Deprecated: Assigning the return value of new by reference is deprecated in /www/wwwroot/shabab.ps/public_html/vb/printthread.php on line 119
منتديات شباب فلسطين - ..{ أدب روسي}..
منتديات شباب فلسطين

منتديات شباب فلسطين (https://shabab.ps/vb/index.php)
-   الــوآحــة الـعــآمّــة (https://shabab.ps/vb/forumdisplay.php?f=4)
-   -   ..{ أدب روسي}.. (https://shabab.ps/vb/showthread.php?t=104188)

طوق اليمامة 09-19-2009 12:12 AM

..{ أدب روسي}..
 
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

اعضائنا الاعزاء سأتناول اليوم في موضوعي عن الادب الروسي


والأدب الروسي شكل في تاريخ الأدب العالمي مرحلة مؤثرة بالكتابة وتنويعات الجمال ووسائل التعبير الكتابية, لقد

اقترن الأدب الروسي في عوالم الفرد الجوانية مشتغلا في غياهب النفس البشرية باحثًا عن قلقها وغربتها وصراعها

الأبدي مع الألم والفقر والمكابدات، ومع المحيط القاسي الذي جعل من الفرد حشرة تسحق وتموت في سيرورة الألم.



وسأعرض اليكم بعض المقالات والقصص الروسية القصيرة الجميلة


وسأبدأ بهذه المقالة وهي من المقالات التي اعجبتني :)




اولاً : ديستوفسكي


حلم رجل مضحك

أنا رجلٌ مضحك، وهم ينعتونني الآن بالمجنون، وقد كانَ من شأن هذا النعت أن يكونَ رفعاً من قَدْري لو أنّهم تراجعوا عن

اعتباري مضحكاً، كما فعلوا في السابق. لكنني بعد اليوم لن أغضبَ عليهم، فجميعُهم لطفاء بالنسبة لي حتى وهم

يهزؤون بي، بل لعلهم يصبحونَ أكثر لطفاً حين يفعلونَ ذلك، ولو لم أكن شديد الحزنِ وأنا أنظر إليهم لضحكت معهم ليسَ

على نفسي بالطبع ولكن لكي أُسرّي عنهم، شديد الحزن لأني أراهم يجهلونَ الحقيقة؛ بينما أعرفُها أنا، ما أصعَبَ

الأمرَ على من يعرف الحقيقةَ وحده، إنهم لن يفهموا ذلك.‏

لا، لن يفهموا.‏

طوق اليمامة 09-19-2009 12:16 AM

رد: ..{ أدب روسي}..
 
ومن رواية "الإخوة كارامازوف" نقرأ:

قال"إيفان":

- قل لي: أنت أريتني هذا المال الذي كنت تخبئه عندك، لتقنعني بصدق ما رويته لي، أليس كذلك؟

فنحّى "سمردياكوف" الكتاب السميك الأصفر، الذي كان يغطي حزمة الأوراق المالية، وقال متنهداً:

- خذ المال واحمله معك.

- سأحمله طبعاً.. ولكن لماذا تردّه إليّ الآن وإنت إنما قتلت لتحصل عليه؟

كذلك سأله "إيفان"، وهو ينظر إليه بدهشة كبيرة.

فأجابه "سمردياكوف" بصوت مرتجف، وهو يحرك يده بحركة ملل وسأم:

- أصبحت لا أريد هذا المال! لقد قدرّت خلال مدة ما أن أبدأ بهذا المال حياة جديدة في موسكو، أو قل أيضاً أن أسافر إلى الخارج.. كان لي هذا الأمل، ولا سيّما أنك كنت تقول: "إن كل شيء مباح".. أنت علمتني أن أفكر هذا التفكير، وأن أقضي في الأمور على هذا النحو.. كنت تقول لي دائماً: "إذا لم يوجد الإله الذي لا نهاية له، فالفضيلة إذن باطل لا جدوى منه، ولا داعي إليه".. هكذا كنت تفكر أنت، ولقد استندت أنا إلى أقوالك، واعتمدت عليها.

سأله "إيفان"، وهو يبتسم ابتسامة ساخرة:

- ثم توليت تطبيق هذا التفكير بنفسك في هذه الجريمة.. أليس كذلك؟

- نعم.. مستوحياً آراءك.

- والآن.. هل عدت إلى الإيمان بالله، ما دمت تردّ إليّ المال؟!

دمدم "سمردياكوف" يقول:

- لا.. . أنا لا أؤمن بالله.

- فلم تردّ إليّ المال إذن؟

قال "سمردياكوف"، وهو يحرك يده بحركة ملل وسأم من جديد:

- كفى! فيم يهمك هذا؟ أما كنت تقول عندئذٍ أن كل شيء مباح؟ فما بالك تضطرب الآن هذا الاضطراب كله، حتى لتنوي أن تشي بنفسك؟ على أنك لن تفعل ذلك.. لا.. لن تشي بنفسك.. . لن تشي بنفسك.

كذلك ردد "سمردياكوف" بصوت جازم ينمّ عن اقتناع كامل.

فأجابه "إيفان" بقوله:

- سترى!

- هذا مستبعد استبعاداً مطلقاً.... أنت أذكى من أن تفعل ذلك.. أنت تحب المال.. أعرف هذا، وأنت تحرص كثيراً على أن يحترمك الناس، لأنك مزهو متكبر.. ثم إنك عدا ذلك تتأثر تأثراً شديداً بمفاتن الجنس اللطيف، وأنت فوق هذا كله تحب أن تعيش على ما يشاء لك هواك، دون أن تكون رهناً بأحد.. أنت تحرص على هذا أكثر مما تحرص على أي شيء آخر، ولن تريد أن تفسد حياتك هذا الإفساد بتلطيخ شرفك إلى الأبد أمام المحكمة.. أنت تشبه "فيدور بافلوفتش".. أنت بين سائر أبنائه أكثر شبهاً به، لأنك قد ورثت عنه نفسه.

قال "إيفان" وقد ظهر عليه الإعجاب بملاحظات "سمردياكوف"، وتدفق الدم إلى وجهه:

- - لست بالغبي.. كنت أظنك في الماضي أبله!


ايضاَ من مؤلفاته

الزواج الابدي


يتبع ...

طوق اليمامة 09-19-2009 12:27 AM

رد: ..{ أدب روسي}..
 
الكاتب التالي


مكسيم جوركي

قصه قصيره رائعه


بوليســلوف

يوما ما حدثني صديق لي قال : كنت أواصل دراستي في موسكو ؛ متًخذنا مسكناً صغيراً حيث كانت جارتي البولندية التي أسمها " تيريزا " فتاةً غربيةَ الأطوار . يمكنني وصفها بأنها طويلة القامة , قوية البنية . لها بشرة داكنة , وحواجب ثخينة , وملامح فضًة كما لو أن فأساً أحدث كل هذه الشروخ البارزة في وجهها .. عيناها غائمتان ؛ وصوتُها خشنٌ وعميق ؛ فيما تصرفاتُها تشبه سلوكيات رجلٍ صرفَ حياته في الشجارات والعراك الدائم . كانت ثقيلة الجسد ، ومظهرُها الخارجي يعرض قبحاً مخيفاً . تسكن غرفةً تقابل غرفتي في الطابق العلوي من البناية التي نسكنها ، لذلك غالباً ما ألتقيها عند السلَّم أو في الفناء . ترميني بابتسامةٍ تغلّفها السخرية ، وغالباً ما أبصرُها عائدةً إلى البيت بعينين حمراوين وشعرٍ يتخلّى عن انتظامه . وقد نتواجه فتروح تحدّق بي ثم تهتف : " مُرحِباً : أيها الطالب ! " .
ضحكتُها تبعثُ على الاشمئزاز ، لذلك قررتُ تغيير غرفتي تجنباً لرؤيتِها .. وفعلاً حظيت بمكانٍ أشعرني بالارتياح خصوصاً وثمَّةَ نافذةٌ أستطيعُ من خلالِها ملاحظة المدينةِ بشوارعِها المنفتحة الهادئة . وكثيراً ما جلستُ طويلاً أتشبّعُ بالمشاهدة وأنهلُ من الهدوء .
في أحدى الصباحات : وبعد أن انتهيت من ارتداءِ ملابسي وارتميتُ على السرير فُتحت الباب فجأةً فإذا بـ تيريزا " تقف عند العتبة :
- مرحباً أيها الطالب !.. قالتها بنبرتها الخشنة المعهودة .
- ماذا تريدين ؟! . سألتها مستغرباً .
حين أمعنتُ النظر رأيتها بوجهٍ اكتسى تعابيرَ مرتبكة وخجولة لم أبصرها فيه من قبل .
- أيها الطالب !.. قالت وأكملت : " أريد أن أسألك معروفاً وأرجو أن لا ترفضه " .
لم أقل شيئاً إنَّما هي التي استمرت : " أريدك أن تكتب لي رسالة إلى أهلي !" .
" ماذا تبغي هذه الفتاة برب السماء ؟!.. قلتُ مع نفسي . قفزتُ من على السرير متخذاً مجلسي عند المنضدة ساحباً ورقةً ومقرّباً قنينة الحبر .
قلتُ :
- تعالي : اجلسي وأملي عليّ ما تودّين .
دخلت جالسةً باحتراس ، ُمطلِقةً نظرةً حادّة باتجاه عيني .
- حسناً .. لمن أوجّه الكلام ؟
- إلى " بوليسلوف كاشبوت " الذي يقطن في سوينزياني " قريباً من محطة قطارات وارشو .
- وماذا تطلبين أن أكتب له ؟ .. هيّا ! قولي .
- عزيزي بولص .. حبيب قلبي .. حبّي .. روحي . إلهي يحفظك من كلِّ مكروه ... عزيزي لماذا لم تكتب لحمامِتكَ الصغيرة الوديعة منذ زمن بعيد ؟ . لماذا لا تكتب لتيريزا التي تشعر بحزن عميق ؟! بصعوبة بالغة تمالكتُ نفسي من الضَّحك .. " أهذه حمامة ؟! .. أهذه التي طولها ستة أقدام ، ذات القبضة القوية والوجه الحاد والعافية الكاملة والتي تشبه مخلوقة صرفت عمرَها تكنس سخام المواقد الشتوية يمكن اعتبارها حمامة وديعة وصغيرة ؟! " ..
ضبطتُ نفسي ، واحتفظتُ برباطة جأشي . ورحتُ أسألها :
- من هو بوليسلوف ؟
- بولص : يا سيدي !" .. رددّت الاسم بإعجابٍ كما لو كان من المستحيل نكران مَن يكون بوليسلوف هذا .
- سأتزوج بولص .
- تتزوّجيه ؟!
- ولماذا أنت مندهش ! أيها الطالب ؟ ألا يمكن لشابة مثلي امتلاك حبيب ؟
- شابة ؟! .. أيةُ نكتة ! .. ولكن ربّما .. قد يحدث ذلك . كل شيْ جائز .. منذ متى وأنتما مخطوبان ؟ .
- منذ عشرة أعوام .
نعم .. كتبتُ الرسالة مليئة بعبارات الحب والوله واللطف كما لو كنت أتمنى أن أكون أنا بوليسلوف ، ومن أية فتاة تردني هذه العبارات ، إلاّ تيريزا .
- شكراً لك من قلبي أيها الطالب .
كانت بالغة التأثر ، فسألتني ردّاً للجميل :
- هل تطلب مني خدمة أؤديها لك ؟
- لا : شكراً .
- أستطيع إصلاح قميصك أو أي من ملابسك أيها الطالب . كان هذا ما يزعجني أحياناً . ومع ذلك شكرتها قائلاً : لا أحتاج .
في إحدى المساءات وكان قد مرّ أسبوعان على كتابة الرسالة كنتُ جالساً عند النافذة أصفِّرُ وأتركُ لعيني التجوال تسليةً ، مفضلاً عدم الخروج بسبب رداءة الجو عندما فُتحت الباب بغتةً .
لقد كانت تيريزا !
- أيها الطالب . أرجو أن لا تكون منشغلاً .. حسناً :لا أرى أحداً عندك.
- لماذا ؟
- أريدك أن تكتب ي رسالة .
- إلى بولص ؟
- كلا .. أريدك أن تكتب ردّهُ .
- ماذا ؟ . . صرختُ مندهشاً .
- اعذرني ، أيها الطالب . أنا غبية . لم أعبر عن نفسي بصورة واضحة . رسالة ليست لي بل لواحدة من صديقاتي .. فهي لا تعرف الكتابة ، ولها حبيب مثلي .
- أتطلعُ فيها فأحصد خجلاً يغمر وجهها ، وارتعاش كفّيها يفضحان كذبة لم تُصدق .
- اسمعي أيتها الفتاة . كل ما قلتيه عنك وعن بوليسلوف كان خيالاً مَحظاً .، وأنت تكذبين . إنهُ ليس إلا عذراً للحضور إلى هنا . لا أريدك أن تلعبي مثل هذه الأفعال مرّة أخرى ... أفهمت ؟
رأيتُ الخوفَ يكتسحها .. إحمرّت خجلاً . أرادت أن تقول شيئاً لكنها عجزت ، حتّى أنني شعرتُ باضطهادها . لا بدّ أنْ ما دفعها لفعلِ ذلك ! ولكن ما هو ؟!
- " أيها الطالب .. " توقفت لتقول شيئاً ، لكنّها بلمحةٍ مباغتة استدارت خارجةً من الغرفة .
مكثتُ مكاني وفي قلبي مشاعر واحتدامات ضاغطة . سمعتها تغلق الباب بعنف ما أشعرني بأنها خرجت غاضبة . لذلك صممّت على دعوتها للعودة شاعراً بالأسف ومقرراً كتابة الرسالة ,
خطوت صوب غرفتها . لمحتها جالسة عند منضدتها وقد رمت بوجهها بين كفّيها .
- يا فتاتي ، أنتِ ..
عندما أصل إلى هذا القدرِ من القص أشعرُ دائماً بأسىً عميق .
قفزَت من مكانها ؛ ومباشرةً توجَّهت إليَّ بعينين مشرقتين ، واضعةً ذراعيها على كتفي . ثم شرعت تنشج باكية كما لو أنَّ قلبها يتفطَّر .
- ما الاختلاف إن ... إن كتبتَ .. أسطر .. قليلة ؟ آ .. أنتَ تبدو شاباً مرغوباً فيه !.. نعم ، لا يوجد ثمّة بوليسلوف ... وليست هناك تيريزا ! هنالك أنا فقط .. أنا وحيدة .
- ماذا ؟! هتفتُ مصعوقاً بكلماتها : " لا يوجد بولص مطلقاً " .
- لا ..
- ولا تيريزا ؟! .
- لا .. أنا هي تيريزا .
تطلعتُ إليها مذهولاً " أحدنا هو المجنون " ..
عادت إلى منضدتها . استخرجَت قطعة ورق : هنا ! " قالت " هذا ما وردني .. هنا ! .. خذ هذه الرسالة التي كتبتها لي . الناس الآخرون ذوو القلوب الرحيمة ستكتب لي بدَلك ."
أمسكتُ الرسالة التي كتبتها لبوليسلوف المُتخيّل :
- اسمعي تيريزا . لماذا كل هذا ؟ لماذا تريدين الناس أن يكتبوا لكِ بينما أنتِ لم تبعثي الرسالةَ هذه ؟
- لمَن سأبعثها ؟
لم أدري ما أقول .. كل ما فعلته هو أنّي تحركتُ خارجاً . لكنَّها انطلقت تفوه :
- لا يوجد بوليسلوف . أنا خلقته وأردته أن يعيش . أدري أنني ليست كمثل الآخرين . أعرف أنني لا أتسبب بأذى أحد لو أنا كتبتُ إليه .
- ماذا تقصدين بقولكِ " إليه " ؟ .
- إلى بوليسلوف طبعاً ؟
- لكنكِ تقولين لا يوجد شخصٌ بهذا الاسم !
- نعم .. وما الضرر في عدم وجوده .. أكتب إليه كأنَّه رجلّ حقيقي . وهو أيضاً يردُّ عليَّ . أكتب له مرة أخرى ، ومّرة أخرى هو يرد .
وأخيراً فهمتُ . لقد أحسستُ بالذنبِ والخجلِ وبصدمةٍ مثلَ طعنةِ ألمٍٍٍ . آآ .. إلى جانبي تسكنُ إنسانةٌ فقيرة ليس لها ما يقابلُها من روح تبثُّه العواطفَ وتُظهِر له الخلجات .. لا أبوان لها ، لا أصدقاء . لذلك اخترعت لنفسها رجلاً تبثه خلجاتها .
استمرَّت تخاطبني بأسىً عميق : " الرسالةُ هذهِ التي كتبتها لي لتصل إلى بوليسلوف طلبت ُ من شخصٍ آخر يقرأها لي وبصوت عالِ . استمعتُ وتخيلتُ أن بوليسلوف رجلٌ يحيا في هذا العالم . ثم طلبتُ إجابةً من بولص إلى حبيبته تيريزا .. إلي . هكذا أشعرُ أن ثمة بوليسلوف يحيا في مكان ما . لا أعرف أين . وهكذا أستطيع التواصل في الحياة فتصبح عندي أقلَّ صعوبةٍ ، أقلَّ فضاعةٍ . وأقلَّ حدّة " .
منذ ذلك اليوم وأنا أكتب الرسائل . اكتبها مرتين في الأسبوع . رسائل مرسلة من تيريزا إلى بوليسلوف ؛ وأخرى من بوليسلوف إلى تيريزا .
أقول كلماتي المليئة بالعاطفة ؛ وبالأخص الردود ، وهي تصغي إلى القراءة باكية ، ضاحكة ؛ ولكن سعيدة . وفي المقابل صارت تعتني بملابسي . ترتِّق قمصاني وجواربي ، وتنظف حذائي ، وتمسح قبعتي وتفرّشها .
بعد ثلاثة أشهر ألقي القبض عليها بشبهةٍ فأودعت السجن . ولم أرها بعد ذلك .
لا بدَّ أنها ماتت .



