![]() |
مكتبة الأديب الفلسطيني الشهيـــد // غســــان كنفاني
من هو غســــان كنفاني ؟
http://rooosana.ps/Down.php?d=mYWU غسان كنفاني (عكا 9 ابريل 1936 - بيروت 8 يوليو 1972) روائي وقاص وصحفي فلسطيني تم اغتياله على يد جهاز المخابرات الإسرائيلية (الموساد) في 8 يوليو 1972 عندما كان عمره 36 عاما بتفجير سيارته في منطقة الحازمية قرب بيروت. كتب بشكل أساسي بمواضيع التحرر الفلسطيني، وهو عضو المكتب السياسي الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين. في عام 1948 أجبر وعائلته على النزوح فعاش في سوريا كلاجئ فلسطيني ثم في لبنان حيث حصل على الجنسية اللبنانية. أكمل دراسته الثانوية في دمشق وحصل على شهادة البكالوريا السورية عام 1952. في ذات العام تسجّل في كلية الأدب العربي في جامعة دمشق ولكنه انقطع عن الدراسة في نهاية السنة الثانية، انضم إلى حركة القوميين العرب التي ضمه إليها جورج حبش لدى لقائهما عام 1953. ذهب إلى الكويت حيث عمل في التدريس الابتدائي، ثم انتقل إلى بيروت للعمل في مجلة الحرية (1961) التي كانت تنطق باسم الحركة مسؤولا عن القسم الثقافي فيها، ثم أصبح رئيس تحرير جريدة (المحرر) اللبنانية، وأصدر فيها(ملحق فلسطين) ثم انتقل للعمل في جريدة الأنوار اللبنانية وحين تأسست الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين عام 1967 قام بتأسيس مجلة ناطقة باسمها حملت اسم "مجلة الهدف" وترأس غسان تحريرها، كما أصبح ناطقا رسميا باسم الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين. تزوج من سيدة دانماركية (آن) ورزق منها ولدان هما فايز وليلى. أصيب مبكرا بمرض السكري. بعد استشهاده، استلم بسام أبو شريف تحرير المجلة. |
رد: مكتبة الأديب الفلسطيني الشهيـــد // غســــان كنفاني
نشأته وحياته
والده خرج أبوه من أسرة عادليا من أسر عكا وكان الأكبر لعدد غير قليل من الأشقاء، وبما أن والده لم يكن مقتنعاً بجدوى الدراسات العليا فقد أراد لإبنه أن يكون تاجراً أو كاتباً أو متعاطياً لاى مهنة عادية ولكن طموح الابن أبي عليه إلا أن يتابع دراسته العالية فالتحق بمعهد الحقوق بالقدس في ظروف غير عادية. صفر اليدين من النقود وحتى من فما كان عليه إلا أن يتكل علي جهده الشخصي لتأمين حياته ودراسته فكان تارة ينسخ المحاضرات لزملائه وتارة يبيع الزيت الذي يرسله له والده ويشترى بدل ذلك بعض الكاز والمأكل، ويشارك بعض الأسرفي مسكنها، إلى أن تخرج كمحام. وعاد إلي عكا ليتزوج من أسرة ميسورة ومعروفة ويشد رحاله للعمل في مدينة يافا حيث مجال العمل أرحب وليبني مستقبله هناك. وكافح هناك وزوجته إلى جانبه تشد أزره وتشاركه في السراء والضراء ونجح وكان يترافع في قضايا معظمها وطني خاصة أثناء ثورات فلسطين واعتقل مرارا كانت إحداها بإيعاز من الوكالة اليهودية. وكان من عادة هذا الشاب تدوين مذكراته يوماً بيوم وكانت هذه هي أعز ما يحتفظ به من متاع الحياة وينقلها معه حيثما حل أو إرتحل، وكثيراً ما كان يعود إليها ليقرأ لنا بعضها ونحن نستمتع بالاستماع إلى ذكريات كفاحه، فقد كان فريدا بين أبناء جيله، وكان هذا الرجل العصامي ذو الآراء المتميزة مثلاً لنا يحتذى. هذا هو والد غسان كنفاني الذي كان له بدون شك أثر كبير في حياة ثالث أبنائه غسان. هو الوحيد بين أشقائه ولد في عكا، فقد كان من عادة أسرته قضاء فترات الاجازة والأعياد في عكا، ويروى عن ولادته أن امه حين جاءها المخاض لم تستطع أن تصل إلى سريرها قبل أن تضع وليدها وكاد الوليد يختنق بسبب ذلك وحدث هذا في التاسع من نيسان عام 1936. كان من نصيب غسان الالتحاق بمدرسة الفرير بيافا وكان يحسد لانه يدرس اللغة الفرنسية زيادة عما يدرسه غيره. ولم تستمر دراسته الابتدائية هذه سوى بضع سنوات. فقد كانت أسرته تعيش في حي المنشية بيافا وهو الحي الملاصق لتل أبيب وقد شهد أولى حوادث الاحتكاك بين العرب واليهود التي بدأت هناك إثر قرار تقسيم فلسطين. لذلك فقد حمل الوالماتغتاغزوجته وأبناءه وأتي بهم إلي عكا وعاد هو إلى يافا، أقامت العائلة هناك من تشرين عام 47 إلى أن كانت إحدى ليالي أواخر نيسان 1948 حين جري الهجوم الأول على مدينة عكا. بقي المهاجرون خارج عكا على تل الفخار (تل نابليون) وخرج المناضلون يدافعون عن مدينتهم ووقف رجال الأسرة أمام بيت جدنا الواقع في اطراف البلد وكل يحمل ما تيسر له من سلاح وذلك للدفاع عن النساء والاطفال إذا اقتضى الامر. ومما يذكر هنا ان بعض ضباط جيش الانقاذ كانوا يقفون معنا وكنا نقدم لهم القهوة تباعاعلما بان فرقتهم بقيادة أديب الشيشكلي كانت ترابط في أطراف بلدتنا. وكانت تتردد على الأفواه قصص مجازر دير ياسين ويافا وحيفا التي لجأ أهلها إلى عكا وكانت الصور ما تزال ماثلة في الأذهان. في هذا الجو كان غسان يجلس هادئاً كعادته ليستمع ويراقب ما يجري. استمرت الاشتباكات منذ المساء حتي الفجر وفي الصباح كانت معظم الاسر تغادر المدينة وكانت أسرة غسان ممن تيسر لهم المغادرة مع عديد من الأسر في سيارة شحن إلى لبنان فوصلوا إلى صيدا وبعد يومين من الانتظار استأجروا بيتاً قديما في بلدة الغازية قرب صيدا في اقصي البلدة علي سفح الجبل، استمرت العائلة في ذلك المنزل أربعين يوما في ظروف قاسية إذ أن والدهم لم يحمل معه الا النذر اليسير من النقود فقد كان أنفقها في بناء منزل في عكا وآخر في حي العجمي بيافا وهذا البناء لم يكن قد انتهي العمل فيه حين اضطروا للرحيل. من الغازية انتقلوا بالقطار مع آخرين إلى حلب ثم إلى الزبداني ثم إلى دمشق حيث استقر بهم المقام في منزل قديم من منازل دمشق وبدأت هناك مرحلة أخرى قاسية من مراحل حياة الأسرة. غسان في طفولته كان يلفت النظر بهدوئه بين جميع إخوته وأقرانه ولكن كنا نكتشف دائماً أنه مشترك في مشاكلهم ومهيأ لها دون أن يبدو عليه ذلك. \ بعدها تحسنت أحوال الأسرة وافتتح أبوه مكتباً لممارسة المحاماة فأخذ هو إلى جانب دراسته يعمل في تصحيح البروفات في بعض الصحف وأحياناً التحرير واشترك في برنامج فلسطين في الاذاعة السورية وبرنامج الطلبة وكان يكتب بعض الشعر والمسرحيات والمقطوعات الوجدانية. وكانت تشجعه على ذلك وتأخذ بيده شقيقته التي كان لها في هذه الفترة تأثير كبير علي حياته. وأثناء دراسته الثانوية برز تفوقه في الادب العربي والرسم وعندما انهى الثانوية عمل في التدريس في مدارس اللاجئين وبالذات في مدرسة الاليانس بدمشق والتحق بجامعة دمشق لدراسة الادب العربي وأسند إليه آنذاك تنظيم جناح فلسطين في معرض دمشق الدولي وكان معظم ما عرض فيه من جهد غسان الشخصى. وذلك بالإضافة إلى معارض الرسم الاخري التي أشرف عليها. وفي هذا الوقت كان قد انخرط في حركة القوميين العرب ووقد كان غسان يضطر أحيانا للبقاء لساعات متأخرة من الليل خارج منزله مما كان يسبب له احراجا مع والده الذي كان يحرص علي انهائه لدروسه الجامعية وأعرف أنه كان يحاول جهده للتوفيق بين عمله وبين اخلاصه ولرغبة والده. في أواخر عام 1955 التحق للتدريس في المعارف الكويتية وكانت شقيقته قد سبقته في ذلك بسنوات وكذلك شقيقه. وفترة اقامته في الكويت كانت المرحلة التي رافقت إقباله الشديد والذي يبدو غير معقول على القراءة وهي التي شحنت حياته الفكرية بدفقة كبيرة فكان يقرأ بنهم لا يصدق. كان يقول انه لا يذكر يوماً نام فيه دون أن ينهي قراءة كتاب كامل أو ما لا يقل عن ستماية صفحة وكان يقرأ ويستوعب بطريقة مدهشة. وهناك بدأ يحرر في إحدي صحف الكويت ويكتب تعليقا سياسياً بتوقيع "أبو العز" لفت إليه الانظار بشكل كبير خاصة بعد أن كان زار العراق بعد الثورة العراقية عام 1958 على عكس ما نشر بأنه عمل بالعراق. في الكويت كتب أيضاً أولي قصصه القصيرة "القميص المسروق" التي نال عليها الجائزة الأولي في مسابقة أدبية. ظهرت عليه بوادر مرض السكري في الكويت أيضاً وكانت شقيقته قد أصيبت به من قبل وفي نفس السن المبكرة مما زاده ارتباطاً بها وبالتالي بابنتها الشهيدة لميس نجم التي ولدت في كانون الثاني عام 1955. فأخذ غسان يحضر للميس في كل عام مجموعة من أعماله الأدبية والفنية ويهديها لها وكانت هي شغوفة بخالها محبة له تعتز بهديته السنوية تفاخر بها أمام رفيقاتها ولم يتأخر غسان عن ذلك الا في السنوات الأخيرة بسبب ضغط عمله. وفي عام 1960 حضر غسان إلى بيروت للعمل في مجلة الحرية كما هو معروف. |
رد: مكتبة الأديب الفلسطيني الشهيـــد // غســــان كنفاني
غسان الزوج
بيروت كانت المجال الأرحب لعمل غسان وفرصته للقاء بالتيارات الأدبية والفكرية والسياسية. بدأ عمله في مجلة الحرية ثم أخذ بالإضافة إلى ذلك يكتب مقالاً اسبوعيا لجريدة "المحرر" البيروتية والتي كانت ما تزال تصدر أسبوعية صباح كل اثنين. لفت نشاطه ومقالاته الانظار إليه كصحفى ومفكر وعامل جاد ونشيط للقضية الفلسطينية فكان مرجعاً لكثير من المهتمين. عام 1961 كان يعقد في يوغوسلافيا مؤتمر طلابي اشتركت فيه فلسطين وكذلك كان هناك وفد دانمركي. كان بين أعضاء الوفد الدانمركي فتاة كانت متخصصة في تدريس الأطفال. قابلت هذه الفتاة الوفد الفلسطيني ولاول مرة سمعت عن القضية الفلسطينية. واهتمت الفتاة اثر ذلك بالقضية ورغبت في الاطلاع عن كثب على المشكلة فشدت رحالها إلى البلاد العربية مرورا بدمشق ثم إلى بيروت حيث أوفدها أحدهم لمقابلة غسان كنفاني كمرجع للقضية وقام غسان بشرح الموضوع للفتاة وزار واياها المخيمات وكانت هي شديدة التأثر بحماس غسان للقضية وكذلك بالظلم الواقع على هذا الشعب. ولم تمض على ذلك عشرة أيام الا وكان غسان يطلب يدها للزواج وقام بتعريفها علي عائلته كما قامت هي بالكتابة إلى أهلها. وقد تم زواجهما بتاريخ 19/10/1961 ورزقا بفايز في 24/8/1962 وبليلي في 12/11/1966. بعد أن تزوج غسان انتظمت حياته وخاصة الصحية إذ كثيراً ما كان مرضه يسبب له مضاعفات عديدة لعدم انتظام مواعيد طعامه. عندما تزوج غسان كان يسكن في شارع الحمراء ثم انتقل إلى حى المزرعة، ثم إلى مار تقلا أربع سنوات حين طلب منه المالك اخلاء شقته قام صهره بشراء شقته الحالية وقدمها له بايجار معقول. وفي بيروت اصيب من مضاعفات السكري بالنقرس وهو مرض بالمفاصل يسبب آلاماً مبرحة تقعد المريض أياماً. ولكن كل ذلك لم يستطع يوماً أن يتحكم في نشاطه أو قدرته على العمل فقد كان طاقة لا توصف وكان يستغل كل لحظة من وقته دون كلل. وبرغم كل انهماكه في عمله وخاصة في الفترة الأخيرة إلا أن حق بيته وأولاده عليه كان مقدساً. كانت ساعات وجوده بين زوجته وأولاده من أسعد لحظات عمره وكان يقضى أيام عطلته (إذا تسنى له ذلك) يعمل في حديقة منزله ويضفي عليها وعلى منزله من ذوق الفنان ما يلفت النظر رغم تواضع قيمة موجوداته. |
رد: مكتبة الأديب الفلسطيني الشهيـــد // غســــان كنفاني
غسان الزوج
بيروت كانت المجال الأرحب لعمل غسان وفرصته للقاء بالتيارات الأدبية والفكرية والسياسية. بدأ عمله في مجلة الحرية ثم أخذ بالإضافة إلى ذلك يكتب مقالاً اسبوعيا لجريدة "المحرر" البيروتية والتي كانت ما تزال تصدر أسبوعية صباح كل اثنين. لفت نشاطه ومقالاته الانظار إليه كصحفى ومفكر وعامل جاد ونشيط للقضية الفلسطينية فكان مرجعاً لكثير من المهتمين. عام 1961 كان يعقد في يوغوسلافيا مؤتمر طلابي اشتركت فيه فلسطين وكذلك كان هناك وفد دانمركي. كان بين أعضاء الوفد الدانمركي فتاة كانت متخصصة في تدريس الأطفال. قابلت هذه الفتاة الوفد الفلسطيني ولاول مرة سمعت عن القضية الفلسطينية. واهتمت الفتاة اثر ذلك بالقضية ورغبت في الاطلاع عن كثب على المشكلة فشدت رحالها إلى البلاد العربية مرورا بدمشق ثم إلى بيروت حيث أوفدها أحدهم لمقابلة غسان كنفاني كمرجع للقضية وقام غسان بشرح الموضوع للفتاة وزار واياها المخيمات وكانت هي شديدة التأثر بحماس غسان للقضية وكذلك بالظلم الواقع على هذا الشعب. ولم تمض على ذلك عشرة أيام الا وكان غسان يطلب يدها للزواج وقام بتعريفها علي عائلته كما قامت هي بالكتابة إلى أهلها. وقد تم زواجهما بتاريخ 19/10/1961 ورزقا بفايز في 24/8/1962 وبليلي في 12/11/1966. بعد أن تزوج غسان انتظمت حياته وخاصة الصحية إذ كثيراً ما كان مرضه يسبب له مضاعفات عديدة لعدم انتظام مواعيد طعامه. عندما تزوج غسان كان يسكن في شارع الحمراء ثم انتقل إلى حى المزرعة، ثم إلى مار تقلا أربع سنوات حين طلب منه المالك اخلاء شقته قام صهره بشراء شقته الحالية وقدمها له بايجار معقول. وفي بيروت اصيب من مضاعفات السكري بالنقرس وهو مرض بالمفاصل يسبب آلاماً مبرحة تقعد المريض أياماً. ولكن كل ذلك لم يستطع يوماً أن يتحكم في نشاطه أو قدرته على العمل فقد كان طاقة لا توصف وكان يستغل كل لحظة من وقته دون كلل. وبرغم كل انهماكه في عمله وخاصة في الفترة الأخيرة إلا أن حق بيته وأولاده عليه كان مقدساً. كانت ساعات وجوده بين زوجته وأولاده من أسعد لحظات عمره وكان يقضى أيام عطلته (إذا تسنى له ذلك) يعمل في حديقة منزله ويضفي عليها وعلى منزله من ذوق الفنان ما يلفت النظر رغم تواضع قيمة موجوداته. |
رد: مكتبة الأديب الفلسطيني الشهيـــد // غســــان كنفاني
غسان القضية
أدب غسان وإنتاجه الادبي كان متفاعلا دائما مع حياته وحياة الناس وفي كل ما كتب كان يصور واقعاً عاشه أو تأثر به. "عائد إلى حيفا" وصف فيها رحلة مواطني حيفا في انتقالهم إلى عكا وقد وعي ذلك وكان ما يزال طفلاً يجلس ويراقب ويستمع ثم تركزت هذه الأحداث في مخيلته فيما بعد من تواتر الرواية. "أرض البرتقال الحزين" تحكى قصة رحلة عائلته من عكا وسكناهم في الغازية. "موت سرير رقم 12" استوحاها من مكوثه بالمستشفي بسبب المرض. "رجال في الشمس" من حياته وحياة الفلسطينيين بالكويت واثر عودته إلى دمشق في سيارة قديمة عبر الصحراء، كانت المعاناة ووصفها هي تلك الصورة الظاهرية للأحداث أما في هدفها فقد كانت ترمز وتصور ضياع الفلسطينيين في تلك الحقبة وتحول قضيتهم إلى قضية لقمة العيش مثبتاً أنهم قد ضلوا الطريق. في قصته "ما تبقي لكم" التي تعتبر مكملة "لرجال في الشمس" يكتشف البطل طريق القضية، في أرض فلسطين وكان ذلك تبشيراً بالعمل الفدائي. قصص "أم سعد" وقصصه الأخرى كانت كلها مستوحاة من أشخاص حقيقيين. في فترة من الفترات كان يعد قصة ودراسة عن ثورة فلسطين 1936 فأخذ يجتمع إلى سكان المخيمات ويستمع إلى ذكرياتهم عن تلك الحقبة والتي سبقتها والتي تلتها وقد أعد هذه الدراسة لكنها لم تنشر (نشرت في مجلة شؤون فلسطين) أما القصة فلم يكتب لها ان تكتمل بل اكتمل منها فصول نشرت بعض صورها في كتابه "عن الرجال والبنادق". كانت لغسان عين الفنان النفاذة وحسه الشفاف المرهف فقد كانت في ذهنه في الفترة الأخيرة فكرة مكتملة لقصة رائعة استوحاها من مشاهدته لاحد العمال وهو يكسر الصخر في كاراج البناية التي يسكنها وكان ينوى تسميتها "الرجل والصخر". |
رد: مكتبة الأديب الفلسطيني الشهيـــد // غســــان كنفاني
غسان الرائد
تجب وضع دراسة مفصلة عن حياة غسان الادبية والسياسية والصحفية ولكننا في هذه العجالة نكتفي بايراد أمثلة عن ريادته بذكر بعض المواقف في حياته وعتها الذاكرة: 1_ كان غسان أول من كتب عن حياة أبناء الخليج المتخلفة ووصف حياتهم وصفاً دقيقا مذهلا وذلك في قصته "موت سرير رقم 12" ولا نستطيع أن نؤكد هنا إذا كان سواه قد كتب عن ذلك من بعده. 2_في أوائل ثورة 58 التي أوصلت عبد الكريم قاسم إلى حكم العراق، زار غسان بغداد ورأى بحسه الصادق انحراف النظام، فعاد وكتب عن ذلك بتوقيع "أبو العز" مهاجماً النظام العراقي، فقامت قيامة الأنظمة المتحررة ضده إلى أن ظهر لهم انحراف الحكم فعلا فكانوا أول من هنأوه على ذلك مسجلين سبقه في كتاب خاص بذلك. 3_ بعد أن استلم رئاسة تحرير جريدة "المحرر" اليومية استحدث صفحة للتعليقات السياسية الجادة وكان يحررها هو وآخرون. وقد استحدثت إحدى كبريات الصحف اليومية في بيروت صفحة مماثلة. 4_لا أحد يجهل أن غسان كنفاني هو أول من كتب عن شعراء المقاومة ونشر لهم وتحدث عن أشعارهم وعن أزجالهم الشعبية في الفترات الأولى لتعريف العالم العربي على شعر المقامة، لم تخل مقالة كتبت عنهم من معلومات كتبها غسان وأصبحت محاضته عنهم ومن ثم كتابه عن "شعراء الأرض المحتلة" مرجعاً مقرراً في عدد من الجامعات وكذلك مرجعا للدارسين. 5_الدراسة الوحيدة الجادة عن الأدب الصهيوني كانت لغسان ونشرتها مؤسسة الأبحاث بعنوان "في الأدب الصهيوني". أشهر الصحافيين العرب يكتب الآن عن حالة اللاسلم واللاحرب ولو عدنا قليلا إلى الأشهر التي تلت حرب حزيران 67 وتابعنا تعليقات غسان السياسية في تلك الفترة لوجدناه يتحدث عن حالة اللاسلم واللاحرب أي قبل سنوات من الاكتشاف الأخير الذي تحدثت عنه الصحافة العربية والأجنبية. 6_اننا نحتاج إلى وقت طويل قبل أن نستوعب الطاقات والمواهب التي كان يتمتع بها غسان كنفاني. هل نتحدث عن صداقاته ونقول أنه لم يكن له عدو شخصى ولا في أي وقت واي ظرف أم نتحدث عن تواضعه وهو الرائد الذي لم يكن يهمه سوى الاخلاص لعمله وقضيته أم نتحدث عن تضحيته وعفة يده وهو الذي عرضت عليه الالوف والملايين ورفضها بينما كان يستدين العشرة ليرات من زملائه. ماذا نقول وقد خسرناه ونحن أشد ما نكون في حاجة إليه، إلى ايمانه واخلاصه واستمراره على مدى سنوات في الوقت الذي تساقط سواه كأوراق الخريف يأساً وقنوطا وقصر نفس. 7_كان غسان شعباً في رجل، كان قضية، كان وطناً، ولا يمكن أن نستعيده الا إذا استعدنا الوطن. 8_عمل في الصحف والمجلات العربية التالية: - عضو في أسرة تحرير مجلة "الرأي" في دمشق. - عضو في أسرة تحرير مجلة "الحرية" في بيروت. - رئيس تحرير جريدة "المحرر" في بيروت. - رئيس تحرير "فلسطين" في جريدة المحرر. - رئيس تحرير ملحق "الأنوار" في بيروت. - صاحب ورئيس تحرير "مجلة الهدف" في بيروت. كما كان غسان كنفاني فنانا مرهف الحس، صمم العديد من ملصقات الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، كما رسم العديد من اللوحات. |
رد: مكتبة الأديب الفلسطيني الشهيـــد // غســــان كنفاني
غسان والاطفال
كثيراً ما كان غسان يردد: "الأطفال هم مستقبلنا". لقد كتب الكثير من القصص التي كان أبطالها من الأطفال. ونُشرت مجموعة من قصصه القصيرة في بيروت عام 1978 تحت عنوان "أطفال غسان كنفاني". أما الترجمة الإنكليزية التي نشرت في عام 1984 فكانت بعنوان "أطفال فلسطين". |
رد: مكتبة الأديب الفلسطيني الشهيـــد // غســــان كنفاني
من مؤلفات الأديب الشهيد
قصص ومسرحيات 1_ موت سرير رقم 12- بيروت، 1961. قصص قصيرة. 2_أرض البرتقال الحزين – بيروت، 1963. قصص قصيرة. 3_رجال في الشمس – بيروت،1963. رواية. قصة فيلم "المخدوعين". 4_الباب (مسرحية). مؤسسة الأبحاث العربية. بيروت. 1964-1998. 5_عالم ليس لنا- بيروت، 1970. قصص قصيرة. 6_ما تبقى لكم- بيروت،1966 - قصة فيلم السكين. 7_عن الرجال والبنادق - بيروت، 1968. قصص قصيرة. 8_أم سعد – بيروت، 1969. رواية. 9_عائد إلى حيفا – بيروت، 1970. رواية. 10_الشيء الآخر – صدرت بعد استشهاده، في بيروت، 1980. قصص قصيرة. 11_العاشق، الأعمى والأطرش، برقوق نيسان5 (روايات غير كاملة نشرت في مجلد أعماله الكاملة) 12_القنديل الصغير-بيروت. 13_القبعة والنبي. مسرحية. 14_ القميص المسروق وقصص أخرى. قصص قصيرة. 15_ جسر إلى الأبد. مسرحية. |
رد: مكتبة الأديب الفلسطيني الشهيـــد // غســــان كنفاني
بحوث أدبية
1_ أدب المقاومة في فلسطين المستقلة. 2_ الأدب الفلسطيني المقاوم تحت الاحتلال 1948-1968. 3_ في الأدب الصهيوني 4_نال في 1966 جائزة أصدقاء الكتاب في لبنان عن روايته "ما تبقى لكم". 5_نال اسمه جائزة منظمة الصحفيين العالمية في 1974 وجائزة اللوتس في 1975. 6_منح اسمه وسام القدس للثقافة والفنون في 1990. |
رد: مكتبة الأديب الفلسطيني الشهيـــد // غســــان كنفاني
استشهاااد الأديب والمفكر // غسان كنفاني
استشهد صباح يوم السبت 8/7/1972 بعد أن انفجرت عبوات ناسفة كانت قد وضعت في سيارته تحت منزله مما أدي إلي استشهاده مع ابنة شقيقته لميس حسين نجم (17 سنة). |
رد: مكتبة الأديب الفلسطيني الشهيـــد // غســــان كنفاني
اقتباسات وأقوال المثقف الفلسطيني والأديب
غسان كنفاني لا تمت قبل أن تكون ندا! إن قضية الموت ليست على الإطلاق قضية الميت..إنها قضية الباقين إن الموت السلبي للمقهورين و المظلومين مجرد انتحار و هروب وخيبة و فشل الثورة وحدها هي المؤهلة لاستقطاب الموت..الثورة وحدها هي التي توجه الموت..و تستخدمه لتشق سبل الحياة لنزرعهم شهدائنا في رحم هذاالتراب المثخن بالنزيف..فدائما يوجد في الأرض متسعا لشهيد آخر إن كل قيمة كلماتي كانت في أنها تعويض صفيق و تافه لغياب السلاح..و إنها تنحدر الآن أمام شروق الرجال الحقيقيين الذين يموتون كل يوم في سبيل شيء أحترمه لك شيء في هذا العالم..فقم! أنا أحكي عن الحرية التي لا مقابل لها..الحرية التي هي نفسها المقابل لا أرتد حتى أزرع في الأرض جنتي..أو أقتلع من السماء جنتها..أو أموت أو نموت معا هذا العالم يسحق العدل بحقارة كل يوم! إن الإنسان هو في نهاية الأمر قضية إذا كنا مدافعين فاشلين عن القضية..فا لأجدر بنا أن نغير المدافعين..لا أن نغيرالقضية الغزلان تحب أن تموت عند أهلها..الصقور لا يهمها أين تموت الأشباح ماتوا ..قتلتهم الفيزياء..و ذوبتهم الكيمياء..و أرعبتهم العقول جاعوا, وأخذت السماء تزخ, حيث يسقى فولاذ الرشاشات تضحى [center]له رائحة الخبز ليس المهم أن يموت أحدنا..المهم أن تستمروا هذه المراة تلد الأولاد فيصيروا فدائيين..هي تخلف و فلسطين تأخذ في صفاء رؤيا الجماهير تكون الثورة جزءا لا ينفصم عن الخبز و الماء و أكف الكدح و نبض القلب إن ضرب السجين هو تعبير مغرور عن الخوف إن الخيانة في حد ذاتها ميتة حقيرة سيظل مغروسا هنا ينبض وحده في العراء..إلى أن يموت واقفا و أورثني يقيني بوحدتي المطلقة مزيدا من رغبتي في الدفاع عن حياتي دفاعا وحشيا أيمكن أن يكون القدر مرتبا على هذه الصورة الرهيبة..ياإلهي..أيمكن؟! إن حياتي و موتك يلتحمان بصورة لا تستطيع أنت و لا أستطيع أنا فكهما..ورغم ذلك فلا يعرف أحد كيف يجري الحساب ها هنا لماذا لم تقرعوا جدران الخزان؟ لم أعد أشك في أن الله الذي عرفناه في فلسطين قد خرج منها هو الآخر..و أنه لاجئ في حيث لا أدري! فإذا بالجميع يصرخوادفعة واحدة" أية حياة هذه..الموت أفضل منها" و لأن الناس عادة لا يحبون الموت كثيرا..فلابد أن يفكروا بأمر آخر إن الانتصار هو أن تتوقع كل شيء..و ألا تجعل عدوك يتوقع إنها الثورة! هكذا يقولون جميعا..و أنت لا تستطيع أن تعرف معنى ذلك إلا إذا كنت تعلق على كتفك بندقية تستطيع أن تطلق..فإلى متى تنتظر؟! |
رد: مكتبة الأديب الفلسطيني الشهيـــد // غســــان كنفاني
ما كُتِب عن غسان كنفاني
ماذا كتبت زوجة الشهيد غسان كنفاني(آني كنفاني) مقدمة في كل عام، كان غسان كنفاني يكتب قصة ويرسمها للميس، ابنة أخته، في عيد ميلادها. ما زلت أذكر يديه المرهفتين وهو يعدّ الرسوم الجميلة للقصة التي كان قد انتهى للتو من كتابتها لعيد ميلادها الثامن. وفي كانون الثاني/ يناير 1963 ترجم لي غسان قصة القنديل الصغير. كان غسان في الثانية عشرة من عمره في العام 1948 عندما أرغم وأسرته على مغادرة وطنه فلسطين. وهكذا تحوّلوا إلى لاجئين، واستقروا في دمشق، حيث التحق الأبناء بالمدارس. وفي سن العشرين، انتقل غسان إلى الكويت للانضمام إلى أخته، والدة لميس، وبدأ العمل مدرّساً للفنون. وُلدت لميس في العام 1955 وكانت الحفيدة الأولى في الأسرة ومصدراً للفخر والسعادة في أسرتها. كان غسان يحبها حباً كبيراً وكانت هي تبادله هذا الحب الكبير. ومن بين كتاباته الأدبية الأولى كتاب مهدى لها. أصبح غسان كنفاني في ما بعد أحد أشهر الأدباء الفلسطينيين، وأضحى مصدراً لاعتزاز لميس، كما باتت هي مصدراً لوحيه. كانت علاقتهما عميقة جداً وكأن هناك رابطاً قوياً يجمعهما، حتى في الموت. ففي بيروت، صبيحة السبت 8 تموز/ يوليو 1972، استشهدت لميس مع خالها غسان، إذ كانت برفقته لحظة اغتياله بتفجير سيارته. دُفن غسان ولميس في مقبرة الشهداء في بيروت، حيث الأرض حمراء بلون تربة فلسطين، وتركا كتابهما .<<القنديل الصغير>> لكم لكي تقرأوه آني كنفاني |
رد: مكتبة الأديب الفلسطيني الشهيـــد // غســــان كنفاني
ابنـــه:
إلى أبي، غسان كنفاني حين كنت صغيرا، كان ابي يأخذني الى جريدة المحرر، فيجلسني على كرسيه ويطلب مني ان ارسم بعض الصور. وحين انتقل الى الانوار، كنت اذهب معه كذلك. ثم انتقل الى الهدف وأخذني معه برفقة اختي ليلى، لنلتقي بزملائه هناك. كان ابي رجلا طيبا. كان يشتري كل ما ارغب به، و ما زلت احبه، رغم انه قد مات. لقد وجدت صعوبة في تعلم اللغة العربية، لكنه علمني اشياء كثيرة. وهكذا صار بإمكاني قراءة جميع المقالات المكتوبة عنه. احببت أن يكون لي أب مثله، لأنه كان كثير الذكاء، ولأن الناس احبوه. في الدنمارك، كنا انا وليلى نشتاق اليه كثيرا، وقد سألنا امنا ان تعيدنا اليه. وحين عدنا، كنا نراه يعمل في الجنينة كل احد، يزرع الازهار بيدين ناعمتين. كنا احيانا نعمل معا في الجنينة. وحين يشتد الحر ننزع قمصاننا. وبعد العمل كان غالبا ما يعلمني كيف استخدم المسدس الصغير الذي اشتراه لي. ولقد احببت مشاهدة التلفزيون معه. عندما اكبر اريد ان اكون مثل ابي، وسأحارب لكي اعود الى فلسطين: وطن ابي، والارض التي حدثني هو وحدثتني ام سعد كثيرا عنها. من الآن وصاعدا، سأساعد امي واختي مساعدة عظيمة من اجل الا تشتاقا اليه كثيرا. لكننا لن ننساه ابدا، ولن ننسى <<لميس>> التي ماتت معه والتي نحبها جميعنا حبا كبيرا لميس التي كانت دائما طيبة جدا ولم تفقد اعصابها ابدا. |
رد: مكتبة الأديب الفلسطيني الشهيـــد // غســــان كنفاني
أخوه :
!الوجه وحده بقى سليماً.. يبتسم تحرّك حفيدتي رأسها يمنة ويسرة، تحملق بحيرة في الصورة المعلقة على الجدار، ثم تجثو على ركبتيها وكفيها كأنها حمل ولد للتو، تنظر الى وجهي مرات عديدة، فأتجاهلها، تمسك يدي بكفها الصغيرة، تهزني برفق، تسألني ولا تزال عيناها معلقتين على الصورة.. كيف يبتسم وهو ميّت؟ شدني السؤال فنظرت بدوري الى الصورة.. كان يبتسم حقا! يا ملاكي.. سألتني أمك عندما كانت بمثل سنّك، ذات السؤال، جلست مثلما تجلسين الآن، ونظرت بدهشة كما تنظرين.. يومها تحيرت.. ماذا اقول؟ وكيف استطيع ان أحشو في رأسها الصغير إجابة معقولة؟ أردت ان أقول كلاما كثيرا وطويلا، اتحدث فيه عن الموت.. هذا المجهول يا صغيرتي الذي لا يدركه ولا يفهمه احد، رغم انه الحقيقة الواضحة في مفهوم الحياة كلها! تحدثنا ليلتها عن الموت.. كانت المرة الأولى والأخيرة التي تمكن فيها غسان من الحضور الى دمشق منذ سفره الأخير الى لبنان ليشارك في تشييع امي التي توفيت في 28 أيار 1967 قبل أيام من حرب حزيران.. تحدثنا ليلتها عن الموت.. كان جلدا وحزينا ومقهورا. لكنه تحدث عن الموت ايضا.. قال انه القريب القريب الذي نحسبه ونحن نعيش، أبعد من التصور.. فنبتسم في كل الأوقات، نضحك أحيانا، وهو يتربص بنا على مقربة مذهلة. لا أحد يدرك متى يأتي الموت، ولا كيف. قال إنه القاهر الأكبر لغرور الإنسان.. نبتسم في لحظة نحسبها تستمر الى الأبد، في ذات اللحظة التي يسخر فيها منا. يا صغيرتي.. تساءلت أمك مثلما تتساءلين، ولم أجد لسؤالها جوابا.. قلت لها <<بعد ان أعياني البحث>>: عندما تكبرين، عندما تعيشين مختلف فصول الحياة.. ستدركين! إنها ذات الابتسامة التي تعوّد ان يرسمها في مناسبات هامة ومفصلية. رأيتها واضحة على أطراف شفتيه وعينيه المسدلتين على صورة حلم ساخر، يوم استشهد وتناثرت أعضاؤه بين أنقاض كثيرة في مساحة جبل وواد.. ذراع واحدة ونصف صدر وبلا أرجل.. وأصابع تتعلق على أغصان الاشجار الكثيفة.. الوجه وحده بقي سليما، يبتسم مثل هذه الابتسامة... كما عاد يحمل على وجهه ذات الابتسامة ايضا، بعد يوم اختباره الاول للانتساب الى مدرسة الكلية العلمية الوطنية في حي سوق ساروجة. قال بثقة انه يعرف من الفرنسية والانكليزية والعربية السليمة افضل مما يعرفه الاستاذ الذي اختبره، ولذلك لم يترددوا لحظة في قبوله تلميذا، سيرفع رصيد المدرسة من المتفوقين، وسجلوه <<قياسا لسنه فقط>>، في الصف السابع.. ورغم ان والدي أنّبه في ذلك اليوم على رسم <<الابتسامة الساخرة القليلة الأدب>> كما أسماها.. إلا أنه بدا سعيدا ومطمئنا لنجاح غسان في اختبار سبر المعلومات، وقبوله لمتابعة الدراسة التي انقطع عنه اكثر من عشرة أشهر. قبل أسابيع قليلة من يوم استشهاده، ذهبت معه الى أحد المصورين في شارع كورنيش المزرعة في بيروت، كان بحاجة الى صور شخصية حديثة لتجديد جواز سفره.. وعندما بدأ المصور حركاته المعهودة لضبط مقاييس الجلسة ووضع الوجه والإضاءة، وما الى ذلك حسب خبرته، ابتسم غسان ذات الابتسامة الساخرة. لم يكن يعرف ان صورته وابتسامته الساخرة في ذلك اليوم، ستعلق على الجدران، صورة لشهيد.. يا إلهي.. اعترف الآن بأنني أنحت في صخر!.. كأنني أحاول انتشال بوتقة من الزجاج الرقيق، محشورة بين حجارة صغيرة وصلبة وعلى عمق كبير، أمسكها من طرفها الأملس، تكاد تفلت من يدي، تعرق أصابعي، تلفحني سخونة أنفاسي، ثم شيئا فشيئا أبدأ بتحريكها صعودا، تصطدم بحجر فأتوقف أبعد الحجر والحجر الثاني والثالث.. هي كذلك بهذه الصعوبة وأكثر! كيف استطيع إمساكها؟.. كيف اخرجها من العمق ولا تكسر او تشعر او تخدش؟.. تبقى هي ذاتها تحمل البصمات والأنفاس والتاريخ والنبضات التي لا تلمس أبدا، لكنها تمتلئ بالإحساس والضمير، هي أمانة ترصد الحركة وتنقل اللحظة وتلامس قدر ما تستطيع البذور بعد العلامة الجلية الواضحة على الشكل وما وراءه. أجد نفسي في مكان موحش.. أجلس وحدي، أمسك بقدسية دفاتر صفراء، مجلدة بعناية أنيقة تحمل على غلاف الدفتر الأول رقما يبدو أبعد من التاريخ 1924 وينتهي على جلده الدفتر العاشر برقم أخير 1984 مكتوبة بخط اليد، حرفا بعد حرف، وسطرا وراء سطر، وصفحات تتجاوز خمسة آلاف.. تتحدث عن التاريخ.. يوما بيوم، ساعة بساعة... هي ذكريات، تختلط فيها الهموم بالآمال، الحزن بالسعادة، احلام الأنا والبحث المتواصل عن الذات، وخرائط الوطن الممزقة والمنهوبة، الشهداء بتفاصيل الأسماء والمواقع التي استقبلت اجسادهم، المعارك والمعتقلات، الأحداث السياسية الوطنية والقومية والعالمية والولادات والوفيات، الثورات والانقلابات، اخبار الزوجة وأدق تفاصيل الحياة اليومية الحميمة، وأخبار الإخوة والأقارب والأولاد.. المدارس والملابس، الأمراض واللقاحات المحصنة، الرحلات والأسفار، الخواطر، والأسرار العائلية... هي ذكريات ومذكرات واصل كتابتها بصبر مذهل، وصدق فطري طيلة ستين سنة والدي رحمه الله، المولود في عام 1900 والمتوفى في 1984. قلبت الصفحات بوجل ورفق، قرأت برهبة، وبعشق: أوائل شهر تموز 1936 أبعدت من يافا (مكان عمله وإقامته) الى عكا (موطنه الأول ومسقط رأسه) تحسبا من نشاطي السياسي ضد الحكومة البريطانية (خلال الفترة التي عرفت بإضراب الستة أشهر الشهيرة عام 1936).. وكنت كما ذكرت على صفحات سابقة قد أرسلت زوجتي والأولاد الى عكا.. وهكذا كانت فرصة بالنسبة لي لزيارة أهلي والعائلة. علمت أن الحكومة أعلنت نظام منع التجول ليلا في المدينة، فذهبت مع بعض الأصدقاء الى جامع الجزار لصلاة العصر واتفقنا على البقاء مع خلق كثير في المسجد