليه وسلم ؟! . أنظر كتاب الشريعة (5/2469-2470) إسناده حسن .
و فضائل معاوية رضي الله عنه كثيرة ثابتة عموماً و خصوصاً ، فبالإضافة إلى ما ذكرت ، أورد شيئاً منها .. فأما العموم .. فلما رواه البخاري ومسلم من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه مرفوعاً ( لا تسبوا أصحابي فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولانصيفه ) . وأهل العلم مجمعون قاطبة على أن معاوية من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، ولا شك أنه داخل في عموم هذا النص ، فمن سبه أو طعن فيه آثم بلا ريب بل سب الصحابة رضي الله عنهم من الكبائر . وأما خصوصاً .. فلما رواه مسلم من حديث ابن عباس قال : كنت ألعب مع الصبيان فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فتواريت خلف باب ، فجاء فحطأني حطأة وقال : اذهب وادع لي معاوية ، قال : فجئت فقلت هو يأكل ، قال : ثم قال لي : اذهب فادع لي معاوية ، قال : فجئت فقلت : هو يأكل ، فقال : لا اشبع الله بطنه . قال الحافظ الذهبي في التذكرة (2/699) : لعل هذه منقبة لمعاوية لقول النبي صلى الله عليه وسلم : اللهم من لعنته أو شتمته فاجعل ذلك له زكاة و رحمة . وقال الإمام النووي رحمه الله في شرح صحيح مسلم (16/156) : قد فهم مسلم رحمه الله من هذا الحديث أن معاوية لم يكن مستحقاً للدعاء عليه ، فلهذا أدخله في هذا الباب ، وجعله من مناقب معاوية لأنه في الحقيقة يصير دعاءً له . قلت : وهذا الحديث أخرجه مسلم تحت الأحاديث التي تندرج تحت باب من لعنه النبي صلى الله عليه وسلم أو سبه أو دعا عليه ، وليس هو أهلاً لذلك كان له زكاة وأجراً و رحمة . ومن فضائله ما قاله ابن عباس رضي الله عنه : ما رأيت رجلاً كان أخلق للملك من معاوية ، كان الناس يردون منه على أرجاء واد رحب ، و لم يكن بالضيق الحصر العصعص المتغضب . رواه عبد الرزاق في المصنف (برقم 20985) بسند صحيح . إلى غيرها من الفضائل .. |
رد: قصص الصحابة رضي الله عنهم والتابعين..
أما ما يتشدق به البعض من نقلهم عن اسحاق بن راهوية أنه قال : ( لا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم في فضل معاوية شيء ) .
فلا يثبت عنه ، فقد أخرج الحاكم كما في السير للذهبي (3/132) والفوائد المجموعة للشوكاني ( ص 407) عن الأصم أبي العباس محمد بن يعقوب الأصم حدثنا أبي ، سمعت ابن راهوية فذكره . و في الفوائد : سقطت ( حدثنا أبي ) ، و هي ثابتة فالأصم لم يسمع من ابن راهوية . قلت : يعقوب بن يوسف بن معقل أبو الفضل النيسابوري والد الأصم مجهول الحال ، فقد ترجمة الخطيب في تاريخه (14/286) فما زاد على قوله : قدم بغداد وحدث بها عن إسحاق بن راهوية ، روى عنه محمد بن مخلد . ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً ، وله ذكر في ترجمة ابنه من السير (15/453) ولم يذكر فيه الذهبي أيضاً جرحاً ولا تعديلاً ، وذكر في الرواة عنه عبد الرحمن بن أبي حاتم ، ولم أجده في الجرح والتعديل ، ولا في الثقات ابن حبان . و بهذا فإن هذا القول ضعيف لم يثبت عن إسحاق بن راهوية رحمه الله . و الذين لا يعرفون سيرة معاوية يستغربون إذا قلت لهم بأنه كان من الزاهدين و الصفوة الصالحين ، روى الإمام أحمد بسنده إلى علي بن أبي حملة عن أبيه قال : رأيت معاوية على المنبر بدمشق يخطب الناس و عليه ثوب مرقوع . كتاب الزهد (ص 172) . و أخرج ابن كثير عن يونس بن ميسر الزاهد - و هو أحد شيوخ الإمام الأوزاعي - قال : رأيت معاوية في سوق دمشق و هو مردف وراءه وصيفاً و عليه قميص مرقوع الجيب و يسير في أسواق دمشق . البداية و النهاية (8/134) . و قد أوردت هذه الأمثلة ليعلم الناس أن الصورة الحقيقية لمعاوية تخالف الصورة المكذوبة التي كان أعداؤه و أعداء الإسلام يصورونه بها ، فمن شاء بعد هذا أن يسمي معاوية خليفة ، أو أمير المؤمنين ، فإن سليمان بن مهران - الأعمش - و هو من الأئمة الأعلام الحفاظ كان يسمى بالمصحف لصدقه ، كاد يفضل معاوية على عمر بن عبد العزيز حتى في عدله . و من لم يملأ - أمير المؤمنين - معاوية عينه ، و أراد أن يضن عليه بهذا اللقب ، فإن معاوية مضى إلى الله عز وجل بعدله و حلمه و جهاده و صالح عمله ، وكان و هو في دنيانا لا يبالي أن يلقب بالخليفة أو الملك . انظر حاشية محب الدين الخطيب على العواصم من القواصم (ص 217) . و ذكر ابن العربي في كتابه العواصم أنه دخل بغداد و أقام فيها زمن العباسيين و المعروف أن بين بني العباس و بني أمية ما لا يخفى على الناس ، فوجد مكتوباً على أبواب مساجدها خير الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي ثم معاوية خال المؤمنين رضي الله عنهم أجمعين . العواصم من القواصم (ص 229-230) . و قد سئل عبد الله بن المبارك ، أيهما أفضل : معاوية بن أبي سفيان ، أم عمر بن عبد العزيز ؟ فقال : و الله إن الغبار الذي دخل في أنف معاوية مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل من عمر بألف مرة ، صلى معاوية خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : سمع الله لمن حمده ، فقال معاوية : ربنا ولك الحمد . فما بعد هذا ؟ وفيات الأعيان ، لابن خلكان (3 /33) ، و بلفظ قريب منه عند الآجري في كتابه الشريعة (5/2466) . |
رد: قصص الصحابة رضي الله عنهم والتابعين..
و أخرج الآجري بسنده إلى الجراح الموصلي قال : سمعت رجلاً يسأل المعافى بن عمران فقال : يا أبا مسعود ؛ أين عمر بن عبد العزيز من معاوية بن أبي سفيان ؟! فرأيته غضب غضباً شديداً و قال : لا يقاس بأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أحد ، معاوية رضي الله عنه كاتبه و صاحبه و صهره و أمينه على وحيه عز وجل . كتاب الشريعة للآجري ( 5/2466-2467) شرح السنة لللالكائي ، برقم (2785) . بسند صحيح .