يتبع ..

مآهينآز 09-19-2009 02:18 AM

رد: ..{ أدب روسي}..
 
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

الأدب بصفة عامة يروقنى كثيراً ..!

لرُبما اننى شخصياً لم أقرأ من قبل فى الأدب الروسى

،،

من مُقتطفاتك

أعجبتنى الأولى جداً

رغم انها الأصغر حجماً .. ولكنها راقتنى كثيراً

سـأكون بالجوار .. تابعى يا جميلتى :)

مودتى

:

:


طوق اليمامة 09-19-2009 10:15 PM

رد: ..{ أدب روسي}..
 
اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة mahynaaz (المشاركة 1355213)
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

الأدب بصفة عامة يروقنى كثيراً ..!

لرُبما اننى شخصياً لم أقرأ من قبل فى الأدب الروسى

،،

من مُقتطفاتك

أعجبتنى الأولى جداً

رغم انها الأصغر حجماً .. ولكنها راقتنى كثيراً

سـأكون بالجوار .. تابعى يا جميلتى :)

مودتى

:

:




هو ادب جميل جدا

واجمل ما فيه عمق معانيه


شرفني مرورك يا عسل

نورتي :)

طوق اليمامة 09-19-2009 10:17 PM

رد: ..{ أدب روسي}..
 
من اروع الادباء الروس .......... الشاعر الروسي الكبير

بوشكن

وهذه نبذه عن حياته في البداية :


ألكسندر بوشكين أمير شعراء روسيا، ولد في موسكو في 6 يونيو عام 1799م. نشأ في أسرة من النبلاء كانت تعيش حياة الترف. كان ولده شاعرًا بارزًا فساهم ذلك على إنماء موهبته الشعرية.

ترجع جذوره إلى أصول حبشية. والدته ناديشد أوسيبافنا كانت حفيدة إبراهيم جانيبال أفريقي و من الضباط المقربين لدى القيصر بطرس الأول، ورث بعض الملامح الإفريقية، حيث إمتلك شعرا أجعد ، و شفتين غليظتين.

يعد من أعظم الشعراء الروس في القرن التاسع عشر، ولقب بأمير الشعراء. ودراسة هذا الشاعر تدفع إلى دراسة الأدب الروسي جملة، ومعرفة مراحل القيصرية الروسية منذ بطرس الأول حتى نيقولا الأول، وكذلك معرفة الحوادث التاريخية التي وقعت في النصف الأول من القرن التاسع عشر. سميت فترة إنتاجه بالعصر الذهبي للشعر الروسي، وهو عصر التقارب بين الأدب الروسي من جهة والآداب العربية والشرقية من جهة أخرى.

عرف أيضا عصره بالاستبداد الاجتماعي. حيث كانت السلطات مركزة بين القيصر والنبلاء. كان بوشكين بإنتاجه الشعري يعبر عن انحلال وسطه، ويطالب بحرية الشعب، بوصفه المرجع الأول والأخير للسلطة، وكان أول من دعا إلى الحد من سيادة النبلاء في روسيا، وكان ناقما على مجتمعه مطالبًا بتقييد الحكم القيصري وإعلاء شأن النظام الديمقراطي بين الناس.

وبالرغم من أن بوشكين لم يعش أكثر من 36 عامًا، توفي عام 1837م، فإنه قد ترك الكثير من الآثار الأدبية؛ لدرجة أن قراءه يشعرون أنه قد عمَّر كثيرًا.

طوق اليمامة 09-19-2009 10:20 PM

رد: ..{ أدب روسي}..
 
من مؤلفاته ............

على تلال جورجيا

على تلال جورجيا يخيم ليل مظلم
وأمامي نهر (أراغفا) يهدر
أشعر بالغمِّ وبالراحة ، حزني مشرق ،
حزني بك مفعم ،
بك ، بك وحدك ...
لا شيء يمض شجني ، لا شيء يُقلِق ،
والقلب يشتعل من جديد ويعشق
إن لا يعشق هو يعجز .


بلا عنوان

إن خدعتك الحياة
فلا تحزن ، و لا تغضب !
في اليوم الشجي اهدأ ،
يوم الفرح ، ثق ، لا بد آت !
القلب يحيا في المستقبل ،
فالحاضر كئيب !
كل شيءعابر ، كل شيء سيمضي ،
وما سيمضي – سيصبح أجمل .



السجين
في زنزانتي الرطبة أقبع وراء القضبان
و النسر الفتي , ربيب الأسر
رفيقي الحزين , مرفرفاً , بجناحه
ينهش وجبته الدامية عند النافذة
ينهشها و يلقي بها , و يتطلع من النافذة
كما لو أنه يشاركني أفكاري
إنه ليدعوني بطرفه و صيحته
و يود أن ينطق : (هيا بنا ننطلق ...
نحن طائران حران , آن لنا أن نمضي
بعيداً حيث الجبال بيضاء وراء السحب
حيث البحر يتألق زرقةً
حيث لن يتجول غير اثنين: الريح و أنا .



لا تنشدي

لا تنشدي , قربي , أيتها البهية
أغانيك الجيورجية الحنونة
فهي تذكرني
بحياة أخرى , و بساحل بعيد
أواه ! أغانيك الجارحة
تذكرني
بالشرود في ليل مقمر
و تقاسيم امرأتي البعيدة البائسة
أنا أنسى حين أرى فيك
طيفاً أحبه , طيفاً قاتلي,
لكن حين تنشدين
أستعيد الصورة أمامي
لا تنشدي, قربي , أيتها البهية
أغانيك الجيورجية الحنونة
فهي تذكرني
بحياة أخرى و بساحل بعيد


من محاكاة العربي ( أو من وحي العربي )

فتى جذاب ، دمث الأخلاق ،
لا تخجل مني فنحن أهل ،
وبداخلنا لهب عاصف ،
ونعيش حياة واحدة
لقد تآلفنا معا :
تماما مثل جوزة مزدوجة
أسفل قشرة واحدة ...



وقال في قصيدة ( ليلى العربية ) :

تركتني ليلى
مساء أمس دون اكتراث
قلت : توقفي ، إلى أين ؟
فعارضتني :
" رأسك أشيب " ( في بعض الترجمات : لقد شاب شعر رأسك )
قلت : للمتهمكة المتعالية
" لكل أوانه !
فالذي كان مسكا حالكا ،
صار الآن كافورا "
لكن ليلى سخرت
من الحديث الفاشل
وقال : " أنت تعلم :
أن المسك حلو لحديثي الزواج
أما الكافور فيلزم النعوش " .

يتبع ..

طوق اليمامة 09-19-2009 10:24 PM

رد: ..{ أدب روسي}..
 
من إبداعات بوشكين


تنقسم أعمال (بوشكين) إلى ثلاثة أقسام : ( القصائد المسرحيات الدرامية – النثر )

1- القصائد ، ونذكر منها علي سبيل المثال (أشعار ، مجموعة قصائد ) منها :

- ذكريات إلى تسارسكوي سيلو (1814) .

- الحرية (1817) .

- أسير القفقاس أو سجين القوقاز ( 1821) : وصف فيها (بوشكين) التقاليد العريقة للشعب الشركسي

الذي يسكن تلك الجبال الوعرة : جبال القوقاز ، وعبر في هذه القصيدة عن الأجواء السائدة بين الشباب التواق للحرية ، وعن التطلع إلى مثل أخلاقية جديدة .

- الغجر (1824) : (رواية شعرية ) ظل (بوشكين) عاكفا عليها لمدة سنتين ، وهي مفعمة بالدفاع الحماسي عن الحياة الطليقة الحرة ، وعن قرب الإنسان من الطبيعة منفذه الوحيد إلى الخلاص .

- الإعصار (1827) .

- الفرقان (1828) .

- صباح شتائي (1829) .

- السيل العارم (1829) .

- الفارس النحاسي ( ترجمها البعض : الفارس البرونزي ) ( رواية شعرية ) (1833) : استوحاها من تمثال بطرس الأكبر بساحة مجلس الشيوخ في بطرسبورج وكان (بوشكين) من أشد المعجبين بهذا القيصر ، وتعتبر إحدى أعظم قصائده السردية ، ويلقي فيها الضوء على محاولة بطرس الأكبر لإدخال المدنية الغربية إلى روسيا وتأثير ذلك على الروس العاديين ويوضح النتائج العظيمة والمأساوية أيضا التي تنتظرها روسيا من وراء هذه الرغبة الجامحة .

- يفجيني أونيجين (1823-1831) ( رواية شعرية واقعية ) : قمة أعمال (بوشكين) الأدبية ، إذ استغرق في انجازها ما يزيد على الثمانية أعوام ، وقد وصف الناقد الروسي (بيلنسكي) هذه الرواية الشعرية الهامة دائرة معارف للحياة الروسية ، وفيها يرسم (بوشكين) لنا في شخص (أونجين) صورة ابن عصره الشاب ذا الثقافة الذهنية الرفيعة والذهن المتقد ، ولكن غير العاثر على مكان له في المجتمع ، يستخدم فيه قواه ، وبطلة الرواية ( تاتيانا) هي أكثر صورة النساء آسرا للنفس في كل الأدب الروسي .