حتى موعد صلاة العشاء، وقد حدث ما توقعناه!.. إذ رفضت السلطات السماح لنا بالعودة الى بيوتنا حرصا على تطبيق النظام، وعلينا قضاء الليل في الجامع.. بدأنا بالتسبيح والتهليل والتكبير حسب عادات أهل عكا ، ثم أخرجنا العدة (الطبول والدفوف والصاجات) التي تستخدم في حلقات الذكر والمولوية، وصعد بعضنا الى مئذنة الجامع.. عندما سمع سكان المدينة التهليل وأصوات الطبول والصاجات خرجوا من بيوتهم بعفوية لاستجلاء الأمر، وهذا ما حدث ايضا عندما سمع المعتقلون في السجن القريب، راحوا يشاركون في التهليل والتكبير، وحمل صدى الليل أصواتنا الى أسماع الناس في بعض القرى المجاورة.. وساد الهرج والمرج، وسارت جموع الناس بتظاهرات حاشدة الى وسط المدينة.. ولم تعد من قدرة للسلطات البريطانية على ضبط الأحداث التي جرت بسرعة، واستطعنا باختصار اختراق نظام منع التجول. واستمرت الحالة على هذا المنوال حتى الساعة العاشرة من صباح اليوم التالي.. وبينما كنت في بيت عمي مع أسرتي في اليوم نفسه، حضر عدد من رجال البوليس اقتادوني بعنف الى مكتب مساعد مدير البوليس السيد حسن الكاتب الذي حقق معي، وأمر بإرسالي تحت الحراسة الى حيفا، ومنها أرسلت الى يافا دون حرس على أن أثبت وجودي هناك بنقطة بوليس المنشية ثلاث مرات يوميا. في 15/7/1936 قابلت الميجر هارنغتون بمحاولة لتخفيف قيود إثبات التواجد، وبعد حديث مطول بيننا، تركز حول أسباب كرهنا للإنكليز، وعدني أخيرا، على ان أراجعه شخصيا في اليوم التالي.. وبالفعل دخلت غرفته صباحا، وحييته قائلا: صباح الخير ميجر هارنغتون.. بالإنكليزية طبعا. أجابني بلؤم واضح: قل سيدي.. شعرت أنه يقصد إهانتي عن عمد، رفضت وخرجت من مكتبه.. بعد ثلاثة ايام صدر أمر اعتقالي، وقبل أن أرسل مخفورا الى معتقل الصرفند.. أدخلني الميجر هارنغتون الى مكتبه وقال ان المستر كوبلاند رئيس المحكمة المركزية حدثه بأمري، وأنه على استعداد لتخفيف أمر اعتقالي إذا قلت له.. سيدي.. لم أفعل.. ومضيت مع الجنود الى المعتقل.. عند دخولي المعتقل، وتسجيل اسمي في قيوده الرسمية، انتشر خبر وجودي بالمعتقل بين جميع المعتقلين الذين كنت أرافع عن اكثرهم امام المحاكم الانكليزية.. فحملوني على الأكتاف، وداروا عدة دورات في الساحة يهتفون ويرددون شعارات النصر لفلسطين قبل ان أدخل معهم القاووش الجماعي الكبير المبني من الخشب، وألواح التنك. رأيت بين المعتقلين، الحاج سعيد المدهون والدكتور خليل أبو العافية وخليل أبو الهدى وعبد الرحمن بامية ورباح أبو خضرة وجودت حبيب وجودت بيبي وجودت الهباب وميشيل متري.. وغيرهم. كان يسمح لنا بالخروج لقضاء حاجاتنا الضرورية، ساعة واحدة في اليوم. وقد ضم المعتقل 16 (قاووشا) بين الواحد والآخر طريق يفصل بينهما، وشريط شائك إضافة للشريط الرئيسي المحيط بالمعتقل.. وأمامنا على مسافة بعيدة، قسم آخر من المعتقل، علما انه يحتجز فيه رؤساء الأحزاب وغيرهم ايضا.. عوني عبد الهادي وحسن صدقي الدجاني والاستاذ المظفر.. استطعنا ان نبتكر طريقة للاتصال مع بعضنا بواسطة التحدث عبر <<جرة>> من الفخار نكسر قعرها ونستعملها كالبوق وكانت تفي بالغرض، ونتبادل من خلالها صباحا ومساء الأخبار. وكان بيننا ايضا بعض الأحداث الصغار. في 13/8/1936 علمنا ان المندوب السامي البريطاني سيقوم بزيارة للمعتقل، فاتفقنا في ما بيننا على أمر وقع الاختيار عليّ لتنفيذه.. جمعنا في الساحة الرئيسية لاستقبال (فخامته)، وفور دخوله ورؤيته لنا حاول رفع يده للتحية، وفي اللحظة نفسها رفعني بعض الرفاق على أكتافهم. هتفت بصوت مرتفع وجهوري: يسقط المندوب السامي.. وردد الجميع ورائي يسقط ثلاث مرات.. بدت مظاهر الغضب على وجهه الأحمر، ولم يكمل رفع يده، وعاد أدراجه على الفور، وقد أوجب تصرفنا هذا حرماننا لوقت طويل من ساعة الفسحة اليومية.. بعد خروج من المعتقل مع استمرار ضرورة إثبات تواجدي أمام الميجر هارنغتون كنت أكثر حرصا وقصدا على ان لا أقول له سيدي.. وعلى إثر ذلك أخبر حرس مكتبه الخاص برفض مقابلتي تحت اي ظرف، وأحالني إلى ضابط آخر لإثبات تواجدي عنده.. يتابع والدي فيقول: في صباح يوم من أيام شهر ايلول 1938 وبينما كنا في اجتماع عادي أنا والمحامي إبراهيم نجم والمحامي أمين عقل في مكتب الأخير، نتدارس أمر ترتيبات الثورة في يافا، بعد ان تم تكليفنا من قبل اللجنة القومية، وما ان غادرنا المكتب، توجهت الى مكتبي وطلبت من الكاتب الموظف عندي <<كامل الدجاني>> وهو من قرية بيت دجن ان يغلق المكتب تمشيا مع واقع الثورة العامة في جميع أنحاء فلسطين. ثم قصدت العودة الى بيتي، وأثناء مروري بجانب دكان رستم ابو غزالة أخبرني ان البوليس ألقى القبض على زميلي أمين عقل، وأنهم في طريقهم الى مكتب ابراهيم نجم ومكتبي، وحركة الاعتقالات مسعورة وعلى قدم وساق. ركبت الباص الى بيتي، حزمت أمتعة قليلة بسرعة وركبت سيارتي وانطلقت الى عكا، وهناك طلبت من أخي زكي السفر الى يافا وإحضار زوجتي والأولاد الى عكا، وواصلت سفري الى رأس الناقورة نقطة المخفر الانكليزي، ثم نقطة المخفر الفرنسي.. وكانت سعادتي عظيمة ان أمر منع مغادرتي البلاد لم يصل بعد الى نقاط الحدود.. وصلت الى بيروت وقضيت فيها عدة ايام بزيارة الأصحاب، ثم الى دمشق، حي الميدان، للإقامة بحماية صديقي الشيخ محمد الأشمر.. <<انتهى>>. أقمنا بعد رحيلنا الأخير من الزبداني في حي الميدان بدمشق، الحي الذي ما زال الماضي المعتق ينضح فيه.. ينبض ويعيش بتفاصيله، صريحا بملابس الرجال، وواجهات الحوانيت.. تحت إبط الباعة الجوالين وأصحاب الدكاكين والخانات، في المساجد وأمسيات الفرح والعزاء، على أسلاك القطار الكهربائي (الترامواي) الذي ينطلق من بوابة الميدان وحتى ساحة المرجة ويحمل يوميا فايزة الى مدرسة الثانوية الأهلية التي قبلتها طالبة للاستعداد الى صف الشهادة الثانوية، وغازي المنتسب الى الصف التاسع (شهادة البروفيه) مع غسان في مدرسة الكلية العلمية الوطنية. تمكنت والدتي في ذلك الوقت من استعارة ماكينة خياطة يدوية من السيدة أم ابراهيم إحدى جاراتنا، والعمل عليها بخياطة القمصان لصالح أصحاب محلات بيع الألبسة في السوق بأجرة 30 قرشا عن القميص الواحد.. وقد حقق ذلك مبالغ متواضعة ساهمت بفاعلية بأجور المواصلات ومتطلبات المدارس القليلة. بينما انتسب مروان الى مدرسة خالد بن الوليد طالباً في الصف الخامس، وأنا في مدرسة أسامة بن زيد طالبا في الصف الثاني، وكلتا المدرستين في حي الميدان، مما يعني أننا لن نستهلك نقودا في الذهاب أو الإياب. أقول <<بكثير من التحفظ>> ان منهج حياتنا الجديدة بدأ يستقر على واقع الحال، فقد باشر والدي عمله في سوق الهال، اضافة الى متابعته المتواصلة لدى السلطات والمسؤولين للسماح له بممارسة المحاماة.. كما استطاع غازي بواسطة احد أعمامي العمل (بالواردية الليلة) في معمل الزجاج القريب من المدينة، اضافة إلى مواصلة دراسته النهارية، بجانب عمل أمي في الخياطة، مما حقق إيرادا منتظما ومعقولا لتأمين القدرة على مواصلة العيش. ورغم ذلك واعتمادا عليه فقد كان والدي يقسم الخبز بالتساوي بيننا، ويحدد حجم قطعة الجبن مثلا لواحدنا، ويفرض علينا بعد ذلك أكلها بلا زيادة ولا نقصان، وهذا الشكل من التنظيم الغذائي شمل مختلف أنواع الأطعمة، وفي كل المناسبات.. ولست أنسى كيف كانت دموع غسان <<الذي لم يكن يحب البامية على الاطلاق، رغم أشكال الإغراء>> تتساقط فوق صحن الطعام وهو مكره على أكل ما فيه بالكامل. كنا في ذلك الوقت نعيش مع عمتي وأسرتها الكبيرة في بيت واحد، في الوقت الذي كانت فيه أعمار أولادها متقاربة مع أعمارنا، ولك ان تتصور حجم المشكلات الممكن حدوثها رغم بساطتها وتفاهتها على الغالب إلا أنها تتراكم وتخلق عند الكبار مشاعر متفاوتة بين المهانة والاستعلاء، فهم يردون أي شيء الى واقع الفقر النسبي. وهذا لا يعني أن زوج عمتي أحسن حالا، كان فقيرا هو الآخر، الفارق أنه كان قادرا بكثير من اللامبالاة ان يأتي كل مساء الى بيته في عربة حنطور، وبثياب على قدر من الأناقة، على واقع كونه موظفا في مؤسسة اللاجئين ومسؤولا عن توزيع المعونات بأشكالها المختلفة على اللاجئين. كان حريصا على شكل المظاهر البراقة والتافهة كما يسميها والدي .. بينما تعاني أسرته من الضنك ما تعاني. تنتشلني حفيدتي من جديد، تترغل بكلمات متقطعة متلعثمة لا أفهمها، كزقزقة الحسون الذي أفلت من قفصه، وراح يصدح بفرح على غصن أقرب شجرة بلحن حر جميل.. وهو يدرك.. ربما يدرك؟.. انه ميت لا محالة بعد حين، إذ كيف يستطيع ان يتعلم العيش معتمدا على نفسه، وقد ولد في قفص وتربى فيه طيلة حياته!.. يا صغيرتي.. أعرف أنك لا تدركين!.. كنا نتسابق نحن الأربعة أمام أبي.. يأخذنا الى الحلاق في آخر الشارع المستقيم الضيق الذي يكاد يتسع (للترامواي) ذهابا وإيابا والعدد القليل من السيارات والكثير من عربات الحنطور وعربات النقل المختلفة التي تجرها البغال او الحمير، وزحمة الباعة. هذا الطريق المنتهي (ببوابة الله) وقبل ان نصل بأمتار قليلة الى صالون الحلاقة، ندخل في زقاق ضيق ونسير دورة كبيرة لنعود من الطرف البعيد الى الشارع المستقيم نفسه، وهكذا في طريق العودة دون ان نجد لذلك تفسيرا. كنا نعلم أننا لو نسلك استقامة الطريق، نختصر المسافة.. ورغم ذلك لم نجرؤ على مخالفة والدي وإصراره على ان ندخل الزقاق وندور دورتنا الطويلة كل مرة لنتجاوز ما لا يزيد عن عشرة أمتار ليس أكثر. اكتشفنا ايضا في ما بعد ان مضافة الشيخ <<محمد الأشمر>> تقوم بين مسافة الأمتار العشرة هذه. كان والدي يهرّب بسيارته الخاصة عن طريق لبنان بعض أنواع من السلاح والذخيرة المطلوبة والضرورية للثوار السوريين إبان كفاحهم ضد المستعمر الفرنسي ويسلمهم شخصيا للمجاهد الأشمر، ويحمل في طريق العودة من طريق لبنان ايضا أصناف سلاح اخرى للثوار الفلسطينيين.. وغالبا ما كانت ترافقه فتاة صبيّة متطوعة من الثوار لا على التعيين، ليبدو الأمر كأنه رحلة حب لعاشقين، زيادة في التمويه. في صباح يوم ماطر، وبينما كان والدي في السوق القريب، وأمام أحد حوانيت بيع الخضار يشتري لوازم للبيت، لفتت انتباهه حركة وجلبة، سمع أحدهم يقول: الشيخ! وقبل ان يتوارى، وجد نفسه وجها لوجه أمام الشيخ محمد الأشمر.. تعانقا طويلا، وذرفا الكثير من الدموع.. وتبادلا الكثير من الكلام، سمعت الشيخ يقول: حري بغيرك ان يخجل! في مساء ذلك اليوم، وقفت أمام بيتنا عربة طويلة يجرها حصان قوي، أفرغت حمولتها من السكر والرز والصابون والسمن والطحين واللبن وبعض الملابس، على عتبة بيتنا.. قال صاحب العربة: هدية من الشيخ محمد الأشمر! يا صغيرتي.. عندما تكبرين.. ربما تجدين جوابا.. لماذا يبتسم غسان وهو ميت؟. لمست شعرها الناعم، كانت نائمة كالملائكة.. وفي أفق عينيها المسدلتين شبح ابتسامة.. عدنان كنفاني |
رد: مكتبة الأديب الفلسطيني الشهيـــد // غســــان كنفاني
غدا نكمـــل معا مكتبة الشهيد الأديب الفلسطيني والمفكر // غساان كنفاني
|
رد: مكتبة الأديب الفلسطيني الشهيـــد // غســــان كنفاني
ما طرحت يستفز للرد يا عزيزي !
غسان الأديب و المناضل و القائد ،، غسان المناضل دائما ما يحرضنا علي قرع جدران الخزان . غسان الأديب أوصانا بين الفينة و الأخري أن نقرأ عائد إلي حيفا حتي لا ننسي غسان و أرض البرتقال الحزين .. غسان و القميص المسروق ، و أم سعد غسان و المخيم ..غسان هو فلسطين و فلسطين نحن :) ، لي عودة أكيدة يا بطل :) |
رد: مكتبة الأديب الفلسطيني الشهيـــد // غســــان كنفاني
اقتباس:
غســـان حمل وطــن والأجمل ان الوطن فلسطين بانتظار طرحــك وبصماتك يا ناجــي :ShababSmile258: |
رد: مكتبة الأديب الفلسطيني الشهيـــد // غســــان كنفاني
رجال في الشمس قصة كتير راآئعة
رحمه الله الى الامام اخي الكريم |
رد: مكتبة الأديب الفلسطيني الشهيـــد // غســــان كنفاني
ما كُتِب عن غسان كنفاني
ماذا كتبت مجلــه الهدف الذي أسسها الأديب غســان كنفاني غسان كنفاني الرجل والقضية لماذا لم تدقوا جدران الخزان؟ لماذا لم تقولوا؟ لماذا؟ وفجأة بدأت الصحراء كلها ترد الصدى: لماذا لم تدقوا جدران الخزان؟ لماذا لم تقرعوا جدران الخزان؟ لماذا؟ لماذا؟ لماذا؟ لماذا؟ أبو الخيزران <<رجال في الشمس>> غسان كنفاني (لمحات من سيرة غسان مقتبسة من موقع الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين) تصادف يوم الاثنين 8 تموز (يوليو) 2002، الذكرى الثلاثون لاغتيال غسان كنفاني، الأديب المناضل، السياسي الباحث، الصحافي الرسام، الذي جمع في شخصه مواصفات عديدة وشكل ظاهرة مضيئة في سيرورة الثقافة الفلسطينية لدى بحثها الدائب عن مكانها تحت الشمس. لهذه الذكرى نخصص ملفا ثقافيا يتناول بعض الجوانب التي تشف عنها هذه التجربة المتميزة لذاتها، ولنا جميعا الجوانب نفسها التي جعلتها تجربة يتواصل إشعاعها ليشكل مصدر إلهام للأجيال اللاحقة. سيرة ذاتية ولد غسان كنفاني في مدينة عكا سنة 1936، نزح مع عائلته الى دمشق في 1948، وعاش عيشة قاسية، لكنه أقبل على الدراسة ليلا حتى نال الشهادة الثانوية وعمل مدرسا للتربية الفنية في مدارس وكالة الغوث في دمشق. في 1956 سافر الى الكويت حيث عمل مدرسا للرياضة والرسم، وأثناء العمل انتسب الى كلية الآداب في جامعة دمشق وأعد دراسة لنيل الشهادة الجامعة عن <<العرق والدين في الأدب الصهيوني>>. في 1960 غادر الكويت الى بيروت ليعمل محررا في جريدة <<الحرية>>، كما عمل في جريدة <<الأنوار>> ومجلة <<الحوادث>>، ورئيسا لتحرير <<المحرر>>. في 1969 أسس جريدة <<الهدف>> الناطقة بلسان الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وبقي رئيسا لتحريرها حتى استشهاده. اغتالته المخابرات الإسرائيلية في 8 تموز (يوليو) 1972 بتفجير سيارته أمام منزله في الحازمية بيروت، واستشهدت معه ابنة شقيقته لميس حسين نجم (17 عاما). نال في 1966 جائزة أصدقاء الكتاب في لبنان عن روايته <<ما تبقى لكم>>. نال اسمه جائزة منظمة الصحافيين العالمية في 1974 وجائزة اللوتس في 1975. منح اسمه وسام القدس للثقافة والفنون في 1990. من أعماله: روايات: رجال في الشمس بيروت، 1963. ما تبقى لكم بيروت، 1966. أم سعد بيروت، 1970. عائد الى حيفا بيروت 1970. الشيء الآخر صدرت بعد استشهاده، بيروت 1980. العاشق، الأعمى والأطرش، برقوق نيسان (روايات غير كاملة نشرت في مجلد أعماله الكاملة). مجموعات قصصية: موت سرير رقم 12 بيروت، 1961. أرض البرتقال الحزين بيروت، 1963. عن الرجال والبنادق بيروت، 1968. عالم ليس لنا بيروت، 1970. الدراسات: أدب المقاومة في فلسطين المحتلة 1948 1966 بيروت، 1966. الأدب الفلسطيني المقاوم تحت الاحتلال بيروت، 1968. في الأدب الصهيوني بيروت، 1967. ثورة 36 49 في فلسطين، خلفيات وتفاصيل وتحليل. مسرح: الباب ومسرحيات أخرى بيروت، 1964. ظهرت أعماله الكاملة في أربعة مجلدات تشمل: الروايات، القصص القصيرة، المسرح، الدراسات. لمحات عن سيرة غسان كنفاني نشأته وحياته والده: خرج أبوه من أسرة عادية من أسر عكا وكان الأكبر لعدد غير قليل من الأشقاء، وبما أن والده لم يكن مقتنعا بجدوى الدراسات العليا فقد أراد لابنه أن يكون تاجرا أو كاتبا أو متعاطيا لأي مهنة عادية، ولكن طموح الابن أبى عليه إلا أن يتابع دراسته العالية فالتحق بمعهد الحقوق بالقدس في ظروف غير عادية، صفر اليدين من النقود وحتى من التشجيع، فما كان عليه إلا أن يتكل على جهده الشخصي لتأمين حياته ودراسته، فكان تارة ينسخ المحاضرات لزملائه وتارة يبيع الزيت الذي يرسله له والده ويشتري بدل ذلك بعض الكاز والمأكل ويشارك بعض الأسر في مسكنها، الى أن تخرج محامياً، وعاد الى عكا ليتزوج ابنة أسرة ميسورة ومعروفة ويشد رحاله للعمل في مدينة يافا حيث مجال العمل أرحب، وليبني مستقبله هناك. وكافح هناك وزوجته الى جانبه تشد أزره وتشاركه في السراء والضراء ونجح، وكان يترافع في قضايا معظمها وطنية خاصة أثناء ثورات فلسطين، واعتقل مرارا، كانت إحداها بإيعاز من الوكالة اليهودية. وكان من عادة هذا الشاب تدوين مذكراته يوما بيوم وكانت هذه هي أعز ما يحتفظ به من متاع الحياة، وينقلها معه حيثما حل أو ارتحل، وكثيرا ما كان يعود إليها ليقرأ لنا بعضها ونحن نستمتع بالاستماع الى ذكريات كفاحه، فقد كان فريدا بين أبناء جيله، وكان الرجل العصامي ذو الآراء المتميزة مثلا لنا يحتذى. هذا هو والد غسان كنفاني الذي له بدون شك أثر كبير في حياة ثالث أبنائه غسان. غسان الطفل: هو الوحيد بين أشقائه ولد في عكا، فقد كان من عادة أسرته قضاء فترات الإجازة والأعياد في عكا، ويروى عن ولادته أن أمه حين جاءها المخاض لم تستطع أن تصل الى سريرها قبل أن تضع وليدها، وكاد الوليد يختنق بسبب ذلك، وحدث هذا في التاسع من نيسان عام 1936. كان من نصيب غسان الالتحاق بمدرسة الفرير بيافا، ولم تستمر دراسته الابتدائية هذه سوى بضع سنوات، فقد كانت أسرته تعيش في حي المنشية بيافا وهو الحي الملاصق لتل أبيب، وقد شهد أول حوادث الاحتكاك بين العرب واليهود التي بدأت هناك اثر قرار تقسيم فلسطين، لذلك فقد حمل الوالد زوجته وأبناءه وأتى بهم الى عكا وعاد هو الى يافا. أقامت العائلة هناك من تشرين عام 47 الى أن كانت إحدى ليالي أواخر نيسان 1948 حين جرى الهجوم الأول على مدينة عكا. بقي المهاجرون خارج عكا على تل الفخار (تل نابليون) وخرج المناضلون يدافعون عن مدينتهم ووقف رجال الأسرة أمام بيت جدنا الواقع في أطراف البلد وكل يحمل ما تيسر له من سلاح وذلك للدفاع عن النساء والأطفال إذا اقتضى الأمر. وكانت تتردد على الأفواه قصص مجازر دير ياسين ويافا وحيفا التي لجأ أهلها الى عكا وكانت الصور ما تزال ماثلة في الأذهان. في هذا الجو كان غسان يجلس هادئا كعادته ليستمع ويراقب ما يجري. استمرت الاشتباكات منذ المساء حتى الفجر، وفي الصباح كانت معظم الأسر تغادر المدينة وكانت أسرة غسان ممن تيسر لهم المغادرة مع عديد من الأسر في سيارة شحن الى لبنان، فوصلوا الى صيدا، وبعد يومين من الانتظار استأجروا بيتا قديما في بلدة الغازية قرب صيدا في أقصى البلدة على سفح الجبل، استمرت العائلة في ذلك المنزل أربعين يوما في ظروف قاسية إذ إن والدهم لم يحمل معه إلا النزر اليسير من النقود فقد كان أنفقها في بناء منزل في عكا وآخر في حي العجمي بيافا، وهذا البناء لم يكن قد انتهى العمل فيه حين اضطروا للرحيل. من الغازية انتقلوا بالقطار مع آخرين الى حلب ثم الى الزبداني ثم الى دمشق حيث استقر بهم المقام في منزل قديم من منازل دمشق، وبدأت هناك مرحلة أخرى قاسية من مراحل حياة الأسرة. غسان في طفولته كان يلفت النظر بهدوئه بين جميع إخوته وأقرانه ولكن كان الجميع يكتشف دائما أنه مشترك في مشاكلهم ومهيّأ لها دون أن يبدو عليه ذلك. غسان اليافع: في دمشق شارك أسرته حياتها الصعبة، أبوه المحامي عمل أعمالا بدائية بسيطة، أخته عملت بالتدريس، هو وأخوه صنعا أكياس الورق، ثم عمالا، ثم قاموا بكتابة الاستدعاءات أمام أبواب المحاكم وفي الوقت نفسه كان غسان يتابع دروسه الابتدائية. بعدها تحسنت أحوال الأسرة وافتتح أبوه مكتبا لممارسة المحاماة فأخذ هو الى جانب دراسته يعمل في تصحيح البروفات في بعض الصحف وأحيانا التحرير، واشترك في برنامج فلسطين في الإذاعة السورية وبرنامج الطلبة، وكان يكتب بعض الشعر والمسرحيات والمقطوعات الوجدانية. وكانت تشجعه على ذلك وتأخذ بيده شقيقته فايزة التي كان لها في هذه الفترة تأثير كبير على حياته. وأثناء دراسته الثانوية برز تفوقه في الأدب العربي والرسم، وعندما أنهى الثانوية عمل في التدريس في مدارس اللاجئين، وبالذات في مدرسة الإليانس بدمشق، والتحق بجامعة دمشق لدراسة الأدب العربي وأسند إليه آنذاك تنظيم جناح فلسطين في معرض دمشق الدولي وكان معظم ما عرض فيه من جهد غسان الشخصي. وذلك بالإضافة الى معارض الرسم الأخرى التي أشرف عليها. وفي هذا الوقت كان قد انخرط في حركة القوميين العرب، وما يذكر أنه كان يضطر أحيانا للبقاء لساعات متأخرة من الليل خارج منزله مما كان يسبب له إحراجا مع والده الذي كان يحرص على إنهائه لدروسه الجامعية، وهو كان يحاول جهده للتوفيق بين عمله وإخلاصه لرغبة والده. في أواخر عام 1955 التحق للتدريس في المعارف الكويتية وكانت شقيقته قد سبقته في ذلك بسنوات وكذلك شقيقه، وفترة إقامته في الكويت كانت المرحلة التي رافقت إقباله الشديد، الذي يبدو غير معقول، على القراءة، وهي التي شحنت حياته الفكرية بدفقة كبيرة، فكان يقرأ بنهم لا يصدق، كان يقول إنه لا يذكر يوما نام فيه دون أن ينهي قراءة كتاب كامل أو ما لا يقل عن ستمئة صفحة، وكان يقرأ ويستوعب بطريقة مدهشة. وهناك بدأ يحرر في إحدى صحف الكويت ويكتب تعليقا سياسيا بتوقيع <<أبو العز>> لفت إليه الأنظار بشكل كبير خاصة بعد أن زار العراق بعد الثورة العراقية عام 58 على عكس ما نشر بأنه عمل في العراق. في الكويت كتب أيضا أولى قصصه القصيرة <<القميص المسروق>> التي نال عنها الجائزة الأولى في مسابقة أدبية. ظهرت عليه بوادر مرض السكري في الكويت أيضا، وكانت شقيقته قد أصيبت به من قبل وفي نفس السن المبكرة، مما زاده ارتباطا بها وبالتالي بابنتها الشهيدة لميس نجم التي ولدت في كانون الثاني عام 1955. فأخذ غسان يحضر للميس في كل عام مجموعة من أعماله الأدبية والفنية ويهديها لها وكانت هي شغوفة بخالها محبة له تعتز بهديته السنوية، وتفاخر بها أمام رفيقاتها، ولم يتأخر غسان عن ذلك إلا في السنوات الأخيرة بسبب ضغط عمله. عام 1960 حضر غسان الى بيروت للعمل في مجلة <<الحرية>> كما هو معروف. غسان الزوج: بيروت كانت المجال الأرحب لعمل غسان وفرصته لالتقاء التيارات الأدبية والفكرية والسياسية. بدأ عمله في مجلة <<الحرية>> ثم أخذ بالإضافة الى ذلك يكتب مقالاً أسبوعيا لجريدة <<المحرر>> البيروتية التي كانت ما تزال تصدر أسبوعية، صباح كل اثنين، لفت نشاطه ومقالاته الأنظار إليه كصحافي ومفكر وعامل جاد ونشيط للقضية الفلسطينية فكان مرجعا لكثير من المهتمين. عام 1961 كان يعقد في يوغوسلافيا مؤتمر طلابي اشتركت فيه فلسطين وكذلك كان هناك وفد دنماركي، كانت بين أعضاء الوفد الدنماركي فتاة متخصصة بتدريس الأطفال، قابلت هذه الفتاة الوفد الفلسطيني ولأول مرة سمعت عن القضية الفلسطينية. واهتمت الفتاة اثر ذلك بالقضية ورغبت في الاطلاع عن كثب على المشكلة، فشدت رحالها الى البلاد العربية مرورا بدمشق، ثم الى بيروت حيث أوفدها أحدهم لمقابلة غسان كنفاني كمرجع للقضية، وقام غسان بشرح الموضوع للفتاة وزار وإياها المخيمات، وكانت هي شديدة التأثر بحماسة غسان للقضية وكذلك بالظلم الواقع على هذا الشعب، ولم تمض على ذلك عشرة أيام إلا وكان غسان يطلب يدها للزواج، وقام بتعريفها على عائلته، كما قامت هي بالكتابة الى أهلها، وقد تم زواجهما بتاريخ 19/10/1961 ورزقا بفايز في 24/8/1962 وبليلى في 12/11/1966. بعد أن تزوج غسان انتظمت حياته وخاصة الصحية، إذ كثيرا ما كان مرضه يسبب له مضاعفات عديدة لعدم انتظام مواعيد طعامه. عندما تزوج غسان كان يسكن في شارع الحمراء ثم انتقل الى حي المزرعة، ثم الى مار تقلا حيث أقام أربع سنوات، وحين طلب منه المالك إخلاء شقته قام صهره بشراء شقته الحالية وقدمها له بإيجار معقول. وفي بيروت أصيب من مضاعفات السكري بالنقرس وهو مرض بالمفاصل يسبب آلاما مبرحة تقعد المريض أياما، ولكن كل ذلك لم يستطع يوما أن يتحكم في نشاطه أو قدرته على العمل، فقد كان طاقة لا توصف وكان يستغل كل لحظة من وقته دون كلل. ورغم انهماكه في عمله وخاصة في الفترة الأخيرة إلا أن حق بيته وأولاده عليه كان مقدسا. كانت ساعات وجوده بين زوجته وأولاده من أسعد لحظات عمره، وكان يقضي أيام عطلته إذا تسنى له ذلك يعمل في حديقة منزله ويضفي عليها وعلى منزله من ذوق الفنان ما يلفت النظر رغم تواضع قيمة موجوداته. غسان القضية: أدب غسان وإنتاجه الأدبي كان متفاعلا دائما مع حياته وحياة الناس وفي كل ما كتب كان يصور واقعا عاشه أو تأثر به. <<عائد الى حيفا>> وصف فيها رحلة مواطني حيفا في انتقالهم الى عكا وقد وعى وكان ما يزال طفلا يجلس ويراقب ويستمع، ثم تركزت هذه الأحداث في مخيلته فيما بعد من تواتر الرواية. <<أرض البرتقال الحزين>> تحكي قصة رحلة عائلته من عكا وسكناهم في الغازية. <<موت سرير رقم 12>> استوحاها من مكوثه بالمستشفى بسبب المرض. <<رجال في الشمس>> من حياته وحياة الفلسطينيين بالكويت، واثر عودته الى دمشق في سيارة قديمة عبر الصحراء، كانت المعاناة ووصفها هي تلك الصورة الظاهرية للأحداث، أما في هدفها فقد كانت ترمز وتصوّر ضياع الفلسطينيين في تلك الحقبة وتحول قضيتهم الى قضية لقمة العيش مثبتا أنهم قد ضلوا الطريق. من قصته <<ما تبقى لكم>> التي تعتبر مكملة <<لرجال في الشمس>> يكتشف البطل طريق القضية، في أرض فلسطين، وكان ذلك تبشيرا بالعمل الفدائي. قصص <<أم سعد>> وقصصه الأخرى كانت كلها مستوحاة من ناس حقيقيين، في فترة من الفترات كان يعد قصة ودراسة عن ثورة 36 في فلسطين، فأخذ يجتمع الى ناس المخيمات ويستمع الى ذكرياتهم عن تلك الحقبة والتي سبقتها والتي تلتها، هذه الدراسة (نشرت في مجلة شؤون فلسطين، ثم أصدرتها الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في كراس خاص)، أما القصة فلم يكتب لها أن تكتمل بل اكتملت منها فصول نشرت بعض صورها في كتابه <<عن الرجال والبنادق>>. كانت لغسان عين الفنان النفاذة وحسه الشفاف المرهف، فقد كانت في ذهنه في الفترة الأخيرة فكرة مكتملة لقصة رائعة استوحاها من مشاهدته لأحد العمال وهو يكسر الصخر في كاراج البناية التي يسكنها وكان ينوي تسميتها <<الرجل والصخر>>. |
رد: مكتبة الأديب الفلسطيني الشهيـــد // غســــان كنفاني
جماليات السلاح لدى غسان كنفاني بعد هزيمة حزيران بدأ إبداع كنفاني أكثر التصاقاً بهمّ الثورة الفلسطينية، وبأهم تجلياتها: الإنسان والسلاح، وحين نتأمل رواية <<أم سعد>> نلاحظ حضور أوجاع المخيم الى جانب السلاح في معظم فصولها، إذ بات يستخدم لغة جديدة تبدع وتجسد امتزاج الإنسان بالسلاح بصورة فريدة! يصف لنا نظرة (أم سعد) المرأة البسيطة التي بدأت تعيش وعي الثورة <<ونظرت إليّ مباشرة: ذلك الرمح الذي تسدده في لحظات النبوءة بسرعة الرصاصة وتصويب الحقيقة>>. عرفت أم سعد الطريق الصحيح لفلسطين، لذلك استحقت هذا الوصف الموحي لنظرتها، الذي يجمع بين النبوءة والحقيقة والسلاح، إنها نظرة المرأة التي بدأت تدرك حقائق الثورة التي تجمع التضحية والسلاح! لذلك قدم لنا لوحة تشكيلية لنظرتها مستمدة من الرمح الذي ينطلق ليحقق نبوءة جديدة، والرصاصة التي تنطلق بسرعة في طريقها دون أن تهتم بالمعوقات، ودقة تصويب البندقية نحو الهدف (الحقيقة) تتحول هذه الأسلحة الى معادل جمالي لنظرة الإنسان الصائبة! تتحلى مثل هذه المرأة بعقد مبتكر يتناسب والزمن الجديد الذي بدأ يلوح أفقه، إن ذلك العقد هو رصاصة نسيها ابنها الفدائي، ونجدها تدعوه ب(الحجاب) بعد أن تخلت عن ذلك الحجاب الذي كتبه لها الشيخ، ولم ينفعها في شيء! وبذلك تتحول إحدى أدوات الثورة (الرصاصة) الى قوة روحية وجمالية، لن يستغني عنها الفلسطيني سواء أكان امرأة أم رجلاً في الحياة الجديدة! إن المعاناة التي عاشتها المرأة في المخيم أسهمت في تطور وعيها، فباتت تؤمن بأهمية السلاح في إنقاذ الإنسان والوطن معاً! وقد سبقها الى ذلك الجيل الجديد الذي حمل السلاح وبدأ يواجه الصهاينة، لهذا وجدنا (أم سعد) تتبنى وجهة نظر ابنها (سعد) في ضرورة الثورة، وصارت ترى الإنسان الفلسطيني، الذي لا يحمل سلاحاً، ويرضى بحياة الذل يعيش في سجن، سواء أكان ذلك في المخيم أم في البيت! ولن يستطيع أن يعرف معنى الكرامة والحرية إلا إذا غيّر حياة الذل التي استمرت مدة عشرين عاماً (كتب رواية <<أم سعد>> 1969 أي بعد عشرين سنة من النكبة) لهذا تقول (أم سعد): <<أعمارنا حبس، العشرون سنة الماضية حبس، والمختار حبس..>>. إن الحياة الذليلة التي يعيشها الفلسطيني في المخيم سجن لن يخرج منه إلا من التمس طريقاً إلى السلاح ليعود إلى فلسطين! فيتحول السلاح عند كنفاني الى معادل جمالي للحياة الحرة! وهي تصف أهمية البندقية (البارودة) بلغة الفلاحين وأمثالهم الشعبية: <<البارودة مثل الحصبة، تعدي، وعندنا بالفلح كانوا يقولون إن الحصبة إذا أصابت الولد فهذا يعني أنه بدأ يعيش، وأنه صار مضمونا..>> (1). المرأة البسيطة لا تجد طريقة للتعبير عن انتشار السلاح في المخيم سوى تجاربها اليومية، لذلك كانت البندقية لديها تصيب بالعدوى شباب المخيم كمرض الحصبة، وكي ينفي الكاتب التداعيات السلبية للحصبة، يبرز أهمية هذا المرض معتمداً على الحكمة الشعبية، إذ يمنح الإنسان القدرة على مواصلة الحياة ويكسبه مناعة، تضمن له الاستمرار في العيش دون أمراض! عندئذ يطمئن قلب الأم على أولادها الذين يحملون السلاح، لأنهم بدأوا يعيشون الحياة الحقيقية محصنين من الضعف كما حصنتهم الحصبة من المرض! يرتبط حضور السلاح لدى كنفاني بالإنسان البسيط وخاصة الفلاح، لذلك وجدنا مفرداته وأعماله في الحقل تشكل جزءاً من جماليات العلاقة بين الإنسان والسلاح! فحين يعيد منصور البندقية إلى خاله الفلاح (أبي الحسن) نجده يحملها بشيء من الحنين يشوبه القلق على سلامتها، يتفقدها كأنها إنسان عزيز عليه، وهو لا يكتفي بذلك بل يعاملها <<كما تعامل أشجار حقله الصغير، يقصقص عروقها ويسلخ فروعها عنها ليطعم فيها فروعاً أخرى، ويرفعها ويشذبها ويملأ نواقصها حتى تعود كتلة واحدة من جديد>>(2). يرى كنفاني أن أكثر الناس نضالاً ضد الصهاينة والإنكليز، قبل النكبة، هو الفلاح الفلسطيني، لذلك أصبحت البندقية جزءاً من كيانه، ومصدراً لحياته، نجده يعتني بها، كما يعتني بأشجاره، يدهشنا في هذا التصوير تلك النظرة الفريدة للبندقية التي تنطلق من عالم الفلاح الذي يتعامل معها كما يتعامل مع مصدر عيشه (أشجار الزيتون) وهذا ليس مستغرباً على الفلاح الذي صار يجد فيها مصدراً لكرامته! كما تلفت نظرنا تلك الصور البسيطة التي تبدعها مخيلة كنفاني التي تستمد عناصرها من مفردات حياة الفلاحين اليومية، فرائحة الرشاش حين يسقى بماء المطر تذكر الفدائي (سعد) برائحة الخبز وقد خرج لتوه من الفرن، تبتكر لنا مخيلة المبدع صورة مؤثرة للسلاح، إذ يتحول، لدى الفلاح (الفدائي) الذي يحمله الي معادل لرغيف الخبز لا يمكن الاستغناء عنه! وما شكل جماليات هذه الصورة أيضاً أنها اعتمدت على حاسة البصر (الرغيف الشهي) وحاسة الشم (وقد خرج لتوه من الفرن) وهي تلبي حاجة أساسية لدى الإنسان (الجوع)، وبذلك يلبي السلاح لدى الفلسطيني حاجة أساسية تعادل الحاجة للطعام هي الحاجة الى الكرامة! فيمتزج لديه ما هو حياتي بما هو جمالي، ليصنع إبداعاً متميزاً! لعل أنسنة السلاح من أبرز الجماليات التي جسد عبرها كنفاني العلاقة بين الفلسطيني وسلاحه، إذ لم تعد البندقية أداة جامدة بيد الفلاح، بل إنسانا صديقا يحاوره <<أنت مرتينة طيبة، وتصويبك لا يخطئ.. المهم في الأمر أنك أمينة، فأنت لا تخرجين رصاصك إلا من مكان واحد>>(3). يحيط منصور البندقية بجملة أوصاف تلتصق بالإنسان عادة (الطيبة، الدقة في التصويب، الأمانة..) فهي ليست آلة للقتل وإنما إنسان صديق يؤنس (منصور) في وحشته أثناء سيره في الطريق الوعر الى قلعة جدين، كما يمد يد العون في ساعة الخطر، فيصيب العدو وينقذ صديقه (الأستاذ معروف) وهي أمينة لا تخون صاحبها! لعل أنسنة السلاح تبلغ أقصى جمالية ممكنة في هذه الصورة، حين يتحول عضو من أعضاء الإنسان الى أداة من أدوات المدفع، كما حصل لسعيد الحمضوني حين وضع يده في ماسورة المدفع ليصلحه فيصبح قادراً على العمل بعد أن تعطل أثناء قتال الصهاينة! لذلك لن نستغرب أن يربط <<الناس صورة المدفع بوجه سعيد الحمضوني المربع، ولم تعد تجد من يفصل هذا عن ذاك في حديث الدفاع عن (قرية سلمة) بأن أصبح الآن ضرورة مكملة.. بل أساسية للمدفع، وعندما تحدث الناس عن سعيد كانوا يشعرون أنه أداة من أدوات المدفع المعقدة>>(4). تبدو عناصر الصورة شكلية تجسد تلاحماً خارجياً بين الإنسان والمدفع! ما إن ينظر الناس في وجه سعيد المربع حتى يذكرهم بالمدفع! كما نجد تلاحماً عضوياً آخر بينه وبين المدفع أقرب الى التلاحم الداخلي، فقد أصبح الإنسان جزءاً أساسياً من أجزاء المدفع، وبذلك يتوحد الإنسان بالسلاح توحداً فريداً من نوعه! نستطيع القول إن كنفاني جسّد لنا الروح الفلسطينية في لحظة همودها، إثر النكبة، وهي تبحث عن ذاتها وعن السلاح! وفي لحظة تألقها وهي تثبت ذاتها ممسكة به! لذلك ختم القسم الأول من مجموعة <<عن الرجال والبنادق>> (التي كتبها مع بزوغ الثورة الفلسطينية 1965) بهذه الخاتمة الموحية التي تجسّد لحظة استشهاد والد منصور <<في ذلك الخلاء المبتل كان منصور يقف عاجزاً وهو يرى أباه يموت رويداً رويداً دون حركة واحدة، إلا ذلك النبض العميق الذي كان يرجفه، فتبدو عروقه كأسلاك مشدودة تخرج من كفه وتتوزع في بدن البندقية أيضاً، وأخيراً انتفضوا جميعاً معاً: الشجرة والرجل والمرتينة، ومن وراء غبش المطر الغاضب، ودموعه، خيل لمنصور أنهم ليسوا سوى جثة هامدة>>(5). يقدم لنا كنفاني عبر هذا المشهد عدة دلالات موحية، فالدم الذي ينزفه الشهيد يغذي جسد البندقية، ليمدها بالحياة، وتتوحد مع الشهيد، فتنتفض في صحوة الموت معه، بعد أن امتزجت بدمه! ويدخل الكاتب الى عنصري الصورة (الشهيد والسلاح) عنصراً هاماً يتوحد بهما هو الأرض الفلسطينية، التي اختزلها الكاتب بأحد رموزها الأساسية (الشجرة) لذلك نجد الصحوة تجمع الفلسطيني والسلاح والأرض كما تجمعهم لحظة الموت! فلا حياة للفلسطيني بعيداً عن الأرض والسلاح! كما لا حياة لهما بعيداً عن الشهيد! هكذا أرّخ لنا كنفاني للإنسان الفلسطيني، وهو يسطّر أنصع صفحات حياته، وهو يحمل سلاحه، فيحقق توحداً رائعاً مع فلسطين! د. ماجدة حمود |