و كذلك أخرج الآجري بسنده إلى أبو أسامة ، قيل له : أيهما أفضل معاوية أو عمر بن عبد العزيز ؟ فقال : أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يقاس بهم أحد . كتاب الشريعة (5/2465-2466) بسند صحيح ، و كذلك أخرج نحوه الخلال في السنة ، برقم (666) . و قد قال عبد الله بن المبارك رحمه الله : معاوية عندنا محنة ، فمن رأيناه ينظر إليه شزراً اتهمناه على القوم ، يعني الصحابة . انظر البداية والنهاية لابن كثير (8/139) . و سئل الإمام أحمد : ما تقول رحمك الله فيمن قال : لا أقول إن معاوية كاتب الوحي ، ولا أقول إنه خال المؤمنين فإنه أخذها بالسيف غصباً ؟ قال أبو عبد الله : هذا قول سوء رديء ، يجانبون هؤلاء القوم ، ولا يجالسون ، و نبين أمرهم للناس . انظر : السنة للخلال (2/434) بسند صحيح . وقال الربيع بن نافع الحلبي ( ت 241 هـ ) رحمه الله : معاوية ستر لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ، فإذا كشف الرجل الستر اجترأ على ما وراءه . البداية والنهاية (8/139) . فوائد .. قال محب الدين الخطيب رحمه الله : سألني مرة أحد شباب المسلمين ممن يحسن الظن برأيي في الرجال ما تقول في معاوية ؟ فقلت له : و من أنا حتى اسأل عن عظيم من عظماء هذه الأمة ، و صاحب من خيرة أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ، إنه مصباح من مصابيح الإسلام ، لكن هذا المصباح سطع إلى جانب أربع شموس ملأت الدنيا بأنوارها فغلبت أنوارها على نوره . حاشية محب الدين الخطيب على كتاب العواصم من القواصم ( ص 95) . و قبل أن أختم ، أورد رأياً طريفاً للمؤرخ العلامة ابن خلدون في اعتبار معاوية من الخلفاء الراشدين فقد قال : إن دولة معاوية و أخباره كان ينبغي أن تلحق بدول الخلفاء الراشدين و أخبارهم ، فهو تاليهم في الفضل والعدالة والصحبة . أنظر هذا القول في العواصم من القواصم ( ص 213) . و ما ضر المسك معاوية عطره ، أن مات من شمه الزبال والجعل .. رغم أنف من أبى .. و جزاكم الله خيراً .. -------------------- (1) معاوية رضي الله عنه هو الميزان في حب الصحابة : هو أحد كتاب الوحي .. وهو الميزان في حب الصحابة .. ومفتاح الصحابة ..!! رضي الله عن الخلفاء الأربعة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي .. وعن الصحابة أجمعين .. وعن التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين ..!! قال ابن تيمية رحمه الله : كل من كان عن التوحيد والسنة أبعد ، كان إلى الشرك والابتداع والافتراء أقرب |
رد: قصص الصحابة رضي الله عنهم والتابعين..
عباد بن بشر
معه من الله نور عندما نزل مصعب بن عمير المدينة موفدا من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ليعلم الأنصار الذين بايعوا الرسول على الاسلام، وليقيم بهم الصلاة، كان عباد بن بشر رضي الله عنه واحدا من الأبرار الذين فتح الله قلوبهم للخير، فأقبل على مجلس مصعب وأصغى اليه ثم بسط يمينه يبايعه على الاسلام، ومن يومئذ أخذ مكانه بين الأنصار الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه.. وانتقل النبي الى المدينة مهاجرا، بعد أن سبقه اليها المؤمنون بمكة. وبدأت الغزوات التي اصطدمت فيها قوى الخير والنور مع قوى الظلام والشر. وفي تلك المغازي كان عباد بن بشر في الصفوف الأولى يجاهد في سبيل الله متفانيا بشكل يبهر الألباب. ** ولعل هذه الواقعة التي نرويها الآن تكشف عن شيء من بطولة هذا المؤمن العظيم.. بعد أن فرغ رسول الله والمسلمين من غزوة ذات الرقاع نزلوا مكانا يبيتون فيه، واختار الرسول للحراسة نفرا من الصحابة يتناوبونها وكان منهم عمار بن ياسر وعباد بن بشر في نوبة واحدة. ورأى عباد صاحبه عمار مجهدا، فطلب منه أن ينام أول الليل على أن يقوم هو بالحراسة حتى يأخذ صاحبه من الراحة حظا يمكنه من استئناف الحراسة بعد أن يصحو. ورأى عباد أن المكان من حوله آمن، فلم لا يملأ وقته اذن بالصلاة، فيذهب بمثوبتها مع مثوبة الحراسة..؟! وقام يصلي.. واذ هو قائم يقرأ بعد فاتحة الكتاب سور من القرآن، احترم عضده سهم فنزعه واستمر في صلاته..! ثم رماه المهاجم في ظلام الليل بسهم ثان نزعه وأنهى تلاوته.. ثم ركع، وسجد.. وكانت قواه قد بددها الاعياء والألم، فمدّ يمينه وهو ساجد الى صاحبه النائم جواره، وظل يهزه حتى استيقظ.. ثم قام من سجوده وتلا التشهد.. وأتم صلاته. وصحا عمار على كلماته المتهدجة المتعبة تقول له: " قم للحراسة مكاني فقد أصبت". ووثب عمار محدثا ضجة وهرولة أخافت المتسللين، ففرّوا ثم التفت الى عباد وقال له: " سبحان الله.. هلا أيقظتني أوّل ما رميت"؟؟ فأجابه عباد: " كنت أتلو في صلاتي آيات من القرآن ملأت نفسي روعة فلم أحب أن أقطعها. ووالله، لولا أن أضيع ثغرا أمرني الرسول بحفظه، لآثرت الموت على أن أقطع تلك الآيات التي كنت أتلوها"..!! ** |
رد: قصص الصحابة رضي الله عنهم والتابعين..
كان عباد شديد الولاء والحب لله، ولرسوله ولدينه.. وكان هذا الولاء يستغرق حياته كلها وحسه كله. ومنذ سمع النبي عليه الصلاة والسلام يقول مخاطبا الأنصار الذين هو منهم: " يا معشر الأنصار.. أنتم الشعار، والناس الدثار.. فلا أوتيّن من قبلكم". نقول منذ سمع عباد هذه الكلمات من رسوله، ومعلمه، وهاديه الى الله، وهو يبذل روحه وماله وحياته في سبيل الله وفي سبيل رسوله.. في مواطن التضحية والموت، يجيء دوما أولا.. وفي مواطن الغنيمة والأخذ، يبحث عنه أصحابه في جهد ومشقة حتى يجدوه..! وهو دائما: عابد، تستغرقه العبادة.. بطل، تستغرقه البطولة.. جواد، يستغرقه الجود.. مؤمن قوي نذر حياته لقضية الايمان..!! وقالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: " ثلاثة من الأنصار لم يجاوزهم في الفضل أحد: " سعد بن معاذ.. وأسيد بن خضير.. وعبّاد بن بشر... ** وعرف المسلمون الأوائل عبادا بأنه الرجل الذي معه نور من الله.. فقد كانت بصيرته المجلوّة المضاءة تهتدي الى مواطن الخير واليقين في غير بحث أو عناء.. بل ذهب ايمان اخوانه بنوره الى الحد الذي أسبغوا عليه في صورة الحس والمادة، فأجمعوا على ان عبادا كان اذا مشى في الظلام انبعثت منه أطياف نور وضوء، تضيء له الطريق.. ** وفي حروب الردة، بعد وفاة الرسول عليه السلام، حمل عباد مسؤولياته في استبسال منقطع النظير.. وفي موقعة اليمامة التي واجه المسلمون فيها جيشا من أقسى وأمهر الجيوش تحت قيادة مسيلمة الكذاب أحسّ عبّاد بالخطر الذي يتهدد الاسلام.. وكانت تضحيته وعنفوانه يتشكلان وفق المهام التي يلقيها عليه ايمانه، ويرتفعان الى مستوى احساسه بالخطر ارتفاعا يجعل منه فدائيا لا يحرص على غير الموت والشهادة.. ** |
رد: قصص الصحابة رضي الله عنهم والتابعين..
وقبل أن تبدأ معركة اليمامة بيوم، رأى في منامه رؤيا لم تلبث أن فسرت مع شمس النهار، وفوق أرض المعركة الهائلة الضارية التي خاضها المسلمون..