- الخريف في بولدينو (ترجمها البعض: خريف بولدينو): تناول فيها حياته قبل الزواج التي كانت أفضل أيامه.

- من القصائد التي تأثر (بوشكين) فيها بالثقافة العربية ولإسلامية :

أ - مجموعة قصائد " قبسات من القرآن " (1824)


ب - قصيدة " الرسول " (1826) (وترجمها البعض " النبي "
(سوف نتناولها بالتفصيل في الجزء الثاني من البحث).

ج - روسلان ولودميلا (ملحمة شعرية أسطورية) ( 1920) : كتبها بعد تأثره بقصص (ألف ليلة وليلة) ،

وهو عمل يتألف من (3000) بيت شعري ، وقد نفدت طباعته حال صدوره مما حدا بالقراء على اسنتساخه وبيعه بسعر (25) روبل للنسخة الواحدة ممهدا الطريق لخلق تجارة السوق السوداء للكتب .

د - نافورة باخنشي سراي ( نافورة الدموع ) (1923) : يتناول فيها (بوشكين) البحث عن الطبائع الفريدة وعن أهواء النفس الكريمة ، أكثر قصائده رومانسية .

هـ - قصائد أخرى تأثر فيها بالثقافة العربية الإسلامية : إلى نتاليا ، إلى أختي ، أيتها الفتاة ، الوردة ، مكبل أنا بالأصفاد ، ليلى العربية ، محاكاة العربي ، آه يا فتاة الورد ، البلبل والوردة ، الشيطان ، الملاك ، لقطة من فاوست ... وغيرها من قصائد .



- قصائد تأثر فيها بتاريخ مصر القديمة : كليوباترا ، قضينا أمسية في الداتشا ، ليال مصرية (1835) .

- قصائد أخرى مثل : السجين ، لا تنشدي ، القرية ، أمنية ، العلم ، أحبك ، إلى تشاداييف ، منام ، إلى الأصدقاء ، الأخوة الأشرار ، بولتافا ، بيت صغير في كولومنا ، الكونت نولين ، تحية لك يا محيط الحرية ، من أوقفكِ يا أمواج ، إلى البحر .



2 – المسرحيات الدرامية ومنها :

- بوريس غودونوف .. مأساة تاريخية (1825) : عرض فيها مشكلة العلاقة بين القيصر والشعب بكثير من الحدة ، وقد سرت في أعطاف هذه الدارما التاريخية روح الرفض لطغيان الحكم المطلق ، وهي تتعدى حدود تصارع الأفراد إلى تقرير مصير شعب , حاول (بوشكين) من خلالها إدخال الأسلوب الشكسبيري في عرض الأحداث .

- ضيف بطرس (1830 ) .

- الفارس البخيل (1836) : وفيها تأثر بشكسبير .

- موزار وساليري (1830) .

- الوليمة في زمن الطاعون (1830).



3 – الكتابات النثرية (قصص وروايات) ومنها :

- دوبروفسكي ( رواية ، كتبت سنة 1833 ونشرت عام 1841 م أي بعد مصرعه ، ويرتكز موضوع هذه الرواية على واقع من حياة شاب روسي هو ( فلاديمير دوبروفسكي ) نبيل فقير يناضل ضد العنف والظلم ، اغتصب جاره الغني أراضيه ، وصورت الراوية مغامرات (دوبروفسكي) وحبه لـ(ماشا ترويكورفا) ابنة غريمه وظالمه ، على خلفية الحياة والتقاليد الإقطاعية لتلك الفترة ، وقد كتب (بيلينسكي) الناقد الروسي الكبير وأحد معاصري بوشكين يقول : " إن رواية (دوبروفسكي) لواحدة من أعظم ما ابدعته عبقرية (بوشكين) " .

صدرت هذه الرواية باللغة العربية عن دار التقدم بموسكو سنة 1976 .

- قصص بيلكين ( أو حكايات بيلكين ) : كتبها في أواخر العشرينات من القرن التاسع عشر .

- ابنة الضابط (ترجمها البعض : ابنة القبطان / وآخرون ترجموها: ابنة الآمر/ وترجمها فريق رابع: ابنة الكابتن ) (1836) : ترجمها إلى العربية خليل بيدس عام 1898 ) وتتحدث هذه الرواية عن الحي في فترة انتفاضة القرن الثامن عشر ، وهذه الرواية شبيه بالروايات التاريخية للسير (وولتر سكوت) الكاتب الرومانسي الاسكتلندي .

- عبد القيصر بطرس الأكبر ( رواية تاريخية واقعية .. 1827 ): تناولنا موضوعها في (أصل بوشكين) .

- قصص وحكايات أخرى تتميز بالإيجاز المفيد والدقة في وصف شخوصها وخلوها من المواعظ و قد كتب (بوشكين) يقول : " الدقة والإيجاز أولى حسنات النثر ، فهو يتطلب أفكاراً تلو أفكار " هذه القصص مثل : ضيف من حجر (ترجمها البعض : الضيف الحجري) ، حكاية الملك سلطان ، الأمية القائدة ، ريح الشمال ، الأنة الفلاحة ، الرصاصة ، صانع التوابيت ، ... وغيرها .

- البنت البستوني (ترجمها البعض : ملكة البستوني) (1834) : فتعتبر رائعته في مجال النثر وهي نموذج القصة القصيرة من حيث دقة بنائها وجاذبية حبكتها ، ومهارة كتابتها ، وقد صور (بوشكين) في شخصية (هيرمان ) بطل القصة نموذجا لبطل جديد مفترس نفعي ، له مظهر نابليون وروح خيلسيسن ، وتدور أحداثها حول مقامر يصاب بالجنون ، بعد أن يفشل في الحصول على بعض الأموال في لعب القمار ، وتعتبر أكثر روايات (بوشكين) الواقعية شيوعا.

- ناظر المحطة : تناول فيها مشكلة الظلم الاجتماعي .



يتبع ..

طوق اليمامة 09-19-2009 10:30 PM

رد: ..{ أدب روسي}..
 
أثر القرآن الكريم والرسول صلى الله عليه وسلم والاسلام على شعر بوشكين

فعلى الرغم من صدور الوف الكتب والدراسات عن بوشكين لم ينشر عن آثار الاسلام على شعره الا القليل .
ومن الذين ترجموا بعض شعر بوشكين من العرب الدكتورة المصرية مكارم الغمري عميدة كلية الآداب بعين شمس صاحبة «كتاب مؤثرات عربية وإسلامية في الأدب الروسي» ومالك صقور صاحب «كتاب بوشكين والقرآن والدكتور طارق مردود صاحب كتاب «بوشكين القصائد الشرقية» والشاعر العراقي حسن الشيخ جعفر صاحب كتاب قصائد مختارة لبوشكين».
وهناك قصيدة بعنوان «النبي» ترجمها الاربعة المذكورون أعلاه بقليل من التصرف نظراً لطبيععة الموضوع الحساس.

النبي

مهموماً بالظماً الروحي
كنت أجر خطابي في برية غير ذات زرع
عندما ظهر لي في مفترق الطريق
ملاك ذو أجنحة ستة
وبأصابع من نور، في مثل الحلم،
لمس حدقتي عيني،
فاتسعت الحدقتان النبويتان،
كما لو كانتا لنسر مذعور
ولمس أذنى
فأمتلأتا بضجة ورنين،
وشمعت رعود السماء
وتحليق الملائكة في الأعالي
وسريان زواحف البحر تحت الماء
وتبرعكم الكروم الأرضية
والصق نفسه بشفتي
وانتزع لساني
وبيده اليمني المضرجة
زرع بين شفتي المتجمدتين
لسان الحكمة
وشق صدري بسيفه
وانتزع قلبي الخفاق
وفي الصدر المفتوح
أدخل جمرة ملتهبة
وارتميت في البرية مثل جثة
وجاء صوت من الله يناديني:
«انهض أيها النبي وشاهد واسمع»
ونفذ إرادتي،
وجب البر والبحر
والهب بالكلمات قلوب الناس»

وفي قصيدة «استنطبول» نرى بوضوح حماسة «بوشكين» للإسلام وتحسده على ضعف الإسلام في استنطبول

- تنكرت استنطبول للنبي
استنطبول لأجل ملذات الرذيلة
غيرت السيف والدعاء
تنكرت استنطبول لعرق الجهاد
وأخذت تشرب الخمر في وقت الصلاة

هذا مع العلم بأن استنطبول كانت في مجابهة مع روسيا، وقصائد «بوشكين» المتعلقة بالاسلام مجموعة قصائد قبسات في القرآن وهي تسع مقطوعات وقد ترجمتها د. مكارم الغمري ود. طارق مردود ومالك الصقور.

القصيدة الأولى ترجمة دكتور مكارم الغمري تقول:

أقسم بالشفع وبالوتر
وأقسم بالسيف وبمعركة الحق
وأقسم بالنجم في الصباح
وأقسم بصلاة العشاء
لا لم أودعك

التأثر بالعبادات القرآنية واضح فيها وفي محاولة لترجمة المقطوعة الثالثة المتأثرة بسورة عبس ولقمان وغيرهما من السور، يقول مالك الصقور في بدايتها:

لماذا يتكبر الإنسان؟
آلانه جاء عارياً الى هذه ا لدنيا؟!
أم لأنه يعيش عمراً قصيراً ؟!
أو لأنه يموت ضعيفاً كما ولد ضعيفاً ؟!
ألا يعلم أن الله يميته وإن شاء يبعهث؟!
وفي مقطوعة أخرى متأثرة بآية النور تقول مكارم الغمري
لقد أضاءت الشمس في الكون
وأضاءات أيضاً السماء والأرض
مثل نبته كتان تمتليء بالزيت
تضيء في مصباح بلوري
صل للخالق فهو القادر
فهو يحكم الريح في يوم قائط
ويرسل السحب الى السماء
ويهب الأرض ظل ا لاشجار

ثم يقول في دعوة واضحة نحو النور الذي انزل على الرسول صلى الله عليه وسلم :

إنه الرحيم قد كشف
لمحمد القرآن الساطع
فلننساب نحن أيضاً نحو النور
ولتسقط الغشاوة عن الأعين

وفي القصائد التسع واحدة عن قصة نمرود مع إبراهيم عليه السلام وأخرى عن قصة عزيز الذي أحياه الله كما في سورة البقرة، وقصائد مستوحاة من سور أخرى ولكننا نكتفي بهذه الإضاءة مع تقديرنا لجهود الدكتور محمد علي البار في نشر هذه الامور التي يجهلها أكثرنا



يتبع ..

طوق اليمامة 09-19-2009 10:33 PM

رد: ..{ أدب روسي}..
 
الكونت تولستوي


هو هذا "الباحث عن الحقيقة"، والثائر بسبب الفقر وحزن الموت واللامبالاة من الآخرين والعبودية والعسكرية والنفاق، وهو في نفس الوقت هذا المثقف ذو التطلع الفضولي على الثقافات الأخرى. لقد اشتهر "تولستوي" بأنه أحد كبار الكتاب الروس وخصوصا مع رواياته العالمية "الحرب والسلام"، "وأنَّا كارنينا". وقد ولد عام 1828، في طبقة بورجوازية روسية. إن فترة نموه غير العادي جعلته رجلا جذابا وذا ثراء داخلي مؤثر ورائد "اللاعنف". تسببت أزمة دينية وأخلاقية في تغيير فكره وطريقة معيشته وتأمله للحياة. يا له من تحول حقيقي! كانت الأعوام ما بين 1879-1886 حاسمة، وهذا يتضح من خلال أعماله (اعترافات، نقد عقيدة اللاهوت، توافق وترجمة الأناجيل الأربعة، علام يرتكز إيماني وماذا يجب أن نفعل؟) أو أنه طور-بالتدريج-الفكر الذي يدين أساسا العنف وخصوصا عنف الدولة وسيصبح منشقا في بلده ومفصولا ومراقبا من قبل الكنيسة الأرثوذكسية. يرى "تولستوي" أن الدولة المستبدة أو المتحررة ليست إلا "منظمة للعنف ليس لها أي مبدأ سوى التعسف الخشن".

كان "تولستوي" والدا لـ12 طفلا وهجر التدخين والشرب والصيد واللحم، وارتدى ملابس مثل الفلاح. وقطع بنفسه أشجار الغابة وصنع ألأحذية". فتح-في ملكيته بـ"إيسائيبولينا"- مدرسة للأطفال الفقراء وجرب الوسائل التربوية غير الصارمة وغير العنيفة وكان هذا تجديدا حقيقيا في هذا العصر. حدد "تولستوي" هكذا ما أسماه بـ"الحياة الحقيقية": إنها "الحياة التي تضاف إلى الخير المتراكم من الأجيال السابقة، والتي تزيد هذا الإرث في الحاضر وتوصي به إلى الأجيال في المستقبل". لقد رفض "تولستوي" أيضاً العنف الثوري المضاد مثل الذي حدث أثناء الثورة الروسية الأولى 1905: "العنف يولد العنف ولهذا تتمثل الطريقة الوحيدة للتخلص منه في عدم ارتكابه".

أثر "ليو تولستوي" كثيرا على فكر "غاندي" وتراسل معه.