رد: مكتبة الأديب الفلسطيني الشهيـــد // غســــان كنفاني
ذكريات مع غسان كنفاني أمين فرع سوريا لاتحاد الكتاب والصحفيين الفلسطينيين لو عدنا بذاكرتنا التاريخية إلى الوراء، وحاولنا أن نتذكر العمليات التي نفذها الموساد الصهيوني منذ العام 1948م وحتى الآن، فسنجد الوقائع الأساسية التالية: هناك واقعتا اغتيال الرائد مصطفى حافظ في غزة وكان قائداً لكتيبة الفدائيين التي تشكلت عام 1955م، وفي موازاتها أيضاً كانت عملية اغتيال المقدم صلاح مصطفى في السفارة المصرية في الأردن، وكان يشرف على الفدائيين الذين ينطلقون إلى فلسطين المحتلة، بعد ذلك كانت وقائع الطرود الملفوفة التي أرسلت الى العلماء الألمان الذين كانوا يتابعون برنامج إنتاج الصواريخ المصرية التي عرفناها شفوياً باسم الظافر والقاهر..، بعد ذلك جاء اغتيال غسان كنفاني ليكون بداية سلسلة الاغتيالات التي وجهت لقيادات معينة في الساحة الفلسطينية، حتى اغتيال (أبو جهاد) خليل الوزير رحمه الله لم يكن منفصلاً عن واقعة واحدة في سجل نضال أبو جهاد الطويل، هي أنه نجح في إعداد خلية فدائية وصلت الى النقب، وبالذات الى الطريق المؤدي الى المفاعل النووي في ديمونة، وهاجمت سيارة باص على ذلك الطريق، فكانت تلك العملية النوعية بهدفها سبباً للاغتيال. هذا الأمر يجعلنا نتساءل.. لماذا اختير غسان كنفاني ليكون أول الشهداء الذين استهدفهم الموساد الصهيوني؟ لا شك في أن الموساد الصهيوني قرأ في غسان كنفاني أشياء ربما كانت غائبة حتى عن تفكيرنا وحساباتنا نحن بالنسبة لقيم القادة والرجال! عرفت غسان كنفاني كاتباً في جريدة المحرر اللبنانية وكنت أراسلها منذ كنت طالباً في قطاع غزة، وكانت تنشر لي فيها مواد ما بين الحين والحين، أحياناً باسمي الصريح وأحياناً أخرى باسم رائد غنيم، حينها كنت أتابع كتابات غسان بعد ذلك، ثم كتاباته في <<الحرية>> وتعرفت عليه بصفة شخصية ومباشرة ربما قبل أربعة أو ثلاثة أسابيع فقط من واقعة اغتياله حين صرت وإياه عضوين في اللجنة الإعلامية ل<<م.ت.ف.>> في بداية تشكيلها في بيروت، وكان رئيس هذه اللجنة الشهيد كمال ناصر. من خلال لقائي المباشر بغسان، اتضح لي شيءأساسي فغسان ليس من النوع الصدامي في قضايا الفكر والتحالف، إن كان في الجبهة الشعبية أو في إطار حركة القوميين العرب، ومثله أيضاً الدكتور أنيس صايغ يشكلان نمطاً خاصاً من الرجال الذين يغلبون الفكر على العاطفة والذين يبحثون عن القواسم المشتركة في العلاقة مع باقي القوى، أكثر مما يبحثون عن قضايا الخلاف. مثل هذه العقلية التي تميز بها غسان وتميز بها أنيس صايغ أعتقد أنها كانت تشكل سبباً ملائماً لكي يكون كل واحد منهما هدفاً للاغتيال، ولكي تبدأ عملية الاغتيالات بغسان كنفاني. ونفس الأمر يمكن أن ينطلق على الشهيد كمال ناصر رحمه الله الذي كان بمثابة حمامة السلام في الساحة الفلسطينية، الرجل الذي يجمع ولا يفرق، يحاول أن يقرب وجهات النظر في كل اللقاءات والاجتماعات في بحث جميع المسائل. إذن.. نستخلص من هذا أن العدو (وهذا أمر ثابت في استراتيجيته التي تقوم على التشتيت الاستراتيجي، على تفتيت الطرف العربي)، كان يهمه تفتيت العمل الفلسطيني المقاوم، كان يهمه أن تظل هناك أسوار وفصائل متعددة ومتناحرة ومتسابقة، بحيث من خلافاتها هذه ومن تعددها ومن الفوضى التي تنتج عن الخلافات وتعدد الاجتهادات تكون فرص العدو أكبر للنيل من الساحة الفلسطينية، وعلى أساس هذه القاعدة رسم الموساد خططه التنفيذية لتحديد مَن من القادة الفلسطينيين يوضع على قائمة الاغتيالات والتخلص منه أولاً، وبالتالي تجريد الشعب الفلسطيني من الطاقة الفكرية التي يمثلها هذا القائد، ومن القدرة التوحيدية التي يشكلها في الساحة الفلسطينية وفي المرحلة التي نعيش فيها الآن، وصلنا في الواقع الى ظرف يتحدد فيه شرط آخر من قبل الرئيس الأميركي بوش حددهما على أساس رؤية طرحها شارون وطرحتها الجهات المحددة للاستراتيجية الصهيونية، هناك الطلب الأول تغيير القيادة الفلسطينية أو بالأصح تغيير عقلية القيادة الفلسطينية، طبعاً هم لا يريدون تغيير هذه العقلية بالاتجاه الذي يريده الشعب الفلسطيني، وإنما يريدون تغيير هذه العقلية بالاتجاه الذي يريدونه هم والذي يكون بالتالي مستعداً للتنازل والمساومة والتعايش مع الاحتلال بكل شروطه وفق سياسته القائلة بالاحتفاظ بالأرض دون السكان، وهناك الشرط الثاني وهو التخلص من المقاومة، وما يقوم به العدو عملياً على أرض الصراع هو محاولة منه للوصول الى ما يسمونه بالمطلوب رقم (1)، لقد كان المطلوب رقم (1) يحيى عياش كمهندس في صنع المتفجرات وترتيب العمليات، ثم تتالت سياسة الاغتيالات الصهيونية للقادة الفلسطينيين، حتى أصبحنا الآن أمام المطلوب رقم (1) ثم الخمسين ثم المئة وهكذا سيبقى هناك المطلوب رقم (1) ما استمرت عمليات المقاومة الفلسطينية، لكن على صعيد القيادات الفلسطينية، وعلى صعيد الفكر الفلسطيني. كان الفاعل في الساحة الفلسطينية غسان كنفاني هو المطلوب رقم (1) لذلك حين نستذكر واقعة اغتيال الشهيد غسان كنفاني، فإننا في الواقع نستذكر كل السلسلة من أولها وحتى النهاية.. هذا إذا كنا قد بلغنا النهاية.. لأن الصراع قائم ومستمر، وفي كل يوم يسقط شهيد وكل هؤلاء الشهداء لهم ما لغسان وغسان كان لهم.. وهم منا ونحن منهم.. وهذه مسيرتنا، وأعتقد أن درس عقلية غسان.. أسلوب غسان.. فكر غسان.. مقالات غسان السياسية والأدبية من شأنها أن تغنينا في تصور ما يجب أن تكون عليه الحال في إعادة ترتيب أوضاع نضالنا الفلسطيني وصولاً إلى أفق أفضل. عبد الرحمن غنيم |
رد: مكتبة الأديب الفلسطيني الشهيـــد // غســــان كنفاني
لماذا اغتيل غسان كنفاني؟ في الثامن من تموز سنة 1972، كنت أزور بعض أقاربي في مخيم الجليل المجاور لمدينة بعلبك اللبنانية. وعند الظهر أو زهاء ذلك، أعلنت أجهزة المذياع نبأ استشهاد غسان كنفاني، الذي امتدت إليه يد الغدر تماما عندما بلغ ذروة النضوج. وحين انتشر الخبر بين الناس شاهدت في الوجوه حزنا لا يبزه أي حزن آخر، من حيث الأصالة والصدق، سوى ذلك الحزن الذي سبق لي أن رأيته في الثامن من نيسان سنة 1948. لم يقيّض لي أن أشاهد غسان كنفاني، الذي هو أكبر مني بسنتين فقط، ولم أكن قد طالعت سوى النزر اليسير من مؤلفاته قبل يوم استشهاده. ولكنني أدركت فور سماعي للنبأ الفاجع أن الرجل لا بد له من أن يكون كاتبا وطنيا شديد الأهمية وعظيم القيمة، وإلا لما اغتاله أولئك اليهود اللئام، قيوح التاريخ المنتنة، الذين أدمنوا كل صنف من أصناف النذالة والخبث، كما أدمنوا التخطيط للأعمال الخسيسة، والتآمر الحقير في حلك الظلم، ولهذا، فقد رحت أبحث عن مؤلفاته وأقرأ كل ما وقع منها تحت يدي. وبعد ذلك بمدة من الزمن كتبت مقالة مطولة له عنوانها <<غسان كنفاني روائياً>>، ونشرتها في مجلة <<المعرفة>> الدمشقية، وذلك سنة 1977. ثم نشرت مقالة أخرى في إحدى الصحف، وكانت تدور حول الشعور المأساوي في أدب غسان، وفي عام 1985 جمعت المقالتين معاً في كتيب صغير عنوانه <<رعشة المأساة، دراسة في أدب غسان كنفاني>>، وقد صدر عن دار منارات في عمان. ولست أعرف كتابا مكرسا لغسان قبل ذلك الكتيب الصغير. ولقد نشرت عدة مقالات صغيرة أخرى حول ذلك الكاتب الشهيد، ولا سيما في مناسبات استشهاده. كما كتبت دراستين مخصصتين لقصصه ومسرحياته، ونشرتهما منذ زمن بعيد. ولكني أعدت كتابة المقالة الثانية المكرسة لمسرح غسان، وسلمتها لمجلة <<المعرفة>>. وفي نيتي أن أضيف هاتين المقالتين الى الكتيب الآنف الذكر الذي أرجو أن أتمكن من إعادة نشره في زمن قريب. لماذا اغتيل غسان كنفاني؟.. لأنه كان يؤمن بأن دويلة اليهود التافهة ينبغي أن تزول من الوجود. لهذا السبب حصرا امتدت إليه أيدي الصهاينة اللئام الذين تمكنوا من تسخير الغربيين في خدمة مشروع زائف يهدف إلى إنشاء صنف من أصناف الغيتو على شطر صغير من الشاطئ الشرقي للبحر المتوسط. ومن أجل إنجاز هذا المشروع التافه استطاعوا أن يحشدوا جميع القوى العظمى في هذا العالم الخسيس. فيا له من كيان مصطنع أنجبه كتاب إجرامي سافل اسمه التوراة. يقيناً، إن ذلك الكتاب هو أحقر الكتب التي ألفها الجنس البشري منذ فجر التاريخ وحتى يوم الناس هذا. ولهذا، فإن الغيتو الصهيوني الشاذ لا يساوي عند ذوي الألباب أكثر من قشرة بصلة، كما يقول أهل قريتنا يوم كانت لنا قرية. ففي صلب الحق أنه خرط كلاً من العرب واليهود في محنة لا يلوح في الأفق أي مخرج منها حتى الآن. ولكن أهم ما في أمر ذلك الغيتو الحقير أنه يعيش على نحو طفيلي مثل الأشنيات. وعندي، أن المصدر الأكبر لتمويله هو ما ينهبه الغربيون من نفط العرب المستكينين للأميركيين استكانة الميت بين يدي الغاسل. لقد كانت ميزانية الغيتو الصهيوني أربعة وستين مليارا من الدولارات سنة 2001، فمن أين جاء اليهود بهذا المبلغ الباهظ؟ ويبدو لي أن حصة الصهاينة من نفط العرب تساوي حصة البلدان العربية كلها من النفط نفسه. ومن اعترض على هذا النهب الفظيع فهو عدو للحرية والحضارة والديموقراطية، كما أنه أصولي وإرهابي يستحق الموت والزوال من الوجود. ومن الغرائب أنني لا أعرف أحداً قد تنبّه لميزانية الغيتو الصهيوني وللدلالة المريعة التي تنطوي عليها. ولكن الأمر يتلخص على هذا النحو الوجيز: لقد بنيت دويلة اليهود التافهة بإرادة العرب (إن كان للعرب إرادة)، وكذلك على أرضهم وبأموالهم، أي إن الحقيقة هي على النقيض تماماً مما يتبيّن فوق سطح الأشياء. فأية مؤامرة قذرة تلك التي تجري في منطقتنا منذ زمن لا يسعني تحديده تخميناً؟!! ولا بأس في التأكيد من جديد على أن غساناً قد اغتيل لأنه كان ملتزماً بأفكار التيار الفلسطيني الأصلي الذي يؤمن إيماناً نهائياً بأن اندثار الغيتو الصهيوني وتدميره وإزالته من الوجود هو حتمية تاريخية لا بد منها، ويتوجب على الفلسطيني أن يعمل من اجل إنجاز هذه الغاية العظمى، ولو بعد ألف سنة. وهذا يعني أن على البرامج السياسية الفلسطينية، وهي عندنا موضع ريب، أن تتبنى قضية فلسطين على نحو جذري حاسم، فإما الذكورة وإما الأنوثة في هذا الوضع التاريخي العسير. ولا وساطة بتاتاً. أما الحال الخنثى التي تعيشها القيادة الفلسطينية ولا سيما أولئك الذين هندسوا معاهدة أوسلو الشائنة، فلن تفضي إلا الى مزيد من إذلال الشعب الفلسطيني. ففي أوسلو وقع الفلسطينيون على صك استسلامهم، وهم صاغرون، ولكنه صك وقعه أناس الفنادق. ولهذا، فإن فكرة التعايش مع اليهود هي فكرة خنثوية جزما، بل إنها مغلوطة من جذورها بكل تأكيد. ففي الحق أن شايلوك يأخذ ولا يعطي، كما أنه لا يتعايش مع أحد، ولا يقبل الفلسطيني الا ميتا أو راكعاً وحسب.. ولقد اثبتت أحداث هذه السنة أن الفلسطينيين ما نالوا سوى الأوهام بعد اوسلو. اطرحوا هذه الفكرة المخنثة الى سلال القمامة، ونبهوا المستخذين الراكعين أمام اليهود، أقصد أولئك الخنثويين الذين لا أراهم ذكورا ولا إناثا، ولكم صدق ذلك الفيلسوف اليونني حين قال <<أعدل الأشياء المعركة>>. .رحم الله شهداءنا جميعا والخلود لكاتبنا الشهيد غسان كنفاني يوسف سامي اليوسف |
رد: مكتبة الأديب الفلسطيني الشهيـــد // غســــان كنفاني
من موقدة البيت إلى موقدة الثورة إنني على قناعة بأن قراءة غسان كنفاني قراءتان، قراءة لنصوصه، وقراءة لحياته. في الأولى، نجول في عوالم المخيلة، والرؤى، والذات ومواجعها، والناس وحرائقهم الأبدية. وفي الثانية نمسك بيد التاريخ الذي يدلنا على البقع الأرجوانية العديدة بدءا من طفولة غسان في عكا ويافا، ورحلة المنفى الى صيدا وبيروت، ثم حمص، فالشام. وحياة القهر والمغالبة، والسخرية المرة من الأزمنة الباهتة، والظروف المعطوبة باليباس القحل. بكاء الأم الصامت، تآخيها والليل، والشرود الطويل، وقلق الأخت الكبرى فايزة التي تريد اختراع درب لإخوتها غازي، وغسان، وعدنان، ومروان.. ومن ثم حسان.. درب لا التواء فيه أو تورية في زمن صار جوهره الالتواء والتورية. وأب ما زالت عكا تركض في دمه، حقولاً، وناساً، وذكريات، وأمكنة؛ أب تأخذه حمى الاقتلاع تأخذه من دور الى دور وهو في عز صحوه وفتوة الشباب. غسان الذي يجمع أكياس (الشمنتو) الفارغة من أمام البنايات، والبيوت التي تبنى حديثا ليصوغها أكياسا جديدة بمساعدة صمغ أشجار الزبداني، ثم كتابته للعرائض أمام المحاكم، والصبر على الناس وهم يفتحون جروحهم أمامه، والفرجة المؤسية على همومهم الولود يوميا، ثم حلول اللعنة المركبة.. مرة أخرى، فبعد تشرد الأسرة بكاملها من فلسطين الى لبنان الى سوريا، بدأت أعراض اللعنة الجديدة.. تشرد أفراد الأسرة واحدا واحدا في غربة أزلية لا بد منها. تتغرب الأخت الكبرى فايزة.. بصك شهادتها الثانوية، فتترك البيت لتدرّس في بلدة قارة يصحبها أخوها غسان الذي يسوّغ بحضوره هذا الغياب أو يقلل مفاعيله، ثم تتغرب فايزة مرة أخرى الى الكويت وحيدة، ليلحق بها بعد عام أخوها غازي، ثم يلحقها بعد سنوات أخوهما غسان.. وبذلك تنقسم الأسرة الى أفراد.. هنا وهناك، والى أمكنة، هنا وهناك، وإلى عواطف ومشاعر، هنا وهناك، بعدئذ يطير غازي الى أميركا ليدرس الهندسة الزراعية، وتتزوج فايزة بعيدا عن الشام، ويغيّر غسان منفاه من الكويت الى لبنان، وبذلك تتجسد الغربة المركبة.. لتصير هي ثقافة البيت؛ ثقافة النص الذي سيكتبه غسان، ثقافة المقاومة تجاه الزمن الأصفر، الشاحب المتصالح كذبا مع التاريخ، والناس، والمستقبل. ويوغل غسان في الغربة حين يمضي في ذهابه الأخير، في 8 تموز 1972. (2) كلما أقرأ نص غسان كنفاني المكتوب، أشعر بالحاجة الملحة لقراءة نص حياته الحقيقي لقناعتي بأن أحدهما وريث الآخر، وأحدهما طاقة الآخر ومخزونه، وأحدهما متراس الآخر وخندقه، وأحدهما سبب الآخر أو نتيجته. أشعر أن نص غسان كنفاني المكتوب يصير أحلى وأكثر زهوا حين يتداخل وحيوات الأب المحامي، والأم موقد البيت وجمره، والأخت الشبيهة بتلك الأخت الوحيدة للإخوة السبعة في قصص الشطار وحكاياتهم: الأخت الباحثة عن سعادتها طي سعادة إخوتها. لهذا أشعر أن محبة نصوص غسان كنفاني المكتوبة تتضايف اكتمالاً بمعرفة حياته التي عاشها، وتعالقها مع حيوات إخوته ووالديه. وإذا ما كان غسان كنفاني وريثا لشيء من والديه وأخته الكبرى، فإن ذلك يتمثل بالطموح الذي لا يعرف النهايات، لا بل أكاد أقول الطموح الذي لا يعرف الخواتيم قط! ولذلك أرى أن لغسان كنفاني أربعة آباء، والديه، وأخته الكبرى فايزة، وتاريخ حياته المر! وحين أقرأ نص غسان كنفاني المكتوب أتعجب حقيقة من قدرته على الامتلاء دائماً حتى ليبدو لي أن كائنات أو خلقاً خفيين يعملون ليل نهار على نص غسان كنفاني ليظل ممتلئا وغنيا بالأسرار والكشوفات الجديدة، أو لكأن الزمن يعمل لدى نص غسان كنفاني يدا تمحو القدم كيلا تصيبه لوثة البلى، ويدا تبقي معنى القدم شاهدا على الابتكار الأصيل، والروح المتجددة، والأبدية البادية. أقول هذا، وأنا أقرأ نصوص الذين سبقوا غسان كنفاني في الكتابة الأدبية، والأسماء كثيرة، فلا أجد في نصوصهم الحيوية، والغنى، والجمالية، والأبدية المشتقة من الطبيعة كما هي موجودة في نصوص غسان كنفاني. أحس بإحساس عميق أن نصوصهم كتبت عن الماضي؛ عن خلق عاشوا في الماضي وساكنوه؛ وعن أمكنة صارت بعيدة نائية؛ أمكنة لا تلامسها مشاعرنا ولا تحن إليها، وعن تشوفات وأحلام باتت ماضوية، أحس بأنها نصوص لا تورث، وأن ما من أحد يوصي بقراءتها إلا باعتبارها تاريخا، وبدءا لنشأة العمران القصصي الفلسطيني، كما أقرأ النصوص التالية على نصوص غسان كنفاني، فأجد معظمه، والأسماء كثيرة، مصابا بلوثة المناسبة، والتعليق على الأحداث، واستجداء الرضى الآني الكذوب للجريدة المقاومة، والمخيم المقاوم، والزمن المقاوم، وسيد الإعلام المقاوم، ودائرة الإعلام المقاومة، والسقوط المقاوم، والبيتزا المقاومة.. إلخ. بلى، ثمة أمر مخالف، ونوعي، وسراني تماما موجود في نص غسان كنفاني والذي أشخصه على النحو الآتي: موهبة إبداعية فذة نادرة الحضور، وإيمان نبيل وعميق بالإبداع، يجسدهما عمل دائب دائم كخزاف أبدي النقش والصقل، وسلوك مشدود الى القيم السامية، وانشداد حاسم أصيل الى حلم أصيل، ووعي ثقيل كالرصاص بآثار التراجيديا الفلسطينية.. لهذا أتساءل هل كان غسان كنفاني يشعر على نحو مبكر بأن الفلسطينين هم يونانيو العرب، وأنه هو شاعرهم هومير؟! بلى، لعل غسان كنفاني كان يشعر بذلك، فلولا هذا الشعور الغامر لما أبدع غسان كنفاني إبداعه الذي يماشي الزمن خديناً له في الأزلية، والحضور، والسطوة، والأهمية والاعتبار. ولولا هذا الشعور لاكتفى غسان كنفاني بأماديح الصحافة اللبنانية ورجالها، إذ لم يكن في تلك الآونة، مساء يعمر بالناس والأحاديث إلا وكان اسم غسان كنفاني جرسا يرن فيها مثل رنين الفضة المعتقة، وما كان يدور حوار أو نقاش حول الأدب في مشرق بلدان العرب أو مغربهم إلا وكان إبداع غسان كنفاني حاضرا كإنجيل أدبي لشعب صغير جدا أنتج زمنه المنهوب مأساة كبيرة جدا! ولولا ذلك الشعور لاكتفى غسان كنفاني بالريادة، والمكانة، والأستاذية الأدبية في منفاه الأول في الكويت.. حين لم تكن هناك قصة أو رواية، ولولا ذلك الشعور لاكتفى غسان كنفاني بالوجاهة السياسية، والصحبة الطيبة، ورضى أستاذه الحكيم جورج حبش، ولولا ذلك الشعور.. أيضا لاكتفى غسان كنفاني بسطوة المسميات (كرئيس التحرير)، و(الناطق الرسمي) و(مؤسس اتحاد الكتاب والصحفيين)، و(رئيس دائرة الإعلام).. ذلك الشعور بأن شعبه ينهض مرة أخرى وأخيرة، وأنه هو شاعره الذي يعد له موثباته، هو بالضبط ما جعله يصير منجما للإبداع الصافي؛ منجما يتعاون فيه الألم والقهر والحزن والحنين والقلق والخوف والطموح والموهبة من أجل إنجاز الصياغة الأخيرة لدمغة الأدب الكنفانية. (3) دائما، ما تحلو لي المقارنة ما بين غسان كنفاني واثنين من مبدعي العرب والغرب معاً، وذلك لما تميز به هؤلاء الثلاثة ولما اتصفوا به من مشتركات كثيرة، هذان الاثنان هما المتنبي، وهمنغواي، وثالثهما غسان كنفاني؛ كلهم أصابهم سهمان، الأول: سهم الغربة، والثاني: سهم الموهبة الراقية والطموح العالي. انظروا الى هؤلاء الثلاثة، واعصروا تجاربهم وحيواتهم، وراقبوا سلوكهم، وادخلوا نصوصهم، واقتربوا من أحلامهم قليلا، وقفوا على تاريخهم.. إن فعلتم ذلك.. فلن تجدوا سوى الموهبة النادرة، والإبداع الصادق والنفس القلقة التي لا تقف عند عتبة، لا بل ستجدون أنهم أورثوا البشرية قرى من الإبداع الشعري والنثري معاً. ثلاثة عقول، وثلاث مواهب، وثلاثة رجال، وثلاث تجارب، لم يقوَ عليها الزمن ولا الحاسدون، ولا الطغاة الصغار إلا بالقتل! لكن، يا للعجب، فلم يكن الموت لدى هؤلاء الثلاثة سوى نقطة انطلاق لخلود حبّروه مساهرة للإبداع الصافي، والقضايا المؤرقة، وإيمانا بالإنسان والإنسانية في آن واحد. والحق، فإن العين الرائية الى نصوص غسان كنفاني.. تشير الى أنه لم يهتم بالمخيم الفلسطيني كمكان، لقناعته بأنه مكان طارئ، قارب جغرافي ليس إلا، وسهرة ليلة فحسب. ولم يهتم بالبندقية لاعتقاده بأنها أداة ووسيلة، ولم يجسم حضور القواعد الفدائية لأنها خنادق تتلوها خنادق، لأنها حاشية من حواشي الحياة الفلسطينية الجديدة، أو الممتدة أو هي مستلزم من مستلزماتها، ولم يمتدح غسان كنفاني البيوت، أو الطرق، أو الأشجار، أو العواطف والمشاعر والآمال.. إلا لأنها مؤثثة بأنفاس البشر الصادقين. والعين الرائية الى أدب همنغواي وشعر المتنبي تدرك أيضا مدى اهتمامهما بالإنسان ونزوعه الأبدي للوصول الى المشتهى النائي المحلوم. (4) ويا للعجب الذي لا يصدق، في زمن لا يصدق أيضا.. أن نقرأ من الذين يكتبون التاريخ الأدبي يريدون طيّ صفحة غسان كنفاني باعتباره ماضويا، كما يريدون المرور بالمتنبي وهمنغواي مرورا عابرا (وهم بذلك أشبه بالذين يعرفون القرى من اليافطات التي تحمل أسماءها فقط)، لكن الحارس الأكبر، أعني الزمن الذي في طالع صفاته: الديموقراطية.. يرفع بيديه مرآتين، الأولى: تري هؤلاء العابرين قاماتهم وصورهم الحقيقية، فينكفئون على أنفسهم مثل القنافذ.. لضآلتهم. وفي المرآة الثانية: يريهم، أي الزمن، غسان كنفاني بتمام قامته المضاءة لأنه واحد من .الفلسطينيين المتحدرين من سلالة النور حسن حميد |
رد: مكتبة الأديب الفلسطيني الشهيـــد // غســــان كنفاني
..ثلاثون تموز يقولون إن الولد قطعة من الكبد!.. فهل بقيت في أجساد بني وطني أكباد؟.. تحملني أجنحة طيور من يافا.. إلى عكا، وتزفني إلى الفيحاء.. آه يا حبيبتي المغموسة في قدر العشق، أنت في القلب!.. كنت وتبقين حتى نهاية الزمان.. أشم ريح بردى، ريح البحر.. تراب قاسيون، قشرة برتقالية.. حور الغوطة، شجيرات المنشية.. أحن إلى أصغر عصفور يبيت في قلب سروة.. أو يستظل بخيال ورقة تين.. تحملني أجنحة طيور.. تفتح أمام ناظري صوراً واضحة جلية.. الساعة الواحدة، ظهر يوم السبت 8 تموز 1972 خبر مقتضب بثته إذاعة لندن.. (انفجار سيارة يودي بحياة الأديب غسان كنفاني وسط ظروف غامضة..). بعد دقائق كنت في سيارة أجرة، منطلقة تطوي تحت عجلاتها الطريق الى بيروت. أتوسل لأول مرة في حياتي أن تقابلني هناك كذبة!.. أجمل كذبة يمكن أن يستقبلها إنسان، تقول: إن الخبر برمته ليس له أساس من الصحة.. ولأول مرة في حياتي أيضا أجتاز حدودا بين دولتين بلا جواز سفر، ولا تأشيرة، ولا تصريح. فتحوا أمامي البوابات، وحملوني بنظراتهم الطيبة الحزينة، وتصرفاتهم الجادة الصغيرة المخلصة والمرتبكة، أنبل المشاعر طافحة بالأسف والعزاء... أهمس ويهمس إليّ الحرف.. حتى الحرف يطن في أذني، ساحة مقروءة حية.. ألمس تفاصيلها وأجزاءها الصغيرة الصغيرة.. لم تعد هشة تجلدني بطيوف الأشياء المنسية. شاب أشقر، ضئيل، عرفت في عينيه السخرية، والهدوء، والقسوة.. يحمله نعل خفيف عبر حارات دمشق القديمة، بستان الحجر، وباب السريجة، يشتري رغيفا بخمسة قروش من فرن المصري يحشوه عزّو حديد بالفلافل والتوابل والمخللات، ويقسمه بيننا بالتساوي. وجبة سمينة ليوم كامل.. ننطلق عبر السوق المستقيم الطويل الملون برتلين من الدكاكين، الى باب الجابية فشارع البدوي فالشاغور ومنه الى شارع الأمين.. نقف بوجل أمام البناء الأبيض العريض المسور ببوابات حديدية كثيرة وكبيرة.. الأليانس؟.. كنت تلميذا في الصف السادس يوم دخله غسان في الحصة الثالثة لأول مرة، وبعد أن قدمه المدير للطلاب، خرج وتركه <<كما تصورت>> غارقا في حيرة.. فقد لاحظ بلا شك أن قامات مجموع التلاميذ بوقوفهم للتحية أطول من قامته، وأن معظمهم أيضا بمثل سنه أو ما يقارب، وقد لاحظ أيضا كما لاحظت أن بعض التلاميذ أخذوا يغمزون من تلك الزاوية.. تماسك.. وراح يشد على أسنانه بقوة، وعلى قبضة يده.. أمسك قطعة طبشور وأدار ظهره للتلاميذ.. كتب على اللوح بخط كبير وجميل (درس الرسم) وانفتل فجأة على حركة غير عادية أعطته الفرصة للدخول الى الأمر المهم الذي تصورت أنه يناضل للوصول إليه. شد ظهر الكرسي بقبضة يده الواحدة، وألقى بقطعة الطبشور بعيدا.. وقال: أعرف أنكم لم تتوقعوا أن يحدث ويصبح مثلي أستاذا عليكم.. هذا أمر لن أتحدث بتفاصيله الآن على الأقل، المهم أنني هنا معكم وبينكم في صف واحد.. قد نكون متقاربين في السن والقامة، والفرق المهم هنا <<وأشار الى رأسه>> كما أنني أملك السلطة، وأستطيع أن أمارسها ببساطة وكما يتطلب الأمر على شكليها.. وأنتم تقررون ذلك. نظر طويلاً في وجوه الجميع، وكنت طيلة الوقت أجاهد كي لا تلتقي نظراتنا، أتلهى بالنظر في وجوه رفقائي.. لكن أحدا منهم لم يعلق بكلمة أو بحركة. عاد ثانية الى اللوح، كتب من جديد.. معرض فلسطين للرسم والأشغال. بعد شهر كامل من العمل المتواصل افتتحنا في الصالة الرئيسية للمدرسة أول معرض من نوعه اشتمل على مجموعة من الرسوم وبعض المنحوتات البسيطة، والكثير من النماذج الفلسطينية التي طلب غسان من الطلاب جلبها من بيوتهم. ملابس أو أوان أو صور.. إلخ، تنتمي الى الفولكلور والتراث الفلسطيني، وكان يكتب بخطه الجميل تعليقات مميزة على كل قطعة. مثل المعرض بصورته وإنجازاته المتواضعة مثلاً غير مسبوق لأول معرض حقيقي يحمل الطابع الفلسطيني دون سواه، علامة جلية واضحة تحرض ولا تمسح من الذاكرة صورة مستمرة للوطن. كان غسان يعمل لساعات طويلة يوميا وحتى ساعة متأخرة من الليل، يرسم ويلون ويكتب ويخطط ويصحح رسوم الطلاب ويخلق مع الجميع ساحة حميمة من الألفة والمحبة جعلته خلال وقت قصير الشخصية المحببة والصديق المفضل، والمميز أيضاً لدى الجميع. تقابلني نظرات السائق الخاطفة، يطفو صوته الدقيق فوق صوت اللحن الرديء الذي يطلقه المذياع.. أقل من ساعة ونصل.. تأخذنا المنعطفات الضيقة المتلاحقة، تنساب الطريق الى بيروت على حافة حادة بين جبل درزته الخضرة حتى القمة، وواد سحيق مفروشة عتباته بألوان زاهية.. خضراء وبنية.. صفراء وحمراء.. تتخللها قطعان تتحرك بكسل.. وبيوت متناثرة بينها، تلفظ سحابات دخان باهتة تحمل روائح فياضة. مع بداية العام الدراسي التالي انتقل غسان للتدريس في إعدادية صفد، في باب الجابية.. وكان عليه أن يتعامل مع مجموعة أخرى من الطلاب أكبر سنا.. ومع مجموعة مميزة مخلصة متفانية من الأساتذة الذين كتبت عليهم أقدارهم أن يكونوا المؤسسين الأوائل لحالة استمرار التاريخ والحقيقة الفلسطينية المتواصلة للفلسطينيين في فكر الجيل الذي تنبأت له أدمغة الأعداء أن يكون الجيل المهيأ للنسيان. ولا شك أن غسان أدرك منذ البداية هذه الحقيقة وأدرك الضرورة القصوى لإبقاء حالة من الغليان لا بد من أن تخلق في ظرف زمان ومكان، متغيرات على شكل ما. دخل بثقة هذه المرة قاعة الصف السابع، توجه الى اللوح وكتب بخط واضح ارسم منظرا مرعبا.. اجتاحت الطلاب مشاعر متفاوتة.. أحدهم رسم بحرا متلاطم الأمواج، وآخر رسم دبابة أو طائرة وثالث رسم وجه وحش بأنياب طويلة حادة.. وهكذا توالت الرسوم على الطاولة أمام غسان الذي كان يتابع كل رسم بانتباه، ثم يشطب عليه، ويضيف على ذيله عبارة مقتضبة.. <<مخيف.. وليس مرعباً>>. وحين انتهى الجميع من تقديم أعمالهم، توجه غسان الى اللوح.. رسم دفترا مفتوحا، لونه بالأحمر، وكتب تحته بخط عريض.. دفتر الإعاشة!.. في اللحظة نفسها دخل مدرّس اللغة العربية الأستاذ محمود فلاحة قاعة الصف ليراقب عن كثب ولكثرة ما سمع ذلك الشاب الضئيل الهادئ، النموذج الديناميكي للفلسطيني الحديث الذي استطاع بزمن قياسي ومن خلال تدريس الفنون <<الرسم والأشغال>> المادة الهامشية البعيدة عن اهتمام الفقراء اللاجئين الدائرين حول محيط حلقة فيها ألف هم وألف مشكلة وألف سؤال.. وكيف استطاع أن ينحي شعور الاستسلام السائد، وأن يخلق صورة مختلفة عن الفلسطيني المهزوم والمقهور تنقله وتضعه في مقدمة استحقاقات أخرى أهمها القدرة على الفداء وتجاوز الحالة ورسم صورة جديدة للفلسطيني الفدائي، لم تكن واضحة المعالم بعد.. وقد أسس الحدث الذي شاهده وأدرك أبعاده الأستاذ فلاحة الى نشوء صداقة متينة بينهما أدت في حينه الى إقامة تعارف بين غسان والدكتور جورج حبش ليسيرا معا انطلاقا من حركة القوميين العرب وما بعدها.. تزداد حركة السيارات كلما اقتربنا من بيروت... فجأة يصافحنا البحر.. لأول مرة يسكت المذياع.. التفت السائق، قال بصوت خفيض وهو ينعطف الى اليمين: <<الحازمية>>. ترتجف أطرافي المتحفزة، أتلهف أتوسل لاستقبال مفاجأة الكذبة.. تتوقف السيارة.. يمسك السائق يدي.. يفرد أمام خطواتي المضطربة حزنه المسفوح على حصيرة من شفقة.. يقودني عبر الحطام والدمار. يصل بي الى حافة واد عميق الغور، فيه رجال يلتقطون عن الأغصان قطع لحم صغيرة، يجمعونها في كيس أبيض. في الزاوية الأخرى رأيت وجه غسان ونصف صدره.. ورأيت شيئا متفحما يشبه الصبية الجميلة <<لميس>>.. وكأنه تحسس بأصابعه النحيلة أثر الجرح الطافي على صفحة خدي الأيمن. كان يبتسم، صافحني وهو يبتسم. فبكيت.. في 31/5/1959 اكتشفنا بحزن واكتشف بسخرية مرضه بالسكري.. وهكذا سقطت أمامه الشوارع.. وراحت تزحف مستقيمة الى نهاياتها المجهولة.. لم يعد يذكر الصحراء.. غزاها وانتهى.. كان عليه أن يبدأ سباقا آخر.. لم يجد في العالم الذي مخر عبابه على مدى ست وثلاثين سنة متسعا لرعشات ريشته.. كان الورق أضيق من غزارة قلمه.. والعمر قصيرا.. والسياط تملأ الأمكنة كلها.. لم يدرك أبدا أن الموت وهو يسخر من حقن الأنسولين اليومية، ومن الحمية المنهكة، ومن الخوف المعشش في اللحظات سيأتيه من ها هنا، ليكمل بفعله المأساوي حلقة أخرى متصلة مع حلقات ما زالت تسطر سفر ملحمة، تكرسه أثرا ومعلما. .رحم الله غسان كنفاني الشهيد الشاهد عدنان كنفاني |
رد: مكتبة الأديب الفلسطيني الشهيـــد // غســــان كنفاني
ماذا كتبت مجلــة الآداب عن غســـان كنفاني