ولندع صحابيا جليلا هو أبو سعيد الخدري رضي الله عنه يقص علينا الرؤيا التي رآها عبّاد وتفسيره لها، ثم موقفه الباهر في القتال الذي انتهى باستشهاده.. يقول أبو سعيد: " قال لي عباد بن بشر يا أبا سعيد رأيت الليلة، كأن السماء قد فرجت لي، ثم أطبقت عليّ.. واني لأراها ان شاء الله الشهادة..!! فقلت له: خيرا والله رأيت.. واني لأنظر اليه يوم اليمامة، وانه ليصيح بالأنصار: احطموا جفون السيوف، وتميزوا من الناس.. فسارع اليه أربعمائة رجل، كلهم من الأنصار، حتى انتهوا الى باب الحديقة، فقاتلوا أشد القتال.. واستشهد عباد بن بشر رحمه الله.. ورأيت في وجهه ضربا كثيرا، وما عرفته الا بعلامة كانت في جسده.. ** هكذا ارتفع عباد الى مستوى واجباته كؤمن من الأنصار، بايع رسول الله على الحياة لله، والموت في سبيله.. وعندما رأى المعركة الضارية تتجه في بدايتها لصالح الأعداء، تذكر كلمات رسول الله لقومه الأنصار: " أنتم الشعار.. فلا أوتيّن من قبلكم".. وملأ الصوت روعه وضميره.. |
رد: قصص الصحابة رضي الله عنهم والتابعين..
حتى لكأن الرسول عليه الصلاة والسلام قائم الآن يردده كلماته هذه..
وأحس عباد أن مسؤولية المعركة كلها انما تقع على كاهل الأنصار وحدهم.. أو على كاهلهم قبل سواهم.. هنالك اعتلى ربوة وراح يصيح: " يا معشر الأنصار.. احطموا جفون السيوف.. وتميزوا من الناس.. وحين لبّى نداءه أربعمائة منهم قادهم هو وأبو دجانة والبراء ابن مالك الى حديقة الموت حيث كان جيش مسيلمة يتحصّن.. وقاتل البطل القتال اللائق به كرجل.. وكمؤمن.. وكأنصاري.. ** وفي ذلك اليوم المجيد استشهد عباد.. لقد صدقت رؤياه التي رآها في منامه بالأمس.. ألم يكن قد رأى السماء تفتح، حتى اذا دخل من تلك الفرجة المفتوحة، عادت السماء فطويت عليه، وأغلقت؟؟ وفسرّها هو بأن روحه ستصعد في المعركة المنتظرة الى بارئها وخالقها..؟؟ لقد صدقت الرؤيا، وصدق تعبيره لها. ولقد تفتحت أبواب السماء لتستقبل في حبور، روح عبّاد بن بشر.. الرجل الذي كان معه من الله نور..!! |
رد: قصص الصحابة رضي الله عنهم والتابعين..
الصـــــــحابة
راهب الليل عبد الله بن عمر بن الخطاب إنه الصحابي الكريم عبد الله بن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-، ولد بعد البعثة النبوية الشريفة بثلاث سنوات، وعندما هاجر كان عمره إحدى عشرة سنة، وفي غزوة أحد أراد أن يخرج للجهاد، فعرض نفسه على النبي ( فردَّه لصغر سنه، وفي غزوة الخندق ظل يلح على النبي ( حتى وافق على خروجه، وكان عمره خمس عشرة سنة، واستمر بعد ذلك يجاهد في جميع الغزوات والمواقع. وكان -رضي الله عنه- يتبع آثار النبي ( ويقتدي به في جميع أموره؛ لدرجة أنه كان يتحرى أن يصلي في كل مكان صلى فيه النبي (، ويسير في كل طريق سار فيه، رجاء أن توافق صلاته أو مشيته مكانًا صلى فيه الرسول ( أو سار فيه، وعلم أن النبي ( نزل تحت شجرة يستظل بها، فكان عبدالله ينزل عندها، ويتعهدها بالسقي فيصب في جذرها حتى لا تيبس. [ابن سعد]. يقول عبد الله: كان الرجل في حياة النبي ( إذا رأى رؤيا قصها على النبي (، فتمنيت أن أرى رؤيا أقصها على النبي (، وكنت غلامًا شابًا، وكنت أنام في المسجد على عهد النبي (، فرأيت في النوم كأن ملكين أخذاني فذهبا بي إلى النار، فإذا هي مطوية كطي البئر، وإذا لها قرنان، وإذا فيها أناس قد عرفتهم فجعلت أقول: أعوذ بالله من النار، فلقينا ملك آخر، فقال لي: لم ترع (لا تخف)، فقصصتها على حفصة (أخته وزوج النبي ()، فقصتها حفصة على النبي (، فقال: (نعم الرجل عبد الله لو كان يصلي من الليل) قال سالم: فكان عبد الله لا ينام من الليل إلا قليلاً [متفق عليه]. وكان إذا فاتته العشاء في جماعة، أحيي بقية ليلته. [أبو نعيم]، وكان لعبد الله مهراس (حجر مجوف) يوضع فيه الماء للوضوء فيصلي ما قدر له، ثم يصير إلى الفراش فيغض إغفاء الطائر (ينام نومًا قصيرًا)، ثم يقوم فيتوضأ ويصلي، يفعل ذلك في الليل أربع مرات أو خمسًا. [ابن المبارك]. وكان عبد الله من أهل التقوى والورع والعلم، وكان مع علمه الشديد يتحرى في فتواه، ويخاف أن يفتي بدون علم، وقد جاءه يومًا رجل يستفتيه في شيء، فأجابه معتذرًا: لا علم لي بما تسأل عنه، ثم فرح وقال: سئل ابن عمر عما لا يعلم فقال: لا أعلم. وقال عنه ميمون بن مهران: ما رأيت أتقى من ابن عمر. وكان كارهًا لمناصب الدنيا، خائفًا من تحمل أعبائها، وقد أرسل إليه عثمان بن عفان -رضي الله عنه-، وعرض عليه منصب القضاء فرفض ابن عمر، وكان عبد الله يحب الحق ويكره النفاق، وقد جاء إليه عروة بن الزبير بن العوام وقال له: يا أبا عبد الرحمن، إنا نجلس إلى أئمتنا هؤلاء فيتكلمون بالكلام، ونحن نعلم أن الحق غيره فنصدقهم، ويقضون بالجور (أي يحكمون بين الناس بغير الحق) فنقويهم ونحسنه لهم، فكيف ترى في ذلك؟! فقال ابن عمر لعروة: يابن أخي، كنا مع رسول الله ( نعدَّ هذا النفاق، فلا أدرى كيف هو عندكم؟! |
رد: قصص الصحابة رضي الله عنهم والتابعين..
وذات يوم رأى رجلاً يمدح رجلاً آخر، فأخذ ابن عمر ترابًا ورمى به في وجهه وقال له: إن رسول الله ( قال: (إذا رأيتم المدَّاحين فاحثوا (ألقوا) في وجوههم التراب) [مسلم]. وكان رقيق القلب، حسن الطباع، لا يسمع ذكر النبي ( إلا بكى، وما كان يمر بمسجده وقبره ( إلا بكى حبًّا وشوقًا إليه.
وكان حسن الخلق لم يلعن خادمه قط، ولم يسَبَّ أحدًا طوال حياته، وقد ارتكب خادمه خطأ ذات مرة فهمَّ أن يشتمه، فلم يطاوعه لسانه، وندم على ما همَّ به فأعتقه لوجه الله تعالى، وكان قارئًا للقرآن، خاشعًا لله، وكلما قرأ أو سمع آية فيها ذكر القيامة بكى حتى تبتل لحيته من كثرة الدموع، فعن نافع قال: كان ابن عمر إذا قرأ: {ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله} [الحديد: 16] بكى حتى يغلبه البكاء. [أبو نعيم]. وكان يعظم صحابة النبي ( ويعرف قدرهم، وكان يخرج إلى السوق من أجل السلام على المسلمين فقط، وكان كثير التصدق وجوادًا كريمًا يكثر الإنفاق في سبيل الله، وكان إذا أحب شيئًا أو أعجب به أنفقه في سبيل الله، وكان من أشد الناس زهدًا في نعيم الدنيا، ومن أحسن الناس حبا لفعل الخير، فيحكى أنه كان مريضًا فقال لأهله: أني أشتهي أن آكل سمكًا فأخذ الناس يبحثون له عن سمك فلم يجدوا إلا سمكة واحدة بعد تعب شديد، فأخذتها زوجته صفية بنت أبي عبيدة فأعدتها، ثم وضعتها أمامه فإذا بمسكين يطرق الباب، فقال له ابن عمر: خذ هذه السمكة، فقال أهله: سبحان الله! قد أتْعَبتنا حتى حصلنا عليها، وتريد أن تعطيها للمسكين؟! كلْ أنت السمكة وسنعطي له درهما فهو أنفع له يشتري به ما يريد. فقال ابن عمر: لا أريد أن أحقق رغبتي وأقضي شهوتي، إنني أحببت هذه السمكة فأنا أعطيها المسكين إنفاقًا لِمَا أُحِبُّ في سبيل الله. [ابن سعد وأبو نعيم والهيثمي]. وبينما كان عبد الله -رضي الله عنه- يؤدي فريضة الحج أصابه سن رمح كان مع أحد الرجال في منى فجرحه، فأدى هذا الجرح إلى وفاته، ودفن بمكة في سنة (73هـ)، وقد روى كثيرًا من أحاديث الرسول (، حيث روى ألفين وست مئة وثلاثين حديثًا. |
رد: قصص الصحابة رضي الله عنهم والتابعين..