تعتبر رواية "الحرب والسلام" رواية أسطورية للأدب الروسي ليو تولستوي، وهي نموذج للحكايات التاريخية الكبيرة للقرن العشرين وتدور حول الأحداث الكبيرة التي حدثت في بداية القرن التاسع عشر، ومنها أحداث "قرية اوستريلتر" في عام (1806-1805). و"برودينو" وحريق موسكو عام (1813-1812). وكانت تتناول الحياة السياسية والحب والكراهية. وقد ترجمت لأول مرة في فرنسا ضمن سلسلة (الميراث الأدبي) لأكاديمية العلوم. وكانت هذه السلسلة تتيح للقارئ معرفة طرق التفكير والإبداع الفني، بالإضافة إلى الانعكاسات الفلسفية والإيقاع السريع.


يتبع ..

طوق اليمامة 09-19-2009 10:34 PM

رد: ..{ أدب روسي}..
 
يتحدث الكاتب الروسي الشهير تولستوي في قصة من قصصه عن شيطان هبط في قرية ليعلم سكانها كيفية تحويل القمح إلى خمر، فيتعلم السكان ذلك ونراهم يستهلكون القمح كمشروب كحولي، ثم يرصد نتائج هذا " التقدم التكنلوجي" الذي اكتسبه أهل القرية بواسطة الشيطان، فأول نتيجة هي ارتفاع أسعار القمح إلى أرقام فلكية، وبالتالي ازدياد عدد الفقراء وانتشار الجوع بينهم لعجزهم عن شراء القمح، كما أن انتشار المسكرات وسهولة الحصول عليها أدى لكوارث في القرية، وبالمحصلة النهائية تخربت حياة هذه القرية وتوزعت مصائر سكانها بين موت من الجوع، أو قتل، أو سجن، أو اغتصاب.



أراد تولستوي عبر هذه القصة الرمزية إدانة الروح الاستهلاكية التي بدأت تنتشر في روسيا القيصرية في ذلك الوقت مع انتشار الرأسمالية فيها. أراد إدانة عقيدة الاستهلاك التي تحول المواد الثمينة النبيلة الضرورية لحياة الناس إلى مواد استهلاكية مدمرة، فحولت القمح، الذي يرمز إلى أنبل ما في الوجود فهو سر حياة البشر. حولته إلى مادة استهلاكية مفسدة للروح و العقل فدمرت المجتمع.

يتبع ..

طوق اليمامة 09-19-2009 10:40 PM

رد: ..{ أدب روسي}..
 
الرواية الخالدة.....


انا كارنينا



ملخص الرواية:

آنّا كارنينا رائعة تولستوي رواية تحكي قصة آنا الزوجة التي حُكم عليها بعلاقة عاطفية أبعدتها عن ابنها الوحيد... ورمت بها في زوايا مجتمع حكم عليها بالازدراء والمهانة. وروعة آنا كارنينا ليست من طبيعة الحكاية فهناك المئات من هذه القصص، ولكن روعتها تنبع من براعة تولوستوي في التداخل مع الحدث في جريانه... وفي متابعته متابعة تسهم في خلق واقع نفسي نظري، فتغدو الحوادث مشاهد تتحرك أمام القارئ، وتغدو المشاعر ملامسة لشفاف نفسه وعقله وروحه فيتحد بصورة لا شعورية مع آنا تلك التي شاءت لها أقدارها أن تكون أماً وقبلاً زوجة في مهب الريح.
البعد الاجتماعي للرواية:
نشرت "أنا كارنينا" كسلسلة في الفترة الممتدة بين أعوام 1773-1877 حيث أثارت لغطا شديدا في الأوساط الثقافية. نشرت هذه الرواية في أعقاب رائعة "تولستوي" "الحرب والسلام" أعوام (1863-1869), حيث رسخت مكانته كواحد من أهم كتاب القرن التاسع عشر. في هذه الرواية يتناول "تولستوي" التحولات الجذرية التي شهدها المجتمع الروسي, حيث يتناول قضية الأرض التي تعرف أيضا بـ"قضية الفلاح" والتي مثلث مسألة سياسية كبيرة في "روسيا" في الوقت الذي تدور فيه أحداث "أنا كارنينا".

في نفس الوقت, كانت "روسيا" تجتاز على مضض عملية تحديث، حيث استمدت التغيرات التي شهدها المجتمع الروسي أصولها من التغيرات التي حدثت في أوروبا التي ظهرت بها مفاهيم جديدة مثل الديمقراطية واللبرالية، وقد بدأت تزحف هي والتغيرات الاجتماعية التي صحبت المبتكرات الصناعية إلى "روسيا" خلال الفترة الممتدة بين منتصف السبعينات من القرن التاسع عشر حتى أواخر القرن العشرين. بينما تناول الكثير من المفكرين وأعضاء المجتمع هذه الظاهرة من منظور إيجابي، فإن آخرين مثل "تولستوي" فزعوا من المظاهر السلبية للتقدم الغربي، مثل ظهور الرأسمالية وتفسخ العلاقات الإنسانية وتدهورها وعدم ارتباط الناس بالأرض.
قد تم التعبير عن مخاوف "تولستوي" فيما يلي: ليس كل المبتكرات الغربية تناسب أو يمكن أن تكون ذات فاعلية في "روسيا". ومن مشاهد رواية "أنا كارنينا" التي يؤكد فيها "تولستوي" هذا المبدأ، ذلك المشهد الذي يحاول فيه "لفين" أن يطبق نظرية زراعية جديدة على مزرعته، لكن ذلك يقابل بمعارضة الفلاحين أنفسهم، حيث كان لهذا المشهد مدلوله الواقعي. إن كمَّا كبيرا من البناء الروحاني في "أنَّا كارنينا" مستمد من حياة "تولستوي" الشخصية، حيث اجتاز "تولستوي" الكثير من الأزمات الدينية خلال حياته، لإيجاد الوازع الديني الذي يتصدى لعداوة وبغضاء الكنيسة الأرثوذكسية اليونانية. على الرغم من أن الموقف النقدي من رواية "أنَّا كارنينا" كان كبيرا، وكان العامة ترتعد أوصالهم لقوة ما يقصه "تولستوي" وينشره، لكن "تولستوي" نفسه لم يكن راضيا عن الرواية، وبعد انخراط "تولستوي" في كتابة الكتابات التعليمية يكون قد ابتعد كثيرا عن كتابة الروايات حقا، وباستثناء قصته القصيرة الرائعة "موت إيفان إليتش" ورواية "البعث" لم يكتب "تولستوي" عملا رائعا مثل "أنًّا كارنينا" بعدها


يتبع ..

طوق اليمامة 09-22-2009 12:53 PM

رد: ..{ أدب روسي}..
 
غوغول ملك السخرية السوداء



نيقولاي فاسيليفاتن غوغول (أو جوجول كما تشاء)، من مواليد 19 مارس 1809 بروسيا، وهو أحد رواد القصة القصيرة في العالم قبل تشيخوف، كانت أول مجموعة قصصية له بعنوان "سهرات الكوخ"، وقد صدرت سنة 1831، وحظي بشهرة أدبية واسعة ولاقت نجاحا كبيرا بين القراء. وفي سنة 1835 نشر "ميردورود" و"الزخارف" التي تضم مقالات نقدية وتاريخية وقصصا أهمها "الصورة" و"يوميات مجنون" و"ميدان نيوسكي".

وفي "يوميات مجنون" يتتبع غوغول هواجس رجل تمضه الأفكار المظلمة كثيرا، وتعبث في نفسه وجسده وعقله، وكان جنونه بدعة بل فكرة كمنت في رأسه واستحالت إلى عناد مهلك التهم صحته. وقد أنشأ كراسة ضمنها قصة حياته ويستطيع المرء كنه مرضه.

طوق اليمامة 09-22-2009 12:55 PM

رد: ..{ أدب روسي}..
 
انطون تشيكوف

إنسانٌ متواضع، وحيد وغامض



قصة الحارس الليلي


- مَن هناك؟

لم يأته رد. ولم يكن بمقدور الحارس ان يرى شيئا. رغم زئير الريح المتواصل وارتطامها بالشجر، كان يسمع وقع اقدام تتقدمه على امتداد الطريق. ليلة من ليالي آذار (مارس). السماء ملبدة بالغيوم، والضباب الكثيف يغلف كل شيء، وخيل للحارس بأن الأرض والسماء وهو نفسه مع أفكاره قد توحدوا جميعا في هيئة واحدة هائلة منيعة تتسربل بالسواد. كان يتلمس طريقه في تلك العتمة الكثيفة.

عاد الحارس يصيح مناديا:

- من هناك؟

وبدأ يتخيل بانه يسمع همسا وضحكة مكتومة.

- من هناك؟

- أنا...ايها الصديق.

جاءه صوت رجل عجوز.

- ولكن من تكون؟

- أنا....مسافر.

عندها صرخ الحارس بغضب، وهو يحاول أن يخفي رعبه بالصراخ.

- أي نوع من المسافرين أنت؟ ماذا تفعل بحق الشيطان في مثل هذه الساعة داخل المقبرة؟

- ماذا ؟! أتقول أنها مقبرة ؟!

- وماذا تكون؟ بالطبع أنها مقبرة. الا ترى ذلك؟

جاءه صوت الرجل العجوز متنهدا:


- يارب السموات! لكني لا أرى شيئا. لا استطيع حتى أن أرى يدي أمام وجهي.


- ولكن من تكون؟

- أنا حاج...يا صديقي

عندها انطلق الحارس يغمغم لنفسه بتذمر:

- الشياطين وطيور الليل...نوع جيد من الحجاج...وكذلك السكارى. يسكرون طوال النهار ويخرجون في الليل ليجوبوا الطرقات

ثم أضاف بعد لحظة صمت.

- يخيل لي اني سمعت أكثر من صوت، كأنكم إثنان أو ثلاثة.

- إنني لوحدي يا صديقي، لوحدي. آآآآآآ....كم نرتكب من ذنوب.....

وتعثر الحارس بالرجل فتوقف.


- كيف جئت إلى هذا المكان؟

- فقدت طريقي ايها الرجل الطيب. فأنا متجه إلى (متريفسكي ميل) ولكن يبدو أنني قد ضعت.

- نعم، هذا صحيح، فالطريق إلى (متريفسكي ميل) ليست من هنا. كان عليك أن تتجه إلى اليسار. تخرج من المدينة مباشرة لتسلك الطريق الخارجي. واضح انك توقفت في المدينة لتشرب بضعة كؤوس، ولهذا انت الآن تائه.


- نعم يا صديقي فعلت ذلك. لن أخفي ذنوبي، ولكن ماذا افعل الآن؟

- تستمر حتى نهاية الطريق، ثم تنعطف معه إلى اليمين وتسير حتى تصل البوابة وهي نهاية المقبرة، تفتحها وتخرج مصحوبا بالسلامة. وحاذر أن تسقط في الغدير. بعد المقبرة تسير بمحاذاة الحقول حتى تصل الطريق الرئيسي.

- أعطاك الرب الصحة والعافية يا صديقي، وحمتك السموات. كن رحيما معي أيها الرجل الطيب وسر معي حتى البوابة.

- لا ليس عندي الوقت لذلك، عليك أن تذهب لحالك.

- كن رحيما، وسوف أصلي من أجلك. فأنا لاأستطيع أن أرى شيئا. المرء لايستطيع أن يرى كفيه أمام وجهه بسبب الظلمة. دلني على الطريق يا سيدي.

- كما لو أنني لدي الوقت الكافي كي أكون دليلا لك. هذا غير ممكن يا سيد.

- بحق السيد المسيح، أتوسل إليك أن تدلني على الطريق، فأنا لا أرى شيئا. ثم إنني أخاف أن أسير وحيدا في المقبرة. إنه أمر مرعب ومخيف.


يتنهد الحارس أخيرا ويقول:


- يبدو أن لا خلاص منك. حسنا، هيا بنا.


وسارا سوية، الحارس والمسافر، متلاصقين وصامتين. وكانت الريح المشبعة بالرطوبة تضرب وجهيهما مباشرة، بينما خشخشة الأشجار الخفية تنثر قطرات الماء عليهما، وكانت الطريق مغطاة بالوحل تماما.


قال الحارس بعد فترة صمت دامت طويلا:

- نسيت أن أسالك. كيف دخلت المقبرة والبوابة مقفلة؟ هل تسلقت السور؟ إذا كنت حقا قد فعلت ذلك، فهذا آخر شيء اتوقعه من رجل كبير السن.


- لا أدري يا صديقي، لا أدري. انا نفسي لا اعرف كيف حصل هذا. إنه عقاب من الله...إذن أنت حارس هنا يا صديقي؟

- نعم.

- الوحيد على كل المقبرة؟

ضربتهما في تلك اللحظة لفحة ريح هوجاء فتوقفا في مكانهما، وانتظرا حتى تجاوزتهما. عادا ليواصلا سيرهما. أجاب الحارس:

- نحن ثلاثة. أحد الإثنين الباقيين مريض بالحمى، والآخر نائم، ويستلم واجبه من بعدي.

- آآآآ...فقط اردت أن أتأكد ياصديقي. يا لها من ريح. تعوي كأنها وحش. آوووووووه...

- ومن أين أنت قادم؟

- من مكان بعيد يا صديقي. أنا من فولوغدا. أتنقل من مكان مقدس إلى آخر وأصلي للناس. فليحفظني الله ويشملني برحمته.