قصة غسان كنفاني كما ترويها زوجته الدنماركية آني في الذكرى الأولى لرحيل غسان صباح الاغتيال، جلسنا جميعنا أطول من العادة، نشرب قهوتنا التركية على الشرفة. وكان لدى غسان كما هو دأبه الكثير من الأمور للتحدث عنها، وكنّا كما هو دأبنا دوماً حاضرين للاستماع. وكان يخبرنا ذلك الصباح عن رفاقه في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، ثم بدأ يتحدث هو وأخته فايزة عن طفولتهما في فلسطين. قبل أن يغادر متوجها الى مكتبه، أصلح القطار الكهربائي لابننا فايز ولابنة أخت غسان وأخيها. كان الثلاثة يلعبون داخل المنزل ذلك الصباح. وكان على لميس، ابنة أخت غسان، ان ترافق خالها الى وسط البلد للمرة الأولى منذ وصولها من الكويت بصحبة أمها وإخوتها لأسبوع خلا، فقد كانت تعد العدة لزيارة أقربائها في بيروت. لكنها لم تفلح في الوصول الى هناك أبداً. فما هي إلا دقيقتان على تقبيل غسان ولميس إيانا قبلة <<الى اللقاء>> حتى دوى انفجار مريع. تطايرت نوافذ البيت جميعها. انحدرت بسرعة، لأجد اشلاء سيارتنا الصغيرة تحترق. وجدنا <<لميس>> على بعد بضعة امتار، ولم نجد غسان. ناديته باسمه، ثم اكتشفت ساقه اليسرى. وقفت مشلولة، فيما راح فايز يضرب برأسه الحائط، ورددت ابنتنا ليلى النداء تلو النداء: <<بابا، بابا..>>. وبالرغم من ذلك فقد ساورني أمل ضئيل بأنه قد اصيب اصابة خطرة ليس إلا. لكنهم عثروا عليه في الوادي، قريباً من منزلنا، ونقلوه بعيداً عنّا، وفقدت الأمل بأن أراه مرة اخرى. قعد اسامة قرب جسد أخته الميتة، وقال لها: <<لا تجزعي، يا لميس، ستكونين بخير، وستعلّمينني الانكليزية من جديد..>>. وفي المساء قالت لي صغيرتنا ليلى: ماما، سألت البابا أن يأخذني معه في السيارة لنشتري شوكولاته، لكنه كان مشغولاً، فأعطاني لوحاً كان يحتفظ به في جيبه. ثم قبلني وطلب مني الرجوع الى المنزل. جلست على درج بيتنا لآكل الشوكولاته، وحصل دوي كبير. لكن، يا ماما، لم تكن تلك غلطة البابا، إن الاسرائيليين هم الذين وضعوا القنبلة في سيارته>>. أنا ارملة غسان كنفاني واحد من شهداء الثورة الفلسطينية العظام. وطني الأصلي هو الدنمارك. استطيع ان اذكر بغموض الاحتلال الالماني الذي بدأ في 9 نيسان 1940. فقد انخرط أبي في حركة المقاومة، اسوة بغيره من الرجال والنساء الدنماركيين. وقدّم كثير من المقاتلين الأحرار حياتهم آنذاك، وآل بعضهم الى سجون <<الغستابو>> ومعسكرات التصفية اثناء نضالهم ضد الاحتلال الألماني. وكان الالمان يلقبون المقاتلين الدنماركيين الأحرار ب<<الإرهابيين>>، وهو الافتراء عينه الذي ترمي به القوى المحتلة قاطبة الشعوب المقهورة التي تقاوم الاحتلال وتشرع في النضال من أجل حريتها واستقلالها. بل إن حركة المقاومة الدنماركية كانت قد ساعدت على إنقاذ اليهود أنفسهم من النازيين الألمان. حين تأسست اسرائيل في 15 ايار 1948، كان الدنماركيون شأنهم في ذلك شأن معظم الشعوب الاخرى في العالم <<المتحضر>> يتحلون بفضيلة الجهل. لقد سمعنا شيئا عن <<اللاجئين العرب>>، غير ان أياً منّا لم يدرك آنذاك ان شعبا بأكمله قد دفع الثمن. وكان عليّ ان انتظر اثنتي عشرة سنة قبل ان أعي وجود شعب فلسطيني طرد من وطنه الأصلي بمعونة القوى العظمى وبشكل أساسي: بمعونة الولايات المتحدة الاميركية وبريطانيا. في عام 1960 شاركت في مؤتمر عالمي للأساتذة، وشاركت لاحقاً في مؤتمر للطلاب في يوغوسلافيا. وكانت تلك المرة الاولى التي واجهت فيها المشكلة الفلسطينية من خلال لقاءاتي ببعض الطلاب الفلسطينيين. وعند عودتي الى الوطن التحقت ب<<جامعة الشعب العالمية في الدنمارك>> حيث واصلت نقاش تلك المشكلة مع زملائي الطلاب. وسافر بعضنا الى لندن وشارك في مسيرة الدرماستون التي نظمها أنصار نزع الأسلحة النووية بقيادة برتراند راسل. وحين توفي برتراند راسل عن سبعة وتسعين عاماً كان ما يزال يقاتل من أجل العدالة وهذه المرة من أجل الفلسطينيين. في صيف الدرماستون ذاك، عدت الى يوغوسلافيا بصحبة فرقة فولكلورية دنماركية شهيرة، هي <<تينكلوتي>>، وهي فرقة قد كنت عضواً فيها لسنين عشر. وقد التحق بعضنا بمخيم عمل عالمي حيث التقينا بطلبة اسرائيليين، ثم التقينا في مخيم آخر بطلبة عرب، وتحدثنا عن المشكلة الفلسطينية مع الفريقين كليهما. في ايلول 1961 ذهبت الى سوريا ولبنان لكي ادرس المشكلة الفلسطينية عن كثب. وفي بيروت، عرفوني الى غسان كنفاني، وكان آنذاك واحداً من محرري المجلة الأسبوعية العربية <<الحرية>>. وكانت المجلة ناطقة باسم <<حركة القوميين العرب>>، وكان غسان محرراً للشؤون الفلسطينية فيها. حين سألت <<غسان>> ان يأذن لي بزيارة بعض مخيمات اللاجئين، تملكه الصمت. وبعد هنيهة صرخ غاضباً <<او تحسبين أن شعبنا الفلسطيني حيوانات في جنينة حيوانات؟!>>. ثم شرع بالتفسير، فتحدث عن شعبه وعن وطنه، تحدث كيف أن الأمم المتحدة نقضت ميثاقها في 29 تشرين الثاني عام 1947 (1) حين قسمت فلسطين خلافاً لإرادة سكانها العرب (الذين كانوا يشكلون آنذاك ثلثي حجم السكان، وكانوا يملكون أكثر من تسعين بالمئة من الأراضي)، وتحدث كيف أن دولة آسيوية واحدة (في الفيليبين) ودولتين افريقيتين اثنتين (هما ليبيريا وجنوب افريقيا) صوتت لصالح قرار التقسيم، وان الدولتين الأوليين قد مارست الولايات المتحدة عليهما ضغطاً شديداً لحملهما على مثل ذلك التصويت. وعلى هذا النحو، تم زرع دولة اسرائيل الصهيونية الكولونيالية بالقوة في تخوم العالم الثالث الناهض، من غير ان تتلقى اعترافاً طوعياً من اي دولة عربية او آسيوية او افريقية، باستثناء جنوب افريقيا العنصرية. وتابع غسان يحدثني عن فلسطينه الحبيبة، وعن اضطراره الى مغادرتها عام 1948 بصحبة أهله وأشقائه وشقيقاته الخمسة. ولد في عكا في 9 نيسان 1936، في بداية الثورة الفلسطينية العربية ضد القوات الصهيونية وسلطة الانتداب البريطاني. وأثناء الثورة، قام الفلسطينيون العرب بإضراب عام لعله يكون الاطول في التاريخ استمر ستة شهور. وحين اخمدت الثورة عام 1939، كان 5032 عربياً قد قتلوا و14760 قد جرحوا، وشنق مئة وعشرة اشخاص على يد السلطات البريطانية. أخبرني غسان عن الإرهاب الاسرائيلي وكيف أجبر شعبه على هجرة ارضه. وكانت مدينته عكا قد خصصت للسكان العرب، حسب خطة التقسيم التي أرستها الأمم المتحدة. غير ان عكا، أسوة بالكثير من المدن والقرى الفلسطينية، خضعت لاحتلال القوات الصهيونية، وهجر سكانها بالقوة الجسدية والنفسية. وأصيب عرب فلسطين آنذاك بالذعر الشديد بعد مجزرة دير ياسين، القرية المسالمة العزلاء. ويروي جاك دو رينير، ممثل الصليب الأحمر الدولي، في تقرير شاهد عيان ان 254 امرأة وطفلاً وشيخاً قد ذبحوا بوحشية وعن سابق عمد، وقذفت المجموعتان الصهيونيتان الإرهابيتان الايرغون وشتيرن بجثث الكثير منهم الى احدى الآبار. ولقد وصفت السلطات الصهيونية الرسمية تلك المجزرة ب<<الحادث>>. أما الايرغون بزعامة مناحيم بيغن الذي شارك في عدة حكومات اسرائيلية لاحقة وترأس إحداها فقد دعت الى مؤتمر صحافي اعلنت فيه تفاصيل الحدث، في الوقت الذي كان فيه قرويو دير ياسين الأسرى الذين بقوا على قيدة الحياة يستعرضون عراة امام سكان الأحياء اليهودية في القدس لكي يبصقوا عليهم. وقد أفرج عن الأسرى في فترة لاحقة، فغادوا الى بيوتهم ليتحدثوا عن مصائرهم، فيما راحت السيارات المجهزة بمكبرات الصوت تجول في القرى العربية معلنة انه <<إن لم تغادروا بيوتكم، فسوف يكون مصيركم كمصير دير ياسين>>. وكتب مناحيم بيغن: <<إن المجزرة لم تكن مبررة فحسب، بل إن دولة اسرائيل ما كانت لتكون على قيد الحياة لولا الانتصار في دير ياسين>>.(2) إن تكن هجرة الفلسطينيين خطة مدبرة فهذا أمر اكده العميد غلوب، إذ يروي حواراً دار بين ضابط بريطاني في <<الفيلق العربي الاردني>> ومسؤول يهودي في <<حكومة فلسطين>> في كانون الاول. فقد سأل الضابط البريطاني عما إذا كانت الدولة اليهودية الجديدة ستواجه متاعب داخلية كثيرة نظرا لتساوي عدد السكان العرب فيها بعدد السكان اليهود، فأجاب المسؤول اليهودي: <<آه، لا! سوف ندبر هذا الأمر. إن بضع مجازر محسوبة بدقة سوف تخلصنا منهم>>. (3) إن اسم <<ليديس>> الفلسطينيين ليس <<ماي لاي>>، بل دير ياسين. وقد وقعت المجرزة في 9 نيسان 1948 وصادف ذلك عيد ميلاد غسان الثاني عشر. ومذاك، لم يحتفل غسان بعيده قط. وفي مثل هذا اليوم من كل سنة، أقف أنا ارملة غسان بخشوع امام أرواح غسان والضحايا الأبرياء الذين سقطوا في مجزرة دير ياسين قبل خمسة وعشرين عاماً. وفي ذلك اليوم بالذات من عام 1940، تم احتلال وطني (الدنمارك) على يد النازيين الألمان. غادرت عائلة غسان عكا قبيل 15 أيار 1948، وكان حوالى ثمانمئة ألف عربي قد فروا من الإرهاب الصهيوني آنذاك. واستمر العرب في الهجرة، يتقدمهم الاطفال والنساء، فقد بقي الرجال ليدافعوا عن القرى والمدن. وما لبثت يافا وحيفا واللد وغيرها ان <<نظفت>> (والتعبير هو لإيغال ألون) من سكانها العرب. عندما طردت عائلة غسان من فلسطين، كانت صفر اليدين. وقد اختار الأب ان يبقى في قرية لبنانية صغيرة هي الغازية قريبة من الحدود. فالحال انه أراد ان يكون بين أوائل العائدين الى منازلهم بعد انتهاء القتال، على نحو ما نص قرار الأمم المتحدة بصدد اللاجئين الفلسطينيين (وهو القرار رقم 194، الفقرة الثالثة، الصادر في 11 كانون الأول 1948). ونحن نعلم جميعنا ان مثل هذا القرار لم ينفذ، فقد منعت السلطات الاسرائيلية الفلسطينيين العرب من العودة. لقد أراد الصهاينة الوطن، لا شعبه، وكانت مثل هذا الرغبة كامنة منذ بداية إنشائهم الكيان الصهيوني. وانتقل ابو غسان مع جميع أفراد عائلته الى قرية جبلية في سوريا تدعى الزبداني. وكانت الحياة هناك قاسية، وكان الجوع والبرد وجبتهم اليومية. وانتقلوا لاحقا الى دمشق، وشرع غسان وأخوه الأكبر بتجميع الكتب أملا بكسب القليل من المال الذي يعينهما على عول عائلتهما المؤلفة من ثمانية اشخاص بالاضافة الى ثمانية اشخاص آخرين يعيشون معهم. وما لبثا ان تابعا دراستهما في مدرسة مسائية بعد أن كانا قد عملا طوال النهار. كان غسان آنذاك في الثالثة عشرة من عمره، وكانت أخته فايزة (أم لميس) قد حصلت على الشهادة الثانوية، وذهبت عام 1952 الى الكويت حيث صارت واحدة من أوليات المعلمات، وواحدة من الفلسطينيين الكثر الذين أسهموا في نمو الدول العربية بصفتهم اساتذة ومهندسين وأطباء وغير ذلك. وبعد أن نال غسان شهادة البريفيه في السادسة عشرة من عمره، شرع بالتدريس في مدارس الأونروا. وكان، مع استاذ آخر، مسؤولين عن تعليم ألف ومئتي طفل فلسطيني لاجئ، غير ان هدف غسان الأعظم كان توعية اولئك الاطفال توعية سياسية. ومنذ ذلك الوقت وحتى الآن، صار سبعون في المئة من تلاميذ غسان في مدارس الأونروا مقاتلين. قبل ان يلتحق غسان بمدرسة الأونروا، عمل في مطبعة في دمشق. وفي سنة 1955 طلبت منه <<حركة القوميين العرب>> ان يعمل في تحرير جريدتها الرأي وفي طباعتها. وانتسب الى <<الحركة>> في ذلك العام. وفي العام التالي، لحق بأخته فايزة وأخيه غازي في الكويت. وأرسل ثلاثتهم اكثر رواتبهم الى عائلتهم في دمشق. وهكذا توافر للوالد دخل شهري يعول به بقية أفراد العائلة، وحصل في تلك الفترة كذلك على إذن بالعمل في سلك المحاماة في دمشق، وكان اكثر زبائنه من الفلسطينيين المدقعين. وواصل غسان، خلال السنوات الست اللاحقة التي قضاها في الكويت، نشاطه السياسي. وكان يدرّس الفن والرياضة، ولقد اثبتت تلك السنون انها جزء هام جداً في حياته. فقد قضى معظم اوقات فراغه في الرسم والكتابة والقراءة، وانصبت اكثر قراءاته على السياسة: فقرأ ماركس، وانجلز، ولينين، وغيرهم. وفي عام 1960، اقنع الدكتور جورج حبش <<غسان>> بمغادرة الكويت والمجيء الى بيروت للعمل في الحرية. منذ الأيام الاولى للقائي بغسان، أحسست بأنني إزاء إنسان غير عادي. وتطورت علاقتنا من خلال القضية الفلسطينية الى علاقة شخصية. ورغم وضعه الذي لا يبعث على الأمان فغسان الفلسطيني لم يكن يملك جواز سفر، ولا مالاً، وكان يعاني فوق ذلك من مرض لا شفاء منه هو السكري ، فإننا ما لبثنا ان اكتشفنا ان الموت وحده سوف يكون قادراً على تفريق الواحد منّا عن الآخر. وشرعت بالتدريس في روضة للأطفال. وما هو إلا شهر على وصولي الى لبنان حتى تزوجنا ولم يندم اي منّا على ذلك وكان لنا كمعظم الفلسطينيين الآخرين، مصاعبنا، الاقتصادية وغير الاقتصادية. وفي كانون الاول عام 1962 اضحى الوضع السياسي شديد الاهتزاز، فكان على غسان ان يبقى مختبئا في المنزل لفترة تزيد عن الشهر، وذلك لافتقاره الى الأوراق الرسمية. وأثناء هذه الفترة، كتب رواية رجال في الشمس التي طار صيتها في معظم أرجاء العالم العربي، وأهداها إليّ. ولقد ترجم غسان لي كل رواياته وقصصه اثناء كتابته إياها، وصرت على معرفة كذلك بكتاباته السياسية. وكان دافعه الى الكتابة لا يحد كأن في غسان نبعاً من الكلمات والأفكار يعب منه الصفحة تلو الصفحة عن فلسطين، وطنه، وعن شعبه. وكان دائم الانشغال، كما لو ان الموت يتربص به عند زاوية الشارع. وكان غسان رساماً ومصمماً للرسوم، وكانت احدى لوحاته اثناء تلك الفترة تمثل رجلاً مصلوباً بالزمن... لقد كنت شديدة التأثر بأفكار غسان، غير انه لم يفرضها أبداً عليّ. وهذا ما ينطبق على اصدقائنا الاجانب الذين اكتشفوا القضية الفلسطينية من خلاله. واهتم الكثير منهم، لاحقاً، بهذه القضية في بلدانهم ذاتها. أما علاقتي بعائلة غسان فقد كانت حميمة، فلقد رحبت بي عائلته منذ البداية بكل ما امتلكت من ضيافة ودفء، وصرت احب أفرادها حباً عظيماً. استندت حياتنا الزوجية الى الثقة، والاحترام، والحب، ولهذا، فقد كانت على الدوام مهمة، جميلة، قوية. وولد اول صبي لنا في 24 آب 1962 وأسميناه <<فايز>> ومعناه المنتصر تيمنا باسم جده. وصار غسان أكثر انشغالاً من ذي قبل، وانغمس في عمله انغماساً كلياً. وكان آنذاك قد ترسخ في حقلي الكتابة والصحافة. وفي عام 1963 عُرض عليه منصب رئيس تحرير المحرر، وهي جريدة يومية مثلت وجهات نظر القوى الناصرية والتقدمية. وما لبثت هذه الجريدة ان اصبحت ثاني أكبر جريدة يومية في لبنان، واتسع انتشارها في بلدان عربية اخرى. وعمل غسان فيها سنوات خمساً، وعمل في مجلة فلسطين الاسبوعية التي مثلت وجهة نظر الجناح الفلسطيني في <<حركة القوميين العرب>> وعالجت المسائل الفلسطينية. خلال عامي 1963 1964، كانت <<حركة القوميين العرب>> في طريق تحولها الى الاشتراكية العلمية، وقررت عام 1964 ان تعد العدة لبدء الكفاح المسلح في فلسطين. وما هي إلا فترة وجيزة حتى تأسست الفرقة المقاتلة الاولى، ولم يكن هدفها اول الامر القيام بعمليات عسكرية، وإنما الاتصال بالعرب المقيمين في <<اسرائيل>> وإنشاء قاعدة للكفاح المسلح القادم. وما لبثت <<حركة القوميين العرب>> ان قدمت شهداءها الاول في النضال من اجل تحرير فلسطين. ولقد اهدى غسان لاحقاً روايته ما تبقى لكم التي حازت عام 1966 <<جائزة اصدقاء الكتاب في لبنان>> لواحد من اولئك الشهداء، هو خالد الحاج، وكتب غسان في الاهداء: <<الى خالد.. العائد الاول الذي ما يزال يسير>>. عام 1965 دُعي غسان رسميا لزيارة الصين والهند. وهناك التقى بوزير الخارجية الصيني <<شينغ لي>> وبرئيس الوزراء الهندي شاستري، وبغيرهما من الزعماء السياسيين في كلا البلدين، وناقش المسألة الفلسطينية معهم. ولا شك في ان زيارته تلك قد اثرت فيه تأثيراً عظيماً. وبعد زيارة غسان الثانية الى الصين، حيث شارك في مؤتمر كتّاب آسيا وافريقيا، كسب فايز ابن الأعوام الاربعة طفلة جميلة، اسميناها <<ليلى>>، تيمنا ببطلة احدى اشهر الروايات الشعبية العربية، و<<ليلى>>، اضافة الى ذلك، اسم اسكاندينافي معروف في اوساط اللابيّين في المنطقة القطبية الشمالية. أحب غسان طفليه حتى العبادة، وغالبا ما كتب عنهما. وعلى قصر الزمن الذي قضاه معنا، فقد كان يلعب معهما مراراً ويعلمهما اشياء كثيرة. ولقلما فقد اعصابه، ولم يضربهما قط. واتسع سروره برفقتهما ليشمل اصدقاءهما، وغالباً ما قادهم جميعا في سيارته الى السينما او شاركهم ألعابهم في منزلنا. قبل حرب حزيران 1967 بأسبوع واحد، توفيت أم غسان فجأة في دمشق بعد اصابتها بذبحة قلبية. لكنه لم يذرف دمعة واحدة طوال مأتمها، على صدق حبه العميق لها، بل انه حاول ان يبث العزيمة في أبيه وفي افراد العائلة الآخرين. غير اننا اثناء رجوعنا الى بيروت، انهار غسان، ولأول مرة في حياتي، شاهدت دموعاً في عينيه. وعندما أعلن الرئيس جمال عبد الناصر استقالته عقب حرب حزيران، وبعد ان فقد الكثيرون الأمل، رفض غسان ان يخضع للاستسلام. لقد كان في اللحظات الدقيقة قوياً بشكل لا يصدق، وكان يحاول ان يعطي شيئا من هذه القوة للآخرين. وكان يعبّر لاحقاً عن مشاعره بالكتابات السياسية والأدبية. لم يساورني ادنى شك في اي لحظة من اللحظات في ان غسان قد اختار الطريق السليم. ولو انني حاولت ان امنعه من مواصلة نضاله والتزامه السياسيين، لبقي لي زوجي، غير انه ما كان سيكون ذلك الإنسان المرهف الشريف الذي أحببته وأُعجبت به. حاولت ما في وسعي ان اشارك غسان في نضاله، قمت باتصالات مع اشخاص يعيشون في الغرب ويهتمون بمعرفة حقيقة النضال الفلسطيني. وطلبت مني مجلة دنماركية يسارية ان اكتب مقالة تشرح خلفية فلسطين، وكانت تلك المقالة واحدة من مقالات كثيرة غيرها كتبتها لاحقاً. ومنذ حرب حزيران كتبت المئات من الرسائل الى اصدقاء قدامى وجدد في اسكاندينافيا وغيرها من البلدان. وكانت احدى مراسلاتنا مع الكاتب اليهودي الشهير المعادي للصهيونية موشي مانوحين الذي يسكن في الولايات المتحدة ومؤلف انحطاط اليهودية في زمننا. وقد اعتبرناه صديقا من أصدقائنا الشخصيين. في خريف 1967، التحق غسان بهيئة تحرير جريدة الأنوار وكانت آنذاك جريدة طليعية ناصرية الاتجاه وأصبح رئيس تحرير ملحقها الأسبوعي. وكان قد بدأ كذلك بالقيام بدور قيادي في النشاطات الاعلامية الفلسطينية وتلك التي تقوم بها الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين. وغدا من المعلوم ان كل جريدة او مجلة يساهم غسان في كتابة مقالاتها وافتتاحياتها يلحقها ارتفاع في مستواها وفي نسبة توزيعها. وراحت السفارة الفرنسية وغيرها من السفارات في بيروت تترجم مقالاته الأسبوعية في الأنوار، لما تتضمن من تحليل سياسي دقيق. غير ان غسان قرر عام 1969 ان يترك وظيفته الآمنة في الأنوار لكي يبدأ المجلة السياسية الأسبوعية <<الهدف>>، مع ان مثل هذا القرار عنى انخفاضا في الدخل. لكن <<غسان>> لم يعمل لاعتبارات مادية، فقد كان الإلهام الذي يدفعه للكتابة والعمل المتواصلين هو النضال الفلسطيني/ العربي وتحرير فلسطين. وفي تموز 1969 صدرت الأعداد الأولى من الهدف برئاسة تحرير غسان. وكان على يقين ان المجلة سوف تنقل رسالة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والقوى التقدمية الاخرى الى الجماهير العربية والرأي العام العالمي. وكان على حق. فلقد تحولت الهدف في السنتين اللاحقتين الى واحدة من افضل المجلات السياسية الأسبوعية في العالم العربي قاطبة، واقتبس الكثير من كلماتها، وترجم عدد كبير من مقالاتها وافتتاحياتها الى لغات اخرى. ولقد شارك غسان بصفته منظراً سياسياً في وضع البرامج والبيانات السياسية الصادرة عن الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين. وكان يقوم بأكثر عمله في المنزل لكي يكون على مقربة منّا. وصمّم الكثير من ملصقات <<الجبهة الشعبية>>، وكتب الكثير من المقالات في المنزل، حيث كان <<فايز>> و<<ليلى>> عاملين متطوعين سعيدين برؤية أبيهما يرسم ويلون. واستمر غسان في الكتابة بدون انقطاع، مقدما ل<<الهدف>> الكثير من إسهاماته. وحين اصبح الناطق الرسمي باسم <<الجبهة الشعبية>>، تناقص الوقت الذي كان يكرّسه لي وللاطفال، وهكذا فقد كان الوقت الذي نقضيه معاً ثميناً جداً. ولم تكن لديّ الرغبة في ايقافه عن العمل السياسي. فالحال ان رفاقه كانوا يقدمون حياتهم، يومياً، في النضال، او كانوا يؤولون الى التعذيب في السجون الاسرائيلية. وكان واجبه ان يحكي للعالم عن الثورة الفلسطينية. وحسب كلمات جريدة الدايلي ستار في عددها الصادر في 9 تموز 1972، فإن غسان: كان المقاتل الذي لم يطلق رصاصة واحدة. كان سلاحه قلماً، وميدانه صفحات الجرائد. لكنه آذى عدوه اكثر من رتل من المقاتلين. واثناء اختطاف <<الجبهة الشعبية>> لأربع طائرات غربية، لم نر غسان طوال اكثر من اسبوع. وكانت تلك اكثر فتراته انشغالاً في حياته الفاعلة على صعيد الاعلام. وكان قد عاد من عمان على متن الرحلة الاخيرة الى بيروت، عشية الأهوال الرهيبة التي تعرض لها الشعب الفلسطيني وحركة المقاومة في الاردن. لئن عجز المئات من المراسلين الاجانب الذين ملأوا مكتب الهدف وقد غدا اسطوريا آنذاك عن اجبار غسان على القيام بحوار معهم، فذلك لأن اجاباته قد كانت على الدورام ثاقبة حادة دقيقة. ولعل السبب الرئيسي لذلك يكمن في ان القضية التي كان يدافع عنها قضية النضال الثوري الفلسطيني قضية عادلة. لقد زارنا الكثير من الصحافيين وغير الصحافيين من اجل محاولة فهم صادق لازمة الشرق الأوسط، وقد عاد كثير منهم إلينا، وبعضهم صاروا من اصدقائنا الشخصيين. لقد كان غسان واحداً من اولئك الذين قاتلوا بإخلاص في سبيل تحويل حركة المقاومة من حركة تحرر وطني فلسطيني الى حركة قومية عربية ثورية اشتراكية يشكل تحرير فلسطين مكوناً أساسياً فيها. وشدد دائما على ان المشكلة الفلسطينية لن تحل بمعزل عن وضع العالم العربي الاجتماعي والسياسي العام. وعلى الرغم من احتجاجات نقابات الكتّاب والصحافيين، فقد سجن غسان في تشرين الثاني عام 1971 بسبب مقالة في الهدف تتحدث عن نظام رجعي في بلد عربي معيّن. وسجلت الصحافة اللبنانية احتجاجها على سجن غسان من خلال المقالات والافتتاحيات. وبسبب مرضه، فقد امضى وقته في مستشفى السجن، وتسنى له مطالعة بعض مسرحيات ستريندبرغ فضلاً عن رواية طويلة للكاتب الايسلندي الحائز جائزة نوبل هالدور لاكسنس. لكن لم يتح لغسان بشكل عام ان يرتاح. فقد كان عليه ان يعمل، فكتب جزءاً من روايته الطويلة غير المكتملة التي تحكي عن فلسطين. هذه الرواية <<العاشق>> التي كان يريد ان يكتب فيها عن تاريخ النضال الفلسطيني منذ بداياته ضد السلطات البريطانية والقوات الصهيونية حتى النضال الثوري الراهن من اجل تحرير فلسطين قد كانت في باله سنوات متعددة. ولقد اجرى مقابلات مع فلسطينيين من جميع انحاء فلسطين، في المخيمات وفي غير المخيمات، وقابل المقاتلين الذين شاركوا في الثورة الفلسطينية بين عامي 1936 و1939 والذين لا يزالون يقاتلون. وكان ينوي ان ينتهي من كتابة العاشق خلال صيف 1972. وقد نشر جزء منها. وحسب القراء، فإنها عمل قوي ومؤثر. وكان الى جانب الكتابة، يرسم كثيراً، ويرسم الجياد اكثر ما يرسم. ولعب الحصان دوراً هاماً في بعض قصصه ورواياته. كان يقول إن الحصان بالنسبة لنا نحن العرب يرمز الى الجمال والشجاعة والأمانة والذكاء والصدق والحرية. وبالنسبة لي، فقد حاز غسان كل تلك المزايا. أما جياده التي رسم اكثر من عشرين منها في الاعوام الاخيرة التي سبقت رحيله فهي معلقة الآن على جدران بيوت عائلتنا وأصدقائنا في اسكندينافيا والبلدان العربية، وعلى جدران بيوت الحراس والأطباء والممرضات الذين تعرّف عليهم في مستشفى السجن. لقد سار انتاج غسان الأدبي جنبا الى جنب مع نشاطاته الصحافية والسياسية. وكان قبل موته بزمن طويل يعتبر من بين افضل الكتّاب العرب والفلسطينيين. وكان في العادة يبني القصة او الرواية او المسرحية في ذهنه، ثم يكتبها كلها في زمن قصير، مضيفا إليها تصحيحات قليلة في ما بعد. وكانت جميع مخطوطاته مكتوبة باليد، ولم يصوّر قط أياً منها. في لبنان والعالم العربي بشكل عام، يمنع المرء من مساءلة الدين والمذهبية، لكن غسان في مسرحية الباب قام بمثل تلك المساءلة من خلال مغزى عربي ما ورائي يعنى بالدين والوجودية. وبالمناسبة، فإنه على الرغم من كونه مسلماً ومن كوني مسيحية، فإن هذا الاختلاف في مذهبينا لم يشكل عائقا في علاقتنا، لكوننا قد تبنينا وجهة نظر واحدة في الدين. وفي عام 1964 ترجمت الباب الى الفرنسية ونشرت في المجلة الأدبية L'Orient الصادرة في باريس. تجلى حب غسان للاطفال في مجموعته القصصية عالمٌ ليس لنا (1965). وقد أهداها ل<<فايز وليلى>>. وفي العام ذاته نشر أدب المقاومة في فلسطين المحتلة، وقد كانت تلك المرة الاولى التي كشفت للعالم العربي وجود شعراء فلسطينيين عرب مصممين واقوياء في <<اسرائيل>>. من بين هؤلاء الشعراء الذين عرّف الكتاب بهم: محمود درويش، سميح القاسم، توفيق زياد، وغيرهم ممن اشتهروا لاحقاً في العالم العربي وبلدان اخرى. عام 1969 كتب غسان أم سعد. وأم سعد صديقة عزيزة وقديمة، وكانت ترمز بالنسبة لغسان الى المرأة الفلسطينية في المخيم والى الطبقة العاملة. والكتاب يتحدث عنها ويتحدث مباشرة الى الناس الذين تمثلهم. وفي الحوار الذي يجري بينه وبين أم سعد، تكون المرأة الأمية هي التي تتحدث، في حين يستمع المثقف ويطرح الاسئلة. نضج غسان على الصعيد الماركسي اول ما نضج من خلال انتاجه الأدبي. وأم سعد قد كتبها روائي ماركسي، غير انه كان قد نما ايديولوجيا منذ بدايات مجلة فلسطين. فما إن حلت سنواته الاخيرة حتى كان قد غدا محللاً ماركسياً كذلك. وحملت سنة 1970 روايته الاخيرة <<عائد الى حيفا>>، لكنه ترك وراءه روايتين غير منجزتين ومسرحية غير منشورة. مما لا شك فيه ان <<غسان>> قد كان كاتباً موهوباً جداً، وهذا ما أقر به العالم العربي، وإني على يقين ان بقية بلدان العالم سوف توسع من إطار ذلك الاعتراف يوماً من الأيام. لقد قتلوه حين كان لا يزال ينمو، وكان خطره عليهم صحافياً وناطقاً رسمياً وفناناً وإنساناً اكبر من ان يتحملوا وجوده. لقد كتبت الدايلي ستار في ملحقها يوم 16 تموز 1972 تقول: <<استخدمت اسرائيل الهجوم على مطار اللد ذريعة لكي تخلق من غسان صورة للرجل المسؤول عن ذلك الهجوم، في حين ان مجال عمل كنفاني داخل الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين لم يكن ليجعله اكثر تورطاً في مثل هذه الاعمال من القادة الآخرين. إن ما حرّض الاسرائيليين على عملهم حقيقتان: أولاهما انه كان هدفا اسهل، وثانيتهما انهم كانوا سيتجاوزون تبرير اغتياله امام العالم الخارجي الى الظهور وكأنهم قد نجحوا في الثأر لهجوم اللد>>. وعلقت الجريدة كذلك بالقول إن الصحافة الغربية ولا سيما دي هامبورغر تسايتونغ ولاستامبا، والدايلي مايل قد ساعدت على تنفيذ خطة الاسرائيليين بنشرها اخباراً ملفقة عن تورط غسان في هجوم اللد، وبذلك تتحمل تلك الصحافة مسؤولية ما عما حدث. ولكن لماذا كان ينبغي عليهم ان يقتلوا غسان بمثل هذه الطريقة؟ <<لقد كان اشبه بجبل، والجبل لا يدمره إلا الديناميت>>، هذا ما كتبته صحيفة بيروتية عنه. عقب الاغتيال بساعة واحدة فقط أذاع راديو اسرائيل ان الناطق الرسمي باسم الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين قد قتل، مع زوجته، بعد انفجار سيارتهما بقنبلة موقوتة. هل راقبنا القتلة زمناً طويلاً؟ هل علموا انني كنت معتادة على الذهاب الى وسط المدينة مع زوجي كل يوم سبت؟ لقد كنت اعمل طوال الاسبوع في مدرسة للاطفال المتخلفين عقلياً، وكان ذلك السبت هو السبت الوحيد الذي لم اذهب فيه مع غسان الى العاصمة. هل لاحظ القتلة ان المرأب قد كان ملعباً لجميع اطفال البناية؟ كان الاطفال قد غادروه قبيل الانفجار. ولو ان السيارة انفجرت داخل المرأب لدُمر جزء من البناية دماراً كلياً. أنا اليوم ارملة لما يقرب العام. إن المساعدة المعنوية العظيمة التي جاءتني من عائلتنا، ومن حركة المقاومة الفلسطينية، ومن جيراننا، ومن اصدقائنا المعروفين وغير المعروفين المنتشرين في انحاء العالم، قد ساعدتني خلال هذه الفترة. انه لا يزال من المستحيل ان اصدّق، او ان يصدّق الاطفال، ان حبيبنا غسان وعزيزتنا لميس ليسا معنا الآن. حدث الاغتيال صباح السبت في الثامن من تموز. قبله بيوم واحد، اصطحبنا غسان أنا وفايز ولميس والاطفال الى شاطئ البحر. كنّا ثمانية في السيارة. وكان من الممكن لحادث التفجير ان يحصل آنذاك.. تلك العشية، وصل الى البيت باكراً، وهو ما كان قد فعله طوال اسبوعين كاملين. إن حب الحياة يحتم العنف. لم يكن غسان من دعاة اللاعنف على غير طائل. لقد قتل في قلب الصراع، كما قتل من قبل كارل ليبكنخت، وروزا لوكسمبورغ، وأرنست ثالمان، ولومومبا، وتشي غيفارا. ومثلما احب هؤلاء الحياة، احبها هو. ومثلهم، رأى حتمية العنف الثوري في الدفاع عن النفس ضد قهر الطبقات المستغلة. وبالرغم من التهديدات المتكررة التي تعرّض لها فإنه لم يقهر. لقد اجبرت حركة التحرير الفلسطينية على الرد على العنف بالعنف، ضحت بأرواحها في صراع غير متكافئ وأجبرت على مواجهة الموت كل يوم. وحين سأل مراسل غربي <<غسان>> قبيل استشهاده عمّا اذا كان الموت يعني شيئا بالنسبة له، اجاب: <<بالطبع. إن الموت يعني الكثير بالنسبة لي. المهم ان نعرف لماذا. التضحية بالنفس في اطار الفعل الثوري تعبير عن الفهم الاسمى للحياة وللصراع من اجل جعل الحياة مكاناً جديراً بالإنسان. إن حب المرء للحياة يصبح ضمن ذلك الاطار حباً لحياة جماهير شعبه، ورفضا لأن تستمر حياة هذه الجماهير مليئة بالبؤس والمعاناة والشدة المستمرة. وهكذا يغدو فهمه للحياة فضيلة اجتماعية، قادرة على اقناع المقاتل الملتزم بأن التضحية بالنفس خلاص لحياة الشعب. إن مثل هذه التضحية لهي التعبير الاقصى عن التعلق بالحياة>>. كثيراً ما نزور ضريحي غسان ولميس. انهما مدفونان في ظلال الشجر، والأرض جافة وحمراء كتربة فلسطين التي طرد منها شعبهما. لقد كان على غسان ان يدفع ثمن نضاله من اجل ان يعطي الشعب الفلسطيني احتمال العودة الى بيوته في فلسطين وكانت حياته ذلك الثمن. احبه الشعب، فلقد عبر عن آمالهم وأحلامهم، وأثبت لهم ان الحياة قد تختلف عن بؤس مخيمات اللاجئين. إن عشرات الألوف الذين لحقوا بغسان الى قبره في اكبر تظاهرة شعبية منذ موت الرئيس عبد الناصر، قد كانوا من العمال، والفلاحين، والمثقفين، واللاجئين من ابناء المخيمات، واعضاء من فصائل المقاومة الفلسطينية، وممثلين عن معظم الاحزاب السياسية وأنشطة الحياة العامة. إنهم عينهم الذين اندفعوا بالمئات الى منزلنا الكائن في ضاحية خلال الايام التي اعقبت الاغتيال. العمال، المثقفون، الفنانون المعروفون، وممثلو الاحزاب السياسية في جميع انحاء العالم، عبّروا جميعهم عن تعاطفهم مع حركة التحرر ومع عائلته، ووعدوا جميعهم في الوقت نفسه بمواصلة النضال الذي افنى غسان حياته في سبيله. أحياناً اقضي الصباح في الحديقة الصغيرة التي كان غسان يفخر بها. وأذكر كيف جاء حسين، أبو لميس، سعيداً تلك الأمسية من ذات يوم سبت من اجل ان يخبر ابنته انها قد قبلت في كلية الطب في عمان وان من الممكن ان تلتحق بها بعد انتهاء عطلة الصيف. عندما وصل، كانت ابنته قد ماتت. الآن، حين يتحدث والدا لميس عن ابنتهما وعن غسان، تلتمتع اعينهما وتقوى اصواتهما. فإنه يهمهما ان يعرف الآخرون عن لميس وغسان، عن حياتيهما، عن آمالهما التي يتعلق بها الشعب الفلسطيني اجمع رغم تبعثره في اربع رياح العالم. لقد بدأت نشاطات غسان الأدبية في الحقيقة بكتاب صغير اهداه الى لميس. كانت لميس طيلة حياته عروس شعره، ولقد قتلا، ذلك السبت، بعد سبعة عشر عاماً، بالقنبلة ذاتها. وحين حاولت، بعد المأتم، ان أواسي <<حسين>> قال: <<لقد احبت غسان على الدوام وكان موتها معه هديتها إليه>>. كان غسان يرسل بكتاب الى لميس كل عام تقريباً، ولا يكتبه إلا لها. وكانت كتبه هذه مكتوبة باليد، ومقرونة برسوم توضيحية من رسومه هو. ولئن كان لغسان الكثير من الأعداء السياسيين فإنه لم يكن لديه اعداء شخصيون. بل على العكس من ذلك، فقد كان محبوباً ومحترماً من قبل اولئك الذين اختلف معهم بالذات. وغالباً ما التقى اعداؤه به، ولحقوا به الى المقبرة، واستقبلتهم في منزلنا حين جاؤوا ليعربوا عن تعاطفهم معنا. لقد أمل قتلة غسان نشر الاستسلام في صفوف اللاجئين الفلسطينيين وأملوا شق حركة المقاومة الفلسطينية. لكنهم لم .يحصدوا إلا النقيض. فلقد فهم الناس عظمة غسان، وأحبوه، وأظهروا حبهم هذا برص صفوفهم بعضها الى بعض |