بعض الخصائص التى تميز بها الصحابه
جهدهم المنقطع النظير في الدنيا ، قد يأتي أفراد في الدنيا يكونون في الزهد على درجة عالية ، لكن الزهد الجماعي الذي عاشه الصحابة، والتخلي عن ملذات الدنيا ، وطلب رضوان الله عز وجل ، وطلب ما عند الله عز وجل أمر عظيم ، وفي حديث أبي هريرة المشهور ، قال : صليت المغرب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما انصرف الناس تعرضت لعمر بن الخطاب ما بي إلا الجوع ، الجوع الشديد الذي كان يصيب أبا هريرة ، حتى يقول : والذي نفي بيده لقد كنت اصرع بين المنبر وبين بيت الرسول صلى الله عليه وسلم من شدة الجوع ، فيظن الناس أن بي مسا من الجنون ! قال : فتصديت لعمر فسألته عن الآيات من أواخر سورة آل عمران فتلاها . قال : فتصديت لأبي بكر وسألته عن الآيات . قال : اعرفها ، فتلاها علي فخرج صلى الله عليه وسلم فتصدى له أبو هريرة ، فسأله عن الآيات من آخر سورة آل عمران ، فضحك صلى الله عليه وسلم ، ثم اخذه بيده ودخل على إحدى زوجاته . فقال : أعندكم طعام . قالت لا ، إلا شيء من لبن أرسله لنا بنو فلان من الأنصار . قال : يا أبا هريرة ،أطلق إلى أهل الصفة فتعال بهم . قال أبو هريرة لنفسه :ماذا يصنع هذا اللبن مع أهل الصفة ؟ وهم فقراء بالعشرات في المسجد ، وماذا يبقى لي ، قال : فاخذوا أماكنهم. قال صلى الله عليه وسلم : (( يا أبا هريرة ، خذ الكوب وناول الناس )) ، فيأخذ الإناء يملؤه ويعطيهم واحدا واحداً ، حتى رووا من اللبن . قال : (( يا أبا هريرة ، بقيت أنا وأنت )) . قال : صدقت ، يا رسول الله . قال : (( اشرب )) . والرسول صلى الله عليه وسلم يبتسم . فشرب ، قال: (( زد )) ، فشرب ، قال : ( زد)) ،فشرب قال : (( زد )) . قال : والذي نفسي بيده ، يا رسول الله ، لا أجد له مسلكا . رأى ابن عمر رفقة من أهل اليمن ، رحالهم الجلود الممزقة القديمة ، فقال : من أحب أن ينظر إلى شبه أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم فلينظر إلى هؤلاء . وعن عائشة قالت : مات أبو بكر فما ترك دينارا ولا درهما ، وكان قد أخذ قبل ذلك ماله فألقاه في بيت المال . وفي سيرة أبي بكر ، رضي الله عنه : انه ترك بغلة وثوبين ، فدفعهما إلى عمر ، وكتب له سطرين ، قال : يا عمر ، قد وليتك امر أمة محمد ، فاتق الله ، لا يصرعنك الله مصرعا كمصرعي . فلما وصلت عمر جلس يبكي ، ويقول : أتعبت الخلفاء بعدك ، يا أبا بكر . وفي (( كتب السير )) أن سعد بن أبي وقاص لما فتح المدائن وجد المائدة الكبرى ؛ مائدة انو شروان ، مائدة مرصعة بالذهب والزمرد واللؤلؤ والدر . فحملوها على الرؤوس ، ووضعوها على جمل ، وأرسلوها لعمر . فلما رآها عمر بكى ، وقال : والذي نفسي بيده ، إن رجالا بلغوها اياي لأمناء . فهذا زهدهم ، رضي الله عنهم ، الذي ميزهم عن غيرهم . علم اليقين ، فهم ارفع من كل الطبقات والقرون بعلم اليقين أي : انهم يعبدون الله بعلم اليقين ،فالواحد منهم في الصباح يذهب إلى المعركة ، ويقول لأهله : استودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه . قالوا : تعود إلينا ؟ قال : والله ، لا أعود ، أريد جنة عرضها السماوات والأرض . ابن رواحة يقول له الصحابة : يا ابن رواحة عد لنا بالسلامة . قال لا ، لا أريد أن أعود . قالوا : لماذا ؟ قال : لكنني أسأل الرحمن مغفرة *** وطعنة ذات فرغ تقذف الزبدا حتى يقال إذا مروا على جدثي *** يا ارشد الله من غاز وقد رشدا |
رد: قصص الصحابة رضي الله عنهم والتابعين..
ذكر عن علي ، رضي الله عنه وأرضاه ، انه قال : والذي نفسي بيده لو كشف الله لي الغطاء ما زدت على ما عندي من إيمان حبة خردل .
ونحن عندنا الظن ، يعني : نصدق بأن هناك جنة ، لكن أعمالنا وتطبيقنا وصلاحنا لا يدل على هذا . ومن الناس من وصل إلى حال مناقض لحال الصحابة ، فلم يعد يبصر إلا المادة . يقول أحدهم وهو المتنبي خذ ما رأيت ودع شيئا ودع شيئا سمعت به *** في طلعة البدر ما يغنيك عن زحل أي : تعجل شهوات ، ويقول آخر : لبست ثوب العمر لم استشر وتهت فيه بين شتى الصور فما أطال النوم عمرا ولا *** قصر في الأعمار طول السهر يقول : اشرب ، وكل ، واعص الله ، فانك لا تدري ما النتيجة تخرج ، أو لا تخرج من هذه الدنيا !! فالصحابة كانوا يعبدون الله على علم اليقين . اهتمامهم باجتماع الكلمة ، ونبذ الفرقة فإن الله سبحانه وتعالى ذم الخلاف ، ونهى عن التفرق ، فقال )وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا )(آل عمران: من الآية 103) ، وقال سبحانه وتعالى : {وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} (آل عمران:105) ، فالصحابة كانوا يحرصون على اجتماع الكلمة ، وكانوا نصحة . فعن سليم بن قيس العامري ،قال : سأل ابن الكوا – أحد الخوارج – عليا عن السنة والبدعة ، وعن الجماعة والفرقة . فقال : يا ابن الكوا ، حفظت المسالة ، فافهم الجواب : السنة ، والله ، سنة محمد صلى الله عليه وسلم ، والبدعة ما فارقها ، والجماعة ،والله ، ما اجتمع عليه أهل الحق ، وان قلوا ، والفرقة ما فارق ذلك ، واجتمع عليه أهل الباطل . وجاء رجل إلى علي ، رضي الله عنه ، فقال : يا ابن أبي طالب ، أتدري أن أولئك على باطل وأنت على حق ؟ قال : ويل ، اعرف الحق تعرف أهله ، ولا تعرف الحق بالرجال . فكانوا يحرصون على اجتماع الكلمة . ومن ذلك : ما جاء عن قتادة قال : لما بلغ ابن مسعود أن عثمان صلى بمنى أربعا استرجع ،ثم قام فصلى أربعا . فقيل له استرجعت ثم صليت أربعا . قال : الخلاف شر ، الخلاف شر . فكانوا ، رضي الله عنهم ، احرص الناس على الائتلاف ونبذ الفرقة . |
رد: قصص الصحابة رضي الله عنهم والتابعين..