توقف الحارس كي يشعل غليونه. إنحنى خلف ظهر المسافر واشعل بضعة عيدان كبريت. وهج العود الأول أضاء لوهلة على الجانب الأيمن من الطريق شاهدة قبر بيضاء بملاك وصليب أسود. العود الثاني توهج وانطفأ بسبب الريح. ظهر كأنه برق مندفع إلى اليسار فكشف عن جانب لشيء أشبه بسقيفة. عود الكبريت الثالث اضاء جانبي الطريق كاشفا عن شاهدة القبر، الصليب الأسود، وسقيفة لضريح طفل. غمغم الغريب وهو يتنهد بصوت مرتفع:

- النائمون الغائبون، النائمون الأعزة. كلهم سواء في نومهم، الأغنياء والفقراء، العاقلون والحمقى، الطيبون والأشرار. لا فرق بينهم على الإطلاق، وسيبقون نائمين جميعا حتى النفير الأخير. لتكن جنة الخلد مأواهم يسكنونها آمنين.

أجابه الحارس معلقا:

- الآن نحن نتحرك ونتحدث عنهم، ولكن سيأتي اليوم الذي نرقد فيه إلى جانبهم.

- دون شك سنموت جميعا. ليس هنالك من لا يموت. آآآآ...وافعالنا، وأفكارنا..شريرة، ماكرة ومخادعة...

- نعم ، لكنك ستموت يوما.

- دون شك يا صديقي.

يواصل الحارس تعليقه قائلا:

- الموت على حاج أسهل منه على أشخاص مثلنا.

- الحجاج أنواع، هنالك الحقيقيون الذين يخافون الله ويحرصون على عدم معصيته، وهنالك التائهون الضائعون في المقابر يوسوس لهم الشيطان بشتى المعاصي. يستطيع أحدهم الآن أن يفتح رأسك بفأس ويضع حدا لحياتك.

- لماذا تتحدث معي بهذا الشكل؟

- اوه..لا شيء، مجرد خيالات. أعتقد أننا وصلنا البوابة، هيا افتحها أيها الرجل الطيب.

تحسس الحارس طريقه نحو البوابة و..فتحها، ثم أمسك بالحاج من كم ردائه وقاده إلى الخارج قائلا:


- هذه هي نهاية المقبرة، والآن عليك أن تسير عبر الحقول المفتوحة حتى تصل الطريق الرئيسي. فقط حاذر من السقوط في الغدير القريب من هنا.


يتنهد الحاج بعد لحظة صمت ويقول:


- لا أظن أني سأذهب إلى (متريفسكي ميل). لا أرى سببا لذلك. سأبقى معك بعض الوقت يا سيدي.


- ولأي سبب تبقى معي؟


- أوه..أعتقد أن البقاء معك أفضل.


- إذن، فقد وجدتَ رفقة حسنة. أرى أنك مولع بالمزاح أيها الحاج.


قال الحاج وهو يكتم ضحكة غليظة:


- إذا أردت الحق، نعم، أنا كذلك. آآآآ...أيها الرجل الطيب، أراهن أنك ستظل تتذكرني لسنوات طويلة.

- ولماذا... سأظل أتذكرك؟

_ لقد أتيتك من حيث لا تدري....فهل أنا حاج؟ لا..أنا لست حاجا على الإطلاق.

- فماذا تكون إذن؟

- مجرد رجل ميت. لقد نهضت من تابوتي للتو. أتذكر صانع الأقفال غوبارييف الذي شنق نفسه في أسبوع الكرنفال؟ حسنا، أنا غورباييف.

- قل شيئا آخر.

لم يصدقه الحارس، لكن قشعريرة باردة سرت في جسده، واستولى عليه رعب ضاغط، فاندفع متعجلا يتحسس البوابة. لكن الغريب أمسك به من ذراعه وصاح به:

- هَه..هَه..هَه، أين أنت ذاهب؟ هل من اللياقة أن تتركني لوحدي.

عندها صرخ الحارس وهو يحاول ان يتحرر من قبضة الغريب:


- أتركني، أتركني...


- توقفْ. قلت لك توقفْ..، فلا تقاوم ايها الكلب القذر. إذا أردتَ أن تبقى بين الأحياء، فتوقفْ وامسك لسانك حتى أقول لك. لو كنتُ اريد قتلك، لكنتَ الآن ميتا منذ زمن. هيا..توقفْ أيها الخسيس...

ومن شدة رعبه، أغلق الحارس عينيه، متكئا على السور. وكانت ساقاه تهتزان بشدة تحته. كان يريد أن يصرخ مستنجدا، لكنه كان يعرف بأن صوته لن يصل أحدا من الأحياء. وكان الغريب واقفا إلى جانبه ممسكا بذراعه.

مرت ثلاث دقائق دون أن يتكلما. أخيرا خرق الغريب الصمت محدثا نفسه:

- أحدهم مصاب بالحمى، والآخر نائم، والثالث يرى حُجاجا على الطريق. هل تعرف بأن اللصوص أكثر شطارة منكم. توقفْ.. لاتتحرك..

ومرت عشر دقائق وهما في صمت تام. فجأة جلبت الريح صوت صفير. عندها قال الغريب تاركا ذراع الحارس:

- الآن يمكنك ان تذهب. هيا اذهب واشكر ربك لأنك ما تزال حيا.

أطلق الغريب صفيرا أيضا، وركض عبر البوابة، وسمعه الحارس وهو يقفز فوق الغدير.

كان ما يزال يرتعد من رعبه، عندما فتح البوابة وانطلق يركض وهو مغمض العينين، وفي داخله يراوده إحساس ينذر بالشر.

وعند انعطافته إلى الطريق الرئيسي، سمع وقع خطوات مسرعة، وصوتا يسأل:


- أهذا أنت يا تيموفي؟ أين ميتكا؟

وظل يركض حتى نهاية الطريق الرئيسي، عندها لاح له ضوء خافت في العتمة. وكان خوفه وإحساسه بوقوع الشر يتعاظم ويكبر وهو يدنو من الضوء. قال محدثا نفسه:


- يبدو أن الضوء قادم من الكنيسة. ولكن كيف حصل هذا؟ فليحمني الرب ويشملني برحمته.


وقف الحارس لبرهة أمام النافذة المحطمة، ينظر برعب إلى المذبح. كانت هنالك شمعة صغيرة، يبدو ان اللصوص نسوا أن يطفئوها، كان ضوءها يهتز مع الريح، فينشر بقعا داكنة حمراء فوق الأردية المتناثرة على الارض، والخزانة المقلوبة وآثار الأقدام المنتشرة عند المذبح.

مر بعض الوقت والحارس متسمر في موضعه، والريح تعوي.. ويختلط عواؤها بخشخشة وصليل الأجراس...

طوق اليمامة 09-22-2009 12:57 PM

رد: ..{ أدب روسي}..
 
انطون بافلوفيتش تشيخوف ( 1860 – 1904 )



واحد من أكثر الكتاب شهرة و المقروءين جداً في روسيا وفي البلدان الأخرى.. فمسرحيات تشيخوف، والتي لم تكن تتمتع، خلال حياته، بنجاح خاص، نجد انه من جديد يتم إخراجها على احسن واشهر الخشبات المسرحية في العالم، وفي مختلف اللغات، و أن المخرجين يجدون جانباً واحداً، وثانيا وثالثاً، سابقاً غامضاً وغير مكتشف فيها، بالضبط كما لو أن تشيخوف كان على تلك الدرجة من التعقيد و الغموض بالنسبة للجمهور وبالنسبة للقراء ككاتب قصة وككاتب مسرحي. النثر لديه في منتهى البساطة. كل شيء شفاف و مفهوم. لكنها بساطة واختصار مخادعين. الخجل، اللباقة الفائقة، والحصافة مع غياب أي ميل للثرثرة والديماغوجية، إلى جانب طبع يمتاز بالطيبة والإيثار ـ هذه هي مواصفات شخصية الكاتب.

وكم من الفرضيات والتكهنات التي دارت حول ما إذا كان تشيخوف مسيحياً أم مادياً ملحداً!. بل كان هناك رأي هو ".. إن تشيخوف الطبيب لم يكن مؤمناً.."، كذا. لقد كتب الكثيرون عن عدم كون تشيخوف مؤمناً، لكن أعماله ـ كلها بلا استثناء ـ تشهد على العكس. فالبحث عن الحقيقة، عن الله، فضح الزيف والخسة، الكشف عن الخواء الروحي، إلى جانب محبة الناس والعطف عليهم والبحث عن معنى الحياة ـ هذه هي المعاني الرئيسية لمجمل إبداع الكاتب.

إن طبع انطون بافلوفيتش، الليِّن والرقيق لدرجة الإدهاش، قد تشكل على الرغم وبالضد من الأسلوب العنيف للتربية التي تلقاها في طفولته. لقد كان والده طاغية ومستبداً، غالباً ما كان يلجأ إلى العقوبات الجسدية، كان يضربهم من اجل كسرة خبز أعطوها للكلب. كانوا يأكلون حتى الشبع فقط عندما يحلّون ضيوفاً. لقد تربى الأطفال في ظلِّ القسوة و الانصياع، كما كان " يحشي" لهم دماغهم بقوانين الرب، وكان يلجأ إلى إيقاظهم ليلاً أو يضربهم على أي خطأ يرتكب عند قراءة نص من الكتاب المقدس.. وحسب تعبير الكاتب نفسه، لقد " بالغ الأطفال في صلواتهم "، ولم يكن في إيمان الوالد لا حب و لا رحمة و لا طيبة. كان الرب يبدو مرعباً و مخيفا. " الاستبداد و الكذب نهشا طفولتنا لدرجة أن تذكّر ذلك يبعث على الغثيان والقرف ".

" أنا تلقيت في طفولتي تعليم ديني ومثله من التربية مع غناء كنسي، قراءة الرسل... والقيام بالصلاة الصباحية في الكنيسة بشكل منتظم... والمساعدة في الطقوس على المذبح، وقرع الجرس. و ماذا ؟ حين أتذكر اليوم طفولتي فإنها تبدو لي مظلمة بما في الكفاية، وانه ليس عندي من الدين شيء. يجب القول، أنه حين كنا، أنا و اخوتي نغني وسط الكنيسة trio التوبة" أو" لحن آرخانكلسك"، فقد كان الجميع ينظرون إلينا بحنان وكانوا يحسدون والديَّ، بينما نحن كنا نحس و كأنه محكوم علينا بالأعمال الشاقة " ( من رسالة ).

وهنا يمكن أن نسأل، من أين تلك الطيبة " التشيخوفية "، تلك العاطفة و تلك الوداعة ؟ إنَّ نور تشيخوف لا زال يُدفئ حتى الآن. فلا مكان للانقباض والكآبة في قصصه، وسخريته ناعمة لا تجرح أحدا. لاشيء يذهب أدراج الرياح. لاحظوا كيف أن عادات الحياة في الكنيسة وطباع الرهبان منثورة بتؤدة و بمعرفة في اقصوصات وقصص تشيخوف ! إنها من طفولته، ولتكن قد اكسبها مسحة قاتمة العنف الأبوي على الروح الفتية.

أنهى تشيخوف معهد الطب وعمل طبيبا ممارساًً. ولذلك هناك عدد كبير من الأطباء بين أبطال قصصه ـ آستروف، ديموف، إيونيتش، أبطال سلسلة القصص " جراحة "، " السرير رقم 6 "، وغيرها الكثير.

جهد تشيخوف من اجل إعالة جميع أفراد عائلته. مرض بداء السل منذ أن كان عمره 13 عاماً، وكان يعرف تشخيص مرضه، لكنه لم يعالج نفسه نهائياً. ما هذا، نفسية الطبيب؟ وهو ينفث الدم، سافر في رحلة مضنية إلى جزيرة ساخالين. هل أراد أن يذري حزنه بعد وفاة أخيه المحبوب أم أراد رؤية المذنبين التائبين بأم عينيه ؟ سراب، فقد اختفت الأوهام الوردية. اقرءوا كتابه " جزيرة ساخالين " ـ إنها بحث مستفيض لحالة الناس الساقطين روحياً. طباع خشنة، غياب أي نوع من التوبة، الرذيلة في افضح صورها. لقد أجرى تشيخوف، حسب يومياته، آلاف المحادثات. قائمة طويلة حول ما كان الناس ـ منفيون و مهاجرون ـ بحاجة إليه، راحت تكبر وتكبر. وقبل كل شيء ـ الأدوية. وقد ثابر تشيخوف على إرسالها لهم حتى وفاته. هناك، على جزيرة ساخالين بالضبط، سنحت الفرصة لتشيخوف أن يلتقي اثنين من القساوسة، خدم الرب، اللذين ذهبا إلى هناك، استجابة لنداء الواجب، من دون أي ضجيج، من اجل مساعدة المنبوذين والساقطين، ليساعدوهم وليخففوا عنهم بما استطاعوا.

عام 1901. حفل زفاف في كنيسة بموسكو على الممثلة المعروفة أولغا ليوناردوفنا كنيبّر. لم تنجح الحياة العائلية. هي في موسكو، هو في يالطا. رسائل رقيقة، لطيفة.

عام 1904. نصحه الأصدقاء بالسفر " للعلاج " في المصح الدارج حينئذٍ ـ مكان صغير بادن فيير في ألمانيا، حيث توفي انطون بافلوفيتش تشيخوف، بعيداً عن الوطن وعن الأصدقاء. بجانبه كانت فقط أو لغا ليوناردوفنا، التي كانت، كما يُعتقد، غير مبالية تجاه الإيمان و تجاه الرب. لكن من يدري، فقلب الإنسان مجهول. حتى أثناء منازعته الأخيرة كان انطون بافلوفيتش غامضاً بما فيه الكفاية. كان يقلقه شيء واحد فقط: أن لا يزعج أحدا. وحين ساءت حالته ليلاً، طلب استدعاء الطبيب، لكنه تمنى عدم إيقاظ الصبي لكي يذهب من اجل اسطوانة الأكسجين. فهو لن يلحق في جميع الأحوال. جاء الطبيب. طلب تشيخوف كأساً من الشمبانيا. قال بالألمانية: "ايخ شتيربي " ( إني أموت ). وبهدوء، دون أي اختناق مبرّح ـ وهذا نادراً ما يحدث عند وفاة المصابين بالسل ـ انتقل إلى العالم الآخر...