رد: مكتبة الأديب الفلسطيني الشهيـــد // غســــان كنفاني
ماذا كتبت مجلــة الآداب عن غســـان كنفاني
قصة غسان كنفاني كما ترويها زوجته الدنماركية آني في الذكرى الأولى لرحيل غسان صباح الاغتيال، جلسنا جميعنا أطول من العادة، نشرب قهوتنا التركية على الشرفة. وكان لدى غسان كما هو دأبه الكثير من الأمور للتحدث عنها، وكنّا كما هو دأبنا دوماً حاضرين للاستماع. وكان يخبرنا ذلك الصباح عن رفاقه في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، ثم بدأ يتحدث هو وأخته فايزة عن طفولتهما في فلسطين. قبل أن يغادر متوجها الى مكتبه، أصلح القطار الكهربائي لابننا فايز ولابنة أخت غسان وأخيها. كان الثلاثة يلعبون داخل المنزل ذلك الصباح. وكان على لميس، ابنة أخت غسان، ان ترافق خالها الى وسط البلد للمرة الأولى منذ وصولها من الكويت بصحبة أمها وإخوتها لأسبوع خلا، فقد كانت تعد العدة لزيارة أقربائها في بيروت. لكنها لم تفلح في الوصول الى هناك أبداً. فما هي إلا دقيقتان على تقبيل غسان ولميس إيانا قبلة <<الى اللقاء>> حتى دوى انفجار مريع. تطايرت نوافذ البيت جميعها. انحدرت بسرعة، لأجد اشلاء سيارتنا الصغيرة تحترق. وجدنا <<لميس>> على بعد بضعة امتار، ولم نجد غسان. ناديته باسمه، ثم اكتشفت ساقه اليسرى. وقفت مشلولة، فيما راح فايز يضرب برأسه الحائط، ورددت ابنتنا ليلى النداء تلو النداء: <<بابا، بابا..>>. وبالرغم من ذلك فقد ساورني أمل ضئيل بأنه قد اصيب اصابة خطرة ليس إلا. لكنهم عثروا عليه في الوادي، قريباً من منزلنا، ونقلوه بعيداً عنّا، وفقدت الأمل بأن أراه مرة اخرى. قعد اسامة قرب جسد أخته الميتة، وقال لها: <<لا تجزعي، يا لميس، ستكونين بخير، وستعلّمينني الانكليزية من جديد..>>. وفي المساء قالت لي صغيرتنا ليلى: ماما، سألت البابا أن يأخذني معه في السيارة لنشتري شوكولاته، لكنه كان مشغولاً، فأعطاني لوحاً كان يحتفظ به في جيبه. ثم قبلني وطلب مني الرجوع الى المنزل. جلست على درج بيتنا لآكل الشوكولاته، وحصل دوي كبير. لكن، يا ماما، لم تكن تلك غلطة البابا، إن الاسرائيليين هم الذين وضعوا القنبلة في سيارته>>. أنا ارملة غسان كنفاني واحد من شهداء الثورة الفلسطينية العظام. وطني الأصلي هو الدنمارك. استطيع ان اذكر بغموض الاحتلال الالماني الذي بدأ في 9 نيسان 1940. فقد انخرط أبي في حركة المقاومة، اسوة بغيره من الرجال والنساء الدنماركيين. وقدّم كثير من المقاتلين الأحرار حياتهم آنذاك، وآل بعضهم الى سجون <<الغستابو>> ومعسكرات التصفية اثناء نضالهم ضد الاحتلال الألماني. وكان الالمان يلقبون المقاتلين الدنماركيين الأحرار ب<<الإرهابيين>>، وهو الافتراء عينه الذي ترمي به القوى المحتلة قاطبة الشعوب المقهورة التي تقاوم الاحتلال وتشرع في النضال من أجل حريتها واستقلالها. بل إن حركة المقاومة الدنماركية كانت قد ساعدت على إنقاذ اليهود أنفسهم من النازيين الألمان. حين تأسست اسرائيل في 15 ايار 1948، كان الدنماركيون شأنهم في ذلك شأن معظم الشعوب الاخرى في العالم <<المتحضر>> يتحلون بفضيلة الجهل. لقد سمعنا شيئا عن <<اللاجئين العرب>>، غير ان أياً منّا لم يدرك آنذاك ان شعبا بأكمله قد دفع الثمن. وكان عليّ ان انتظر اثنتي عشرة سنة قبل ان أعي وجود شعب فلسطيني طرد من وطنه الأصلي بمعونة القوى العظمى وبشكل أساسي: بمعونة الولايات المتحدة الاميركية وبريطانيا. في عام 1960 شاركت في مؤتمر عالمي للأساتذة، وشاركت لاحقاً في مؤتمر للطلاب في يوغوسلافيا. وكانت تلك المرة الاولى التي واجهت فيها المشكلة الفلسطينية من خلال لقاءاتي ببعض الطلاب الفلسطينيين. وعند عودتي الى الوطن التحقت ب<<جامعة الشعب العالمية في الدنمارك>> حيث واصلت نقاش تلك المشكلة مع زملائي الطلاب. وسافر بعضنا الى لندن وشارك في مسيرة الدرماستون التي نظمها أنصار نزع الأسلحة النووية بقيادة برتراند راسل. وحين توفي برتراند راسل عن سبعة وتسعين عاماً كان ما يزال يقاتل من أجل العدالة وهذه المرة من أجل الفلسطينيين. في صيف الدرماستون ذاك، عدت الى يوغوسلافيا بصحبة فرقة فولكلورية دنماركية شهيرة، هي <<تينكلوتي>>، وهي فرقة قد كنت عضواً فيها لسنين عشر. وقد التحق بعضنا بمخيم عمل عالمي حيث التقينا بطلبة اسرائيليين، ثم التقينا في مخيم آخر بطلبة عرب، وتحدثنا عن المشكلة الفلسطينية مع الفريقين كليهما. في ايلول 1961 ذهبت الى سوريا ولبنان لكي ادرس المشكلة الفلسطينية عن كثب. وفي بيروت، عرفوني الى غسان كنفاني، وكان آنذاك واحداً من محرري المجلة الأسبوعية العربية <<الحرية>>. وكانت المجلة ناطقة باسم <<حركة القوميين العرب>>، وكان غسان محرراً للشؤون الفلسطينية فيها. حين سألت <<غسان>> ان يأذن لي بزيارة بعض مخيمات اللاجئين، تملكه الصمت. وبعد هنيهة صرخ غاضباً <<او تحسبين أن شعبنا الفلسطيني حيوانات في جنينة حيوانات؟!>>. ثم شرع بالتفسير، فتحدث عن شعبه وعن وطنه، تحدث كيف أن الأمم المتحدة نقضت ميثاقها في 29 تشرين الثاني عام 1947 (1) حين قسمت فلسطين خلافاً لإرادة سكانها العرب (الذين كانوا يشكلون آنذاك ثلثي حجم السكان، وكانوا يملكون أكثر من تسعين بالمئة من الأراضي)، وتحدث كيف أن دولة آسيوية واحدة (في الفيليبين) ودولتين افريقيتين اثنتين (هما ليبيريا وجنوب افريقيا) صوتت لصالح قرار التقسيم، وان الدولتين الأوليين قد مارست الولايات المتحدة عليهما ضغطاً شديداً لحملهما على مثل ذلك التصويت. وعلى هذا النحو، تم زرع دولة اسرائيل الصهيونية الكولونيالية بالقوة في تخوم العالم الثالث الناهض، من غير ان تتلقى اعترافاً طوعياً من اي دولة عربية او آسيوية او افريقية، باستثناء جنوب افريقيا العنصرية. وتابع غسان يحدثني عن فلسطينه الحبيبة، وعن اضطراره الى مغادرتها عام 1948 بصحبة أهله وأشقائه وشقيقاته الخمسة. ولد في عكا في 9 نيسان 1936، في بداية الثورة الفلسطينية العربية ضد القوات الصهيونية وسلطة الانتداب البريطاني. وأثناء الثورة، قام الفلسطينيون العرب بإضراب عام لعله يكون الاطول في التاريخ استمر ستة شهور. وحين اخمدت الثورة عام 1939، كان 5032 عربياً قد قتلوا و14760 قد جرحوا، وشنق مئة وعشرة اشخاص على يد السلطات البريطانية. أخبرني غسان عن الإرهاب الاسرائيلي وكيف أجبر شعبه على هجرة ارضه. وكانت مدينته عكا قد خصصت للسكان العرب، حسب خطة التقسيم التي أرستها الأمم المتحدة. غير ان عكا، أسوة بالكثير من المدن والقرى الفلسطينية، خضعت لاحتلال القوات الصهيونية، وهجر سكانها بالقوة الجسدية والنفسية. وأصيب عرب فلسطين آنذاك بالذعر الشديد بعد مجزرة دير ياسين، القرية المسالمة العزلاء. ويروي جاك دو رينير، ممثل الصليب الأحمر الدولي، في تقرير شاهد عيان ان 254 امرأة وطفلاً وشيخاً قد ذبحوا بوحشية وعن سابق عمد، وقذفت المجموعتان الصهيونيتان الإرهابيتان الايرغون وشتيرن بجثث الكثير منهم الى احدى الآبار. ولقد وصفت السلطات الصهيونية الرسمية تلك المجزرة ب<<الحادث>>. أما الايرغون بزعامة مناحيم بيغن الذي شارك في عدة حكومات اسرائيلية لاحقة وترأس إحداها فقد دعت الى مؤتمر صحافي اعلنت فيه تفاصيل الحدث، في الوقت الذي كان فيه قرويو دير ياسين الأسرى الذين بقوا على قيدة الحياة يستعرضون عراة امام سكان الأحياء اليهودية في القدس لكي يبصقوا عليهم. وقد أفرج عن الأسرى في فترة لاحقة، فغادوا الى بيوتهم ليتحدثوا عن مصائرهم، فيما راحت السيارات المجهزة بمكبرات الصوت تجول في القرى العربية معلنة انه <<إن لم تغادروا بيوتكم، فسوف يكون مصيركم كمصير دير ياسين>>. وكتب مناحيم بيغن: <<إن المجزرة لم تكن مبررة فحسب، بل إن دولة اسرائيل ما كانت لتكون على قيد الحياة لولا الانتصار في دير ياسين>>.(2) إن تكن هجرة الفلسطينيين خطة مدبرة فهذا أمر اكده العميد غلوب، إذ يروي حواراً دار بين ضابط بريطاني في <<الفيلق العربي الاردني>> ومسؤول يهودي في <<حكومة فلسطين>> في كانون الاول. فقد سأل الضابط البريطاني عما إذا كانت الدولة اليهودية الجديدة ستواجه متاعب داخلية كثيرة نظرا لتساوي عدد السكان العرب فيها بعدد السكان اليهود، فأجاب المسؤول اليهودي: <<آه، لا! سوف ندبر هذا الأمر. إن بضع مجازر محسوبة بدقة سوف تخلصنا منهم>>. (3) إن اسم <<ليديس>> الفلسطينيين ليس <<ماي لاي>>، بل دير ياسين. وقد وقعت المجرزة في 9 نيسان 1948 وصادف ذلك عيد ميلاد غسان الثاني عشر. ومذاك، لم يحتفل غسان بعيده قط. وفي مثل هذا اليوم من كل سنة، أقف أنا ارملة غسان بخشوع امام أرواح غسان والضحايا الأبرياء الذين سقطوا في مجزرة دير ياسين قبل خمسة وعشرين عاماً. وفي ذلك اليوم بالذات من عام 1940، تم احتلال وطني (الدنمارك) على يد النازيين الألمان. غادرت عائلة غسان عكا قبيل 15 أيار 1948، وكان حوالى ثمانمئة ألف عربي قد فروا من الإرهاب الصهيوني آنذاك. واستمر العرب في الهجرة، يتقدمهم الاطفال والنساء، فقد بقي الرجال ليدافعوا عن القرى والمدن. وما لبثت يافا وحيفا واللد وغيرها ان <<نظفت>> (والتعبير هو لإيغال ألون) من سكانها العرب. عندما طردت عائلة غسان من فلسطين، كانت صفر اليدين. وقد اختار الأب ان يبقى في قرية لبنانية صغيرة هي الغازية قريبة من الحدود. فالحال انه أراد ان يكون بين أوائل العائدين الى منازلهم بعد انتهاء القتال، على نحو ما نص قرار الأمم المتحدة بصدد اللاجئين الفلسطينيين (وهو القرار رقم 194، الفقرة الثالثة، الصادر في 11 كانون الأول 1948). ونحن نعلم جميعنا ان مثل هذا القرار لم ينفذ، فقد منعت السلطات الاسرائيلية الفلسطينيين العرب من العودة. لقد أراد الصهاينة الوطن، لا شعبه، وكانت مثل هذا الرغبة كامنة منذ بداية إنشائهم الكيان الصهيوني. وانتقل ابو غسان مع جميع أفراد عائلته الى قرية جبلية في سوريا تدعى الزبداني. وكانت الحياة هناك قاسية، وكان الجوع والبرد وجبتهم اليومية. وانتقلوا لاحقا الى دمشق، وشرع غسان وأخوه الأكبر بتجميع الكتب أملا بكسب القليل من المال الذي يعينهما على عول عائلتهما المؤلفة من ثمانية اشخاص بالاضافة الى ثمانية اشخاص آخرين يعيشون معهم. وما لبثا ان تابعا دراستهما في مدرسة مسائية بعد أن كانا قد عملا طوال النهار. كان غسان آنذاك في الثالثة عشرة من عمره، وكانت أخته فايزة (أم لميس) قد حصلت على الشهادة الثانوية، وذهبت عام 1952 الى الكويت حيث صارت واحدة من أوليات المعلمات، وواحدة من الفلسطينيين الكثر الذين أسهموا في نمو الدول العربية بصفتهم اساتذة ومهندسين وأطباء وغير ذلك. وبعد أن نال غسان شهادة البريفيه في السادسة عشرة من عمره، شرع بالتدريس في مدارس الأونروا. وكان، مع استاذ آخر، مسؤولين عن تعليم ألف ومئتي طفل فلسطيني لاجئ، غير ان هدف غسان الأعظم كان توعية اولئك الاطفال توعية سياسية. ومنذ ذلك الوقت وحتى الآن، صار سبعون في المئة من تلاميذ غسان في مدارس الأونروا مقاتلين. قبل ان يلتحق غسان بمدرسة الأونروا، عمل في مطبعة في دمشق. وفي سنة 1955 طلبت منه <<حركة القوميين العرب>> ان يعمل في تحرير جريدتها الرأي وفي طباعتها. وانتسب الى <<الحركة>> في ذلك العام. وفي العام التالي، لحق بأخته فايزة وأخيه غازي في الكويت. وأرسل ثلاثتهم اكثر رواتبهم الى عائلتهم في دمشق. وهكذا توافر للوالد دخل شهري يعول به بقية أفراد العائلة، وحصل في تلك الفترة كذلك على إذن بالعمل في سلك المحاماة في دمشق، وكان اكثر زبائنه من الفلسطينيين المدقعين. وواصل غسان، خلال السنوات الست اللاحقة التي قضاها في الكويت، نشاطه السياسي. وكان يدرّس الفن والرياضة، ولقد اثبتت تلك السنون انها جزء هام جداً في حياته. فقد قضى معظم اوقات فراغه في الرسم والكتابة والقراءة، وانصبت اكثر قراءاته على السياسة: فقرأ ماركس، وانجلز، ولينين، وغيرهم. وفي عام 1960، اقنع الدكتور جورج حبش <<غسان>> بمغادرة الكويت والمجيء الى بيروت للعمل في الحرية. منذ الأيام الاولى للقائي بغسان، أحسست بأنني إزاء إنسان غير عادي. وتطورت علاقتنا من خلال القضية الفلسطينية الى علاقة شخصية. ورغم وضعه الذي لا يبعث على الأمان فغسان الفلسطيني لم يكن يملك جواز سفر، ولا مالاً، وكان يعاني فوق ذلك من مرض لا شفاء منه هو السكري ، فإننا ما لبثنا ان اكتشفنا ان الموت وحده سوف يكون قادراً على تفريق الواحد منّا عن الآخر. وشرعت بالتدريس في روضة للأطفال. وما هو إلا شهر على وصولي الى لبنان حتى تزوجنا ولم يندم اي منّا على ذلك وكان لنا كمعظم الفلسطينيين الآخرين، مصاعبنا، الاقتصادية وغير الاقتصادية. وفي كانون الاول عام 1962 اضحى الوضع السياسي شديد الاهتزاز، فكان على غسان ان يبقى مختبئا في المنزل لفترة تزيد عن الشهر، وذلك لافتقاره الى الأوراق الرسمية. وأثناء هذه الفترة، كتب رواية رجال في الشمس التي طار صيتها في معظم أرجاء العالم العربي، وأهداها إليّ. ولقد ترجم غسان لي كل رواياته وقصصه اثناء كتابته إياها، وصرت على معرفة كذلك بكتاباته السياسية. وكان دافعه الى الكتابة لا يحد كأن في غسان نبعاً من الكلمات والأفكار يعب منه الصفحة تلو الصفحة عن فلسطين، وطنه، وعن شعبه. وكان دائم الانشغال، كما لو ان الموت يتربص به عند زاوية الشارع. وكان غسان رساماً ومصمماً للرسوم، وكانت احدى لوحاته اثناء تلك الفترة تمثل رجلاً مصلوباً بالزمن... لقد كنت شديدة التأثر بأفكار غسان، غير انه لم يفرضها أبداً عليّ. وهذا ما ينطبق على اصدقائنا الاجانب الذين اكتشفوا القضية الفلسطينية من خلاله. واهتم الكثير منهم، لاحقاً، بهذه القضية في بلدانهم ذاتها. أما علاقتي بعائلة غسان فقد كانت حميمة، فلقد رحبت بي عائلته منذ البداية بكل ما امتلكت من ضيافة ودفء، وصرت احب أفرادها حباً عظيماً. استندت حياتنا الزوجية الى الثقة، والاحترام، والحب، ولهذا، فقد كانت على الدوام مهمة، جميلة، قوية. وولد اول صبي لنا في 24 آب 1962 وأسميناه <<فايز>> ومعناه المنتصر تيمنا باسم جده. وصار غسان أكثر انشغالاً من ذي قبل، وانغمس في عمله انغماساً كلياً. وكان آنذاك قد ترسخ في حقلي الكتابة والصحافة. وفي عام 1963 عُرض عليه منصب رئيس تحرير المحرر، وهي جريدة يومية مثلت وجهات نظر القوى الناصرية والتقدمية. وما لبثت هذه الجريدة ان اصبحت ثاني أكبر جريدة يومية في لبنان، واتسع انتشارها في بلدان عربية اخرى. وعمل غسان فيها سنوات خمساً، وعمل في مجلة فلسطين الاسبوعية التي مثلت وجهة نظر الجناح الفلسطيني في <<حركة القوميين العرب>> وعالجت المسائل الفلسطينية. خلال عامي 1963 1964، كانت <<حركة القوميين العرب>> في طريق تحولها الى الاشتراكية العلمية، وقررت عام 1964 ان تعد العدة لبدء الكفاح المسلح في فلسطين. وما هي إلا فترة وجيزة حتى تأسست الفرقة المقاتلة الاولى، ولم يكن هدفها اول الامر القيام بعمليات عسكرية، وإنما الاتصال بالعرب المقيمين في <<اسرائيل>> وإنشاء قاعدة للكفاح المسلح القادم. وما لبثت <<حركة القوميين العرب>> ان قدمت شهداءها الاول في النضال من اجل تحرير فلسطين. ولقد اهدى غسان لاحقاً روايته ما تبقى لكم التي حازت عام 1966 <<جائزة اصدقاء الكتاب في لبنان>> لواحد من اولئك الشهداء، هو خالد الحاج، وكتب غسان في الاهداء: <<الى خالد.. العائد الاول الذي ما يزال يسير>>. عام 1965 دُعي غسان رسميا لزيارة الصين والهند. وهناك التقى بوزير الخارجية الصيني <<شينغ لي>> وبرئيس الوزراء الهندي شاستري، وبغيرهما من الزعماء السياسيين في كلا البلدين، وناقش المسألة الفلسطينية معهم. ولا شك في ان زيارته تلك قد اثرت فيه تأثيراً عظيماً. وبعد زيارة غسان الثانية الى الصين، حيث شارك في مؤتمر كتّاب آسيا وافريقيا، كسب فايز ابن الأعوام الاربعة طفلة جميلة، اسميناها <<ليلى>>، تيمنا ببطلة احدى اشهر الروايات الشعبية العربية، و<<ليلى>>، اضافة الى ذلك، اسم اسكاندينافي معروف في اوساط اللابيّين في المنطقة القطبية الشمالية. أحب غسان طفليه حتى العبادة، وغالبا ما كتب عنهما. وعلى قصر الزمن الذي قضاه معنا، فقد كان يلعب معهما مراراً ويعلمهما اشياء كثيرة. ولقلما فقد اعصابه، ولم يضربهما قط. واتسع سروره برفقتهما ليشمل اصدقاءهما، وغالباً ما قادهم جميعا في سيارته الى السينما او شاركهم ألعابهم في منزلنا. قبل حرب حزيران 1967 بأسبوع واحد، توفيت أم غسان فجأة في دمشق بعد اصابتها بذبحة قلبية. لكنه لم يذرف دمعة واحدة طوال مأتمها، على صدق حبه العميق لها، بل انه حاول ان يبث العزيمة في أبيه وفي افراد العائلة الآخرين. غير اننا اثناء رجوعنا الى بيروت، انهار غسان، ولأول مرة في حياتي، شاهدت دموعاً في عينيه. وعندما أعلن الرئيس جمال عبد الناصر استقالته عقب حرب حزيران، وبعد ان فقد الكثيرون الأمل، رفض غسان ان يخضع للاستسلام. لقد كان في اللحظات الدقيقة قوياً بشكل لا يصدق، وكان يحاول ان يعطي شيئا من هذه القوة للآخرين. وكان يعبّر لاحقاً عن مشاعره بالكتابات السياسية والأدبية. لم يساورني ادنى شك في اي لحظة من اللحظات في ان غسان قد اختار الطريق السليم. ولو انني حاولت ان امنعه من مواصلة نضاله والتزامه السياسيين، لبقي لي زوجي، غير انه ما كان سيكون ذلك الإنسان المرهف الشريف الذي أحببته وأُعجبت به. حاولت ما في وسعي ان اشارك غسان في نضاله، قمت باتصالات مع اشخاص يعيشون في الغرب ويهتمون بمعرفة حقيقة النضال الفلسطيني. وطلبت مني مجلة دنماركية يسارية ان اكتب مقالة تشرح خلفية فلسطين، وكانت تلك المقالة واحدة من مقالات كثيرة غيرها كتبتها لاحقاً. ومنذ حرب حزيران كتبت المئات من الرسائل الى اصدقاء قدامى وجدد في اسكاندينافيا وغيرها من البلدان. وكانت احدى مراسلاتنا مع الكاتب اليهودي الشهير المعادي للصهيونية موشي مانوحين الذي يسكن في الولايات المتحدة ومؤلف انحطاط اليهودية في زمننا. وقد اعتبرناه صديقا من أصدقائنا الشخصيين. في خريف 1967، التحق غسان بهيئة تحرير جريدة الأنوار وكانت آنذاك جريدة طليعية ناصرية الاتجاه وأصبح رئيس تحرير ملحقها الأسبوعي. وكان قد بدأ كذلك بالقيام بدور قيادي في النشاطات الاعلامية الفلسطينية وتلك التي تقوم بها الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين. وغدا من المعلوم ان كل جريدة او مجلة يساهم غسان في كتابة مقالاتها وافتتاحياتها يلحقها ارتفاع في مستواها وفي نسبة توزيعها. وراحت السفارة الفرنسية وغيرها من السفارات في بيروت تترجم مقالاته الأسبوعية في الأنوار، لما تتضمن من تحليل سياسي دقيق. غير ان غسان قرر عام 1969 ان يترك وظيفته الآمنة في الأنوار لكي يبدأ المجلة السياسية الأسبوعية <<الهدف>>، مع ان مثل هذا القرار عنى انخفاضا في الدخل. لكن <<غسان>> لم يعمل لاعتبارات مادية، فقد كان الإلهام الذي يدفعه للكتابة والعمل المتواصلين هو النضال الفلسطيني/ العربي وتحرير فلسطين. وفي تموز 1969 صدرت الأعداد الأولى من الهدف برئاسة تحرير غسان. وكان على يقين ان المجلة سوف تنقل رسالة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والقوى التقدمية الاخرى الى الجماهير العربية والرأي العام العالمي. وكان على حق. فلقد تحولت الهدف في السنتين اللاحقتين الى واحدة من افضل المجلات السياسية الأسبوعية في العالم العربي قاطبة، واقتبس الكثير من كلماتها، وترجم عدد كبير من مقالاتها وافتتاحياتها الى لغات اخرى. ولقد شارك غسان بصفته منظراً سياسياً في وضع البرامج والبيانات السياسية الصادرة عن الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين. وكان يقوم بأكثر عمله في المنزل لكي يكون على مقربة منّا. وصمّم الكثير من ملصقات <<الجبهة الشعبية>>، وكتب الكثير من المقالات في المنزل، حيث كان <<فايز>> و<<ليلى>> عاملين متطوعين سعيدين برؤية أبيهما يرسم ويلون. واستمر غسان في الكتابة بدون انقطاع، مقدما ل<<الهدف>> الكثير من إسهاماته. وحين اصبح الناطق الرسمي باسم <<الجبهة الشعبية>>، تناقص الوقت الذي كان يكرّسه لي وللاطفال، وهكذا فقد كان الوقت الذي نقضيه معاً ثميناً جداً. ولم تكن لديّ الرغبة في ايقافه عن العمل السياسي. فالحال ان رفاقه كانوا يقدمون حياتهم، يومياً، في النضال، او كانوا يؤولون الى التعذيب في السجون الاسرائيلية. وكان واجبه ان يحكي للعالم عن الثورة الفلسطينية. وحسب كلمات جريدة الدايلي ستار في عددها الصادر في 9 تموز 1972، فإن غسان: كان المقاتل الذي لم يطلق رصاصة واحدة. كان سلاحه قلماً، وميدانه صفحات الجرائد. لكنه آذى عدوه اكثر من رتل من المقاتلين. واثناء اختطاف <<الجبهة الشعبية>> لأربع طائرات غربية، لم نر غسان طوال اكثر من اسبوع. وكانت تلك اكثر فتراته انشغالاً في حياته الفاعلة على صعيد الاعلام. وكان قد عاد من عمان على متن الرحلة الاخيرة الى بيروت، عشية الأهوال الرهيبة التي تعرض لها الشعب الفلسطيني وحركة المقاومة في الاردن. لئن عجز المئات من المراسلين الاجانب الذين ملأوا مكتب الهدف وقد غدا اسطوريا آنذاك عن اجبار غسان على القيام بحوار معهم، فذلك لأن اجاباته قد كانت على الدورام ثاقبة حادة دقيقة. ولعل السبب الرئيسي لذلك يكمن في ان القضية التي كان يدافع عنها قضية النضال الثوري الفلسطيني قضية عادلة. لقد زارنا الكثير من الصحافيين وغير الصحافيين من اجل محاولة فهم صادق لازمة الشرق الأوسط، وقد عاد كثير منهم إلينا، وبعضهم صاروا من اصدقائنا الشخصيين. لقد كان غسان واحداً من اولئك الذين قاتلوا بإخلاص في سبيل تحويل حركة المقاومة من حركة تحرر وطني فلسطيني الى حركة قومية عربية ثورية اشتراكية يشكل تحرير فلسطين مكوناً أساسياً فيها. وشدد دائما على ان المشكلة الفلسطينية لن تحل بمعزل عن وضع العالم العربي الاجتماعي والسياسي العام. وعلى الرغم من احتجاجات نقابات الكتّاب والصحافيين، فقد سجن غسان في تشرين الثاني عام 1971 بسبب مقالة في الهدف تتحدث عن نظام رجعي في بلد عربي معيّن. وسجلت الصحافة اللبنانية احتجاجها على سجن غسان من خلال المقالات والافتتاحيات. وبسبب مرضه، فقد امضى وقته في مستشفى السجن، وتسنى له مطالعة بعض مسرحيات ستريندبرغ فضلاً عن رواية طويلة للكاتب الايسلندي الحائز جائزة نوبل هالدور لاكسنس. لكن لم يتح لغسان بشكل عام ان يرتاح. فقد كان عليه ان يعمل، فكتب جزءاً من روايته الطويلة غير المكتملة التي تحكي عن فلسطين. هذه الرواية <<العاشق>> التي كان يريد ان يكتب فيها عن تاريخ النضال الفلسطيني منذ بداياته ضد السلطات البريطانية والقوات الصهيونية حتى النضال الثوري الراهن من اجل تحرير فلسطين قد كانت في باله سنوات متعددة. ولقد اجرى مقابلات مع فلسطينيين من جميع انحاء فلسطين، في المخيمات وفي غير المخيمات، وقابل المقاتلين الذين شاركوا في الثورة الفلسطينية بين عامي 1936 و1939 والذين لا يزالون يقاتلون. وكان ينوي ان ينتهي من كتابة العاشق خلال صيف 1972. وقد نشر جزء منها. وحسب القراء، فإنها عمل قوي ومؤثر. وكان الى جانب الكتابة، يرسم كثيراً، ويرسم الجياد اكثر ما يرسم. ولعب الحصان دوراً هاماً في بعض قصصه ورواياته. كان يقول إن الحصان بالنسبة لنا نحن العرب يرمز الى الجمال والشجاعة والأمانة والذكاء والصدق والحرية. وبالنسبة لي، فقد حاز غسان كل تلك المزايا. أما جياده التي رسم اكثر من عشرين منها في الاعوام الاخيرة التي سبقت رحيله فهي معلقة الآن على جدران بيوت عائلتنا وأصدقائنا في اسكندينافيا والبلدان العربية، وعلى جدران بيوت الحراس والأطباء والممرضات الذين تعرّف عليهم في مستشفى السجن. لقد سار انتاج غسان الأدبي جنبا الى جنب مع نشاطاته الصحافية والسياسية. وكان قبل موته بزمن طويل يعتبر من بين افضل الكتّاب العرب والفلسطينيين. وكان في العادة يبني القصة او الرواية او المسرحية في ذهنه، ثم يكتبها كلها في زمن قصير، مضيفا إليها تصحيحات قليلة في ما بعد. وكانت جميع مخطوطاته مكتوبة باليد، ولم يصوّر قط أياً منها. في لبنان والعالم العربي بشكل عام، يمنع المرء من مساءلة الدين والمذهبية، لكن غسان في مسرحية الباب قام بمثل تلك المساءلة من خلال مغزى عربي ما ورائي يعنى بالدين والوجودية. وبالمناسبة، فإنه على الرغم من كونه مسلماً ومن كوني مسيحية، فإن هذا الاختلاف في مذهبينا لم يشكل عائقا في علاقتنا، لكوننا قد تبنينا وجهة نظر واحدة في الدين. وفي عام 1964 ترجمت الباب الى الفرنسية ونشرت في المجلة الأدبية L'Orient الصادرة في باريس. تجلى حب غسان للاطفال في مجموعته القصصية عالمٌ ليس لنا (1965). وقد أهداها ل<<فايز وليلى>>. وفي العام ذاته نشر أدب المقاومة في فلسطين المحتلة، وقد كانت تلك المرة الاولى التي كشفت للعالم العربي وجود شعراء فلسطينيين عرب مصممين واقوياء في <<اسرائيل>>. من بين هؤلاء الشعراء الذين عرّف الكتاب بهم: محمود درويش، سميح القاسم، توفيق زياد، وغيرهم ممن اشتهروا لاحقاً في العالم العربي وبلدان اخرى. عام 1969 كتب غسان أم سعد. وأم سعد صديقة عزيزة وقديمة، وكانت ترمز بالنسبة لغسان الى المرأة الفلسطينية في المخيم والى الطبقة العاملة. والكتاب يتحدث عنها ويتحدث مباشرة الى الناس الذين تمثلهم. وفي الحوار الذي يجري بينه وبين أم سعد، تكون المرأة الأمية هي التي تتحدث، في حين يستمع المثقف ويطرح الاسئلة. نضج غسان على الصعيد الماركسي اول ما نضج من خلال انتاجه الأدبي. وأم سعد قد كتبها روائي ماركسي، غير انه كان قد نما ايديولوجيا منذ بدايات مجلة فلسطين. فما إن حلت سنواته الاخيرة حتى كان قد غدا محللاً ماركسياً كذلك. وحملت سنة 1970 روايته الاخيرة <<عائد الى حيفا>>، لكنه ترك وراءه روايتين غير منجزتين ومسرحية غير منشورة. مما لا شك فيه ان <<غسان>> قد كان كاتباً موهوباً جداً، وهذا ما أقر به العالم العربي، وإني على يقين ان بقية بلدان العالم سوف توسع من إطار ذلك الاعتراف يوماً من الأيام. لقد قتلوه حين كان لا يزال ينمو، وكان خطره عليهم صحافياً وناطقاً رسمياً وفناناً وإنساناً اكبر من ان يتحملوا وجوده. لقد كتبت الدايلي ستار في ملحقها يوم 16 تموز 1972 تقول: <<استخدمت اسرائيل الهجوم على مطار اللد ذريعة لكي تخلق من غسان صورة للرجل المسؤول عن ذلك الهجوم، في حين ان مجال عمل كنفاني داخل الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين لم يكن ليجعله اكثر تورطاً في مثل هذه الاعمال من القادة الآخرين. إن ما حرّض الاسرائيليين على عملهم حقيقتان: أولاهما انه كان هدفا اسهل، وثانيتهما انهم كانوا سيتجاوزون تبرير اغتياله امام العالم الخارجي الى الظهور وكأنهم قد نجحوا في الثأر لهجوم اللد>>. وعلقت الجريدة كذلك بالقول إن الصحافة الغربية ولا سيما دي هامبورغر تسايتونغ ولاستامبا، والدايلي مايل قد ساعدت على تنفيذ خطة الاسرائيليين بنشرها اخباراً ملفقة عن تورط غسان في هجوم اللد، وبذلك تتحمل تلك الصحافة مسؤولية ما عما حدث. ولكن لماذا كان ينبغي عليهم ان يقتلوا غسان بمثل هذه الطريقة؟ <<لقد كان اشبه بجبل، والجبل لا يدمره إلا الديناميت>>، هذا ما كتبته صحيفة بيروتية عنه. عقب الاغتيال بساعة واحدة فقط أذاع راديو اسرائيل ان الناطق الرسمي باسم الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين قد قتل، مع زوجته، بعد انفجار سيارتهما بقنبلة موقوتة. هل راقبنا القتلة زمناً طويلاً؟ هل علموا انني كنت معتادة على الذهاب الى وسط المدينة مع زوجي كل يوم سبت؟ لقد كنت اعمل طوال الاسبوع في مدرسة للاطفال المتخلفين عقلياً، وكان ذلك السبت هو السبت الوحيد الذي لم اذهب فيه مع غسان الى العاصمة. هل لاحظ القتلة ان المرأب قد كان ملعباً لجميع اطفال البناية؟ كان الاطفال قد غادروه قبيل الانفجار. ولو ان السيارة انفجرت داخل المرأب لدُمر جزء من البناية دماراً كلياً. أنا اليوم ارملة لما يقرب العام. إن المساعدة المعنوية العظيمة التي جاءتني من عائلتنا، ومن حركة المقاومة الفلسطينية، ومن جيراننا، ومن اصدقائنا المعروفين وغير المعروفين المنتشرين في انحاء العالم، قد ساعدتني خلال هذه الفترة. انه لا يزال من المستحيل ان اصدّق، او ان يصدّق الاطفال، ان حبيبنا غسان وعزيزتنا لميس ليسا معنا الآن. حدث الاغتيال صباح السبت في الثامن من تموز. قبله بيوم واحد، اصطحبنا غسان أنا وفايز ولميس والاطفال الى شاطئ البحر. كنّا ثمانية في السيارة. وكان من الممكن لحادث التفجير ان يحصل آنذاك.. تلك العشية، وصل الى البيت باكراً، وهو ما كان قد فعله طوال اسبوعين كاملين. إن حب الحياة يحتم العنف. لم يكن غسان من دعاة اللاعنف على غير طائل. لقد قتل في قلب الصراع، كما قتل من قبل كارل ليبكنخت، وروزا لوكسمبورغ، وأرنست ثالمان، ولومومبا، وتشي غيفارا. ومثلما احب هؤلاء الحياة، احبها هو. ومثلهم، رأى حتمية العنف الثوري في الدفاع عن النفس ضد قهر الطبقات المستغلة. وبالرغم من التهديدات المتكررة التي تعرّض لها فإنه لم يقهر. لقد اجبرت حركة التحرير الفلسطينية على الرد على العنف بالعنف، ضحت بأرواحها في صراع غير متكافئ وأجبرت على مواجهة الموت كل يوم. وحين سأل مراسل غربي <<غسان>> قبيل استشهاده عمّا اذا كان الموت يعني شيئا بالنسبة له، اجاب: <<بالطبع. إن الموت يعني الكثير بالنسبة لي. المهم ان نعرف لماذا. التضحية بالنفس في اطار الفعل الثوري تعبير عن الفهم الاسمى للحياة وللصراع من اجل جعل الحياة مكاناً جديراً بالإنسان. إن حب المرء للحياة يصبح ضمن ذلك الاطار حباً لحياة جماهير شعبه، ورفضا لأن تستمر حياة هذه الجماهير مليئة بالبؤس والمعاناة والشدة المستمرة. وهكذا يغدو فهمه للحياة فضيلة اجتماعية، قادرة على اقناع المقاتل الملتزم بأن التضحية بالنفس خلاص لحياة الشعب. إن مثل هذه التضحية لهي التعبير الاقصى عن التعلق بالحياة>>. كثيراً ما نزور ضريحي غسان ولميس. انهما مدفونان في ظلال الشجر، والأرض جافة وحمراء كتربة فلسطين التي طرد منها شعبهما. لقد كان على غسان ان يدفع ثمن نضاله من اجل ان يعطي الشعب الفلسطيني احتمال العودة الى بيوته في فلسطين وكانت حياته ذلك الثمن. احبه الشعب، فلقد عبر عن آمالهم وأحلامهم، وأثبت لهم ان الحياة قد تختلف عن بؤس مخيمات اللاجئين. إن عشرات الألوف الذين لحقوا بغسان الى قبره في اكبر تظاهرة شعبية منذ موت الرئيس عبد الناصر، قد كانوا من العمال، والفلاحين، والمثقفين، واللاجئين من ابناء المخيمات، واعضاء من فصائل المقاومة الفلسطينية، وممثلين عن معظم الاحزاب السياسية وأنشطة الحياة العامة. إنهم عينهم الذين اندفعوا بالمئات الى منزلنا الكائن في ضاحية خلال الايام التي اعقبت الاغتيال. العمال، المثقفون، الفنانون المعروفون، وممثلو الاحزاب السياسية في جميع انحاء العالم، عبّروا جميعهم عن تعاطفهم مع حركة التحرر ومع عائلته، ووعدوا جميعهم في الوقت نفسه بمواصلة النضال الذي افنى غسان حياته في سبيله. أحياناً اقضي الصباح في الحديقة الصغيرة التي كان غسان يفخر بها. وأذكر كيف جاء حسين، أبو لميس، سعيداً تلك الأمسية من ذات يوم سبت من اجل ان يخبر ابنته انها قد قبلت في كلية الطب في عمان وان من الممكن ان تلتحق بها بعد انتهاء عطلة الصيف. عندما وصل، كانت ابنته قد ماتت. الآن، حين يتحدث والدا لميس عن ابنتهما وعن غسان، تلتمتع اعينهما وتقوى اصواتهما. فإنه يهمهما ان يعرف الآخرون عن لميس وغسان، عن حياتيهما، عن آمالهما التي يتعلق بها الشعب الفلسطيني اجمع رغم تبعثره في اربع رياح العالم. لقد بدأت نشاطات غسان الأدبية في الحقيقة بكتاب صغير اهداه الى لميس. كانت لميس طيلة حياته عروس شعره، ولقد قتلا، ذلك السبت، بعد سبعة عشر عاماً، بالقنبلة ذاتها. وحين حاولت، بعد المأتم، ان أواسي <<حسين>> قال: <<لقد احبت غسان على الدوام وكان موتها معه هديتها إليه>>. كان غسان يرسل بكتاب الى لميس كل عام تقريباً، ولا يكتبه إلا لها. وكانت كتبه هذه مكتوبة باليد، ومقرونة برسوم توضيحية من رسومه هو. ولئن كان لغسان الكثير من الأعداء السياسيين فإنه لم يكن لديه اعداء شخصيون. بل على العكس من ذلك، فقد كان محبوباً ومحترماً من قبل اولئك الذين اختلف معهم بالذات. وغالباً ما التقى اعداؤه به، ولحقوا به الى المقبرة، واستقبلتهم في منزلنا حين جاؤوا ليعربوا عن تعاطفهم معنا. لقد أمل قتلة غسان نشر الاستسلام في صفوف اللاجئين الفلسطينيين وأملوا شق حركة المقاومة الفلسطينية. لكنهم لم .يحصدوا إلا النقيض. فلقد فهم الناس عظمة غسان، وأحبوه، وأظهروا حبهم هذا برص صفوفهم بعضها الى بعض |