أنهم أهل السنة والجماعة أهل التضحيات الكبرى ، فبالله لا تذكر للناس سجلي ، ولا سجلك فيما قدمنا للإسلام ، فلي عندنا شيء .
لا تعرضن بذكرنا مع ذكرهم *** ليس الصحيح إذا مشى كالمقعد فليس لنا سجلات من العمل الإسلامي ، كالصحابة رضوان الله عليهم ، لكن الصحابة يكفيك أن تنظر لترجمة الواحد منهم لترى التضحيات . قالوا : حضر إحدى وعشرين غزوة ، وقالوا عن الثاني : وقطعت يده في اليمامة .. وقالوا عن الثالث : قتل أبناؤه الأربعة في القادسية ، فكل منهم كما قال النابغة : ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم *** بهن فلول من قراع الكتائب |
رد: قصص الصحابة رضي الله عنهم والتابعين..
الصـــــــحابة
أول من جهر بالقرآن عبد الله بن مسعود إنه الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-، كان مولى لعقبة بن أبي معيط، يرعى غنمه في شعاب مكة، فمرَّ عليه النبي ( ومعه الصديق -رضي الله عنه- ذات يوم، فقال له النبي (: (يا غلام هل من لبن؟). فقال عبد الله: نعم، ولكني مؤتمن، فقال له رسول الله (: (فهل من شاة حائل لم ينـز عليها الفحل). فقال: نعم، ثم أعطاه شاة ليس في ضرعها لبن، فمسح رسول الله ( ضرعها بيده الشريفة، وهو يتمتم ببعض الكلمات، فنزل اللبن بإذن الله، فحلبه الرسول ( بيده في إناء، وشرب، وسقى أبا بكر، ثم قال النبي ( للضرع: (اقلص)، فجف منه اللبن، فقال عبد الله في دهشة وتعجب: علمني من هذا القول الذي قلته. فنظر إليه رسول الله ( في رفق ومسح على رأسه، وصدره وقال له: (إنك غُليِّم معلم)، ثم تركه وانصرف. [أحمد]. سرت أنوار الهداية في عروق ابن مسعود، فعاد إلى سيده بالغنم، ثم أسرع إلى مكة يبحث عن ذلك الرجل وصاحبه حتى وجده، وعرف أنه نبي مرسل، فأعلن ابن مسعود إسلامه بين يديه، وكان بذلك سادس ستة يدخلون في الإسلام، وذات يوم، اجتمع أصحاب النبي (، فقالوا: والله ما سمعت قريش هذا القرآن يجهر لها به قط، فمن رجل يسمعهموه؟ فقام عبد الله، وقال: أنا. فقالوا له: إنا نخشاهم عليك، إنما نريد رجلاً له عشيرة يمنعونه من القوم إن أرادوه. قال: دعوني، فإن الله سيمنعني. ثم ذهب إلى الكعبة، وكان في وقت الضحى، فجلس ورفع صوته بالقرآن، وقرأ مسترسلاً: {بسم الله الرحمن الرحيم. الرحمن . علم القرآن} [الرحمن: 1-2]، فنظر إليه أهل مكة في تعجب ودهشة، فمن يجرؤ على أن يفعل ذلك في ناديهم؟ وأمام أعينهم؟! فقالوا في دهشة: ماذا يقول ابن أم عبد؟! ثم أنصتوا جيدًا إلى قوله، وقالوا في غضب: إنه ليتلو بعض ما جاء به محمد، ثم قاموا إليه، وضربوه ضربًا شديدًا، وهو يستمر في قراءته حتى أجهده الضرب، وبلغ منه الأذى مبلغًا عظيمًا، فكفَّ عن القراءة، فتركه أهل مكة وهم لا يشكون في موته، فقام إليه أصحابه، وقد أثَّر الضرب في وجهه وجسده، فقالوا له: هذا الذي خشينا عليك. فقال: ما كان أعداء الله أهون عليَّ منهم الآن، ولئن شئتم لأغادينهم بمثلها غدًا (أي أفعل ذلك مرة أخرى)، قالوا: لا، لقد أسمعتهم ما يكرهون. |
رد: قصص الصحابة رضي الله عنهم والتابعين..
وهاجر ابن مسعود الهجرتين، وآخى رسول الله ( بينه وبين الزبير بن العوام -رضي الله عنه- في المدينة، وكان ابن مسعود من أحرص المسلمين على الجهاد في سبيل الله، شارك في جميع غزوات المسلمين، ويوم بدر ذهب عبد الله إلى رسول الله ( مبشرًا له، وقال: يا رسول الله، أني قتلت أبا جهل، ففرح بذلك رسول الله (، ووهبه سيف
أبي جهل مكافأة له على ذلك. وكان ابن مسعود أعلم أصحاب رسول الله بقراءة القرآن، ومن أنداهم صوتًا به، ولذا كان رسول الله ( يقول: (استقرئوا القرآن من أربعة: من عبد الله بن مسعود، وسالم مولى أبي حذيفة، وأبي بن كعب، ومعاذ بن جبل) [البخاري]. وقال (: (من سره أن يقرأ القرآن غضًّا كما أنزل، فليقرأه على قراءة ابن أم عبد) [البزار]. وكان رسول الله ( يحب سماع القرآن منه، فقال له ذات مرة: (اقرأ عليَّ)، فقال عبد الله: أقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال: (أني أحب أن أسمعه من غيري)، فقرأ ابن مسعود من سورة النساء حتى وصل إلى قوله تعالى: {فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدًا} [النساء: 14]، فبكى رسول الله ( وقال: (حسبك الآن) [البخاري]. وكان ابن مسعود يقول: أخذت من فم رسول الله ( سبعين سورة. وكان يقول عن نفسه كذلك: أني لأعلم الصحابة بكتاب الله، وما أنا بخيرهم، وما في كتاب الله سورة ولا آية إلا وأنا أعلم فيما نزلت ومتى نزلت. وكان عبد الله بن عباس -رضي الله عنه- يقول: كان النبي ( يعرض القرآن على جبريل في كل عام مرة، فلما كان العام الذي مات فيه النبي ( عرضه عليه مرتين، وحضر ذلك عبد الله بن مسعود، فعلم ما نسخ من ذلك وما بدل. وقال حذيفة -رضي الله عنه-: لقد علم المحفظون من أصحاب رسول الله ( أن عبد الله بن مسعود كان من أقربهم وسيلة إلى الله يوم القيامة، وأعلمهم بكتاب الله. وكان عبد الله شديد الحب لله ولرسوله (، وظل ملازمًا للنبي (، يسير معه حيث سار، يخدم النبي (، يلبسه نعله، ويوقظه إذا نام، ويستره إذا اغتسل. وكان النبي ( يحبه ويقربه منه، ويدنيه ويقول له: (إذنك عليَّ أن يرفع الحجاب، وأن تستمع سوادي (أسراري) حتى أنهاك) [مسلم]. فسمي عبد الله بن مسعود منذ ذلك اليوم بصاحب السواد والسواك، وقد بشره رسول الله ( بالجنة، وكان يقول عنه: لو كنت مؤمرًا أحدًا (أي مستخلفًا أحدًا) من غير مشورة منهم لأمرت (أي استخلفت) عليهم ابن أم عبد) [الترمذي]. وقال (: (وتمسكوا بعهد ابن مسعود) _[الترمذي]، وروي عنه ( أنه قال: (رضيت لأمتي ما رضي لها ابن أم عبد) [الحاكم]. ويروى أن رسول الله ( أمر عبد الله بن مسعود أن يصعد شجرة فيأتيه بشيء منها، فلما رأى أصحابه ساقيه ضحكوا، فقال (: (ما تضحكون؟ لَرِجْلُ عبد الله أثقل في الميزان يوم القيامة من أحد) [أحمد وابن سعد وأبو نعيم]. وفي خلافة الفاروق -رضي الله عنه- أرسل عمر إلى أهل الكوفة عمار بن ياسر وعبد الله بن مسعود -رضي الله عنهما-، وقال: عمار أمير، وابن مسعود معلم ووزير، ثم قال لأهل الكوفة: لقد آثرتكم بعبد الله بن مسعود على نفسي. وجاء رجل من أهل الكوفة إلى عمر في موسم الحج، فقال له: يا أمير المؤمنين، جئتك من الكوفة، وتركت بها رجلاً يحكى المصحف عن ظهر قلب. فقال عمر: ويحك؛ ومن هو؟ فقال الرجل: هو عبد الله بن مسعود. فقال عمر: والله، ما أعلم من الناس أحدًا هو أحق بذلك منه. وكان عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- عالما حكيمًا، ومن أقواله المأثورة قوله: أيها الناس، عليكم بالطاعة والجماعة، فإنها حبل الله الذي أمر به، وإن ما تكرهون في الجماعة خير مما تحبون في الفرقة. وكان -رضي الله عنه- يقول: أني لأمقت (أكره) الرجل إذ أراه فارغًا، ليس في شيء من عمل الدنيا ولا عمل الآخرة. وعندما مرض عبد الله بن مسعود مرض الموت، دخل عليه أمير المؤمنين عثمان بن عفان -رضي الله عنه- يزوره، وقال له: أنأمر لك بطبيب؟ فقال عبد الله: الطبيب أمرضني. فقال عثمان: نأمر لبناتك بمال، وكان عنده تسع بنات، فقال عبد الله: لا، أني علمتهن سورة، ولقد سمعت رسول الله ( يقول: (من قرأ سورة الواقعة لا تصيبه الفاقة أبدًا) [ابن عساكر]. ويلقى ابن مسعود ربه على ذلك الإيمان الصادق، واليقين الثابت، طامعًا فيما عند الله، زاهدًا في نعيم الدنيا الزائف، فيموت -رضي الله عنه- سنة (32 هـ)، وعمره قد تجاوز (60) عامًا ويدفن بالبقيع. وقد روى ابن مسعود -رضي الله عنه- كثيرًا من أحاديث رسول الله (، وروى عنه بعض الصحابة والتابعين -رضي الله عنهم-. |
رد: قصص الصحابة رضي الله عنهم والتابعين..
بَعْثَةُ الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ إلَى بَنِي الْمُصْطَلِقِ
قَالُوا : بَعَثَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الْوَلِيدَ بْنَ عُقْبَةَ بْنَ أَبِي مُعَيْطٍ إلَى صَدَقَاتِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ وَكَانُوا قَدْ أَسْلَمُوا وَبَنَوْا الْمَسَاجِدَ بِسَاحَاتِهِمْ . فَلَمّا خَرَجَ إلَيْهِمْ الْوَلِيدُ وَسَمِعُوا بِهِ قَدْ دَنَا مِنْهُمْ خَرَجَ مِنْهُمْ عِشْرُونَ رَجُلًا يَتَلَقّوْنَهُ بِالْجُزُرِ وَالنّعَمِ فَرَحًا بِهِ وَلَمْ يَرَوْا أَحَدًا يُصَدّقُ بَعِيرًا قَطّ وَلَا شَاةً فَلَمّا رَآهُمْ وَلّى رَاجِعًا إلَى الْمَدِينَةِ وَلَمْ يَقْرَبْهُمْ فَأَخْبَرَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّهُ لَمّا دَنَا مِنْهُمْ لَقُوهُ . مَعَهُمْ السّلَاحُ يَحُولُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصّدَقَةِ فَهَمّ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنْ يَبْعَثَ إلَيْهِمْ مَنْ يَغْزُوهُمْ . وَبَلَغَ ذَلِكَ الْقَوْمَ فَقَدِمَ عَلَيْهِ الرّكْبُ الّذِينَ لَقُوا الْوَلِيدَ فَأَخْبَرُوا النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الْخَبَرَ وَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللّهِ سَلْهُ هَلْ نَاطَقَنَا أَوْ كَلّمَنَا ؟ وَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ نُكَلّمُهُ وَنَعْتَذِرُ فَأَخَذَهُ الْبُرَحَاءُ فَسُرّيَ عَنْهُ وَنَزَلَ عَلَيْهِ يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيّنُوا الْآيَةَ . فَقَرَأَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الْقُرْآنَ وَأَخْبَرَنَا بِعُذْرِنَا وَمَا نَزَلَ فِي صَاحِبِنَا ، ثُمّ قَالَ مَنْ تُحِبّونَ أَبْعَثُ إلَيْكُمْ ؟ قَالُوا : تَبْعَثُ عَلَيْنَا عَبّادَ بْنَ بِشْرٍ . فَقَالَ يَا عَبّادُ سِرْ مَعَهُمْ فَخُذْ صَدَقَاتِ أَمْوَالِهِمْ وَتَوَقّ كَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ . قَالَ فَخَرَجْنَا مَعَ عَبّادٍ يُقْرِئُنَا الْقُرْآنَ وَيُعَلّمُنَا شَرَائِعَ الْإِسْلَامِ حَتّى أَنَزَلْنَاهُ فِي وَسَطِ بُيُوتِنَا ، فَلَمْ يُضَيّعْ حَقّا وَلَمْ يَعْدُ بِنَا الْحَقّ . وَأَمَرَهُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَأَقَامَ عِنْدَنَا عَشْرًا ، ثُمّ انْصَرَفَ إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ رَاضِيًا |
رد: قصص الصحابة رضي الله عنهم والتابعين..
الصـــــــحابة
حِب رسول الله ( زيد بن حارثة إنه زيد بن حارثة -رضي الله عنه-، وكان يسمى قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم زيد بن محمد، وكانت أمه سعدى بنت ثعلبة قد أخذته معها، وهو ابن ثمان سنوات، لزيارة أهلها في بني مَعْن، ومكثت سُعدى في قومها ما شاء الله لها أن تمكث، وفوجئ أهل معن بإحدى القبائل المعادية تهجم عليهم، وتنزل الهزيمة بهم، وتأخذ من بين الأسرى زيدًا. وعادت الأم إلى زوجها وحيدة، فلم يكد يعرف حارثة الخبر حتى سقط مغشيًا عليه، وحمل عصاه فوق ظهره، ومضى يجوب الديار، ويقطع الصحارى، يسأل القبائل والقوافل عن ابنه وقرة عينه، حتى جاء موسم الحج والتجارة، فالتقى رجال من قبيلة حارثة بزيد في مكة، ونقلوا له لوعة أبويه، فقص عليهم زيد حكايته، وكيف هاجم بنو القَيْن قبيلة أمه واختطفوه، ثم باعوه في سوق عكاظ لرجل من قريش اسمه حكيم بن حزام بن خويلد، فأعطاه لعمته خديجة بنت خويلد التي وهبته لزوجها محمد بن عبد الله، فقبله وأعتقه، ثم قال زيد للحجاج من قومه: أخبروا أبي أني هنا مع أكرم والد. فلما عاد القوم أخبروا أباه، ولم يكد حارثة يعلم مكان ابنه حتى خرج هو وأخوه إلى مكة فسألا عن محمد بن عبد الله، فقيل لهما: إنه في الكعبة -وكان النبي ( لم يبعث بعد- فدخلا عليه فقالا: يا ابن عبد المطلب، يا ابن سيد قومه، أنتم أهل حرم الله وجيرانه، تفكون العاني، وتطعمون الأسير، جئناك في ولدنا، فامنن علينا، وأحسن في فدائه، فترك النبي ( لزيد حرية الاختيار، فقال لهما: (ادعوا زيدًا، خيروه، فإن اختاركم فهو لكم بغير فداء، وإن اختارني فوالله ما أنا بالذي أختار على من اختارني فداء). ففرح حارثة، وقال للنبي (: لقد أنصفتنا، وزدتنا، وأحسنت إلينا، فلما جاء زيد سأله النبي (: (أتعرف هؤلاء؟) قال زيد: نعم: هذا أبي، وهذا عمي، فقال الرسول ( لزيد: (فأنا مَنْ قد علمت ورأيت، صحبتي لك، فاخترني أو اخترهما)، فقال زيد: ما أنا بالذي أختار عليك أحدًا، أنت مني مكان الأب والعم. فدهش أبوه وعمه وقالا: ويحك يا زيد أتختار العبودية على الحرية وعلى أبيك وعمك وأهل بيتك؟! |
رد: قصص الصحابة رضي الله عنهم والتابعين..