تم نقل جثمان الكاتب الروسي العظيم إلى روسيا. وتم دفن تشيخوف في مقبرة " نوفوديفيتشي " في موسكو. آخر رسالة كتبها إلى أخته: " ساعدي الفقراء. احفظي الوالدة. عيشوا بسلام ". كانسان متواضع و نظيف، عاش كما كتب: " في الإنسان كل شيء يجب أن يكون رائعاً: وجهه، و ثيابه، وروحه، و أفكاره " ( دكتور آستروف، " الجد فانيا " ).

أحدهم أحصى أن في كتابات تشيخوف تعيش وتعمل ثمانية آلاف شخصية. حتى القصص القصيرة " مسكونة " بكثافة ـ وكل بطل ـ شخصية متكاملة. ودون أن يكون مع ذلك لا مقدمات و لا وصايا في الأخلاق. الحوارات متنوعة جداً، لكن الموضوع تقريبا واحد: موات الروح البشرية، عن القيم الكاذبة، الأبدية والعابرة اللحظية، العطف نحو المستضعفين والمهانين. و.. لين مدهش، فكاهة لا تبلغ حد التهكم، " تشيخوفية " بامتياز، لا تشبه الضحك " الغوغولي " من خلال الدموع...

هناك الكثير الكثير من الكتابات والدراسات عن تشيخوف، عن حياته وعن إبداعه. مع أن قصصه، رواياته ومسرحياته منتشرة بدرجة واسعة جداً. ولذلك سأحاول التركيز فقط على بعض الجوانب التي، من وجهة نظري تعتبر بالنسبة لنا ممتعة و هامة.

كتب تشيخوف، بناء على الطلب، قصصاً مكرسة للكنيسة و لأعياد الفصح.. لكنها لم تكن تبدو كتوصية، بل كانت دوماً نابعة من القلب، وتحمل الطابع الجدي للإبداع كاملاً.

" فانكا ". صبيٌّ يكتب عن حياته القاسية إلى إنسان قريب منه، إلى جدّه، وذلك في ليلة عيد الميلاد، عندما يعيش المرء بشكل خاص المعاناة، يتذكر ما هو جيد، يشعر بالمأساة: لماذا أنت في هذا اليوم توجد عند الغرباء وليس مع الجد. أصحاب البيت، أولئك الذين " يجرّون" الصبي لأتفه شيء، قد ذهبوا إلى صلاة الصبح. حالة نادرة: فانكا وحيد، وبإمكانه كتابة رسالة من غير عجلة. تفصيل صغير: الصبي يكتب وهو يجثو على ركبتيه أمام المقعد. النافذة مظلمة، تنعكس من خلالها شمعته، كما لو أنها " شاشة ". ترتسم في مخيلته صورة الجد الحبيب الكلب فيـون. و بفرح تتلألأ النجوم المتناثرة في السماء. ودرب التبّان يظهر بوضوح، كما لو انه قبل العيد قد تم غسله ومُسحَ بالثلج.

قصة صغيرة للغاية. لكن كم فيها من الألم والرقة والسذاجة القدسية للصبي. والنهاية الثاقبة. فالصبي، بعد أن ألقى بالرسالة في صندوق البريد، وقد داعبته آمال حلوة رائعة، ينام بعمق دون أن يعرف، أن رسالته المعنونة باختصار " إلى القرية، إلى الجد "، لن تذهب إلى أي مكان ولن تصل لأي كان.

والقصة الرائعة المكرّسة لعيد الفصح ـ " القوزاق ". " جنازة " وقصة مضحكة، مُـرّة. وكما ذكرنا، إن موضوع الإنجيل يبرز في الرواية الوثائقية " جزيرة ساخالين ". كلمة طيبة عن القساوسة ـ الرسل، الذين يتحملون الحرمان كما الجميع، ويعاملون المنفيين ليس كمجرمين، بل كأناس تعساء للغاية. و قصة " المزمار ". يفكرُ الحدائقيُّ: أربعون سنة و أنا ألاحظ عاماً بعد عام كيف إن، الأمر بيد الرب اعرف، كل شيء يسير إلى نهاية واحدة.. إلى الأسوأ، أراهن. على الأرجح، إلى الدمار... لقد جاءت لحظة النهاية لعالم الرب... و، يا إلهي، كم مؤسف ! هذه، طبعاً، إرادة الرب، العالم ليس نحن من صنعه، يا أخي، لكن مؤسف... كم من الخير، يا سيدي المسيح ! ".

لقد تنبأ تشيخوف بكارثة الثورة، بما في ذلك نتائج التطور التكنولوجي. " الإنسان الروسي الجديد " لوباخين يقطع الأشجار في حديقة الكرز ـ جمال رباني، حديقة التقاليد الروسية، حديقة الثقافة والروح الروسيتين... لربما، إن تشيخوف لم يرَ مخرجاً من المأزق، لم ير حلاً بديلاً.. بالمناسبة، هل واضح اليوم وسهل ـ إلى أين وكيف لروسيا أن تسير ؟ و إن الأمر، على الأرجح، ليس في قتل حديقة الكرز، بل في ضعف و قصور الناس " الجيدين" المثقفين من مثال رايفسكايا والجد فانيا مع سونيا ( شخصيات محورية في قصص الكاتب ـ المترجم).

من خلال الكثير من القصص تمر كالخيط فكرة أفقدت تشيخوف السكينة والهدوء: عن الأيمان الكاذب، الاستعراضي، عن المسيحية الميتة، عن الظلمة و الجهل. فالأيمان الكاذب يسبب الانهيار، الشخصي والوطني. عن هذا كتب الكثير كل من تولستوي و ليسكوف، لكن تشيخوف يعكس ذلك بطريقته الخاصة المختلفة، بسهولة ومع شيء من السخرية.

لقد عاد تشيخوف اكثر من مرة في كتاباته إلى الموضوع الذي طالما أقلقه ـ الأيمان الشكلي، الروتيني - بحكم العادة، والذي مع ذلك يرافقه خواء روحي كامل ـ وقام بدراسته من جوانب مختلفة. وهو، بالمناسبة، موضوع ملح في كل الأوقات.. اليوم في روسيا لو تسأل أيا كان ـ الجميع مؤمنون.. فلماذا إذن كل هذا العدد من حالات الانتحار والجرائم وعلى مختلف المستويات.. ليس بسبب الفقر على كل حال... يقولون انهم يؤمنون بالله، أما الواقع ـ فراغ من الداخل. هل يا ترى ممكنة الانتقالات والتحولات من المسيحية الشكلانية إلى المسيحية الحية وبالعكس ؟ كأن تعلن التوبة، تتعمد ومن ثم فجأة تبدأ السكر وتدخل في حالة من الضلال ؟! كما تبرهن الحياة، توجد هكذا حركة في هذا الاتجاه وفي الاتجاه المعاكس...

حين كان يسأل تشيخوف السؤال التقليدي: أي أعماله أكثر قربا لقلبه، فقد كان يجيب بشكل دائم: قصة " الطالب". وهذا لأمر يبعث على السرور، لأن تشيخوف يظهر هنا بالضبط وبشكل موجز للغاية ذلك الانتقال من القبول الاعتيادي للإنجيل ككتاب اثري إلى الفعل الذي يحمله الكلام الإلهي على الإنسان. موضوع القصة بسيط. طالب من الأكاديمية الروحية، تحت تأثير الإحساس بالواجب، يذهب في اليوم السابق لعيد الفصح ليقرأ من الإنجيل على الأرامل في حاكورات منازلهن. إنه جائع وحزين ، و يشعر بالبرد. هو لا يرى في " عمله العبادي " أي معنى. يبدأ بالحديث عن تبرؤ بطرس ( المقصود به نكران بطرس للمسيح ـ المترجم )، عن البكاء المرير للحواري، وعن عذابات الضمير لديه. و فجأة يرى التلميذ كيف إن إحدى النسوة تبكي. فيشعر بالقلق: هذا يعني أن كل ذلك الذي حدث في تلك الليلة الرهيبة مع بطرس يلامس هذه المرأة بشكل ما. إذا بكت العجوز، فليس لأنه هو، الطالب، يجيد التحدث بشكل مؤثر، بل لأن بطرس و معاناته قريبان ومفهومان بالنسبة إليها.

و عن تعاسة آخرين ـ " الإنسان المعلب " و " موت موظف ". ربما أحد ما يعرف نفسه فيهما. بيليكوف، الإنسان المعلّب، الذي يحظر كل شيء ويخاف من كل شيء ـ " ربما يحدث كذا وكذا "، ـ شاهد فتاة تركب دراجة هوائية، مرض من المعاناة ومات. و أخيرا تم وضعه في " العلبة "!

" السرير رقم 6 "، " آنّا في العنق "، " السيدة مع كلب "، مسرحيات " حديقة الكرز "، " الأخوات الثلاثة "، "النورس " ـ يمكن تسمية جميع القصص والمسرحيات، إعادة قراءتها كلها. في كل منها حياة، محاكمات، عذابات و استكشاف... كاتب مدهش للغاية...

لقد قال الفيلسوف بيردياييف عن تشيخوف: " اتحاد آلام الرب مع آلام الإنسان ".

الفيلسوف س. بولغاكوف افصح بحزم اكبر: " من حيث قوة البحث الديني إن تشيخوف يسبق حتى تولستوي، وهو يقترب من دستويفسكي، الذي لا مثيل له في هذا المجال ".

هناك كتاب طيب عن تشيخوف للكاتب الروسي المهاجر بوريس زايتسيف. إنها حالة نادرة بالنسبة لنا، نحن المواطنين السوفييت، أن يكتب عن تشيخوف إنسان متدين. من قبل تم إصدار ذلك الكتاب فقط في باريس، والآن ظهر في روسيا أيضا.

" منذ فترة قريبة قرأت كتابكم عن تشيخوف. لقد قمتم " بنفضه " بكل حرص وبعناية فائقة. انتم " رممتموه "، أعدتم تشكيل ما أبدعه الخالق الأول. إنكم لامستم تشيخوف الحقيقي. ولم تنسوا، كما يبدو، أي شيء، حين كشفتم عن جوهره، الذي ربما، هو نفسه، لم يراه حتى النهاية. إن كتابكم بمثابة اقتباس " للثمين من التافه "، حسب كلام الرب، الذي قاله للنبي : " إذا استخرجت الثمين من التافه فستكون كما هي شفاهي... ". تلك السيرة الذاتية هي بالطبع ليست " أدبية " فقط، بل تقف، من حيث المبدأ، عند حدود الأدب و ذلك الذي " من القلب إلى القلب يتكلم في تحية صامتة " ـ من مراسلة الاباتي يوحنا ( شاخوفسكي ) إلى بوريس زايتسيف .

الطريف أن الكاتب، وهو يبحث عن الحقيقة، عن الرب، عن الروح وعن معنى الحياة، فقد قام بذلك ليس من خلال دراسة حالات التسامي الروحي، وإنما من خلال جوانب الضعف الأخلاقي، من خلال حالات السقوط وعجز الشخصية. أي انه عبّر عن حبه وعطفه دون أن يقع في أحكام فاضحة. لقد تضامن تشيخوف مع دوشينكا، مع بيليكوف ، مع كاشتانكا و مع آستروف...

باختصار، لنسعد بأنه لدينا هكذا كاتب، كما هو تشيخوف، الذي يمكن أن نقرأه و نعيد قراءته. ذلك الإنسان المتواضع جداً، الرقيق ، الوحيد جداً والغامض.

طوق اليمامة 09-22-2009 12:59 PM

رد: ..{ أدب روسي}..
 
الألم

قصة: أنطون تشيخوف



عُرف غريغوري بتروف ولسنوات طويلة ببراعته الفائقة في حرفة الخراطة، لكنه في نفس الوقت كان الأكثر حمقا وسذاجة في إقليم (غالتشينيسكوي)، فلكي ينقل زوجته المريضة إلى المستشفى، كان عليه أن يقود الزلاجة لمسافة عشرين ميل في جو شتائي عاصف، عبر طريق شديدة الوعورة. ولم تكن تلك بالمهمة اليسيرة حتى بالنسبة لسائق البريد الحكومي. كانت الرياح القارصة تضرب في وجهه مباشرة، وسحب الثلج تلتف في دوامات حوله في كل اتجاه، حتى أن المرء لا يدري إن كان هذا الثلج يتساقط من السماء أم يتصاعد من الأرض، بينما الرؤية معدومة تماما لكثافة الضباب الثلجي، فلم يكن يرى شيئا من الحقول والغابات وأعمدة التلغراف. وعندما كانت تضربه ريح قوية مفاجئة، كان يصاب بالعمى التام، فلا يعود يبصر حتى لجام الحصان، ذلك الحيوان البائس الذي كان يزحف ببطء وهو يجر قدميه في الثلج بوهن شديد. وكان الخراط قلقا متوترا ومتعجلا لا يكاد يستقر في مقعده وهو يسوط ظهر الحصان.