رد: مكتبة الأديب الفلسطيني الشهيـــد // غســــان كنفاني
آني الأعز، لكم يسخطني ألا تكون اللغة الإنكليزية لغتي الأصلية، فأعجز عن التعبير عن كل ما أشعر به وعن كل ما أود قوله في هذه اللحظة الهامة والصعبة. لقد كان غسان بالنسبة لي شخصيا وبالنسبة ل<<جبهتنا>> جمعاء، عزيزا جدا، غاليا جدا، أساسيا جدا. عليّ أن أقر بأننا قد تلقينا ضربة موجعة. الآن، يا آني، نواجه جميعنا وأنت بصورة خاصة السؤال التالي: ما ترانا نفعل لرجل، لرفيق، بهذا الإخلاص وهذه القيمة؟ ثمة جواب واحد فحسب: أن نعاني بشجاعة كل الألم الذي لا يمكن لأحد منا أن يتجنبه، ومن ثم، أن نعمل أكثر، ونعمل بطريقة أفضل، وأن نقاتل أكثر، ونقاتل بطريقة أفضل. أنت تعلمين جيدا جدا، أيتها الأخت الأعز، أن غسان كان يقاتل في سبيل قضية عادلة؛ وتعلمين أن شعبنا الفلسطيني قد خاض حرباً عادلة على امتداد خمسين عاما. ولقد وقف مؤخرا الثوريون الحقيقيون في العالم أجمع الى جانب حربنا العادلة. وهذا يعني أن دم غسام المنضاف إلى نهر الدماء العظيم الذي دفعه شعبنا طوال خمسين عاما هو الثمن الذي ينبغي علينا أن ندفعه لنفوز بالحرية والعدالة والسلام. ولا حاجة أن أخبرك أن تجربة الشعوب المقهورة في العالم أجمع تنبئ بأن ذلك هو الطريق الأوحد لهزيمة الصهيونية والإمبريالية والقوى الرجعية. آني، إني أعرف جيدا جدا ما تعنيه خسارة غسان بالنسبة لك. لكن أرجوك أن تتذكري أن لديك <<فايز>> و<<ليلى>> والآلاف من الخإوة والأخوات أعضاء الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين. وفوق كل هذا، لديك القضية التي حارب غسان من أجلها. آني، نحن بحاجة الى شجاعتك. إن شجاعتك في هذه اللحظة الحاسمة تعني الكثير بالنسبة لي، وبالنسبة لجميع الرفاق والمقاتلين في الجبهة الشعبية. إن أكثر ما يؤلمني في هذه اللحظة ألا يكون بمقدور هيلدا (زوجتي) ولا بمقدوري أن نكون الى جانبك. وأنت تعرفين أسباب ذلك معرفة جيدة كما أفترض. إنه ليحز في نفسي ألا أكون قد رأيت غسان، ولا كلمته قبل دفنه. أكرر: نحن بحاجة الى شجاعتك، وبحاجة الى أن تحسي بأنك لست وحدك ولن تكوني وحدك في أي زمن. وبانتظار المناسبة الأولى لرؤيتك، نبقى هيلدا وأنا أخلص أخت وأخ لك. جورج حبش تموز 1972 إلى آني من عمادة شحادة (رسالة مفتوحة في الدايلي ستار 16 تموز 1972) عزيزتي السيدة كنفاني، حين أضاع زوجك وطنه، لم يصرف النظر عنه بدمعة. كان يعرف أن الدموع لا تصحح خطأ ولا تستعيد حقا، وأن الأسى سيكون تكريسا لخسارته، وأن الأسف سيكون إشهارا لهزيمته. لقد كانت عيناه جافتين حين رهن نفسه لوطنه وشعبه. لقد خسرنا زوجك. لن نصرف النظر عنه بدمعة. إن بكاءنا عليه الآن سوف يلغي كل شيء آمن به، كل شيء مات من أجله. لقد مات غسان كنفاني وحده فقط. أما ناسه فهم لا يزالون على قيد الحياة، وسوف تحيا من خلالهم آماله وشجاعته وعزمه. إن غسان كنفاني، ميتاً، قد اكتسب حضوراً كلياً من قبل شعبه. حين يفقد الشعب آمال غسان، وحين يضيّعون شجاعته، وحين يتخلون عن عزمه، فإننا إذاك فحسب سوف نندبه. لقد فقدت زوجاً. وفقد طفلاك أباً. ولا يسعنا في مؤاساتك إلا أن نقول إن زوجك وأباهما لم يعش سدى ولم يمت عبثاً. إن حياته وموته قد جعلا الملايين من الناس فخورين بهويتهم. المخلص عماد شحادة .حبش، آني، بسام أبو شريف في الذكرى الثامنة لاستشهاد غسان د. جورج حبش(مؤسس حركة القوميين العرب والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين) |
رد: مكتبة الأديب الفلسطيني الشهيـــد // غســــان كنفاني
حوار مع آني كنفاني(زوجة الأديب الفلسطيني والمفكــر الشهيد // غسا ا ن كنفاني) سرتْ في صوتي رعشة خفية حين ردت أني كنفاني على الهاتف. امرأة دنماركية، قدمت الى بيروت، وتزوجت فلسطينياً، واستمرت بعد موته في خدمة الأطفال الفلسطينيين واللبنانين في مخيمات اللاجئين في بيروت وصيدا. أوتكون أسطورة، هذه المرأة الدنماركية التي أحسب أنها شقراء؟ أيعقل أن تترك امرأة غربها الجميل الأشقر الفرح وتلجأ الى شرقنا الذي يهرب منه أكثر أبناء جيلي متى توفرت لهم أسباب الهرب؟ أيعقل أن تعيش عشرين عاماً في هذه الأرض الفقيرة بعد أن رحل عنها أعز من تملك: زوجها وأستاذها وحبيبها غسان كنفاني؟ حين صعدت الى البناية التي تقطن فيها آني، تدفقت في رأسي شخصيات غسان كنفاني الروائية، وتلاحقت أحداث رواياته وارتطم واحدها بالآخر. لكن صورة <<سعيد س.>> بطل رواية عائد الى حيفا طغت على كل ما عداها. حتى إذا ما فتحت لي الباب آني، الشقراء، الزرقاء العينين، كان أول ما فتشت عنه ريشات الطاووس الخمس التي تركها <<سعيد س.>> في منزله في حيفا حين طُرد منه عام 1948 وعاد إليه بعد عشرين سنة ليجده محتلاً من قبل عائلة يهودية، وليجد ريشاته الأثيرة ناقصة. وكان ثاني ما فتشت عنه صورة الشهيد <<بدر اللبدة>> أخي <<فارس اللبدة>> وهي صورة احتفظ بها مواطن عربي آخر استأجر بيت <<فارس>> عقب احتلال البلدة. لم أجد الريشات، ولم أجد صورة بدر اللبدة. لكن غسان كنفاني كان في جميع جنبات منزل آني كنفاني. ففي مواجهتي مكتبة صفت عليها آني كتبه وكتبها، وفي وسط المكتبة صورة له، وأخرى له ولها حين كانا لا يزالان يعيشان أطوار حبهما الأولى. وقرب هذه الصورة تربعت صور أخرى ل<<أم سعد>>، صديقة غسان وآني، ورمز <<الطبقة الفلسطينية التي دفعت غاليا ثمن الهزيمة (عام 67)... والتي تظل تدفع أكثر من الجميع>>(1). وعلى يساري، رأيت صورة لغسان و<<لميس>> ابنة أخته التي استشهدت معه في انفجار سيارته تلك الصبيحة المشؤومة من تموز عام 1972؛ <<لميس>> الجميلة التي كان غسان يهديها كل عام كتابا يجترحه من أعصابه وآماله الجميلة. ونظرت فوقي، فطالعني حصان غسان كنفاني برسمه سائرا في ثباته المعهود وسط الهجيرة البرتقالية. آني، يا آني، لكم أنهكتك سنون البعد عن الحبيب، ولكم أثقلتك المجازر التي حلت بشعبك الفلسطيني أنت الدنماركية التي أثبتِّ، بصمودك في بيروت عشرين عاما بعد رحيل غسان، وبإشرافك على مؤسسات تعليم اللاجئين الفلسطينيين ورعايتهم، قول <<سعيد س.>> ومن ورائه غسان كنفاني نفسه، إن <<الإنسان قضية>>، وإن فلسطين: ... أكثر من ذاكرة، أكثر من ريشة طاووس، أكثر من ولد، (هل نضيف: أكثر من زوج؟)، أكثر من خرابيش قلم رصاص على جدار السلم.. لقد أخطأنا حين اعتبرنا أن الوطن هو الماضي فقط. أما خالد (ابن سعيد س.) فالوطن عنده هو المستقبل. وهكذا كان الافتراق، وهكذا أراد خالد أن يحمل السلاح...(2) وأثبتّ، بصمودك ونضالك، قولاً آخر لغسان: إننا حين نقف مع الإنسان، فذلك شيء لا علاقة له بالدم واللحم وتذاكر الهوية وجوازات السفر(3). لا يعرف العرب الكثير عن آني كنفاني. لقد تحدثت في كتابك عن التحاق أبيك بحركة المقاومة الدنماركية في مواجهة النازية التي احتلت الدنمارك. هل بإمكانك أن تحدثينا عن خلفيتك العائلية، عن توجهاتك السياسية، وعن نشاطاتك الطلابية؟ كان جدي من أوائل الثوريين، ومن أوائل الديموقراطيين الاشتراكيين في الدنمارك. وكان أبي نجارا، التحق بداية حياته بالحزب الشيوعي الدنماركي، وعمل طويلا في خدمة الفقراء وفي سبيل تطوير أوضاع العمال في المجتمع والحزب ونقابات العمال. وقاتل، مع رفاقه، ضد الاحتلال النازي الذي احتل الدنمارك. أما عن وضعي الشخصي، فأنا لم أكن منخرطة انخراطا مباشرا في العمل السياسي. لقد شاركت مثلا في التظاهرات المطالبة بالحد من استشراء الأسلحة النووية، والمطالبة بالسلم، وغير ذلك من النشاطات التي تكثفت إبان مرحلة <<الحرب الباردة>> منذ منتصف الخمسينيات. وقد كنت تلميذة، ثم صرت معلمة. وكنت نشطة في حقل العمل الاجتماعي الثقافي، كالفولكلور والموسيقى الشعبية، وسافرت بصحبة فريق متخصص في هذا الحقل الى عدة بلدان في أوروبا. وذهبت في إحدى رحلاتي تلك الى يوغوسلافيا حيث واجهت للمرة الأولى قضية الشعب الفلسطيني. وُلدت أثناء الحرب، ولا أزال أذكر بعض أحداثها. كان على عائلتي أن تغطي النوافذ أثناء الليل كي لا تنكشف البيوت زمن الاحتلال النازي. وتدفق المهاجرون الألمان وغير الألمان الى الدنمارك. وكانت ثمة امرأة مهاجرة تعيش سرا معنا؛ لم نخبر أحدا بأمرها. وكنا نعيش في بيت صغير. وذات يوم اختفت هذه المرأة، وظننت أنها قد ارتحلت الى السويد شأنها شأن عدد من المهاجرين واللاجئين السياسيين الآخرين إبان الغزو النازي. وكان ثمة إشارة سرية/ إنذار لأبي، عبارة عن زهرة معينة نضعها عند شباك بيتنا؛ وكانت مثل هذه الإشارة تعني أن عليه ألا يدخل البيت بل أن يواصل طريقه على دراجته، لأن ذلك يعني أن الألمان يراقبونه. كان والداي من الناس الأصيلين الكرماء. خلال الثورة الأهلية الإسبانية التي اندلعت بين عامي 1936 و1939 وهي الفترة التي صادفت كذلك اندلاع الإضراب الشهير في فلسطين كانت أمي وكثيرات غيرها من النسوة الدنماركيات تجمع الثياب أو تصلحها وترسلها الى القوى التقدمية في إسبانيا. لا شك في أن أفراد عائلتك وأباك الشيوعي بشكل خاص قد تعاطفوا مع اليهود الذين اضطهدهم الألمان النازيون، على نحو ما اضطهد هؤلاء الشيوعيين والتقدميين الآخرين كذلك. بالضبط! هل أحسست في يوغوسلافيا، حين واجهت مأساة الشعب الفلسطيني للمرة الأولى في حياتك، بالصدمة؛ صدمة أن يكون جلادو هذا الشعب هم أنفسهم أولئك الذين جلدهم النازيون، وهم أنفسهم أولئك الذين تعاطفت أنت وتعاطف أبوك وأمك معهم سنين طويلة؟ حين أعلن عن إنشاء دولة إسرائيل عام 1948، كان أكثر الناس في بلدي فرحين. فقد أتيح أخيرا لليهود المضطهدين مكان آمن. ولم يعرف أكثر الناس آنذاك أو أنهم لم يفكروا بأن ثمة شعبا آخر يحيا هناك، في فلسطين. وحين قال لي طالبان في <<دوبرفنيك>> في يوغوسلافيا أثناء حضوري مؤتمرا للطلاب إنهما فلسطينيان، قلت: <<أوه! جيد! إنني أعرف شيئا عن الرقص الشعبي الإسرائيلي!>>. عندها، نظرا إليّ وطلبا مني الجلوس والتحدث إليهما، وأخبراني عن المأساة الفلسطينية. فتملكني الغضب الشديد، لأنه كان قد مضى حوالى ثلاثين عاما على نشأة تلك المأساة من غير أن أعرف عنها شيئا! وتساءلت: إذا كان هذا شأني أنا القادمة من عائلة تقدمية فماذا يكون شأن الآخرين؟ هل طرح مثل هذا التساؤل في ذهنك آنذاك تساؤلا آخر عن طبيعة القوى اليسارية التقدمية في وطنك وفي أوروبا بشكل عام تلك القوى التي تحدثت على الدوام عن التضامن الأممي ودعم الشعوب المقهورة؟ نعم. لكن لا تنس أننا نتحدث عن مرحلة الستينيات. كان الشيوعيون واليهود آنذاك مضطهدين سواء بسواء. وكان الكثير من الشيوعيين يهودا. غير أن الدنماركيين لم يكونوا يعلمون شيئا عن الفلسطينيين. فقد كان الإسرائيليون مهيمنين على الصحافة آنذاك؛ بل إنهم لا يزالون كذلك حتى اليوم، وها هو رئيس تحرير واحدة من كبريات الجرائد الدنماركية مواطن إسرائيلي الى جانب كونه مواطنا دانماركيا! وحين عدت من يوغوسلافيا وأخبرت والدي بما سمعته من الفلسطينيين، دهش واعترف بأنه لم يكن يعلم شيئا من ذلك القبيل. وحين طرحت هذا الموضوع أمام الطلاب والأساتذة، لم يعلم إلا أستاذ مهاجر واحد بما كنت أقوله، رغم أن بعض الطلاب أبدوا اهتماما بالموضوع. وتساءلت مرة أخرى: <<كيف استطاع العالم أن يتدبر أمر دفن القضية الفلسطينية ثلاثين سنة بأكملها؟!>>. إن الشعب الدنماركي لم يتجاهل القضية، وإنما عتم عليه الإعلام تعتيما تاما. ما كان انطباعك الأول عن الفلسطينيين اللذين قابلتهما؟ كانا منطقيين. لم يخبراني عن مشروعهما السياسي فقد كان لقائي بهما في أول الستينيات، أي قبل أن يختمر مشروع دولة علمانية ديموقراطية في فلسطين لكنهما شرحا لي ما حدث لوطنهما. ثم ذهبت الى سوريا ولبنان عام 1961 وتعرفت بطريقة أفضل على المشكلة الفلسطينية. وكتبت مقالة، بعد زواجي بغسان بعامين، نشرتها في الدنمارك، وصار أهلي أكثر تفهماً للقضية الفلسطينية، وحين ذهب غسان الى الدنمارك عام 1964 تحسن الوضع تحسنا ملحوظا، وكتب أبي عدة مقالات وصار أخي جزءا من الحركة المؤيدة للفلسطينيين. وتطور الوضع بعد هزيمة 1967، ويمكن القول إن جزءا يسيرا كان يكتب في الصحافة الدنماركية عن فلسطين قبل ذلك الزمن. لا شك في أن الدنماركيين والعرب هنا قد طرحوا عليك أو كان بودهم أن يطرحوا عليك سؤالا شبيها بالتالي: لماذا تتخلى طالبة وأستاذة دنماركية عن وطنها الأصلي وتعتنق وطنا آخر لا يوجد إلا في الماضي وفي الأحلام والأماني؟ قد يكون لخلفيتي العائلية والطبقية (فقد كان أبي، على ما أسلفت، ثوريا وابن طبقة عاملة) دخل في توجهاتي السياسية الجديدة. بالطبع ثمة قضايا في الدنمارك أهل لأن يناضل المرء من أجل تحقيقها. ولكن القدر، ربما، قد دفعني الى المجيء الى هنا. ولا شك في أن المشكلة الفلسطينية مختلفة نوعا ما عن غيرها من المشكلات العالمية. فليس ثمة شعب طرد بأكمله من أرضه وهجر الى بلاد أخرى. لكن أبي ناضل ضد النازيين، والإسبان ناضلوا ضد فرانكو، ثمة نضال من أجل إحقاق حقوق الأطفال في أن يكون لهم مأوى وكساء وتعليم وغذاء في العالم أجمع. أنتقل الى غسان كنفاني. التقيته في أيلول عام 1961 في بيروت وكان آنذاك محررا في الحرية الناطقة بلسان حركة القوميين العرب. هل تذكرين لنا بعض تفاصيل لقائكما الأول؟ (شعت عينا آني لحظة، ثم خمدتا، وعادتا الى الإشعاع، قبل أن تضيف:) جئت من يوغوسلافيا الى دمشق، وفي نيتي أن أذهب بعد ذلك الى بيروت ومصر. وكان لغسان أصدقاء أعطوني رسالة لكي أحملها له الى بيروت، فيعينني كذلك على الدخول الى المخيمات الفلسطينية. وحين أخبرت غسان بمرادي غضب، وقال إنني لا أوافق على أن تشاهدي مخيمات اللاجئين قبل أن تعرفي أكثر عن المسألة كلها... ماذا شعرت إذاك؟ كنت قبل جواب غسان متحمسة لرؤية المخيمات. لكني لم أحس بالإهانة بعد جوابه. وبعد ذلك؟ تزوجنا في تشرين الثاني (نوفمبر) عام 1961. وولد فايز في العام التالي.. وصار غسان رئيس تحرير المحرر، وكان عمر فايز آنذاك عاما ونصف العام. كان غسان يعمل كثيرا، بل إنه كان يتابع عمليات طبع الجريدة نفسها! وتحولت المحرر الى ثاني أكبر جريدة لبنانية حين كان غسان يرأس تحريرها. وكتب غسان في الحوادث أيضا، وفي الأنوار تحت اسم مستعار هو <<فارس فارس>>. هل قال لك لماذا كان يستخدم اسما مستعارا؟ الحقيقة أن مجمل ما كتبه بهذا الاسم عبارة عن مراجعات كتب، ونقد اجتماعي. ربما كان ذلك طريقه للكتابة بأسلوب آخر غير ذاك الذي استخدمه في رواياته وقصصه ومقالاته السياسية. ولم يكن تغيير اسمه لأي دواع سياسية. وكيف عشتما بعد ذلك؟ سكنا في شقة في شارع الحمراء ببيروت. وفي بداية عام 1962 حصلت محاولة انقلاب في لبنان. ولم تكن لديه أوراق رسمية، فلازم البيت وكتب رجال في الشمس. ولكن قبل أن نتحدث عن رجال في الشمس، هل باستطاعتك أن تذكري لنا كيف عرض عليك الزواج؟ بالطبع! نستطيع أن نلغي هذا السؤال إن شئت! لا! لا أمانع! لقد دعاني الى العشاء بعد أسبوعين على لقائنا، وكان ذلك في مقهى الغلاييني. وجلس. وقال: قبل أن نغادر هذا المقهى، عليك أن تجيبي عن سؤالي: <<هل تتزوجينني>>؟. ثم أردف قائلا: <<لكني فقير، لا مال لي، لا هوية، أعمل في السياسة، لا أمان، لي، وأنا مصاب بالسكري>>. هل كنت تضحكين؟ (ضحكت آني، وأشعت من جديد، وقالت): كنت أستمع الى كل تلك <<النقاط السود>>. ثم قلت له: <<عليّ أن أفكر بعرضك>>. وكنا نصعد الدرج المفضي الى فناء المقهى، لكني قبل أن أصل الى الدرجة العليا قلت: <<نعم، سأتزوجك!>>. وأذكر أننا ذهبنا الى مقهى <<الدولتشي فيتا>>، وشاهدنا بعض الأصدقاء القدامى، وأخبرناهم بقرارنا. وتحمس وضاح فارس، ولا سيما حين علم بأننا سوف نقيم احتفالا بالمناسبة! (ضحك). هل حاول أصدقاء غسان الفلسطينيون ثنيه عن الزواج بأجنبية؟ منذ الأيام الأولى لوصولي الى بيروت، التقيت بأصدقاء غسان من <<النادي الثقافي العربي>>. ولم يثنه أحد على الإطلاق. هذا حسب علمي على الأقل. وهل التقيت به بشكل مكثف على امتداد الأسبوعين اللذين سبقا زواجكما؟ نعم. كنا نلتقي يوميا. وذات يوم قالت لي زوجة أخي ان أكثر صديقاتي قد تزوجن. وكنت يومها في الخامسة والعشرين من عمري. وهل ثناك أحد من عائلتك عن الزواج بأجنبي؟ لم يتح لأحد الوقت لمثل هذا الثني! غير أن أمي كانت شديدة الحزن في البداية. وبعثت لأهلي بدعوات لحضور عرسي. لكن صدمتهم كانت أعظم من أن يتماسكوا! غير أن أخويّ الأكبرين قالا لوالدي: <<لا تقلقا! آني فتاة ناضجة وتعرف ما تصنع>>. لكني علمت في ما بعد أن زواجي كان صدمة لأمي. كانت فكرة جيلهم عن <<العربي>> تتلخص في أنه يتزوج من أربع نساء، الى ما هنالك من خرافات. (وهنا ألحت آني على العودة بذاكرتها الى ما قبل زواجها بغسان) أذكر الآن أنه عند قدومي الى دمشق قبل الزواج من يوغوسلافيا، رحت أفتش عن مركز الاتحاد العام لطلبة فلسطين. وما إن نزلت من السيارة حتى نظرت حولي، فلم أعثر على شيء حي. وفجأة وجدت سيارة ذات لوحة دانماركية! فعزمت على المكوث قرب السيارة لحين وصول صاحبها. وإذا بصاحبها طبيب دنماركي يعمل في <<الفاو>>. فأخبرته بحالي، فعرض عليّ نقلي في سيارته الى حيث ينزل في أحد الفنادق، على أن نتناول طعام الغداء معا، ثم يريني بعض شوارع دمشق. كانا إنسانا طيبا. ثم قال لي: <<غدا، عليك أن تذهبي الى سفارة الدنمارك، ومن ثم عليك أن تعودي أدراجك الى الدنمارك!!>> لكني أقمت بضعة أيام في منزل في دمشق للطلاب العرب، قبل أن أذهب الى بيروت وأتزوج غسان. وبعد مدة، كتبت الى ذلك الدنماركي، وقلت له إني لم أعد الى الدنمارك وإني سوف أتزوج ههنا في بيروت! لقد عاملني أصدقاء غسان وعائلته (عمته، أخته...) بحميمية. وكنا نعيش، أنا وغسان، في بناية حيث صيدلية المدينة في الحمراء. ما كان موقف غسان من المراسلين الأجانب والمراسلات الأجنبيات؟ كان غسان يقابل العشرات من هؤلاء، ولا سيما حين أصبح الناطق الرسمي باسم الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين. وكان يتوقع أن يكون بعضهم ساذجا، أو راغبا في التعاطف الزائف مع الشعب الفلسطيني، أو جاسوسا. لكن غسان امتلك قدرة فائقة على الإقناع، وتحوّل مكتب الهدف الى <<خلية نحل>> للمراسلين. ولم يكن له أعداء حتى بين أولئك المراسلين الذين كانوا يعادون القضية الفلسطينية. وإني لا أشك لحظة في أن سببا أساسيا من أسباب اغتيال الصهاينة لغسان هو قدرته على إقناع المراسلين والعالم أجمع بعدالة القضية الفلسطينية. لنعد الى رجال في الشمس. كتبها غسان خلال شهرين من الاختفاء عن أعين السلطات اللبنانية. بل إني أذكر أن الشرطة جاءت لتفتيش البناية. فزعم ناطور البناية أن ساكن شقتنا امرأة أجنبية. وقد كان ذلك السبب الأوحد في عدم تفتيش شقتنا وربما السبب الأوحد في عدم إلقاء القبض على غسان. إذن، لقد أنقذته! الحقيقة أن الناطور هو الذي أنقذه. ماذا بعد عن ظروف كتابة الرواية؟ كان غسان يدخن ثيرا. وفجأة قرر أثناء كتابة رجال في الشمس أن يتوقف عن التدخين، ورمى بعلبة الدخان، وقال: <<خلص!>> ثم قرأ الرواية لي مترجمة، وأهداها لي. هل كنتِ تعترضين على بعض ما يكتب؟ كنت أحب جميع ما كتبه. وأعشق رجال في الشمس، وأرض البرتقال الحزين، وعالم ليس لنا. وأعتقد أن كتابته تأخذ بالأنفاس، وقد كتبت لي صديقة دنماركية تقول إنها لم تفهم القضية الفلسطينية ولم تقدرها قبل أن تقرأ رجال في الشمس. ما كانت علاقة غسان بخالد الحاج؟ خالد الحاج كان من أوائل الشهداء الفلسطينيين. خالد، وأحد اخوة <<أبو ماهر اليماني>>، كانا من أوائل الشهداء على طريق تحرير فلسطين. وكان خالد من أصدقاء غسان المقربين، ولهذا أهداه ما تبقى لكم. كيف كان وقع هزيمة 67 على غسان؟ أيقظته صباح الخامس من حزيران وأخبرته بأن الحرب قد بدأت. كان شديد الحماسة أول الأمر. ووصف حماسة العرب آنذاك في أم سعد، فذكر أن أم سعد قد قذفت بالراديو بعيدا لكثرة ما أورد من أكاذيب عن انتصارات العرب. وحين علم غسان بالهزيمة، أصيب بالخيبة الشديدة ولا سيما بعد أن تحدثت الإذاعات عن الانتصارات المزعومة. لكني ما زلت أعتقد أن غسان احتفظ بإعجابه بجمال عبد الناصر رغم الهزيمة. كيف كان وضع غسان الصحي آنذاك؟ كان غسان يعاني، بالإضافة الى داء السكري، من داء المفاصل؛ وهو داء يلم بالإنسان عادة من التخمة وكثرة الجلوس، ويسمى هذا الداء ب<<داء الملوك>>. وذات يوم ذهب غسان الى الطبيب وقال: <<شوف يا حكيم. الله حطني في الملف الغلط. أعطاني السكري وهذا مرض يأتي في كثير من الأحيان لمن يأكل كثيرا وأعطاني داء المفاصل مع أني فقير معدم وكثير الحركة!>>. والمعلوم أن غسان كان يكتب كل يوم، وقد ألف حوالى 19 كتابا خلال سنوات قليلة، وكان صحافيا مداوما. غادر غسان جريدة الأنوار عام 1969، وأسس مجلة الهدف. هل تذكرين شيئا عن ملابسات مرحلة الانتقال تلك؟ حين أراد غسان الاستقالة من الأنوار ومن ملحقها، قال لي سعيد فريحة: <<لا أريدك أن تذهب!>>. بل ان فريحة عرض عليه زيادة في مرتبه. لكن غسان رفض رغم كون مرتبه الجديد في الهدف هزيلا. فقد كان لغسان على الدوام <<هدف>> حتى قبل تأسيس الهدف. ومع الهدف كان مقتنعا بأنه سوف يصل الى الجماهير والى المخيمات الفلسطينية بشكل مباشر. حادثة ذكرها لك أثناء عمله في الهدف؟ ثمة مراسل من مراسلي الهدف كتب ذات يوم مقالة تهاجم عاهل المملكة العربية السعودية. ولم يكن غسان في بيروت آنذاك، لكنه أعلن أنه يتحمل مسؤولية كل ما يكتب في المجلة. فأخذ الى بعبدا، لكنه لازم مستشفى السجن طوال الوقت. وكان في تلك المرحلة شغوفا برسم الجياد وتلوينها، فيعرضها أمام ممرضيه ويهديهم إياها. وكانت ثمة ممرضة شديدة العناية والإعجاب بغسان، وتأتيه بكل ما يرغب، بل إنها ظلت تأتي مع أولادها الى بيتنا بعد استشهاده أيام رمضان وأعياد الميلاد، وتجلب لولدينا الهدايا. كانت تعرف أدب غسان قبل أن يسجن، بالطبع. لكن بقية الأطباء، بمن فيهم أولئك الذين لم يعرفوه قبلا، أعجبوا به كثيرا. كان لغسان حس نكتة قوي، وكان مستقيما، ولم يكن له أعداء شخصيون. علاقته بأطفاله؟ علاقة ممتازة. وينطبق القول على علاقته بأطفال الجيران وأطفال أصدقائه. وكان يأخذ أطفاله وأطفال الجيران الى سينما الحمراء أيام الأحد بعد الظهر ليشاهدوا الصور المتحركة. (كانت ظلال الأسى قد بدأت تلوح على وجه آني الطيب) هل كانت لغسان نظرة رجعية الى المرأة، والى المرأة الغربية، أسوة بالكثير من مثقفينا بمن فيهم أولئك الذين يسافرون الى الغرب ويقيمون علاقات ما مع النساء الغربيات؟ وما درجة تقدمية غسان كنفاني حين يتعلق الأمر بالقضايا الشخصية الاجتماعية اليومية؟ كان يشجع النساء في الجبهة الشعبية، كليلى خالد، على مواصلة النضال والقتال. وكانت كتبه كأرض البرتقال الحزين ومن قتل ليلى الحايك مليئة بالنساء ذوات الشخصيات القوية والإرادة الصلبة. وذات يوم، سألته بعض المراسلات السويديات في لقاء في الجامعة الأميركية في بيروت عن موقفه من الرجل العربي الذي يتزوج أربع نساء وما ملكت أيمانه. وتحدثن عن قمع المرأة في البلاد العربية. فأجاب غسان: <<هنا يتزوج الرجال نساء كثيرات بطريقة شرعية. وأما في الغرب، فللكثير من الرجال عدة نساء من غير أن يتزوجهن. فما الفرق؟>>. هذا لا يعني أن غسان كان يؤيد تعدد الزوجات. على العكس تماما. غير أنه كان يؤمن بأن لا تحرر حقيقيا للمرأة من غير تحررها الاقتصادي. وكان يعتقد أن تحرر المرأة يتم جنبا الى جنب مع تحرر الرجل والمجتمع، أي في سياق التحرر المجتمعي العام. وكان بالطبع يطرح الكثير من الأسئلة بصدد الحركة النسائية في الغرب؛ بل إن النساء في الغرب على نحو ما تبيّن الجريدة الدنماركية التي تجدها أمامك على الطاولة يطرحن اليوم مثل هذه الأسئلة بصدد حركتهن عام 1968. وكان يقول لي: <<لك حريتك شرط ألا تؤذي مشاعري، ولي حريتي شرط ألا أؤذي مشاعرك>>. الحرية مسؤولية، وهذا موقفي أيضا. هل كان غسان تقدميا تجاه ابنته؟ للأسف لم يتح له الوقت ليمتحن نفسه؛ فقد داهمه الموت وليلى بعد صغيرة! آني، ماذا عن ولديك؟ كيف يريان غسان كنفاني اليوم؟ وما درجة تأثيره فيهما؟ كتبت لي ليلى من الدنمارك رسالة جميلة وبالمناسبة أتنبأ بأنها سوف تكون قصاصة جيدة تقول إنها لا تنتمي الى الدنمارك، وإنما الى لبنان وفلسطين. وقالت إنه على رغم المزايا التي توفرها الدولة للمواطن في الدنمارك فإن شيئا لن ينسيها أنها فلسطينية. صحيح أن لغتها العربية كما لاحظ أحد الأساتذة ليست بجودة لغة أبيها الكاتب، ومرد هذا، ولا شك، الى حال الاقتلاع القومي الذي خضعت له (من بيروت الى الدنمارك...). لكن ليلى وأخاها فايز شديدا التأثر بغسان وبأفكاره مع أنه مات حين كانا صغيرين جدا. أما فايز فلغته العربية جيدة جدا. وقد ترجم كتابا لغسان الى الدنماركية. والاثنان يعبّران عن أفكارهما عبر رسائل أخرى غير الكتابة. ليلى رسامة جيدة، وقد رسمت أثناء حرب الخليج لوحة كبيرة تصور مشاعرها عندما انهار ملجأ العامرية في بغداد فوق رؤوس اللاجئين بفعل القصف الأميركي. وفايز يتعاطى الإخراج السينمائي، ويطمح في أن يخرج في المستقبل فيلما مستمدا من إحدى قصص غسان. ابنة ترسم، وابن يصور، وزوجة تدير مؤسسة تعليمية للاجئين. غسان لم يمت إذن! لا تنس أنه يحيا أيضا من خلال كتبه هو بالذات. تلقيت رسالة من امرأة دنماركية لا أعرفها على الإطلاق. ذهبت الى معرض للكتب في فلسطين وراحت تقلب كتابا لغسان. وإذا بفتاة فلسطينية في حوالى العشرين من عمرها تقف الى جانبها، وتشير الى صورة غسان، وتقول: <<اسمعي! هذا بطلنا!>>. (آني تغص إذ تنطلق بكلمة اOurn heroب. وتصمت. ثم تنظف حنجرتها، قبل أن تضيف): في فلسطين المحتلة، تقرأ كتبه. ليس المهم أن يعيش المرء طويلا، وإنما المهم ما يفعله أثناء حياته. إن ما فعله غسان خلال أعوامه الستة والثلاثين عظيم الأثر. وكان يعلم أنه لن يعود الى فلسطين أثناء حياته، لكنه كان واثقا أن أولاده سوف يعودون (؟). وكان يدرك أن الصراع طويل وأنه بحاجة الى الكثير من الدماء؛ ذلك ما قاله عقب مجازر أيلول الأسود تحديدا. وحين سأله أحدهم: <<الجبهة الشعبية تقول إن الأعداء هم إسرائيل، والصهيونية العالمية، والامبريالية الأميركية، والرجعيون العرب. فكيف ستقاتلون وتنتصرون؟>>، أجاب غسان: <<لم نختر <<أعداءنا. ولكن حين يقاتلوننا نقاتلهم!. د. سماح ادريس |
رد: مكتبة الأديب الفلسطيني الشهيـــد // غســــان كنفاني