فقال زيد: نعم، قد رأيت من هذا الرجل شيئًا ما أنا بالذي أختار عليه أحدًا أبدًا. فلما رأى الرسول ( ذلك فرح فرحًا شديدًا، ودمعت عيناه، وأخذ زيدًا وخرج إلى حجر الكعبة حيث قريش مجتمعة، ونادى: (يا من حضر، اشهدوا أن زيدًا ابني يرثني وأرثه) [ابن حجر]. فلما رأى أبوه وعمه ذلك طابت نفساهما. وصار زيد لا يُعْرف في مكة كلها إلا بزيد بن محمد، فلما جاء الإسلام أسلم زيد، وكان ثاني المسلمين، وأحبه الرسول ( حبًّا عظيمًا. ولما أذن الرسول ( لأصحابه بالهجرة هاجر زيد إلى المدينة، وآخى الرسول ( بينه وبين أسيد بن حضير، وظل زيد يدعى زيد ابن محمد حتى نزل قوله تعالى: {ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله} _[الأحزاب: 5]، فسمى زيد بن حارثة، وزوجه الرسول ( مولاته أم أيمن، فأنجبت له أسامة بن زيد، ثم زوجه ( ابنة عمته زينب بنت جحش، ولكن لم تطب الحياة بينهما، فذهب زيد إلى الرسول ( يشكوها، فأخبره النبي ( أن يمسك عليه زوجه، ويصبر عليها. ولكن الله سبحانه أمر رسوله ( أن يطلق زينب من زيد، ويتزوجها هو، وذلك لإبطال عادة التبني التي كانت منتشرة في الجاهلية، وكان الابن بالتبني يعامل معاملة الابن الصلب، قال تعالى: {إذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ما الله ما مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه فلما قضى زيد منها وطرًا زوجناكها لكي لا يكون علي المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا ما قضوا منهن وطرًا وكان أمر الله مفعولاً} [الأحزاب: 73]. ويكفي زيد فخرًا أن شرفه الله تعالى بذكر اسمه في القرآن الكريم، وقد زوجه الرسول ( من أم كلثوم بنت عقبة، وكان زيد فدائيًّا شجاعًا، ومن أحسن الرماة، واشترك في غزوة بدر، وبايع النبي ( على الموت في أحد، وحضر الخندق، وصلح الحديبية، وفتح خيبر، وغزوة حنين، وجعله النبي ( أميرًا على سبع سرايا، منها: الجموع والطرف والعيص وحِسْمى، وغيرها، وقد قالت السيدة عائشة -رضي الله عنه-: ما بعثه رسول الله ( في جيش قط، إلا أمره عليهم. [النسائي وأحمد]. وعندما أخذ الروم يغيرون على حدود الدولة الإسلامية، واتخذوا من الشام نقطة انطلاق لهم؛ سيَّر الرسول ( جيشًا إلى أرض البلقاء بالشام، ووقف ( يُوَدِّعُ جيشه بعد أن أمر عليهم زيد بن حارثة، قائلاً: (إن أصيب زيد فجعفر بن أبي طالب على الناس، فإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة)_[ابن اسحاق]. وسار الجيش حتى نزل بجوار بلدة تسمى مؤتة، وتقابل جيش المسلمين مع جيش الروم الذي كان عدده يزيد على مائتي ألف مقاتل، ودارت الحرب، واندفع زيد في صفوف الأعداء، لا يبالي بعددهم ولا بعدتهم، ضاربًا بسيفه يمينًا ويسارًا، حاملا الراية بيده الأخرى، فلما رأى الأعداء شجاعته طعنوه من الخلف، فظل زيد حاملاً الراية حتى استشهد، فدعا له الرسول ( وقال: (استغفروا لأخيكم، قد دخل الجنة وهو يسعى) [ابن سعد].
|
رد: قصص الصحابة رضي الله عنهم والتابعين..
الصـــــــحابة
خطيب قريش سهيل بن عمرو إنه الصحابي الجليل سهيل بن عمرو -رضي الله عنه-، كان من أشراف قريش وسادتها، وكان خطيبًا مفوهًا، يخطب في أهل مكة؛ ليحرضهم على عداوة النبي ( وأصحابه، وحارب سهيل في صفوف الشرك في غزوة بدر الكبرى، وهو الذي قال: لقد رأيت يوم بدر رجالا بيضًا على خيل بلق (أي بها سواد وبياض)، بين السماء والأرض، معلمين، يقاتلون، ويأسرون، يقصد الملائكة التي أنزلها الله لتقاتل مع المسلمين مشركي قريش. وظل سهيل بن عمرو على عناده وكفره حتى خرج النبي ( وأصحابه قاصدين الحج إلى بيت الله الحرام، وعندما علمت قريش انتدبت بعض رجالها ليفاوضوا النبي ( وكان آخرهم سهيل بن عمرو، وتم صلح الحديبية الذي كان فيه سهيل بن عمرو نائبًا وخطيبًا عن قريش، فلما رآه رسول الله ( قال للمسلمين: (قد سهل لكم من أمركم) [البخاري]. وقال سهيل للنبي (: هات اكتب بيننا وبينكم كتابًا. فنادى رسول الله ( علي بن أبي طالب وقال له اكتب: (بسم الله الرحمن الرحيم) فقال سهيل: أما الرحمن، فوالله ما أدرى ما هي ولكن اكتب: باسمك اللهم، كما كنت تكتب. فقال المسلمون: والله لا نكتبها إلا بسم الله الرحمن الرحيم. فقال النبي (: (اكتب باسمك اللهم)، فكتبها عليُّ، ثم قال رسول الله (: (اكتب: هذا ما قاض عليه محمد رسول الله) فقال سهيل: والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك، ولكن اكتب: محمد بن عبد الله، فقال رسول الله (: (والله إني لرسول الله وإن كذبتموني)، وقال للكاتب: (اكتب محمد بن عبد الله) [البخاري]. وروى أنه لما فتح رسول الله ( مكة دخل سهيل داره وأغلق عليه بابه، ثم أرسل ابنه عبد الله بن سهيل -وكان مسلمًا- إلى النبي ( يطلب منه الأمان لأبيه، فذهب عبد الله إلى النبي ( وقال له: يا رسول الله: أبي تؤمنه؟ فقال رسول الله (: (نعم هو آمن بأمان الله، فليظهر)، ثم قال النبي ( لمن حوله من المسلمين: (من لقى منكم سهيلا فلا يشدُّ إليه النظر، فليخرج، فلعمري إن سهيلا له عقل وشرف، وما مثل سهيل جهل الإسلام) [ابن عساكر]. |
رد: قصص الصحابة رضي الله عنهم والتابعين..