كان غريغوري يغمغم طول الوقت متحدثا إلى زوجته.

- لا تبكي يا ماتريونا. قليل من الصبر يا عزيزتي. سنصل المستشفى وعندها كل شيء سوف يكون على ما يرام... سيعطيك بافل ايفانيتش بضع قطرات، أو سأطلب منه أن يعمل لك الحجامة، أو ربما يتكرم ويرضى أن يدلك جسدك بالكحول. سيبذل كل ما في وسعه دون شك. نعم سيصرخ وينفعل لكنه في النهاية يبذل جهده. إنه رجل مهذب ولطيف. فليعطه الله الصحة. حالما نصل هناك ويرانا سيندفع من غرفته كالسهم ويبدأ بإطلاق السباب والشتائم. وسوف يصرخ: كيف؟ لماذا هكذا؟ لماذا لم تأتوا في الوقت المناسب؟ أنا لست كلبا كي أبقى عالقا هنا في انتظار حضراتكم طوال اليوم. لماذا لم تأتوا في الصباح؟ هيا اخرجوا، لا لن أستقبلكم. تعالوا غدا. فأرد عليه قائلا: يا حضرة الطبيب المبجل بافل إيفانيتش، نعم يمكنك أن تسب وتلعن وتشتم...، وليأخذك الطاعون...أيها الشيطان....

ساط الخراط ظهر الحصان، ومن دون أن ينظر إلى المرأة العجوز الراقدة في العربة خلفه واصل حديثه مع نفسه:

- يا حضرة الطبيب المبجل، أقسم بالله، ولن أقول إلا الصدق، وها هو الصليب أرسمه على صدري أمامك بأنني انطلقت قبل طلوع الفجر، ولكن كيف يمكنني أن أكون عندك في الوقت المناسب وقد أرسل الرب هذه العاصفة الثلجية؟ تلطف وانظر بنفسك..إن أفضل الجياد لن تتمكن من السير في هكذا جو، وحصاني هذا الكائن البائس التعيس كما ترى بنفسك ليس حصانا على الإطلاق. عندها سيقطب بافل ايفانيتش حاجبيه ويصرخ: نحن نعرفكم، أنتم دائما بارعون في اختلاق الأعذار، وعلى الأخص أنت يا غريشكا. فأنا أعرفك حق المعرفة، وأقسم بأنك توقفت في نصف دزينة من الحانات قبل أن تأتي عندي. لكني سأقول له: أيها المحترم، هل أنا كافر أم مجرم حتى أتنقل بين الحانات بينما زوجتي المسكينة تلفظ أنفاسها الأخيرة؟ لعنة الله على الحانات وأصحابها وليأخذهم الطاعون جميعا. سيأمر بافل ايفانيتش عندها بنقلك إلى داخل المستشفى، فاركع عند قدميه. بافل ايفانيتش، أيها المحترم، نشكرك من صميم قلوبنا، وأرجو أن تسامحنا على حماقاتنا وسلوكنا الأرعن، وألا تكون قاسيا معنا نحن الفلاحون. نعم نحن نستحق منك لا الشتيمة فحسب بل حتى الرفس، وقد كنا سببا في خروجك وتلويث قدميك في الثلج. سينظر بافل ايفانيتش نحوي كأنه يريد أن يضربني وسيقول: ألا يجدر بك أيها الأحمق أن تشفق على هذه المسكينة وترعاها بدلا من أن تسكر وتأتي لتركع عند قدمي؟ والله أنت تستحق الجلد. نعم، نعم..أنت على حق في ذلك. أنا أستحق الجلد يا بافل ايفانيتش، فلتصب السماء لعناتها على رأسي، ثم ما الضير لو ركعت عند قدميك، فأنت أبونا وولي نعمتنا، ويحق لك يا سيدي أن تبصق في وجهي لو بدر مني ما يضايقك، وأقسم بالله على ذلك. سافعل كل ما تريده وتأمرني به..إذا استرجعت زوجتي العزيزة ماتريونا صحتها. وإذا أردتَ أصنع لك علبة سجاير فاخرة من أفضل أنواع الخشب، كراتا للعبة الكروكيت، أو أروع قناني خشبية للعبة البولنج..ولن آخذ منك قرشا واحدا. في موسكو تكلف علبة السجاير أربع روبلات، لكني سأصنعها لك دون مقابل. عندها سيضحك الطبيب ويقول: حسنا، حسنا...يبدو أنك سكران حتى الثمالة. كما ترين يا عزيزتي فأنا أعرف كيف أتعامل مع أبناء الطبقة العليا. ليس هنالك من سيد يستعصي علي. فقط أدعو من الله ألا أفقد الطريق. أنظري كم عنيفة هي الريح. لا أكاد أفتح عيني من شدة اندفاع الثلج.

ولم يتوقف الخراط عن حديثه المتواصل مع نفسه، في محاولة منه على ما يبدو للتخفيف من ضغط المشاعر الحادة عليه. كانت الكلمات كثيرة على لسانه، وكذلك الأفكار والأسئلة في رأسه. جاءه الحزن مفاجئا، دون توقع أو انتظار، وعليه الآن أن يتخلص منه. لقد عاش حياته في سكينة وسلام دون أن يعرف للحزن أو للبهجة معنى، وفجأة، دون سابق إنذار، جاءه الألم ليعشش بين تلافيف قلبه، فوجد السكير المتسكع نفسه في موقع المسئول، مثقلا بالهموم، ويصارع الطبيعة.

وراح غريغوري يتذكر كيف ابتدأت المشكلة ليلة أمس عندما عاد إلى البيت سكرانا بعض الشيء، وكالعادة انطلق يشتم ويهدد بقبضتيه، فنظرت إليه زوجته كما لم تنظر إليه من قبل. عادة ما تشف نظرات عينيها عن الذل والاستكانة الشبيهة بنظرات كلب أشبع ضربا. لكنها هذه المرة نظرت إليه بتجهم وثبات، كما ينظر القديسون في الصور المقدسة أو كما ينظر الموتى. من نظرة الشر الغريبة تلك بدأت المشكلة. وفي حالة من الذهول والاستغراب استعار حصانا من أحد الجيران كي ينقل زوجته العجوز إلى المستشفى لعله باستخدام المساحيق والمراهم، يستطيع بافل ايفانيتش أن يعيد التعبير الطبيعي لنظرة عينيها.

ويستمر الخراط في حديثه مع نفسه فيقول:

- حسنا، اسمعيني يا ماتريونا، لو سألك بافل ايفانيتش فيما إذا كنت قد ضربتك، يجب أن تنفي ذلك وسوف لن أضربك بعد اليوم، أقسم على ذلك. وهل ضربتك يوما لأني أكرهك؟ لا، إطلاقا. إنما دوما أضربك وأنا فاقد لوعيي. أنني حقا أشعر بالأسف من أجلك. لا أظن أن الآخرين سيبالون مثلي، فها أنت ترين، إنني أفعل المستحيل في هذا الجو الثلجي العاصف كي أصل بك إلى المستشفى. فلتتحقق مشيئتك أيها الرب، وإن شاء الله لن نخرج عن الطريق. هل يؤلمك جنبك عزيزتي؟ ألهذا أنت لا تتكلمين؟ إني أسألك، هل يؤلمك جنبك؟

لاحظ خلال نظرة خاطفة إلى العجوز بأن الثلج المتجمع على وجهها لا يذوب. والغريب أن الوجه نفسه بدا مسحوبا، شديد الشحوب، شمعيا، جهما ورصينا. صرخ قائلا:

- أنت حمقاء، حمقاء..، أقول لك ما في ضميري أمام الله، لكنك مع ذلك تصرين على....حسنا، أنت حمقاء، وأنا قد أركب رأسي..ولا آخذك إلى بافل ايفانيتش.

أرخى اللجام بين يديه وبدأ يفكر. لم يكن في مقدوره أن يستدير تماما لينظر إلى زوجته. كان خائفا. وكان يخشى أيضا أن يكرر أسئلته عليها دون أن يحصل على جواب. أخيرا، وليحسم الأمر، ومن دون أن يلتفت إليها رفع يده وتحسسها. كانت باردة، وعندما تركها سقطت كأنها قطعة خشب. ندت منه صرخة.

- إذن فهي ميتة، يا للمصيبة.

لم يكن آسفا قدر انزعاجه. وفكر كيف أن الأشياء تمر سريعة في هذا العالم. لم تكن المشكلة قد ابتدأت وإذا بها تنتهي بكارثة. لم يسنح له الوقت كي يعيش معها ويكشف لها عن أسفه قبل موتها. عاش معها أربعين عاما لكنها مرت في ضباب وعتمة مطبقة. لم يكن هنالك من مجال للأحاسيس الجميلة وسط السكر والعربدة والشجار المتواصل والفقر المدقع. ولكي تغيظه فقد ماتت في اللحظة التي بدأ يشعر فيها بالأسف عليها، وبأنه لا يستطيع العيش من دونها وأنه كان قاسيا معها وقد أساء لها كثيرا.

قال لنفسه متذكرا:

- كنت أبعثها كي تدور في القرية تستجدي الخبز. كان يمكن أن يطول العمر بها لعشر سنوات أخرى. المصيبة أنها ماتت وهي تعتقد بأني ذلك الإنسان...... يا أمنا المقدسة. ولكن بحق الشيطان أين أنا ذاهب الآن؟ ما عاد بي حاجة إلى الطبيب، ما أحتاجه الآن قبرا كي أدفنها.

استدار بالزلاجة وهو يلهب ظهر الحصان بسوطه، وقد ازداد الجو سوءا حتى انعدمت الرؤية تماما. ومن حين لآخر كانت تضرب وجهه ويديه أغصان الأشجار وتخطف من أمام عينيه أجسام سوداء.

- لو أعيش معها مرة أخرى.

وتذكر بأن ماتريونا قبل أربعين عاما كانت مليحة الوجه مرحة الروح، وهي من عائلة ميسورة الحال، وقد رضي أهلها أن يزوجوها له بعدما شاهدوا وعرفوا مدى براعته في مهنة الخراطة. كانت كل الأسباب لحياة سعيدة متوفرة لهما، لكن المشكلة أنه في ليلة عرسه شرب حتى الثمالة ومن يومها وهو سكران طول الوقت ولم يستيقظ أبدا. نعم فهو يتذكر عرسه، ولكنه لا يتذكر شيئا مما حدث بعد ذلك وطوال حياته، باستثناء أنه كان يسكر ويضطجع عند الموقد ويتشاجر. هكذا ضاعت منه أربعون سنة.

بدأت الغيوم الثلجية البيضاء تتحول تدريجيا إلى اللون الرمادي مما ينبئ عن قرب الغسق. عاد يسأل نفسه:

- إلى أين أنا ذاهب؟ مطلوب مني أن أفكر بدفن الجثة... بينما أنا الآن في طريقي إلى المستشفى..كأنني فقدت عقلي..

واستدار بزلاجته ثانية. كان الحصان يشخر وراح يتعثر في خببه، فعاد الخراط يجلده من جديد. وكان يسمع صوت ارتطام خلفه، ومن دون أن يلتفت كان يعرف بأنه صادر عن رأس العجوز وهو يضرب بحافة المقعد.

ازداد الثلج عتمة، واشتدت برودة الريح.

- لو أعيش معها مرة أخرى، سأشتري مخرطة جديدة، وأشتغل...وأجلب لها الكثير من النقود.



أفلتت يداه العنان. بحث عنه. حاول أن يلتقطه، فلم يستطع. قال لنفسه:

- لا يهم. يستطيع الحصان أن يتولى الأمر بنفسه، فهو يعرف الطريق. يمكنني أثناء ذلك أن أنام قليلا قبل أن أتهيأ للجنازة وصلاة الميت...

أغلق الخراط عينيه وغاص في إغفاءة. بعدها بفترة قصيرة شعر بأن الحصان قد توقف عن السير. فتح عينيه فرأى أمامه شيئا معتما يشبه كوخا أو كومة من القش. أراد أن ينهض ليكتشف ذلك الشيء، لكنه أحس بأنه عاجز تماما عن الحركة، ووجد نفسه دون ضجة أو مقاومة يستسلم لنوم هادئ عميق.

عندما استيقظ، وجد نفسه في غرفة فسيحة، مطلية الجدران، وضوء الشمس يتوهج عند الشبابيك. ورأى ناسا حوله، فكان شعوره الأول أن يعطي الانطباع بأنه سيد محترم ويعرف كيف يلتزم بالسلوك السليم الذي يفرضه الموقف. قال مخاطبا إياهم:

- الصلاة على روح زوجتي أيها الأخوة. لابد من إعلام القس بذلك...

قاطعه أحدهم بصوت حازم:

- حسنا، حسنا، ولكن لا تتحرك.

صرخ الخراط مندهشا وهو يرى الطبيب أمامه:

- بافل إيفانيتش! ولي نعمتنا المبجل.

أراد أن يقفز ليركع على ركبتيه أمام الطبيب، لكنه شعر بأن ساقيه وذراعيه لا تستجيب له. صاح مرعوبا:

- أين ساقيَّ ؟ وأين ذراعيَّ يا سيدي ؟

- قل لهما وداعا. كانت متجمدة تماما فاضطررنا إلى بترها. هيا...هيا...علام تبكي ؟ لقد عشت حياتك، واشكر ربك على ذلك. أنت الآن في الستين على ما أعتقد، وأظن أن هذا يكفي بالنسبة لك.