التحريض ودلالة الموت كنا ندخل، قبل الآن، إلى عالم غسان من باب ممارسة الكلمة المسؤولة، أو من باب قلق الإبداع، أو من البابين معاً. وكان الزمان معنا كريما، أي ظالما، فأعطانا بابا ثالثا هو: السياق الذي نعيش. فبعد أن تراجع زمن <<الرجال والبنادق>>، وارتبك حديث الوضوح، طُردت المسلمات الأولى من قواعدها، وأخذت لغة المصالحة مع العدو الصهيوني شكل الحكمة السياسية. ومن هذا الارتباك خرج، ربما <<إميل حبيبي>> بمواقفه المريضة، يسلّع ضلالا باسم السلام والواقعية، ويسوّق تضليلا باسم زمن جديد. والرجل في بيعه وشرائه الحزينين يبدّد أعوامه السبعين ويشعل النار بكلمات وضيئة صاغها في زمن سبق. فبعد أن حرر حبيبي الصهيونية من تهمة العنصرية، قبل سنوات، استقوى بصمت مريب، وقبل جائزة إبداع صهيونية، تجعل من إلغاء الشعب الفلسطيني متكأ للإبداع. وحبيبي في مساره المريض لا يقتصد في إهانة التاريخ؛ فيرى في تكريم الثقافة الفلسطينية المفترض تكريما للثقافة اليهودية في تطويرها الفلسطيني؛ فالأصل واحد، والحاضر يستعيد الأصل ويمسح عنه الغبار، والغبار يتراكم حيث له أن يتراكم، يتراكم فوق ذاكرة الكاتب العجوز، التي تساوي بين السجين والسجان، وبين السلام والإذعان. في سياق كهذا تأخذ صورة غسان بعدا جديدا وتصبح العودة إليها ضرورة وطنية أخلاقية. تؤكد الصورة وظيفة الكاتب الوطني، ووحدة الكلمة والموقف، والبحث عن قول جديد يصون تاريخ الوطن كريما. بل يمكن لهذه الصورة أن تصوغ قلق المبدع الوطني، حيث يتحول المبدع في سعيه لتحويل الوقائع التي هزمت شعبه. ولعل التحويل المتواتر في تجربة غسان منحه هوية خاصة به، تتمايز وتختلف عن هويات أخرى. لم يكن غسان يكتب قول فلسطين بقدر ما كان يبني قول فلسطين في قوله الخاص به ككاتب ومفكر ومقاتل. بل إن غساناً لم يكن مبدعا إلا لأنه استخلص قوله الخاص من القول الفلسطيني العام. فكانت فلسطين كاملة الحضور في ممارساته بقدر ما كان حاضرا ومتميزا ومتفردا في ممارساته الوطنية. وإذا كان يتناول الشأن الفلسطيني، في عموميته، بمقولة محددة هي <<التحريض>>، فإنه كان يعيد صياغة هذا الشأن بفلسفة به خاصة تدعى <<جمالية الموت الطليق>>. كان يكتب، في مستوى أول، عن فلسطين؛ ويكتب، وفي اللحظة ذاتها، وفي مستوى ثان، عن وجوده الإنساني في التجربة الفلسطينية. تقوده الكتابة الأولى الى فلسطيني لا يقف، وعليه إجادة الوقوف مقاتلا؛ وتقوده الكتابة الأخرى الى ذاته المسكونة بفكرة موت مختلف. وفي تحريض منفتح على الحياة ووعي أسيان متمرد يهجس بالموت، قدم غسان فناً مبدعاً، يتوازن فوق عنصرين، لا يمكن إرجاع أحدهما الى الآخر. يتحدث غسان عن تجربة محددة ومحدودة هي: تجربة فلسطين، ويتحدث عن قلق تجربة التحرر الإنسانية التي تفيض عن التجربة الفلسطينية. البحث عن التحريض في السطور الأولى من رواية لم تكتمل نقرأ في برقوق نيسان ما يلي: <<عندما جاء نيسان أخذت الأرض تتضرج بزهر البرقوق الأحمر وكأنها بدن رجل شاسع، مثقب بالرصاص>> (ص 581). وقد يبدو أن الصورة أثر لسطوة الكتابة، إذ جسد الشهيد المثقب بالرصاص يماثل أرض الربيع ويناظرها. غير أن غساناً في صفحات لاحقة يعطي الربيع وأرضه موقعا ثانويا ويقيم الربيع كله في جثة الشهيد المدافع عن الأرض: <<بدن الأرض مثل بدن رجل مثقب بالرصاص، يتضرج بزهر البرقوق، ويكاد المرء يسمع نزيز الدم يتدفق من تحته، ولا ريب أن قاسم بدا كذلك بعد هنيهات من سقوطه>> (585). يذهب الجمال كله الى الشهيد؛ فهو الأرض والربيع وموضوع الكتابة. يعلن الشهيد بدمه عن جمالية قضية ذهب في سبيلها، ويخبر الكاتب بحبره عن جمالية الشهيد؛ لكأن اختلاف اللون بين الحبر والدم عارض، كلاهما يتفجر وينز ويتسرب في مسام أرض قريبة وبعيدة في آن. وفي تماهي اللون يصبح الكاتب مقاتلاً، يسبق المقاتل المسلح، ويزامله، ويكتب عنه بعد اكتمال الشهادة. لقد وحّد غسان بين الكلمة والرصاصة، وكان في توحيده الحالم والواقعي في آن، يطرح سؤال الفلسطيني المقاتل الذي عليه أن يحسن أنواع القتال كلها: فيكون الفدائي كاتبا برصاصاته، ويكون الكاتب فدائيا بكلماته؛ فلا رتب ولا مراتبية، ولا قسمة عمل تقليدية، تستعير الفدائي من زوايا المخيم، وتسلم القيادة الى آخر يتحدث عن المخيم ولا يعرفه. غسان فلسطيني مناضل في النهار وفلسطيني كاتب أول الفجر يكتب محمود درويش في تقديمه للدراسات الأدبية لغسان عن غسان ما يلي: <<وفي آخر الليل... في أول الفجر كان يذهب الى كتابته <<الخاصة>>، الى كتابته الفنية. فلم يكن متاحا له أن يتخصص بشكل علني. كان يحترف الكتابة سرا. لماذا؟ لأنه فلسطيني.. ببساطة لأنه فلسطيني>> (ص 16). تعترف الجملة، في التباسها، بالاختصاص وتنكره، حيث غسان فلسطيني مناضل في النهار وفلسطيني كاتب أول الفجر. وحقيقة الأمر ان ممارسة غسان الكتابية كانت جزءا من ممارساته الأخرى، يعمل في النهار ما يسمح به النهار، ويعمل في الليل ما يقبل به الليل، ويظل المرجع واحدا، يحدد الممارسات ويميزها ويوحدها في آن. كان غسان في ليله، كما في نهاره، يطرح سؤالا قلقا: <<كيف يمكن إنتاج كتابة تستعيد الوطن>>؟ والسؤال ملتبس، قلق، حالم ومبالغ في حلمه، ربما. ولعل السؤال لا يحافظ على معناه إلا إذاقام صاحبه بكسر المعنى التقليدي للكتابة، لا بمعنى تجديد الأساليب وتهذيب اللغة عقلانيا فحسب، بل كذلك بمعنى إزالة الفرق بين الكاتب والفدائي، وإلغاء المسافة بين السياسي والأديب، وردم الهوة بين الأديب والقارئ، أي تحويل الكتابة الى أسلوب في الحياة، يصدر عن أسئلة الحياة الفلسطينية ويكون جوابا منها وفيها وإليها. لقد حاول غسان، حالماً، توحيد الاختصاص، في وجوهه كلها، في اختصاص وحيد: هو هزيمة المشروع الصهيوني. وجعله هذا التصور يساوي بين الكلمة والرصاصة وبين السياسي والأديب. ولذلك فإنه يكتب في تقديمه ل<<أدب المقاومة بعد الكارثة>>: <<ورغم ذلك فإن الكلمة تفعل أكثر من فعل النار وتستطيع أن تخترق حصارها>> (ص 43). ولأن للكلمة نارها المقدسة التي تبدد الحصار، فعلى السياسي أن يكون أديبا، أو على الأديب أن يكون سياسيا. وهذا ما قصد إليه غسان عندما كتب في دراسته عن الأدب الصهيوني السطور التالية: <<والذي لا شك فيه أن تيودور هرتزل كان أول من أعلن هذا الاتجاه (اتجاه الأدب الموجّه) بصراحة في مطلع القرن العشرين، حين نشر روايته الأرض الجديدة القديمة؛ هذه الرواية التي استبقت، عند هرتزل نفسه، الصهيونية السياسية، وكانت حافزا لقلب هرتزل <<الفنان>> الى هرتزل السياسي>> (ص 569). ويؤكد غسان الأمر ذاته في السطر الأول من مقدمته لتلك الدراسة فيكتب: <<قاتلت الحركة الصهيونية بسلاح الأدب قتالا لا يوازيه إلا قتالها بالسلاح السياسي>> (ص 467). وهذا ما يقوده الى التمييز بين الصهيونية الأدبية والصهيونية السياسية، حيث كانت الأولى سابقة على الثانية، ثم واكبتها في فعل قتالي تتكامل فيه الصهيونيتان. ومع أن غسان كان رائدا في دراسة الأدب الصهيوني فإن ريادته لم تمنعه من إسقاط بعض تطوراته على مواد الدراسة، إذ انه في توحيده المتكافئ لفاعلية الأدب والسياسة كان يعطي الكلمة الأدبية دورا يتجاوز حدودها الموضوعية، وكان يفتش في مواد الأدب الصهيوني عن برهان تصوراته الذاتية. ولعل السطور التالية تلقي الضوء على تصورات غسان: <<وربما كانت تجربة الأدب الصهيوني هي التجربة الأولى من نوعها في التاريخ، حيث يستخدم الفن، في جميع أشكاله ومستوياته، للقيام بأكبر وأوسع عملية تضليل وتزوير تتأتى عنها نتائج في منتهى الخطورة>> (ص 470). يحاور غسان الأدب الصهيوني كي يشتق من دروسه أدبا مناقضا في البنية والهدف، ومساويا له في الفاعلية والخطورة. وإذا كان غسان قد حاور هادئا فكر العدو في روايته عائد الى حيفا، وخلص الى نتيجة تقول: إن المدن المحتلة لا تفتح إلا من بوابة واحدة (إذ الالتزام المقاتل بقضية محددة يوحد، على مستوى الفكر، بين الطرفين المقاتلين على القضية ذاتها)، فإنه في حواره الغاضب مع الأدب الصهيوني وصل الى نتيجة تقول: يمكن الدخول الى عالم الأدب من بوابتين، بوابة أولى قوامها التزوير والتضليل، وبوابة أخرى جوهرها الصدق والحقيقة وضرورة الانتصار. يسمح لنا فكر غسان بالوقوف أمام نتيجتين. تقول النتيجة الأولى: يسبغ غسان على الكلمة أهمية تتجاوز قيمتها، ممارسة تساوي الممارسات الأخرى وتكون مرشدا لها؛ فالكلمة فعل ورصاصة ومرشد الى بيوت الوطن. وتقول النتيجة التالية: يمايز غسان بين الأدب الصهيوني القائم والأدب الفلسطيني المطلوب، على مستوى المضمون والبنية، ويوحّد بينهما في مدار الغاية والهدف، في مدار الأثر المطلوب: التحريض. بهذا المعنى، فإن غساناً لا يشتق مفهوم التحريض الأدبي من تعاليم الأخلاق المجردة ومبادئ الكتابة التقليدية، وإنما يشتقه من حواره الداخلي مع فكر الآخر النقيض، ومن صراعه العملي مع الآخر النقيض. وهذا ما يجعل كتاباته تتناسل في حقل المعركة، وتكون عنصرا مقاتلا في حقل المعركة. وإذا كان بعض الكتاب الفلسطينيين يتابع كتابات تقليدية عن حكايات تقليدية قوامها فلسطيني مجرد، أو فلسطيني يقتات هادئا بذكريات بعيدة، فإن غساناً القلق في إبداعه، والمبدع في قلقه، كان يشتق صيغه الكتابية من صراعه العملي ضد العدو الصهيوني. إنه اشتقاق مسكون بالتوتر والغضب، يسيطر عليه غسان تارة، وينفلت من بين أصابعه تارة أخرى. ولأن الاشتقاق يبدأ بالعدو وينتهي به، فقد كان محاصرا أبدا بمقولة محددة هي: التحريض. تجربة التحريض في رواية غسان قد تتحول فلسطين في كتابات إميل حبيبي الى مخزن للذكريات، حيث العجوز يستحضر أطياف الشباب ملتاعا، فيكتب عن ذاته التي فقدت شبابها في وطن مفقود. وقد تتحول فلسطين في لغة جبرا إبراهيم جبرا الرهيفة الى موضوع فني، فتكون فلسطين علاقة فنية في جملة علاقات فنية أخرى. لكن فلسطين في كتابة غسان، القائد الوطني السياسي، شيء آخر. لا أقدّم هنا حكما فنيا أو أخلاقيا، بل أشير الى غسان في وحدة ممارساته. يقول بريشت: <<من لم يكن واقعيا خارج الكتابة لا يمكن أن يكون واقعيا داخل الكتابة>>. وقد لا تخلو عبارة بريشت من بعض الالتباس، غير أن التباسها لا يجردها من صحتها. وغسان المقاتل كان يرى في الكتابة شكلاً من أشكال القتال. ولأنه كان مقاتلا فإنه لم يكن يكتب عن الأرض بل عن الوطن. لم يكتب غسان عن بقعة جغرافية تدعى فلسطين أو أرض الأجداد. كان يكتب عن صراع مثلوم أدى، في زمن مضى، الى ضياع الوطن، وعن صراع صحيح منفتح على المستقبل، يستعيد في قادم الأيام الوطن المفقود. وفي الحالين، كان يبتعد عن الجغرافيا والأجسام الجامدة والتعريفات السياسية التقليدية، ويكتب عن الوعي والإنسان والتاريخ. فإن كانت الثورة تستعيد الوطن المفقود فإن الثورة المستمرة وطن حقيقي يفيض عن الأزمنة. يتابع الفلسطيني في <<رجال في الشمس>> زمن الفرار، ويفضي به بشكل مستقيم الى الموت، لأن الفرار من الوطن شكل آخر من أشكال الموت؛ موت مؤجل ينزل على الفلسطيني في ساعة الحقيقة. يموت الفلسطيني الهارب لأنه لا يميز الأرض من الوطن؛ فالأرض مصدر رزق، وأما الوطن فشيء آخر. ولذلك فإن <<أبا قيس>> الذي هدّه البحث عن لقمة محتملة، يستذكر في لحظة حزن شفيف، الأستاذ سليماً الذي ذهب مقاتلا، والذي سأله أهل القرية في زمن مضى، عن الأمور التي يحسنها، لأنه لا يعرف أن يؤمّ الناس يوم الجمعة، فأجاب: <<إنني أعرف أشياء كثيرة... إنني أجيد إطلاق الرصاص مثلا... إذا هاجموكم أيقظوني، قد أكون ذا نفع>> (ص 42). تقيم الرواية تعارضا بين الوطن الحقيقي والمنفى البائس، وبين الإنسان ذي الوعي الصحيح والإنسان الضليل الباحث عن لقمة في أرض الرمل؛ أي إنها تقيم مواجهة بين زمن الفرار وزمن المقاومة. ولأن المقاومة وطن ووجه وهوية ومرآة حقيقية لجوهر الإنسان الحقيقي، فإن من لا وجه له ولا هوية ينتهي الى موت بلا كرامة. يحكم غسان على من فرّ بموت بائس، ويكون حكمه بالغ القسوة: فالفار جثة لا وجه لها سكنت على عارضة الطريق فوق نفايات مدينة تسوطها الشمس وتقرضها الرمال. يطلق غسان صيحة التحريض في ألوانها كلها. يحرّض الفلسطيني ضد أوهامه المستقرة في موت رخيص، ويحرّضه ضد مسؤول عربي يذوب تفاهة وهو يتسقط أخبار راقصة مبتذلة، ويحرّضه زاجرا وهو يرسم واقع اللجوء مفروشا بالمذلة والحرمان، ويحرّضه متوترا وهو يستذكر صورة <<الأستاذ>> الشهيد. ويبلغ التحريض درجاته القصوى في <<ما تبقى لكم>>. يعلو وحل المخيم، وينكشف الشرف المطعون، ويتكشف العجز في انتظار أم بعيدة. <<كل شيء مؤجل>>، والمعجل الوحيد هو الذل والاستكانة إليه وهو العار والقبول به... يكتب غسان واقع اللجوء بشكل يدعو الى هدمه: فينطلق <<حامد>> ويقتل عدوه، وتقف <<مريم>> وتطعن <<زكريا>>، وتعلو الشمس لتصفع المواقع الرطبة. وغسان يلتقط نبض الزمن، يرفع الصوت ويخفضه، وفقا ليقظة الفلسطيني وسباته. والفلسطيني الذي تكوّم هامدا فوق رمال النفايات، في زمن الضياع، يقف مختلفا في زمن <<أم سعد>> التي تعبر الحياة كرمح من نار. يجمّل غسان <<أم سعد>> المقاتلة ليزجر الفلسطيني التائه في حسبان شتيت، ويكتب عن <<سعد>> بدفء وحنان كي يدفع بالفلسطيني الآخر الى إحراق خيامه والانتقال الى <<الخيمة الأخرى>>، خيمة الفدائي الذي يفتتح نهاره بالانفتاح على الموت. ويأخذ التحريض شكل النشيد في العاشق، إذ الفلاح المسلح، في زمن القسّام، كيان سحري ومسحور، يتوحد مع الريح والسهول وغبش الصباح، يتحصن بأرضه فتدافع عنه أرضه ولا ينهزم. وفي العودة الى ماض وطني بقي غسان محرّضاً. وربما بالغ في التحريض حتى حوّل التاريخ الى شعر أو الى ما هو منه قريب. وغسان قد يحرّض اتكاءً على تجربة فلسطينية، أو على زمن فلسطيني بلا مسرة، دعاه في قصة قصيرة له بزمن الاشتباك. وقد يحرض اعتمادا على تجارب إنسانية متعددة جوهرها موقف إنساني كريم أو موقف لا تحتمله ذات بشرية تعرف معنى الكرامة. نذكر صورة الراعي الممتلئ إخلاصا ووفاءً وكرامة في <<الخراف المصلوبة>>، ونذكر جملة البدوي الطريد في قصة <<الصقر>>: <<ذهب ليموت عند أهله... الغزلان تحب أن تموت عند أهلها... الصقور لا يهمها أين تموت!>> (ص 436). وحين يصف غسان الرجل الباحث عن بندقيته الضائعة في قصة <<العروس>> فإنه يرفعه الى مقام الأمثولة: <<إنه محاط بشيء يشبه الغبار المضيء... ذلك الرجل المحاط بما يشبه النور... من الذي سيعيره بندقية في ذلك الطوفان الذي لا تنفع فيه إلا البندقية؟ هي وحدها التي كانت تستطيع أن تحمل الإنسان عبر ذلك الموج، الى شاطئ النجاة أو الى شاطئ موت شريف>> (ص 598). يعيد غسان قسمة الأمور، بلا انحراف: موت شريف وموت لا شرف فيه؛ فإن اختلطت الأمور عند الرجل الشريف الذي أضاع بندقيته، سقط في عالم الجنون. دلالة الموت وانقسامه تطفو مقولة التحريض بيّنة في نص غسان. والتحريض يتضمن التفاؤل، واجب الوجود، تحقق الهدف وانتصار الإرادة. وقد يدور بين حد هزيمة حصلت خطأ وحد انتصار تعد به الأيام القادمة. الحياة في أدب غسان حيز من الزمان يفتش فيه الإنسان عن موته الموائم والمطابق! يظهر الإنسان الطليق الإرادة هازئا بالقدر، إن لم يكن صانعا له. ومع ذلك فإن نص غسان في بنيته العميقة يحذف مقولات التفاؤل والتشاؤم، الهزيمة والانتصار، المبتدأ والنهاية، ليستعيض عنها بمقولات: الحياة والموت، العبودية والحرية، المخاطرة والرهان... تبدو تجربة الحياة تجربة في الموت، وتستعلن حريةُ الإنسان الحقيقية حريةً في اختيار الموت، بل تظهر الحياة كحيز من الزمان يفتش الإنسان فيه عن موته الموائم والمطابق. عدمية بلا ضفاف تحيل الى معنى الوجود وهشاشته. عدمية مطلقة السراح قوامها رفض السكينة ومطاردة الموت. يصبح البحث عن الحياة بحثا عن موت متمرد على قوانين الحياة المألوفة. في منظور كهذا تعطي مقولة الفلسطيني مكانها لمقولة الإنسان المتمرد، ويمنح الوطن اسمه الى الثورة، وتغيب ثنائية الهزيمة والانتصار من أجل ثنائية أسمى وأكثر نبلا هي ثنائية: الموت والحرية. يأخذ صراع الفلسطيني مع الوجود دلالة أخرى، فلا يكون صراعا من أجل الوطن، بقدر ما يكون الوطن في هذا الصراع مناسبة خاصة يخوض فيها المتمرد تحديه للحياة المألوفة وصراعه مع الموت. يفقد الوطن مرجعيته الأولى، وتعود المرجعية كلها الى إنسان أعلى يروّض الموت وهو يطارد الموت. تصبح مطاردة الموت الوطن الأسمى؛ فالوطن أرض محدودة القياس وحرية اختيار الموت فضاء لا حدود له. ينفي الجوهري، في هذا التصور، الواقعي، بقدر ما ينفي الصحيح مقولة: المفيد. تشير مقولة الواقعي الى ظواهر الأشياء: مخيم تعصف به الريح، وأرض مختلسة، وعدو مسلح بانتصاره ومنتصر بسلاحه؛ وأما الجوهري فيومئ الى ما لا يُرى: إرادة مشتعلة، ورغبة جامحة، وقلب حار، ومتخيل يكون فيه الإنسان صانعا للموت والحياة في آن. وكذلك حال الفرق بين المفيد والصحيح: فيومئ المفيد الى خارج الإنسان، ويقوم الصحيح في داخله؛ والمفيد غرض عارض، والصحيح قناعة فوق الأزمنة؛ ولذلك فإن الصحيح لا يقوم في الوطن، بل في ممارسات الإنسان الذي ينتمي إليه الوطن. ولعل هذه المقدمات تسمح لنا بالقول إن غساناً كان ثورياً أكثر منه فلسطينياً، غير أنه لم يصل الى الثورة إلا عن طريق فلسطين. عاش كفلسطيني تجربة الخروج المؤسية، وعاش كفلسطيني تجربة العودة المرغوبة. وارتقت به معاناته الحارقة فمزج الخروج والعودة في مقولة واحدة هي: كرامة الإنسان. أقصى حزن الخروج واشتق منه معنى الإنسان الكسير؛ ونحّى شوق العودة المرتقبة واستولد منها معنى الإنسان المتمرد. وهذا ما جعله يستبدل جمالية الموت الطليق بشعار القتال من أجل الوطن؛ فلسفة ذاتية تميز الموت المطارِد من الموت المطارَد، وصوت القدر من صوت الإنسان. لكأن حياة الإنسان، في أبعادها كلها، مواجهة للموت أو هرب منه. يصبح الموت أليفا، رفيقا وصديقا، يسكن ساعات النهار، ويكون به مرحّباً، وينسج لحظات الليل، ويعطي نسيجا باهرا في ألوانه. يجثم الموت سيدا على رحلة المهزومين في رجال في الشمس. يسفر عن وجهه شيئا فشيئا، فإن اكتملت الرحلة ظهر الوجه كاملا. موت ضروري لأن حياة الإنسان الكسير شكل آخر من الموت. حياة زائفة يبتلعها موت زائف. يبدو الوطن الضائع استعارة خارجية، ويظل المكان لمقولات: الفرار، الذل، العجز، البؤس، الموت في الحياة، الضياع، اللواذ... تبدأ الرحلة بالموت ولا تنتهي به. ولذلك تكون العبارة الشهيرة: <<لماذا لم يدقوا جدران الخزان؟>> زائدة؛ فالموت ضرورة قبل أن يكون صدفة. وقد تبدو نهاية الرواية واضحة بالعودة الى فلسفة غسان التي تختصر الحياة الى موت زائف وموت جوهري، حيث تقع الصفة الأولى على <<أبي قيس>> ورفاقه، وتذهب الصفة الثانية الى <<الأستاذ سليم>>. ويظل <<أبو الخيزران>> دليلا للموت الزائف وسائسا له. رواية مغلقة ترفض الاحتمال، أبطالها المكان والزمان والموت، والبشر أقنعة. والقناع يسقط عندما يريد منه البطل ذلك. يعيد غسان قوله عن الموت في ما تبقى لكم. يقع الموت الجوهري على <<حامد>>، ويسقط الموت الزائف على <<زكريا>>. يسقط الموت طاغيا على ذليل وشى بصديقه حفاظا على حياة ذليلة قوامها الموت؛ بينما يرتقي <<حامد>> الى مقام الموت الجوهري، في تمرده على بؤس المخيم، ورحيله الى الصحراء. تبدو جمالية الموت كاملة في خطوات مراهق يجتاز صحراء مسكونة بالموت. وقد يقتل الصغير الفلسطيني عدوه الصهيوني في ساعات الصباح، دون أن تُكتب له السلامة: فدورية العدو واصلة بالضرورة إليه، في الضحى أو الظهيرة أو المساء. بل ان الرحلة تبدو، منذ البداية، رحلة الى الموت: فهي رحلة مراهق يقصد صحراء لا يعرف عنها شيئا حيث الشمس الحارقة والتباس الطريق ودوريات العدو المستمرة. تصدر جمالية الموت عن التمرد، عن الإرادة المنضبطة في الذهاب إليه. لا يذهب الصغير الفلسطيني الى أمه، وإنما يذهب الى أمه ليلتقي بالموت؛ فالموت الطليق حقيقة والأم ذريعة. ورغم اختلاف الموضوع في عائد الى حيفا، فإن غسان لا يغيّر من قوله شيئا؛ فيندس بين موت وموت واختيار وآخر. يأخذ <<سعيد س.>> الكلام كله، ويظل قناعا، لأن القول يدور بين <<دوف>>، الصهيوني المسلح، والابن <<خالد>> الذي يريد أن يكون فدائيا. كرامة تواجهها كرامة أخرى، أو موت جوهري يقابله موت جوهري آخر. ولعل تقديس غسان لمقولة الإنسان الموقف، أو الموت الجوهري، جعله يقدم الرواية الأكثر ارتباكا بين أعماله كلها. فما دام الإنسان موقفا ممارسا، والصهيوني يمارس موقفه المبدئي، فإن على الإنسان أن يحترم الصهيوني في موقفه المبدئي، بل على الفلسطيني الضليل أن يتعلم موضوع الإنسان القضية من نقيضه الصهيوني. وهذا يعني أن الصهيوني صائب، ولكن في وضع مقلوب، ويكفي أن نوقفه على قدميه، ليصبح صائبا بلا خطأ، أي ليصبح فلسطينيا، أو يكون على الفلسطيني أن يكونه. يحمل موقف غسان من الموت تجريدا لا يمكن السيطرة عليه، لأنه يتكئ على مقولة <<الإنسان الأعلى>> أولا، الإنسان الذي يقصد الموت دفاعا عن قضيته. ولما كان الصهيوني يتسلح ليدافع عن قضيته فإنه يكون بصفة <<الإنسان الأعلى جديرا. ولذلك فإن <<سعيد س.>> يرضى عن ابنه <<خالد>> الذي اختار طريق العمل الفدائي، بعد حواره مع الصهيوني المسلح. و<<سعيد>> هذا شكل من <<أبي خيزران>>، ولكن في زمن آخر، عرف معنى الموت الزائف، ولم يستطع أن يعيش معنى الموت الجوهري، فترك ابنه يمضي إليه. ولعل رواية العاشق مرآة لبحث طليق عن موت طليق، وشكل البحث يمنع الموت عن صاحبه، فتخبئه السهول والأودية ولا تصل إليه رصاصات الأعادي. يتوزع <<العاشق>> على الأمكنة، أو تتوزع عليه الأمكنة، فيرى ولا يُرى. إن <<العاشق>>، بمعنى ما، جذر من جذور <<أم سعد>> التي تقول: <<خيمة عن خيمة تفرق>>، أو <<موت عن موت يختلف>>. وربما كان انتساب المرأة الى <<العاشق>> الذي سبق يعطيها ما يليق بها من الصفات: <<تمشي بقامتها العالية كرمح يحمله قدر خفي>>، و<<تصعد من قلب الأرض وكأنها ترتقي سلما بلا نهاية>>، وتقف <<مثل شارة الضوء في بحر لا نهاية له من الظلام>>. وغسان هنا لا يمجد امرأة فلسطينية بقدر ما يمجد امرأة تجسّد معاني الكرامة؛ أي إن غسان يدخل <<أم سعد>> في عالم <<إنسانه الأعلى>>، لأنها أحسنت التمييز بين خيمة وأخرى، وأرسلت <<سعداً>> الى عالم مسوّر بالموت الجوهري. ويظل عالم غسان مثقلا بعبق الموت، في شكليه، منذ أن كتب موت سرير رقم 12 وصولا الى برقوق نيسان. يقول في القصة الأولى من المجموعة الأولى: <<فها أنذا ألتقي بالبومة الغاضبة بعد غيبة طويلة، بعيدا عن قريتي التي كانت تعبق برائحة البطولة والموت>>. وأما <<شيء لا يذهب>>، القصة الثانية، فتقول: <<باقة ورد على ضريح إنسان ميت... شيء يذهب، لقد قالت لهم إنها تريد أن يبقى لها شيء لا يذهب>>. وتقول القصة التي تحمل عنوان: <<موت سرير رقم 12>>: <<يجب أن ينطلق كل تفكير من نقطة الموت>> (ص 149). ونقرأ في قصة <<لؤلؤ على الطريق>>: <<يجب أن يموت الإنسان في مطلع عام، أو في نهاية عام، فذلك أدعى لحفظ تاريخ موته من إنسان يموت في يوم من الأيام>> (ص 156). وتحمل القصة التي تعقبها عنوان <<الرجل الذي لم يمت>>. وتنتهي قصة <<القط>> بحكمة الموت والحرية: <<لقد زحف... القط... زحف يجرر خلفه قائمتيه الميتتين الى هناك... كي يموت هناك>> (ص 256). <<لقد زحف الى هناك كي يموت هناك>>... يهدي غسان مجموعته أرض البرتقال الحزين الى قارئه المفضل، فيكتب: <<إلى من استشهد في سبيل أرض البرتقال الحزين... والى من لم يستشهد بعد>>. تأخذ الشهادة، في ضرورة تواليها، شكل البداهة اليومية؛ فهي الفعل الذي يعيد البرتقال الى طبيعته السوية، ويكون سعيدا. نقرأ في القصة الأولى <<أبعد من الحدود>>: <<أية حياة هذه! الموت أفضل منها>> ثم مع الأيام يبدأ بالصراخ: <<أية حياة هذه! الموت أفضل منها>>. (ص 287). وفي قصة لاحقة <<الأخضر والأحمر>> يعطي غسان تصوره لدلالة الموت بشكل معلن: <<إن الحياة لا قيمة لها قط إن لم تكن، دائما، واقفة قبالة الموت>> (ص 354). وقد يأخذ هذا الوضوح المأساوي سمة غنائية فيمسي وصول الموت المطارَد طقسا جميل الألوان: <<إلا أن الموت كان قد وصل، وسمعه يمشي فتخفق خطواته بالأناشيد البعيدة>> (ص 355)، و<<وصل الموت بأناشيده الى خاصرتيه فوقع>>؛ فالموت نشيد متناغم الإيقاع، والحياة أغنية مبذولة، إن لم يكتب إيقاعها الموت المرغوب ويضع لها النهاية. يصدر الموت الغنائي عن موقف يرى في الإنسان مرجعيا شاملا لا يحتاج الى مرجع خارجي يخضع له. ولذلك تقول القصة السابقة قبل أن تنفلق في نهايتها: <<لماذا لا تكون نداً قبل أن تموت؟>> (ص 360)؛ فإن جاءت النهاية المنفلقة أعطت القصة نهاية صرخة: <<لا تمت قبل أن تكون نداً... لا تمت...>>. ويتابع غسان فكره الجميل عن الموت الجميل في قصته: <<قتيل في الموصل>>. ويهدي قصته الى صديق لم يخذله، ووقع على الموت قبل أن يقع عليه الموت. نقرأ في الإهداء: <<الى صديقي م. وقبره يغتسل بالشمس الحقيقية>> (ص 379). يميز غسان بين شمس وشمس، كما يمايز موتا من موت، ويكون للحقيقي شمسه الحقيقية. ويمكن للقارئ أن يستمر مع غسان في لهاثه وراء موت مختلف، أي وراء إنسان متحقق، يحقق الجوهر الإنساني المبدع في مغامرة تدفن القدرية المتداولة وتدمر تربية أساسها الإذعان والانصياع للقدر: <<إذا أردت أن تحصل على شيء ما فخذه بذراعيك وكفيك وأصابعك>> (ص 449). هذا ما يقوله غسان في قصته: <<ذراعه وكفه وأصابعه>>. ولعل غساناً يلخص موقفه من الموت كاملاً في مسرحيته الباب، حي نقرأ السطور التالية: <<الموت! الموت! إنه الاختيار الحقيقي الباقي لنا جميعا، أنت لا تستطيع أن تختار الحياة لأنها معطاة لك أصلا... والمعطى لا اختيار فيه... اختيار الموت هو الاختيار الحقيقي، أن تختاره في الوقت المناسب قبل أن يفرض عليك في الوقت غير المناسب... قبل أن تدفع إليه بسبب من الأسباب التي لا تستطيع أن تختارها كالمرض أو الهزيمة أو الخوف أو الفقر، إنه المكان الوحيد الباقي للحرية الوحيدة والأخيرة والحقيقية>> (ص 71). يتضمن مفهوم الحرية، في الجملة الأخيرة، معنى مزدوجا. يتجلى المعنى الأول في رفض العرف والتقليد والعادة وسطوة القانون الطبيعي والاجتماعي الذي قد يحدد بداية الإنسان ونهايته، إذ يجهل الإنسان موعد القدوم وميعاد الرحيل. ويود غسان أن يعبث ببعض علاقات المعادلة: فإن كان الإنسان عاجزا عن اختيار زمن ولادته فعليه ألا يكون عاجزا عن اختيار زمن الرحيل وشكله، وذلك كي ينجو من هوان العادة وسطوة القانون. ويظهر المعنى الثاني في القول بالحرية وبممارسة الحرية فعلا. والحرية هنا نقض للعبودية والاستبداد والإكراه والإذعان. إنها فلسفة إنسانية متمردة لمتمرد يمارس فلسفته قبل أن يقول بها، مع فرق جوهري يحدد فلسفة غسان عن فلسفات مدرسية أخرى. يقول غسان في إحدى قصصه: <<لعل المدرسة هي آخر مكان يعلمنا شيئا عن الحياة>>. لما كان الأمر كذلك، وهو كذلك، فإن غسان تعلم فلسفته في شوارع الحياة، وفي رحاب تجربة لاجئ فلسطيني أدرك في مرارة التجربة أن الموت فوق أرض الوطن خير من التيه في دروب اللجوء. لا مكان عند غسان لرواية مفتوحة النهاية؛ فالعالم لا يوجد إلا في نقائضه الساطعة لا مكان لوسط عند غسان، ولا مكان لرواية مفتوحة النهاية، والعالم لا يوجد إلا في نقائضه الساطعة. فيقسّم العالم في حقل التحريض الى: الوطن/ المنفى، الشرف/ العار، المخيم/ البندقية، المقاوم/ الفار، الشهيد/ الجثة المتحركة... ويقسّم العالم في حقل الموت الى: موت عارض/ موت جوهري، العبودية/ الحرية، الإذعان/ التمرد، التحدي/ الاستسلام... اعتمادا على هذين العنصرين قدم غسان ممارسة أدبية مبدعة، إذ العنصر الخارجي يحاور تجربة فلسطين ويكتبها، وإذ العنصر الداخلي يكتب عن غسان ويكتبه غسان. عنصران متمايزان في توحدهما يصوغان عملا أدبيا دائم التناقض، يواجه العنصر الخارجي العنصر الداخلي ولا يلغيه، ويقابل العنصر الداخلي التجربة الخارجية ولا يشوّهها. توازن جمالي يعطي العمل تجدده، ويمنحه جماليته. بل يمكن القول: إننا أمام ثلاثة عناصر؛ فغسان المفكر لم يكن بإمكانه تحقيق توازن العنصرين، لو لم يتحول في إطار معاناة التعبير الى عنصر جمالي يسوي العلاقة بين موضوع تاريخي معيش، وذات تعيش الموضوع التاريخي وتكتبه. لم يكن غسان يفتش عن الإبداع بل عن كتابة تحكي أحوال الوطن المفقود بشكل مبدع، والإبداع جوهر الحرية .وقوامها د. فيصل درّاج |
رد: مكتبة الأديب الفلسطيني الشهيـــد // غســــان كنفاني
رسالة إلى غسان كنفاني من فوق التراب الى تحت التراب. والموت واحد وإن اختلف الموقع. والمدفن واحد وإن اتسع ما فوق التراب ليشمل العالم كله حيث انتشر الفلسطينيون وضاق ما تحت التراب فانغلق على جثمان وحيد. فشل القتلة وإن نجحوا في تغييبك. ونجحوا في تغييب غيرك وإن فشلوا في قتلهم. ولو كان القتلة يعلمون أنهم بقتلك يطلقونك من عالم مجنون ومتخاذل ومستسلم باع شرفه وأرضه وحقه ومبادئه بثمن زهيد أو حتى بدون ثمن، لكانوا ترددوا قبل وضع الأصابع المتفجرة في سيارتك في صباح ذلك السبت المشؤوم قبل عشرين سنة. إن انفجار الفولسفاكن حررك من هذا العالم وأبعدك عن المأساة التي نعيش وأخفى عن عينيك عيوب الحاضر وجرائمه وانهزاماته. فأغمضت عينيك على صورة جميلة من صور النضال والإيمان والثورة والقيم. وفي عشرين سنة خبت هذه الصور، وبهتت، وأخذت مكانها صور قاتمة وتعيسة. كم توهمت، بعد استشهادك بعشرة أيام، أن وحشية العدو التي نالت منك لم تنل مني تماما، فبقيت أتنفس وأتحرك وأرمش، وإن خف السمع والبصر الى ما يقارب الزوال. ولكني، بعد عشرين سنة من اقتراف هاتين الجريمتين، أغبطك وأغبط مصيرك ولا أغبط مصيري. ماذا كنت ستسمع يا غسان، وماذا كنت ستشاهد، لو كنت تشاركنا الجلسات هذه الأيام؟ كنت ستسمع أن الصهيونية ليست حركة عنصرية استيطانية معادية، بل هي حركة سياسية تقف في وجه حركة سياسية مقابلة، كلاهما من طينة واحدة: تدافع الأولى عن <<حقوق>> جماعة (اليهود) وتدافع الأخرى عن حقوق جماعة ثانية (العرب)، تماما مثلما نص وعد بلفور قبل استشهادك بخمس وخمسين سنة: إن وطنا قوميا لليهود يقام في فلسطين بشرط ألا يمس بمصالح <<الجوالي>> المقيمة في ذلك البلد؛ وكما كان <<السير>> مارك سايكس، أحد بطلي الاتفاقية المشؤومة، يزعم أن الصهيونية والقومية العربية صفحتان لورقة واحدة. وكنت ستسمع أن <<إسرائيل>> بلد مثل سائر البلدان، له حقوقه وأمنه وحدوده ووجوده ومصالحه. وما علينا إلا أن نعترف له بذلك حتى يكف عن التعدي علينا. ف<<إسرائيل>> أصبحت <<جاراً>> ولم تعد عدواً. وللجار حقوق. وما الجدار الذي يفصل بيننا إلا جدار وهم وخيال نصبه التعصب والجهل في قرن من الزمان. وكنت ستسمع أن فلسطين ليست فلسطين؛ أن نصفها اسمه إسرائيل، ونصفها الآخر اسمه الضفة الغربية وقطاع غزة. وكنت ستسمع أن القضية الفلسطينية هي قضية ما سقط عام 1967 من أرض فلسطين، وأن استعطاء حكم ذاتي يجعلنا أحرارا في شؤون الصحة وجمع القمامة وفتح الدكاكين وتعليق اليافطات ويغنينا عن المطالبة بتحرير محبوبتك عكا والعودة الى محبوبتي طبريا. بل ان قضية فلسطين امّحت وذابت في ما أصبح يسمى <<قضية السلام في الشرق الأوسط>>. وكنت ستسمع أن التفاهم بالحسنى، أو الاتفاق بالتراضي، هو شرف <<الثورة حتى النصر>>؛ وأن شرف الجلوس مع مندوبي العدو في هذا البلد الأوروبي أو الأميركي أو الآسيوي أو ذاك، في ظل الرعاية الأميركية <<الصديقة>>، هو النصر بحد ذاته. فقد فاتك أن أميركا لم تعد دولة استعمارية أو إمبريالية وعدوة للشعوب، بل أصبحت صديقا عزيزا حاميا لحقوقنا وجنديا مخلصا لاستعادة حقوقنا. لم يعد هنري كيسنجر <<عزيزا>> وحده، بل أصبح الطاقم السياسي الحاكم في أميركا كله عزيزا على قلوبنا. لو كنت لا تزال حياً يا غسان لكنت تشاهد أصدقاء يسيرون في جنازة الحق الفلسطيني مزهوين بالانتصارات الوهمية لو كنت لا تزال حياً يا غسان لكنت تشاهد وتسمع أصدقاء مشتركين لك ولي (وبعضهم أصابته قنابل العدو مثلما أصابتك وأصابتني) يقولون هذا الكلام وأكثر، ويسيرون في جنازة الحق الفلسطيني مزهوين بالانتصارات الوهمية. لقد سقطت الأقواس حول اسم <<إسرائيل>> وأصبح الاستمرار في استعمالها غباءً وتحجراً وسماجة لا تليق بنا ونحن نجالس الإسرائيليين ونستعطفهم ونتملقهم ونغازلهم ونمنحهم بركات الشرعية. والصحيح أن الأقنعة سقطت عن وجوههم هم بمجرد إسقاطهم تلك الأقواس. ألا توافقني، بعد هذا، أن مثواك تحت التراب أرحب وأرحم من منازلنا الفخمة وطائراتنا الخاصة وعروشنا والبسط الحمر تحت أقدامنا؟ لكنه ذنبك أنت يا غسان، أنك أتحت لهم أن يغتالوك. ركبت الفولسفاكن. ولم تكن تركب المرسيدس 500 المصفحة، تحيط بك حراسات مسلحة تفتح لك الطرقات وتغلقها عن غيرك. تماما كما كان الذنب ذنبي حسب رأي أحد كبار قادتنا العباقرة الذي صرخ مستنكراً أن أفتح المظروف المفخخ، الأمر الذي جعل القنبلة تنفجر بين يديّ. قال: <<أليس عنده سكرتيرة تقوم بفتح الرسائل عنه>>؟ وكأنه أراد أن يقول: <<لتبتر أصابع السكرتيرة، أما أصابعه فلا>>. فالموت للمساكين وليس للمسؤولين! وهكذا تتحول المسألة من جريمة صهيونية قذرة ضد الفكر الفلسطيني الى خطأ نقترفه نحن وندفع ثمنه حياتنا أو بعض حياتنا. لقد هددوك، وحذرك <<العارفون>> قبل أيام من الجريمة واستخففت فنالوا منك. وهددوني، وحذرني بعض <<العارفين>> قبل أيام من الجريمة فسخرت ولم أتعظ منك، ونالوا مني. وهكذا كانت الحال مع الكثيرين غيرنا، رحم الله الموتى وشفى الجرحى والمصابين وغفر للمتخاذلين وهداهم. إن وحش الموت، كما يقول المثل الدنماركي، يلتهم الأدسم بين ضحاياه. ترى، هل كانت لدينا رغبة خفية في التنافس والتدافع أمام الوحش ليختارنا نحن من بين آلاف المقاتلين بالبندقية أو بالقلم؟ لقد أراحك الموت من سؤال سخيف كان المحقق سيطرحه عليك مثلما طرحه عليّ وأنا أستلقي على سريري في المستشفى بين الموت والحياة: <<ومن تعتقد أنه وراء الجريمة؟ هل هناك خصومة بينك وبين جار أو زميل أو منافس؟>> ولو كانت لديّ قدرة على الكلام لكنت أجبت: <<نعم. هناك خصومة بيني وبين العقل والمنطق عقل هذا الزمان ومنطقه اللاعقلاني واللامنطقي>>. يبدو أنهم هم العقلاء والمنطقيون، ونحن كنا المغفلين. المغفل فقط يرث الرضى الذاتي، وراحة الضمير، وشرف النضال. وهم يرثون كل شيء آخر رنان، من لقب الى ذهب. أنت وأمثالك تعيشون في المخيم وتناضلون في الخندق وتشربون الماء الآسن وتقتاتون الفتات. وأما وجهاء النضال الكلامي والخطاب السياسي المهرجاني ومحترفوه فقد جنوا ثمار ذلك النضال، ألقابا فخمة تحتضن أسماءها، ومباني ضخمة تنطح بأعناقها السحب، ومواسم الترف ومهرجاناته وأعراسه التي قصّرت عنها ليالي الألف ليلة وليلة. أخي العزيز غسان: لقد متّ مرة. ونموت نحن كل يوم ألف مرة. أكاد أسمعك تسأل: أليس من أخبار غير هذه التعاسات؟ نعم. فايز وليلى يرفعان اسم فلسطين واسم والدهما عاليا، بكفاءاتهما ونشاطاتهما ونجاحهما. وآني وفية لك في وفائها لقضية زوجها التي أصبحت قضيتها، مثابرة تنجز ما يعجز عنه العشرات. ورفاقك على إيمانهم وسلاحهم وأصالتهم. وجبهتك صامدة بالرغم من الإغراءات التي تستميل الضعاف وتشد الأقوياء. و<<الحكيم>> القائد يزداد مرضه قسوة وتزداد عزيمته قوة. وكتبك ورواياتك وقصصك تجتذب القراء المعجبين طبعة بعد أخرى. ومجلة الهدف تتحدى وتواصل الصدور. والواحات النادرة في صحارينا الواسعة لا تزال خضراء، وينابيعها لم تجف، وإن أعرض الكثيرون عنها ولم يعد ماؤها الزلال يروي لأن عطشهم هو الى نوع آخر من المشروبات. وبكلام آخر: لم تغب الشمس بالمرة، وإن كانت العتمة تلف حياتنا. فلا بد للشمس أن تشرق ثانية. إن دماء الشهداء، الأموات منهم والأحياء، ستظل تشع نورا يضيء لأجيال قادمة. وحده هذا الأمل يمنعنا من الاستسلام/ الانتحار. () رئيس تحرير الموسوعة الفلسطينية منذ العام 1982، ورئيس مجلس إدارتها منذ 1988. له حوالى عشرين مؤلفاً في التاريخ والسياسة. أصيب برسالة ملغومة بعد استشهاد غسان كنفاني بعشرة أيام، أثّرت في سمعه وبصره .قبيل استشهاده د. أنيس صايغ |