ففرح بذلك عبد الله وأسرع عائدًا إلى أبيه يخبره بما قاله رسول الله ( فسرَّ سهيل بما سمع، وقال: كان والله برًّا صغيرًا وكبيرًا (يقصد النبي ()، ثم خرج من بيته يغدو ويروح لا يتعرض له أحد. وخرج سهيل مع رسول الله ( والمسلمين إلى حنين وهو مازال على شركه، واشترك معهم في القتال، وانتصر المسلمون، فلما عاد المسلمون أعلن إسلامه، فسعد بذلك الرسول ( والمسلمون، وأعطاه من غنائم حنين مائة من الإبل.
وقد حسن إسلامه، وأصبح كثير العبادة، وأصبح محبًا لله ورسوله، ومكث بمكة يقيم فيها شعائر ربه، ويرفع فيها راية الإسلام خفاقة عالية، حتى إذا جاء نبأ وفاة النبي ( هاج المسلمون في مكة، وهم بعضهم أن يرتد عن الإسلام، فتدارك سهيل بن عمرو الموقف، ووقف خطيبًا في أهل مكة، فتلا قوله تعالى: {وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم علي أعقابكم ومن ينقلب علي عقبيه فلن يضر الله شيئًا وسيجزي الله الشاكرين} [آل عمران: 144]. ثم قال: من كان يعبد محمدًا، فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، والله إني أعلم أن هذا الدين سيمتد امتداد الشمس من طلوعها إلى غروبها، فلا يغرنكم هذا من أنفسكم، إن موت النبي ( حق، والله موجود حيٌّ لا يموت، والإسلام باقٍ ما بقِيَت السماء والأرض. فعاد أهل مكة إلى صوابهم، وتمسكوا بإسلامهم. وتحققت نبوءة النبي ( حين قال له عمر عن سهيل حين أسر في غزوة بدر: دعني أنزع ثنتيه، فلا يقوم علينا خطيبًا، فقال (: (دعها فلعلها أن تسرك يومًا) [البيهقي في الدلائل]. وذات يوم أذن عمر بن الخطاب لأهل بدر في الدخول عليه، فأذن لبلال وعمار، بينما لم يأذن لمن حضر من سادة قريش، فكره أبو سفيان ذلك، وقال غاضبًا: ما رأيت كاليوم قط، إنه يأذن لهؤلاء العبيد، ونحن جلوس لا يلتفت إلينا ولا يأذن لنا، فقال سهيل: أيها القوم، إني والله قد أرى الذي في وجوهكم، فإن كنتم غضابًا فاغضبوا على أنفسكم، فقد دعي القوم (يقصد البدريين) ودعيتم إلى الإسلام، فأسرعوا وأبطأتم، أما والله لما سبقوكم به من الفضل فيما يرون أشد عليكم فوتًا من بابكم هذا الذي تنافسون عليه. وكان سهيل -رضي الله عنه- شجاعًا، محبًّا للجهاد في سبيل الله، وكان يقول: والله لا أدع موقفًا وقفته مع المشركين إلا وقفت مع المسلمين مثله، ولا نفقة أنفقتها مع المشركين إلا أنفقت على المسلمين مثلها، لعل أمري أن يتلو بعضه بعضًا. وقد دخل سهيل على أمير المؤمنين عمر يسأله عن أمر يستدرك به ما فاته وما سبقه به إخوانه المسلمون، فأشار عليه عمر بالجهاد في سبيل الله على حدود الروم، فلم يتوان سهيل عن ذلك، وعزم على أن يقضى باقي عمره مجاهدًا لله ورسوله، ووقف سهيل يخطب في أشراف مكة، ويحثهم على الجهاد في سبيل الله، فقال لهم: والله إني لمرابط في سبيل الله حتى أموت ولن أرجع إلى مكة. وخرج سهيل بأهله إلى الشام، وظل مجاهدًا في سبيل الله عز وجل، حتى رزقه الله بالشهادة في معركة اليرموك. |
رد: قصص الصحابة رضي الله عنهم والتابعين..
كان الفرح يغمر الابطال الذين عادوا منتصرين بعد أن طال الغياب عن الاهل والاحباب .. كانوا أسودا كاسرة في ساحة الجهاد.. ففتحوا البلاد ورفعوا راية الإسلام على بقاع جديدة من أرض الله ، عادوا فرحين بنصر الله ولبسوا أجمل الثياب.
أسرعوا الى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ، فقد اعتادوا ان يستقبلهم بعد عودتهم ، يفرح بلقائهم ويبالغ في إكرامهم ، ولكنهم فوجئوا هذه المرة أنه لم يهتم بهم ، بل أدار وجهه عنهم ، فبعد ان رد السلام أمسك عن الكلام ، فظهرت الدهشة على وجوههم. أرادوا أن يعرفوا السبب كي يبطل العجب .. فأسرعوا الي عبدالله بن عمر وقالوا له : لقد أدار امير المؤمنين وجهه عنا ولم يهتم بأحد منا فما سبب هذا الجفاء بعد ما قدمناه من تضحية وفداء!؟ كان لابد لعبدالله بن عمر الذي نشأ في بيت عمر أن يقرأ أفكار أبيه فهو يعلم جيدا أنه ماض في درب الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم ، ولم يتزحزح عنه قيد أنمله .. نظر عبدالله إلى ثيابهم الفاخرة التي عادوا بها من بلاد فارس وقال لهم : إن أمير المؤمنين رأى عليكم لباسا لم يلبسه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا الخليفة أبو بكر الصديق من بعده. عرف الابطال المجاهدون السبب فلم يجادلوا ، ولكنهم تحلوا بالأدب النبوي الشريف فأسرعوا الى ديارهم وبدلوا ثيابهم ثم عادوا الى أمير المؤمنين بثيابهم التي اعتاد ان يراهم بها ، فلما رآهم فرح بقدومهم واحسن استقبالهم ونهض يسلم عليهم ويعانقهم رجلا .. رجلا .. وكأنه لم يرهم من قبل ، فهو يرى أن إيمانهم وجهادهم هو أبهى الحلل واجمل الزينات. |
رد: قصص الصحابة رضي الله عنهم والتابعين..
قدموا لأمير المؤمنين الغنائم التي عادوا بها من أرض الجهاد فقسمها بينهم .. كان في تلك الغنائم سلال من خبيص ، والخبيص هو طعام حلو مصنوع من التمر والسمن ، مد أمير المؤمنين يده وذاق ذلك الطعام فوجده لذيذ الطعم طيب الرائحة فقال لمن حوله واصفا لذة طعمه : والله يا معشر المهاجرين الانصار سوف يقتل الابن اباه والأخ أخاه على هذا الطعام , أمرهم ان يحملوه الى أبناء الشهداء من المجاهدين والانصار الذين نالوا الشهادة اثناء جهادهم مع رسول صلى الله عليه وسلم.
نهض أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أمير أعظم دولة في ذاك الزمان وسار مجللا بالهيبة والوقار بوجه يعلوه الايمان ، وجسم فارع الطول عليه جبة قديمة بها 12 رقعة!! سار خلفه عدد من الصحابة ، أخذوا ينظرون الى جبته القديمة ، قال بعضهم لبعض : ما رايكم في زهد هذا الرجل؟؟!!...لقد فتح الله على يديه بلاد كسرى وقيصر ... وطرفي المشرق والمغرب ، وتاتي اليه وفود العرب والعجم من كل مكان فيستقبلهم وعليه هذه الجبه القديمة ذات الرقع الكثيرة... اقترح بعضهم أن يتقدم اليه بعض كبار الصحابه الذين جاهدوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم .. ويحاولوا اقناعه بان يستبدل هذه الجبه القديمة بثوب جميل وأن يقدم له جفنة الطعام في الصبح والمساء ..قال البعض الاخر : لايجرؤ أحد على ان يتحدث اليه في هذا الامر إلا علي بن ابي طالب او ابنته حفصة فهي ذات مكانه عالية في نفسه لأنها زوجة الرسول صلى الله عليه وسلم إحدى أمهات المؤمنين.. |
| الساعة الآن 08:56 AM. |
|
Powered by vBulletin® Version 3.8.4
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd.
new notificatio by 9adq_ala7sas