رد: مكتبة الأديب الفلسطيني الشهيـــد // غســــان كنفاني
ماذا كتبت مجلــه الكاتب الفلسطيني عن غسان كنفاني؟
:غسان كنفاني صحافي يبحث عن فلسطين ظل يتوهج، ويتوتر، حتى انفجر للصحافة في كل عصر، وفي كل بلد، <<مدرسة>> يتخرج منها صحافيو ذلك البلد البارزون، في فترة ما. فصحافة فرنسا في الخمسينيات والستينيات مثلا تخرج صحافيوها البارزون من أجواء معركة تحرير فرنسا من جحافل هتلر. ففترة الاحتلال الألماني لفرنسا، كانت هي المدرسة الوطنية والسياسية الكبرى التي فرزت <<المقاومين>> عن <<المتعاونين>> في كل الميادين، بما في ذلك ميدان الصحافة. وعلى أساس هذا الفرز، ألغيت امتيازات صحافية قديمة، وصدرت امتيازات جديدة. فكان فرسان الصحافة الفرنسية الجديدة في الجمهورية الرابعة، بالذات، هم من فرسان المقاومة الفرنسية الوطنية ضد الاحتلال النازي. وعلى نفس المنوال، بشكل أو بآخر، كانت الصحافة العربية تتلقى فرسانها البارزين في كل فترة من ساحة من الساحات. ففي فترة كان تيار الصحوة القومية المبكرة، في أواخر أيام الإمبراطورية العثمانية هو الذي يغذي الصحافة العربية بفرسانها البارزين. وفي فترة تالية، كانت المعارك الأدبية والفكرية هي المدرسة التي يتدفق منها الكتاب على الصحافة. وبعد ذلك، كانت معارك الاستقلال ضد فرنسا وإنكلترا، هي التي وضعت بصماتها على الصحافة والصحافيين، سواء في ذلك <<المقاومون>> منهم أو <<المتعاونون>>. وفي أواخر الخمسينيات، كان الشباب العربي الذي وصل الى أواخر العقد الثاني أو أوائل العقد الثالث من عمره، قد تشرب في عقله وإحساسه وجلده، سلسلة من الأحداث التاريخية الكبرى المتناقضة. ففي الوقت الذي تشرب فيه بدرجة أو بأخرى، ذكريات فقدان الوطن، بعقل عجز الحكام عن مجرد التفكير بتحدي السلطة الأجنبية، رأى بأم عينيه، وسمع ملء أذنيه، وعايش بكل أحاسيسه، الحاكم الذي يقول للاستعمار لا، في قضايا بالغة الحساسية، وينجح، مرة في تجسيد آراء الجماهير الكادحة البسيطة، ومرة في فرض هذه الإرادة فرضا نهائيا ثابتا. وبينما كانت الوحدة العربية بالنسبة للأجيال السابقة أناشيد تردد في المدارس، قدر لجيل الخمسينيات أن يسير في مواكبها، ويرافق أيامها وسنواتها التاريخية، لحظة بلحظة. لقد لخص أحد أبناء جيل ما قبل الخمسينيات الكثافة والعمق الوجداني لهذه الفترة الفريدة في التاريخ العربي المعاصر، بقوله لولده ما معناه: <<يا ولدي، لقد كان الواحد منا مقهورا بالذل أمام الأجنبي، لدرجة أنه كان مستعدا ليدفع عمره ثمنا ليوم عز واحد. وها أنتم تعيشون وقفات العز، يوما بعد يوم، وسنة بعد سنة. ليتكم عانيتم بعض ما عانينا، لتعرفوا قيمة ما أنتم فيه اليوم>>. صحافة الخمسينيات والستينيات من هذه الأرض الرجراجة الفوارة الواعدة، انطلقت جحافل جيل الخمسينيات والستينيات من الشباب العربي، في حلقة مرارة الماضي، وفي يديه زمام الحاضر، وأمام عينيه كل احتمالات المستقبل. من هنا كان أبناء هذا الجيل ينطلقون في صفوف تميزها الحماسة، قدر ما تميزها الفوضى، ويميزها الإصرار قدر ما يميزها الاندفاع، ويميزها الحب الكبير للمستقبل قدر ما يميزها البغض الكبير للماضي، يميزها التسامح كما تميزها الحدة. فهو جيل لديه كلام كبير بقوله، وعواطف كبيرة يعبر عنها، ولكن أدواته ما تزال بدائية، طرية العود. يريد أن يحتضن الدنيا بأسرها، ولكن ذراعيه صغيرتان. يريد أن يركض بأقصى سرعته، ولكن قوى الشر كانت قد زرعت طريقه، سلفا، بكل أنواع الألغام، المنظور منها وغير المنظور. بين صفوف هؤلاء المندفعين، كان شاب نحيل العود مشدود العصب متوتر المزاج. هاجر مع من هاجروا من فلسطين واستقر فترة في دمشق، يدرس ويدرّس، وسافر مع من سافروا الى الخليج (الكويت) طلبا للرزق، واستقر، أخيرا، مع من استقروا في بيروت، حيث ميدان التحدي فسيح أمام كل من يجد في نفسه القدرة على اقتحامه، وإيجاد موطئ قدم فيه. في هذه الفترة، كانت الصحافة اللبنانية (أو بتعبير أدق الصحافة في لبنان) تشهد طفرة جديدة، بعد أن كانت صحافة العهد الاستقلالي الأول قد أعطت كل ما عندها، وبدأت نجومها تخبو، نجما بعد آخر، وبدأت قدراتها وتطلعاتها أعجز من أن تستوعب المد العارم، الذي أغرق إمبراطوريتي الاستعمار القديم (فرنسا وبريطانيا) في مياه السويس، فانفتحت أبواب الصحافة أمام الجيل الجديد المندفع المتلهف، الذي يحس أنه، أخيرا، أمسك بمصير أمته بين يديه. هذه الفترة الصحافية تميزت بنوع من الصحافيين كان غسان كنفاني نموذجا متألقا من نماذجهم. كانت الصحافة، في لبنان بالذات، تمر بمرحلة وسطى بين الكتابة الذاتية المطلقة، حيث اسم الكاتب هو عنوان المقال الصحافي، وانطباعاته الشخصية عن أي شيء هي المادة الصحافية الرئيسية، وبين الكتابة المتخصصة، التي نعرفها اليوم، حيث نجد التخصصات المتعددة حتى في إطار الموضوع الواحد، ففي المقال السياسي، تتفرع التخصصات بين السياسة المحلية، والسياسة العربية والسياسة الدولية. في هذه الفترة المتوسطة، كانت ملامح الكتابة المتخصصة قد بدأت تظهر في صفحات الصحف اليومية والمجلات، ولكن أطقم الصحافيين المتخصصين لم تكن قد اكتملت بعد، لذلك كان مكتوبا على الصحافي الذي يريد أن يلمع، في ذلك الوقت، أن يكون له من ثقافته، ومن حرارة انفعاله، ما يؤهله ليصول ويجول في أكثر من ميدان من ميادين الكتابة الصحافية، ثم ما يؤهله للقدرة على ملء أشداق المطبخ الصحافي، الذي لا يشبع، بأغزر ما يكون من المادة، وأقصر ما يكون من الوقت. لا حدود بين الأدب والسياسة وسط كل هذه الخلفيات السياسية والاجتماعية والمهنية، كانت نقطة انطلاق غسان كنفاني في مجلة الحرية، يكتب في السياسة، وفي الصحافة الأدبية. لم يكن قد تخرّج من أكاديمية لفنون الإعلام، شأنه شأن كل فرسان الصحافة من أبناء جيله، كانت القضية، هي الأكاديمية التي قذفت به الى الصحافة، من هنا كانت الصحافة عنده هي القضية، فهو يكتب أي شيء تدفعه القضية الى طرحه على الورق، بعد ذلك لم يكن الشكل يحدد سلفا، بل كانت الأفكار هي التي تختار الشكل عفويا، مرة يكون الشكل قصة، ومرة يكون مقالا سياسيا، ومرة يكون مقالا أدبيا نقديا. كان يبحث عن أقصر طريق الى فلسطين ويرى هذا الطريق في ألف شكل وشكل. منذ تلك المرحلة المبكرة، كانت كل بذور شخصية الجيل الجديد من الصحافيين العرب تنفتح تحت سن قلم غسان كنفاني، فهو صحافي حياة، يكتب في كل المواضيع، وهو صحافي مقاتل، يعبّر عن رأيه وهو يشهر سيفه في وجه الآراء المضادة، وخاصة تلك الآراء الدخيلة، التي تبذر بذور الاستعمار الثقافي بين سطور عربية الشكل، عربية القلم. ولعل أبرز ما يختصر الروحية الصحافية التي كان غسان كنفاني قد بدأ يكونها لنفسها، في تلك الفترة المبكرة، قصته المشهورة مع دعوات الشعر الحديث، التي كان أحد التيارات الفكرية والأدبية في بيروت يقدمها مصحوبة بنظرة مقال واحتقار للأدب العربي (قديمه وحديثه)، بل وانطلاقا لدى البعض من جهل كامل بعظمة تراث الشعر العربي، الذي قال عنه أراغون، أحد أعظم الشعراء المعاصرين في العالم، انه ربما كان أهم شيء في التراث الشعري العالمي. ويومها قام غسان كنفاني بالاشتراك مع معن زيادة (الدكتور في الفلسفة حاليا، وأستاذ الفلسفة في الجامعة اللبنانية)، بتركيب كلام عشوائي على شكل قصيدة من <<النثر الشعري الحديث>>. لم يقصدا التعبير عن أي معنى. وأرفقا نص <<القصيدة الخنفشارية>> برسالة الى المسؤول عن الصفحة الثقافية في جريدة كبيرة، كان يمثل ويرعى ويشجع هذا التيار المحدود من الدعوة للحداثة المتوازية مع السخرية من العرب، واعتبار العرب مغلقين على الحداثة. وكانت الرسالة مثل <<القصيدة>> مذيلة بتوقيع اسم وهمي، ادعى كنفاني أنه لشاب سوري من الذين يعانون من <<حكم الوحدة>> (أيام قيادة عبد الناصر لتجربة الجمهورية العربية المتحدة بين سوريا ومصر)، وأن هذا القهر يمنعه من الجهر بآرائه في الأدب، ونشر إنتاجه من <<الشعر الحديث>>، فما كان من رئيس تحرير الصفحة الأدبية المذكورة، إلا أن نشر القصيدة بترحيب شديد، مع مقدمة تعتبرها نموذجا من الأدب الجيد الذي يعيش أسيرا داخل أسوار الأنظمة الدكتاتورية، ومع اعتبار الصفحة الأدبية لتلك الصحيفة ملاذا لكل أدب حديث متمرد. كانت الفضيحة واضحة الدلالات والمعاني، فما كان من غسان كنفاني (ومعن زيادة) إلا أن أكمل حلقاتها، فكتب مقالا، في مجلة <<الآداب>> البيروتية، روي فيه تفاصيل القصة من أولها الى آخرها. طبعا، لم تكن روح الحداثة والدعوة للشعر الحديث هي ما أراد كنفاني تعريته وكشف زيفه، في هذه المعركة الأدبية البالغة الطرافة والسخرية، بل تلك الدعوات المشبوهة للحداثة، التي تمتزج بالتشكيك بالشخصية الأصيلة للأدب العربي. ولم يكن كنفاني بحاجة الى دليل على أنه يفرق بين حداثة أصيلة وحداثة مزيفة، فقد كان أدبه القصصي، بعد ذلك، أحد أروع نماذج القصة القصيرة، في الأدب العربي المعاصر، بل أحد النماذج التي كانت تفيض روح الحداثة، شكلا ومضمونا. ولم تغفر تلك الصحيفة، ولا صفحتها الأدبية لغسان كنفاني هذه الفضيحة المدوية. فقد بقيت وهي التي وصفها الشهيد طلال رحمة في بحث صحافي طويل مشهور ب<<المافيا الثقافية>> تتجاهل أدب غسان كنفاني، حتى عندما وصل الى مستوى قال عنه الناقد الكبير محمود أمين العالم على صفحات المصور، عند صدور مجموعة <<عالم ليس لنا>>: انه أحد أهم نماذج القصة القصيرة في الأدب العربي المعاصر. مع أن هذه الصحيفة، وصفحتها الأدبية كانت تهتم أحيانا من باب ادعاء الروح الديموقراطية بنماذج أدبية لا تتفق أبدا مع إيديولوجيتها السياسية والثقافية، إلا أن هذه الصفحة بقيت برغم ذلك مغلقة على ذكر غسان كنفاني وأدبه. أصغر رئيس تحرير بعد ذلك، وما إن انتقلت صحيفة المحرر من شكلها الأسبوعي، الذي صدرت فيه أولا، الى شكلها اليومي، الذي عرفت به بعد ذلك، حتى كان غسان كنفاني وهو دون الثلاثين أحد أصغر رؤساء تحرير الصحف اليومية العربية، بل ربما أصغرهم. ومع طاحونة العمل في الصحافة اليومية، تبلورت كل مواهب غسان كنفاني الصحافية والكتابية، وتكشفت معها مزية جديدة، هي مزية الجلد والغزارة. ومرة أخرى كانت الأفكار هي التي تحرق غسان بالمعاناة، أما الأشكال، كل أشكال الكتابة، فقد كانت بالنسبة له أشبه باللعبة، يترك واحدة ليلهو بالأخرى، أو يلهو بأكثر من لعبة في آن. وأذكر أنني سألته في أول أيام مزاولته الصحافة اليومية، في موقع رئيس التحرير، رأسا ومن غير أية خبرة سابقة في هذا المجال: <<ألا تجد صعوبة في كتابة الافتتاحية السياسية يوميا>>. فكان رده: <<لم أفكر في الأمر مرة واحدة، فالأفكار بالنسبة لي هي الأفكار، كل ما هنالك أنني مقبل على شكل جديد من أشكال الكتابة، أعتقد أنني سأعتاده، وسيعتادني>>. كانت كل الظروف تشق الطريق سهلاً أمام مواهب غسان كنفاني الأدبية والصحافية، فالمد القومي التقدمي كان في عز اندفاعه، والصحيفة، التي ترأس غسان تحريرها شابا يانعا، كانت تملك جيشا كبيرا من المحررين المتطوعين (غير محرريها المحترفين) هم رفاق غسان في حركة القوميين العرب. وراية عبد الناصر، التي رفعت المحرر لواءها عاليا في ذلك الوقت، كانت في عز تألقها. لم يترك غسان في المحرر لونا من ألوان الصحافة لم يمارسه: كتب الافتتاحية السياسية، والمقال السياسي الطويل، والخواطر الوجدانية، التي تختلط فيها السياسة بالمشاعر الشخصية، والنقد الأدبي والثقافي، وخاض المعارك السياسية الحزبية المباشرة اليومية، وبرع في كتابة الفكرة اليومية الساخرة الخاطفة. وفي المحرر نفسها، مارس غسان عملية التعريف بأدب المقاومة في الأرض المحتلة، فكان يحيط نصوص هذا الأدب بمقدمات من التشويق زادت من اهتمام الناس بها (إضافة الى قيمتها الفنية والسياسية الذاتية في ذلك الوقت). كذلك أشرف غسان كنفاني، مع كل هذا المجهود الواسع، وعلى استمراره في تطوير فنه القصصي، على إصدار ملحق فلسطين، الذي ربما كان ثاني مجلة فلسطينية متخصصة، ولكنه، حتما، أول مجلة فلسطينية متخصصة ناجحة، قدر لها أن تستمر طيلة استمرار غسان في رئاسة تحرير المحرر. أقصر طريق إلى فلسطين عندما أنهى غسان كنفاني عمله في المحرر، في أعقاب نكسة 1967، كان يتنازعه تياران: فهو الصحافي والأديب الذي تسلق سلم الشهرة بسرعة كبيرة، في بيروت المتلألئة بالأنوار البراقة التي تخطف الأبصار، وهو المناضل الفلسطيني الذي لم تفارق الحرارة والحماسة المتلهفة نفسه وكتاباته، ولكل من هاتين الشخصيتين طريقها وأسلوبها اللذان لم يعد سهلا الجمع بينهما بعد 1967. وبيروت لا ترحم، إنها أبرع من يمارس مع ضحيته لعبة التمويت البطيء بالإغراء، إذا رأت فيه أي ضعف. وقضى غسان فترة الحيرة هذه كاتبا سياسيا في جريدة <<الأنوار>>، ولكنها كانت أقل فترات غسان الصحافية تألقا وثباتا. الى أن أتاحت الظروف لمجلة الهدف الصدور، ناطقة بلسان الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، فلم يتأخر غسان في الاختيار. ولكن جو النكسة كان قد فجّر كل مكامن المرارة في النفس العربية، فكيف إذا اختلطت المرارة بالتوتر المتلهف، الذي أصبح يخشى أن تكون العودة الى فلسطين قد بدأت تتحول من هدف الى حلم وأن تكون الطرق إليها قد أصبحت تطول، شيئا فشيئا. غير أن الحديث عن تلك المرحلة من حياة غسان كنفاني لا يكتمل إلا بإفراد أسطر قليلة لشخصية <<فارس فارس>>، فقد كان غسان المقاتل، يترك زاوية عزيزة في نفسه لغسان الأديب وغسان الصحافي، وبما أن غسان كان قد نذر اسمه الصريح لفلسطين، فقد استعار لنفسه اسم <<فارس فارس>>، وزوده بكل ما في نفسه من سخرية ونظرة نفاذة لماحة، ومعايشة طويلة لأجواء الأدب والأدباء، والنشر والناشرين، ودهاليز هؤلاء وأولئك، وكان الاسم المستعار يعطي غسانا أكثر من مزية، أهمها تمكنه من الاختباء وراءه، لإطلاق العنان لسخريته اللاذعة، ومعرفته العميقة بأجواء الأدب والنشر، بعيدا عن ضرورات المجاملة والمسايرة، فكتب تحت هذا الاسم مجموعة من المقالات النقدية الأدبية الحارة والصادقة، التي تركت وراءها، حتى اليوم، فراغا لا يعوّض في صحافة بيروت الأدبية، ونكهة في النقد الأدبي ليس من السهل استعادتها على صفحات جرائدنا ومجلاتنا. من هنا عاد غسان، وهو في أوج تألقه ككاتب صحافي، وككاتب قصة قصيرة، وكناقد أدبي، الى نقطة البداية التي لم يفقد الصلة بها أبدا، فأصبحت الكتابة لديه عبارة عن عملية فدائية داخل الأرض المحتلة، الشيء الوحيد الذي يستحق الجهد، ويتمتع بالجدوى، وقد كان يفعل ذلك بتركيز كامل، حتى أصبحت الصحافة والقصة والكتابة السياسية وكل شيء في الحياة يتلخص لديه بعملية فدائية، وقد توحد غسان الكاتب والصحافي والأديب مع العمليات الفدائية، توحدا عنيفا، حارا متوترا، لدرجة أنه دخل، في المرحلة الأخيرة، من شخصيته الغريبة، مرحلة الفدائي، من غير أن يلبس الثياب المرقطة، ومن غير أن يحمل بندقية. ولم يكن يختلف اثنان على التوحد بين غسان كنفاني وشخصية الفدائي، في السنوات الأخيرة من عمره، كان الكل يرى ذلك بوضوح، حتى إسرائيل، بل خاصة إسرائيل. وعندما اتخذت المخابرات الإسرائيلية، في صيف عام 1972، قرارها باغتيال غسان كنفاني، كان لديها ملف كامل دقيق عن غسان كنفاني، الصحافي اللامع، والمتألق في كتابة القصة القصيرة، ولكنها مع ذلك، ولأنها تعرف معسكرات العدو العربي بدقة، كانت تتخذ قرارا باغتيال فدائي. وهكذا، ظل غسان كنفاني يبحث عن أقصر طريق الى فلسطين في الصحافة الأدبية، والصحافة السياسية، والقصة القصيرة، والتبشير بالعمل الفدائي، ظل يفعل ذلك بصبر نافذ منذ البداية، وبتلهف الذي يتمسك بأية بارقة، يرى فيها إمكانية اختصار يوم من عمر الهجرة، وتقليص يوم من عمر العودة، على طريق هذا البحث ظل يتوهج ويغود، .حتى انفجر، ضيقا بالانتظار الذي طال الياس سحاب |
رد: مكتبة الأديب الفلسطيني الشهيـــد // غســــان كنفاني
ذكريات عن غسان هذه الأيام، كم نفتقدك يا غسان... ونحن في حلبة الصراع مع قوى الغباء والتسلط، التخلف والجريمة... من لم يعرف غسان كنفاني، في الستينيات، لكأنه لم يعرفه أبدا.. تلك الأيام، لم يكن المجال رحيبا أمامه. وكان فتيا، وناحلا، ومشفا، تملأه الأحلام والرؤى، يحاول جاهدا أن يقفز فوق المراحل، في سباق محرور مع الزمن. في العام 1962، أقامت مجلة <<المعارف>> مسابقة للقصة، شارك فيها كتاب شباب من عدة أقطار عربية، وبلغ عدد المشاركين مئتين وخمسين قاصا. وقد كان لغسان عصا السبق فيها، ففاز بالجائزة الأولى. ونلت الثانية وحجبت الثالثة. مع بداية العام 63 صدر له السرير رقم 12، ولي 13 قصة. ورغم وثيق الوشائج التي كانت تربطني به، فقد تناول مجموعتي بمقال في الحرية، عدد 8 تموز 1963، تحت عنوان <<خالف تعرف أو تعرف>>. وقد تميز ذلك المقال بشيء كثير من الحدة وعدم المداراة. ولقد استطاع، في ما كتبه يومها، أن يضع يده، على مفاصل الوجع. ولم يترك شاردة أو واردة، إلا أحاط بها بثاقب رؤيته النقدية. وأذكر يومها، أنني رددت عليه في <<المحرر>> الأسبوعية، بمقال طويل أيضا تحت عنوان: <<الصدق هو الالتزام الوحيد>>. بعد أكثر من خمسة عشر عاما، عدت الى تينك المقالتين، فاكتشفت أن الحق كان مع غسان. هكذا بكل بساطة.. بهذا الاعتراف المتأخر، أردت أن أقول كلمتي بغسان كنفاني الناقد... في تلك المرحلة، جمعتنا <<المحرر>> الأسبوعية، <<شلة>> غنية وطريفة. كان كل منا يكتب في أكثر من مكان، الأسبوع العربي، والحرية، وشهرزاد، و... ولكننا جميعا، كنا <<نلتم>> في المحرر، وكانت قد صدرت حديثا. وكل مكاتبها غرفتان، صالة وغرفة صاحبها. أظن أن عددنا بلغ اثني عشر كاتبا، أذكر منهم: غسان، رفيق خوري، علي الجندي، نور سلمان، ليلى عسيران، لور غريب، ليلى بعلبكي، إبراهيم سلامة، رياض الريس، وأنا. وقد كثر النذر حول اجتماعنا، لو أخذناه بجدية أكثر، لكان منه مدرسة أدبية نادرة. وكل ما عملناه، أننا، وبعضنا كان يطلق على <<الشلة>> لقب جماعة <<النقاد الكلبيين>>، على طريقة المدرسة اليونانية المعروفة. كنا نجتمع بما يشبه الصدفة، لنتفرق دون ناظم أو تنظيم، حين يجتمع أكثر من اثنين، في تلك الصالة العجيبة (البناية المركزية) كانت ضجتنا تصل الى الشارع. ولطالما ضايقنا دار الطليعة، والدكتور مجذوب في الجوار. ومن خلال تلك الجلسات، كانت تمتلئ <<المحرر>> بالمقالات النقدية، التي تميزت بالحدة، والجدية، وشيء من العمق ليس بقليل. ولو طالت الرحلة، لكانت تلك الجريدة الأسبوعية قد استقطبت اهتمام الأوساط الأدبية، لا في لبنان وحسب، بل وفي الوطن العربي. وفجأة أخذ غسان يزداد توهجا، يفرد جناحيه، وسع القضية الفلسطينية، لكأنه كان يحس بأن الزمن لن يعطيه الفرصة التي يريد ليقول كل ما عنده. والغريب أنه كان يحسب أن المرض هو الذي سيختطفه، ولم يكن يخطر له ببال، إلا لماما، إن رحلته ستكون على الشكل الذي تمت فيه. أخذ يصدر في كل سنة كتابا أو أكثر. أذكر أننا، قبيل غيابه بعام ونيف، عددنا كتبه فكانت اثني عشر كتابا. وذلك خلال تسع سنوات، أو أقل بقليل. هو أول من نشر وكتب في <<الحرية>>، ثم في كتاب مستقل، عن شعراء الأرض المحتلة. وهو أول من عرفنا على محمود درويش، وسميح القاسم، وتوفيق زياد، وسواهم. وكان أول، من أمعن في الرحلة، في أعماق <<الأدبيات الصهيونية>>، وعاد إلينا بكتابه الفذ عن أدب الصهاينة، أو الأدب في خدمة الصهيونية. كان ما يترك لنا فرصة لنلتقط أنفاسنا، ونحن نتابعه في مسيرة نتاجه الثر. إذ كان على الواحد منا أن يكتب عن كل كتاب يصدر له. وكانت تتابع كتبه، أرض البرتقال الحزين، مسرحية الباب، رجال في الشمس، و... حتى لم يكن في مقدرونا أن نعرف أيها صدر قبل الآخر. في مجال الصحافة، أيضا كان يصعب عليك أن تحصر نشاطاته المتعددة. أذكر، في إحدى الليالي، أنه هتف لي في <<الديار>> اليومية، العام 1964، قائلاً: اترك كل شيء وتعال. كانت <<المحرر>> قد تحولت الى يومية، يترأس تحرير ملحقها الفلسطيني، ويمارس عمليا، نوعا من رئاسة التحرير فيها. وقد نقلت مكاتبها الى اللعازارية، الطابق السادس، كما أذكر. جئت إليه، كانت يده تتحرك على الأوراق البيضاء، فتتطاير من تحتها، وقد امتلأت بالأفكار، والصور، والكلمات الساخنة. <<خذ طاولة، واكتب خاطرة أدبية، بلا طق حنك>>. وأسرعت أنفذ ما طلب. وبدقائق، ناولته إياها. وضحك.. كن من المعروف عنه، أنه أسرعنا كتابة. وقد أعجبه أنني حاولت مجاراته في سرعته. قلت: <<يا أخي حيّرتنا. أنت في الحرية، في المحرر، ملحق فلسطين، الصياد، الأنوار، و... ربك ما بيعرف وين كمان>>. شد على يدي ضاحكا، مشيرا بضرورة الانصراف، كي لا أعطله. وكان ثمة حزن شفيف يطوف في نسمة عينيه، لكأنه يعتذر عن تقصيره!!... مضت على غيابه ست سنوات، وفي كل عام، حين تحين المناسبة، أجدني، حيث كنت، أكتب عنه، ودائما من الذاكرة، وأشياء شخصية. وأحيانا أكثر من كلمة أو مقال. وكلما أمسكت القلم، في ذكراه، أجد أنه ما يزال لديّ الكثير الكثير لأكتبه عنه. هكذا يكون الفنان الحق، معينا لا ينضب للناهلين في حياضه... وإن غساناً ليشكل نوعاً من الرد الدامغ، على القائلين بعدم إمكانية تعدد المواهب، وتعدد مجالات العطاء. في النقد، كان المؤلفون <<يعدون للعشرة>> قبل أن يصدر لواحدهم كتاب.. لأنهم يعرفون أنه سيقع بين يديه. أما في الصحافة، فكان يكتب في السياسة، في الأدب، في الفن. فإن غاب أي محرر في الجريدة أو المجلة التي يعمل فيها. سارع الى ملء فراغه برغم كثرة مهامه، حتى ولو كان ذلك المحرر مسؤولا عن الرياضة، أو المجتمع، أو ركن التسلية والحظ. الغريب، أنه الى جانب كل ما أسلفت، كان يجد لديه الوقت، يقرأ، يترجم، يرسم، يكتب الرواية والقصة الطويلة والقصيرة والمسرحية والشعر أحيانا. ويسألونك، كيف تستطيع أن تكتب عن غسان في كل ذكرى تمر، وأنك دائما تجد ما تكتبه عنه. حتى في مجال تنسيق الكتب والمكتبات، كان له مزاجه الخاص، فنه الخاص. أذكر أننا ذهبنا نزوره <<زيارة غلاظة>> في بيته الجديد، فوق صيدلية المدينة في الحمراء. وكان قد تزوج من آني. فوجدناه قد أحضر عدة ألواح خشبية بسيطة، لا تكلف غاليا، وجعل منها مكتبة، مع أحجار القرميد الأحمر. <<ديكور>> بسيط وجميل ولا يكلف ماديا، ولم تمض سنة، إلا وكانت شقق وبيوت الأدباء تمتلئ بذلك النوع من المكتبات. كان يحب جلسة المقهى، حد العشق. مقهى الجلسة والحديث الأدبي والسياسي والنكتة اللاذعة. <<الأنكل سام>>، <<فيصل>>. وخاصة <<الدولتشي فيتا>>. ولكنه في أواسط الستينيات، أخذ يقلل من ارتياده لتلك الأماكن، إما بسبب انها تحولت الى نوع من التكايا الأدبية السياسية، وهو ما لم يكن يرضاه، وإما لأن مشاغله الكثيرة أخذت تصرفه عنها، خاصة بعد أن أصدر <<الهدف>>، وكثرت مسؤولياته السياسية والتنظيمية. ولكنه لم يأل جهدا، بين حين وآخر، في أن يمر علينا، ويتفقد جلساتنا، ليطمئن على <<الندامى>> ثم يغيب. في السنوات الأخيرة، صارت لقاءاتنا به شبه نادرة. فوجئت به مرة، في العام 72، يجلس في غرفة مغلقة في <<الدستور>> يأتي ليحرر بعض المواضيع، بتواقيع عدة، ويمضي. فتحت عليه الباب برغم <<التنبيهات المشددة>> بعدم الاقتراب من تلك الغرفة وقلت ضاحكا: <<وصلت مواصيلك الى هنا>>.. وكانت بضع لحظات. اختصرنا فيها سنوات، نكاتا، وتعليقات، وتركته مستغرقا في عمله. كانت تواقيع غسان المتعددة، وما تزال، مشكلة المشاكل. باعتقادي أن الكثير من نتاجه، لم يجمع بعد، هو شبه ضائع في <<غابة التوقيعات>> تلك، التي كان من أبرزها فارس فارس. وكان مرغما على ذلك، لضرورات أمنية أو صحافية أحيانا وأحيانا كثيرة، لأنه لا يجوز أن تصدر له في اليوم الواحد، عدة مقالات وتعليقات، في أكثر من مكان، وبتوقيع واحد. هل أبالغ، هل يجنح بي الخيال وأنا أحكي عن الغالي غسان... على العكس، كلما كتبت عنه أكثر، أحسست أنني مقصر أكثر. فهو عالم، عوالم متعددة الإمكانات، حافلة بالغنى، والقدرة الهائلة على العطاء، جمعت في واحد. ولكنه غاب وهو في السادسة والثلاثين (عمر غياب اللورد بايرون، الذي كان يعتقد أن الفنان يجب أن يغيب فيه، وأن أية أمجاد بعد هذه السن، لا معنى لها، لأنه ريعان الشباب). هل نستطيع أن نتصور، كم كان سيعطي، لو استمرت رحلته الى الخمسين أو الستين، وأية آفاق كان سيبلغ، وأية مجاهل كان سيفض أختامها؟!! لقد اجتمع عليه داءان مزعجان، السكري والنقرس، و<<بضعة>> أدواء أخرى <<لا تستحق الذكر>>.. وكان عليه أن يأخذ نوعا من الإبر لا أفهم في الكيمياء فإنه لم يجد من يعطيه إياها، حين تزور العلة، كان مرغما أن يعطيها لنفسه، بكل ما في ذلك من مشقة وألم. هكذا، كان المرض، سيف ديموقليطس المصلت على مسيرة نضاله الأدبي والسياسي، ولكنه، لا هو ولا الآخرون، كان يعتقد، ان الضربة ستأتيه عن طريق تلك الشحنة اللعينة، على مشارف الحازمية. إن يغب غسان، فإن نتاجه باق، بقاء القضية التي ناضل من أجلها، وقدم حياته قربانا سخيا على مذبحها. إنه باق بيننا أبدا، بضحكته الصافية، المطلة علينا خللا أو شالا مغيبا دامع العينين، بحجم صداقته وإخائه، بعظمة الإنسان وطفولة الفنان فيه. سيظل غسان، القصة، تحشرج في أعماق كل من عرفه، وكلما اصطدم رفاقه في الكلمة، بحاجز جديد، بسلطة غبية غاشمة، كان هو العزاء، وكان هو النبراس والمثل والنموذج. في وقفاته، وفي صراعاته، وفي قدرته العجيبة على مقارعة قوى التسلط والغباء والشر... وفي هذه الأيام بالذات، كم نفتقدك يا غسان، كم كنا بحاجة إليك، والنخاسون.. المجوس، يجوسون داخل أبهاء الهيكل، محاولين تمزيق عذريته، وتشويه حرمته. ولكن لا بأس، فإن خليتنا وارتحلت، فإنه ما يزال فينا بقية من قدرة على الصراع، وسنطرد المجوس، وستنتصر دائما، الكلمة الصدق، الصراح، والتي هي كحد السيف، رقة، وعذوبة، والتماعا، واستقامة، وقدرة على إسالة دم .الأعداء عاصم الجندي |
رد: مكتبة الأديب الفلسطيني الشهيـــد // غســــان كنفاني
إشارات سريعة حول نتاج غسان كنفاني التشكيلي كلفت بكتابة دراسة عن الشهيد غسان كنفاني كرسام، استكمالا للمحور الذي تنشره <<الكاتب الفلسطيني>>. وأود، في البداية، أن أشير الى أنه لم تتح لي فرصة كتابة دراسة متقدمة، بسبب ضيق الوقت. كما أود أن أصحح بأني سأكتب إشارات سريعة عن رسوم غسان، لا عن غسان رساما. إن معظم الأدباء أو الفنانين ينتجون في مجالات فنية أخرى، إضافة الى مجالاتهم، وفي حالات نادرة يجمع البعض بين الموسيقى والشعر أو الإخراج المسرحي والكتابة، كما عند بريخت، مثلا، مع الأخذ بعين الاعتبار أنه كلما كانت الأجناس الأدبية متقاربة ازدادت إمكانية الجمع بين جنسين أو أكثر. غسان، بالإضافة لكونه روائيا وقاصا وصحافيا، عرف عنه اهتمامه بالتشكيل، فمن هو غسان التشكيلي؟ خلف غسان مجموعة لا يستهان بها من الرسوم الزيتية، والتخطيطات الملونة، والإعلانات <<بوسترز>>، والأغلفة، والرسوم التوضيحية <<موتيفات>>، واللصق <<كولاج>> والنحت. ليس هذا فحسب بل إنه قد أبدع، فعلا، في بعض مجالات التشكيل، وخاصة تخطيطاته الملونة عن الأحصنة العربية، التي استلهم فيها روح الرقش العربي <<الأرابيسك>>، واستطاع أن يحملها مضامينها، تحدث عنها في مجالات مختلفة، فالحصان، بالنسبة لغسان، يعبر عن الجمال، الصراحة، الشجاعة، الذكاء، الحقيقة والحرية (). وقد تكون زخارفه الأكثر أهمية بين مجمل ما أنتج، ذلك لأنه لم يكن أسيرا للتقنين، بسبب استخدامه لأقلام <<الفلوماستر>>، السهلة الاستعمال، بل استفاد من النقوش العربية الإسلامية، وصاغها بجمالية تحمل عنفوان غسان الداخلي كما في رسومه عن الأحصنة. كما أن غسان انتقل الى مدارس مختلفة في التشكيل، ولا أقول واكبها، إلا أن انتقاله يبرهن على أنه كان يسعى الى تطوير وامتلاك أدواته بالقدر المستطاع أي إنه لم يكن <<يخربش>> للتسلية فقط بل كان الرسم بالنسبة له وسيلة تعبير استطاع أن يصور من خلالها بعض شخصيات رواياته كأم سعد وغيرها مع ملاحظة تطور تقنيته بين مرحلة وأخرى فقد استخدم غسان السكين في التصوير الزيتي أكثر من الفرشاة. وهذا يضفي شيئا من العفوية والبساطة على رسومه. كما نستطيع أن نميز مراحل مختلفة في إنتاجه، فقد اهتم بالتشريح العاري، ثم انتقل من السوريالية الى الواقعية التعبيرية، إضافة الى رسوم الأحصنة، التي رسمتها يد ماهرة وعين بعيدة، حملت تراث الماضي، ومشاعر الحاضر، وحلم المستقبل، لخدمة التعبير، فجاءت، دائما بسيطة ومباشرة. أضاف غسان إضافات هامة ورائدة في الرواية والقصة الفلسطينية. ولكن رسومه كانت مجرد وسيلة للتعبير، يستكمل فيها عالمه الأدبي والفني، يعبّر من خلالها عن انفعالاته وخيالاته وأفكاره. ثم هناك علاقة بين نتاجه الأدبي وبين رسومه، وهذه المسألة، بصفة خاصة، تحتاج الى مراجعة، وتمحيص، إضافة الى ضرورة حصر ودراسة جميع أعمال الشهيد، وهو ما أتمنى أن أنجزه في فرصة لاحقة. . ناصر الثومي |
رد: مكتبة الأديب الفلسطيني الشهيـــد // غســــان كنفاني
سأقوم برفع كتب وروايات
الأديب الفلسطيني الشهيد // غسان كنفاني أتمنــى أن تستمتعوا بقراءتها |
رد: مكتبة الأديب الفلسطيني الشهيـــد // غســــان كنفاني
|
رد: مكتبة الأديب الفلسطيني الشهيـــد // غســــان كنفاني
|
رد: مكتبة الأديب الفلسطيني الشهيـــد // غســــان كنفاني
سيتم كل يوم رفــع روايتين جديدتين :)
|
رد: مكتبة الأديب الفلسطيني الشهيـــد // غســــان كنفاني
هنا أرفق لكــم صورا وتصاميما خاصــه
بالأديب الشهيد // غســـان كنفاني http://rooosana.ps/Down.php?d=4PCa http://rooosana.ps/Down.php?d=PlP5 http://rooosana.ps/Down.php?d=0Fkt http://rooosana.ps/Down.php?d=v0Xx http://rooosana.ps/Down.php?d=431N http://rooosana.ps/Down.php?d=f25w http://rooosana.ps/Down.php?d=qBko http://rooosana.ps/Down.php?d=WuCFd [IMG]http://rooosana.ps/Down.php?d=WuCFd[/IMG http://rooosana.ps/Down.php?d=A1e0x http://rooosana.ps/Down.php?d=uuiE http://rooosana.ps/Down.php?d=1VhR |
رد: مكتبة الأديب الفلسطيني الشهيـــد // غســــان كنفاني
|
رد: مكتبة الأديب الفلسطيني الشهيـــد // غســــان كنفاني
حلو كتير :) يعطيك الف عافية محمد ،،
مجهود رائع ،، |
| الساعة الآن 03:05 PM. |
Powered by vBulletin® Version 3.8.4
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd.
new notificatio by 9adq_ala7sas