- أنا حزين، حزين جدا...وأرجو أن تسامحني يا سيدي. كم أتمنى لو أعيش خمس أو ست سنوات أخرى.

- لماذا؟

- الحصان ليس لي، ويجب أن أعيده لأصحابه..ويجب أن أدفن زوجتي...أوه يا إلهي..كم تنتهي الأشياء بسرعة مذهلة في هذا العالم. سيدي..بافل ايفانيتش، سأصنع لك علبة سجاير من أجود أنواع الخشب، وكذلك كرات للكروكيت...

غادر الطبيب الجناح وهو يلوح بيده. كان كل شيء قد انتهى بالنسبة للخراط

طوق اليمامة 09-22-2009 01:02 PM

رد: ..{ أدب روسي}..
 
كمان روتشيلد

قصة: أنطون تشيخوف



كانت البلدة الصغيرة، أسوأ من قرية، لا يكاد يعيش فيها سوى العجائز الذين كانوا يموتون بشكل نادر إلى حد مقلق ومثير للحيرة، وكانت الحاجة إلى التوابيت ضئيلة جداً فى المستشفى، وحتى فى السجن. وباختصار، فقد كانت الأمور فى غاية الإزعاج. ولو كان ياكوف إيفانوف حانوتيا فى مركز المحافظة لامتلك على الأرجح منزله الخاص، ونادوه بلقب ياكوف ماتفييتش، ولكنهم كانوا ينادونه، هنا فى البلدة الصغيرة، ببساطة: ياكوف. ولسبب ما كان لقبه فى الشارع "برونزا" برغم حياة الفقر والكفاف كفلاح بسيط فى بيت من بيوت الفلاحين الصغيرة الحقيرة، حيث يقتصر على غرفة وحيدة يعيش فيها هو ومارفا، والمدفأة وسرير يتسع لشخصين، والتوابيت، ومنضدة نجارة، وباقى أدوات المعيشة.
كان ياكوف يصنع توابيت جيدة ومتينة. فمن أجل الرجال وصغار الملاك كان يصنعها على مقاسه، ولم يخطئ فى ذلك مرة واحدة إذ لم يكن هناك إنسان أطول وأقوى منه حتى فى السجن، برغم أنه كان قد تجاوز السبعين عاماً. ومن أجل النبلاء والنساء فقد كان يصنعها بالقياس مستخدماً من أجل ذلك مقياس الأرشين (1)، بينما كان يقبل طلبيات توابيت الأطفال على مضض، ويصنعها مباشرة دون قياس وباستخفاف شديد. وفى كل مرة عندما يتقاضى فيها نقوداً عن عمله، كان يقول: أعترف.. فأنا لا أحب العمل فى هذه التفاهات.
باستثناء الحرفة، كان عزفه على الكمان أيضاً يجلب له دخلاً غير كبير. ففى حفلات الزفاف بالبلدة كان يعزف فى العادة الأوركسترا (اليهودى) (2) الذى كان يقوده السمكرى موسى إليتش شخكيس الذى يأخذ لنفسه أكثر من نصف الإيراد. وبما أن ياكوف كان يجيد العزف على الكمان، وخصوصاً بمصاحبة الأغنيات الشعبية الروسية، فقد كان شخكيس يدعوه أحياناً للعزف فى الأوركسترا مقابل خمسين كوبيكا فى اليوم بغض النظر عن هدايا الضيوف وتبرعاتهم. وعندما كان برونزاً يجلس بين العازفين فى الأوركسترا، فإن أول ما كان يظهر عليه هو احمرار وجهه وتصبب العرق منه، إذ كان الجو حاراً، ورائحة الثوم تخنق الأنفاس، والكمان يزيق والكونترباس يشخر بجوار أذنه اليمنى، وبجوار اليسرى ينشج الناى الذى يعزف عليه (اليهودى) الأصهب الهزيل، بوجهه الذى تظلله شبكة واسعة من العروق الحمراء والزرقاء، والذى كان يحمل لقب الثرى الشهير روتشيلد. وكان هذا (اليهودى) اللعين يحول حتى أكثر الألحان مرحاً إلى كآبة وأنين، وبدون أسباب واضحة كان ياكوف متشبعاً بكره واحتقار شديدين لهؤلاء (اليهود)، وخاصة لروتشيلد. وقد بدأ ذلك بالمماحكة، ثم التجريح بالشتائم البذئية، لدرجة أنه أراد ذات مرة أن يضربه. بينما تأذى روتشيلد من ذلك، وقال من بين أسنانه ناظراً في حنق:
-لو لم أكن أحترمكم لموهبتكم، لطرتم من النافذة منذ زمن بعيد.
ثم بكى. ولذا فقلما كانوا يستعينون ببرونزا فى الأوركسترا، وكان ذلك يحدث فقط فى حالات الضرورة القصوى عندما يتغيب أحد من اليهود.
كان ياكوف فى مزاج سيئ باستمرار لأنه كان يتعين عليه دائماً أن يصبر على الخسائر الفادحة. وعلى سبيل المثال، ففى أيام الآحاد وفى الأعياد كان من الإثم أن يعمل، ويوم الاثنين يوم صعب. وبهذا الشكل يكون المجموع حوالى مائتى يوم يتعين عليه فيها أن يجلس، خلافا لإرادته، عاطلاً عن العمل، بينما فى ذلك خسارة، وأية خسارة! إذا أقام أحد ما فى البلدة عرساً بدون موسيقى، وكانت خسارة أيضاً إذا لم يدعُ شخكيس ياكوف. ولقد ظل رجل البوليس المراقب بالسجن مريضاً يعطس طوال عامين كاملين. وانتظر ياكوف بفارغ الصبر متى يموت، ولكن المراقب سافر إلى المركز للعلاج، ومات هناك. وكم كانت الخسارة إذ ضاعت على الأقل عشر روبلات، لأن الأمر اقتضى أن يصنع التابوت على نحو آخر مستخدماً نوعاً خاصاً من القماش لتزيينه. وراحت الأفكار حول الخسائر والانتكاسات تضني ياكوف وتعذبه، خاصة فى الليل. ولذا فقد وضع الكمان إلى جوار الفراش، وكلما وردت على ذهنه تُرهة ما، كان يمس الأوتار فيصدر الكمان فى الظلام صوتاً يهدئ من روعه.
وفى السادس من مايو فى العام الماضى توعكت مارفا فجأة. فراحت تتنفس بصعوبة شديدة، وشربت ماء كثيراً ثم ترنحت. وعلى الرغم من كل ذلك نهضت فى الصباح وأشعلت المدفأة بنفسها، حتى ذهبت لتملأ الماء. وقرب حلول المساء ترنحت مرة أخرى، فى حين ظل ياكوف طوال النهار يعزف الكمان. وعندما حل الظلام تماماً ، تناول الدفتر الذى يسجل فيه خسائره كل يوم. ومن جراء الملل قام بعمل إجمالى سنوى لهذه الخسائر. وكانت النتيجة أكثر من ألف روبل مما زلزل كيانه لدرجة أنه ألقى بالأوراق على الأرض وأخذ يدوسها بقدميه، ثم رفعها مرة ثانية ومزقها متنفساً بعمق وتوتر، وكان وجهه محمراً ومبللاً من أثر العرق. راح يفكر فيما إذا كان قد وضع هذه الألف روبل الضائعة فى البنك، لتراكمت الأرباح السنوية على الأقل بمقدار أربعين روبلاً. مما يعنى أن الأربعين روبلاً هذه تعتبر أيضاً خسارة. وباختصار فحيثما اتجهت وأينما كنت فليس هناك سوى الخسارة ولا شىء سواها.
-ياكوف-نادته مارفا بغتة-إننى أموت!
تطلع إلى زوجته. كان وجهها وردياً من ارتفاع درجة حرارتها، وصافيا وسعيدا بشكل غير عادى. أما برونزا المعتاد دائماً على رؤية وجه زوجته ممتقعاً شاحباً وتعيساً، فقد اعتوره الآن الحزن والارتباك. كان الأمر أشبه ما يكون بأنها ماتت بالفعل، وكانت هى راضية بذلك وسعيدة لأنها أخيراً تخرج إلى الأبد من هذا البيت القروى، ومن التوابيت ومن ياكوف نفسه.. نظرت إلى السقف وتمتمت شفتاها بشىء ما، وكان التعبير المرسوم على ملامحها ينم عن سعادة عميقة وكأنها بالفعل قد رأت ملاك الموت وتهامست معه.
كان النهار قد شقشق، وبان من النافذة كيف تلألأت شمس الصباح. عندما نظر ياكوف إلى العجوز، تذكر لسبب ما أنه طوال حياته لم يلاطفها أو يشفق عليها، ولم يفكر مرة واحدة أن يشترى لها منديلاً أو يحضر لها شيئاً ما حلواً من عرس، فقط كان يصرخ فيها، ويكيل لها الشتائم بسبب الخسائر والانتكاسات، وينقض عليها مهدداً بقبضتيه. وفى الحقيقة فهو لم يضربها أبداً، وبالرغم من ذلك فقد كان يفزعها ويخيفها، وكانت هى فى كل مرة تتجمد من الرعب. وأيضاً لم يكن يسمح لها بشرب الشاى لأنه بدون ذلك ستكون المصاريف أقل. أما هى فقد كانت تشرب فقط الماء الساخن. ولقد فهم لماذا يبدو وجهها غريباً وسعيداً، الشىء الذى أصبح بالنسبة له مرعباً.
جاء الصباح بعد طول انتظار، فاستعار حصان جاره ونقل مارفا إلى المستشفى. كان المرضى هناك قليلين، وما كان عليه الانتظار إلا قليلاً، حوالى ثلاث ساعات. ولحسن حظه لم يستقبل المرضى فى هذه المرة الدكتور الذى كان هو نفسه مريضاً، وإنما التمرجي مكسيم نيكولايتش العجوز الذى كان الجميع يتحدثون عنه فى البلدة بأنه على الرغم من كونه سكيراً وصاحب مشاكل إلا أنه يفهم أكثر من الدكتور. وبعد أن أدخل ياكوف العجوز إلى حجرة الاستقبال، قال:
-السلام عليكم. سامحونى فنحن دائماً نزعجكم يا مكسيم نيكولايتش بأمورنا التافهة، اسمحو لى أن ألفت انتباهكم.. لقد أصاب المرض أهالى(3)، رفيقة حياتى كما يقال، أعذرونى على التعبير..
قطب التمرجى حاجبيه الأشيبين، ومسد فوديه، وراح يفحص العجوز وقد تقوست على مقعد بدون مسند، هزيلة ومدببة الأنف بفم مفتوح، تشبه من جانب وجهها طائراً يهم بشرب الماء.
قال التمرجى ببطء بعد أن أخذ نفساً عميقاً:
-آ.. نعم.. هكذا.. أنفلونزا، وربما حمى، فالتيفوس منتشر الآن فى البلدة.. ماذا نفعل؟ لقد عاشت العجوز طويلاً.. الحمد لله.. كم عمرها؟
-سبعون إلا سنة واحدة يا مكسيم نيكولايتش.
-ماذا نفعل؟ عاشت العجوز طويلاً.. وآن الآوان لرحيلها.
-هذا الكلام بالطبع معقول إذا سمحتم يا مكسيم نيكولايتش (قال ياكوف هذا وهو يبتسم من باب التأدب)، ونحن شاكرون وممتنون على تفضلكم.. ولكن اسمحوا لى أن أذكركم بأن الحشرة أيضاً تريد أن تعيش أطول.
-كل شيء جائز!
ثم قال التمرجي بنبرة كما لو كان موت العجوز أو حياتها متوقفين عليه:
-إذن.. هكذا، يا ولد.. سوف تضع على رأسها كمادة باردة.. وأعطها هذا المسحوق مرتين كل يوم، ثم مع السلامة.. بانجور.
لمح ياكوف من تعبيرات وجهه، أن الحالة سيئة ولن تساعدها أى مساحيق. وكان من الواضح له أن مارفا على وشك الموت، إذ لم يكن اليوم فغداً. عندئذ دفع التمرجى من مرفقه برفق، وغمز له بعينيه، ثم قال بصوت خافت:
-ماذا لو حجمناها يا مكسيم نيكولايتش.
-اطلاقاً.. إطلاقاً يا ولد. خذ عجوزك وأذهب فى أمان الله. مع السلامة.
قال ياكوف بتضرع:
-اعملوا معروفاً.. اسمحوا لى أن أعرف.. لو افترضنا أن بطنها آلمها أو أى شىء داخلى، فعندئذ نعطيها مساحيق وقطرات. ولكن من الواضح أن عندها نزلة برد وأول شىء في حالة النزلة هو طرد الدم يا مكسيم نيكولايتش.
ولكن التمرجى كان قد استدعى المريض التالى. ودخل فعلاً إلى حجرة الاستقبال أب مع ولده، فى حين قال ياكوف عابساً:
-فىهذه الحالة علقوا لها ولو حتى ألقة!(4) لتجعلوها تصلى لله إلى الأبد!
فصاح التمرجى في سورة:
-علمنى أيضاً! يا بليد.
اغتاظ ياكوف وتضرج كلياً، لكنه لم يتفوه بكلمة واحدة، وتأبط ذراع مارفا وأخرجها من حجرة الاستقبال. ولما جلسا فى العربة، طالع المستشفى بنظرة قاسية ساخرة قائلاً:
-أجلسوكم هنا.. ممثلين! لو كان غنياً لحجمه، ولكنه يستكثر على الفقير حتى ألقة واحدة.. معاتيه مشوهون!.
عندما وصلا إلى البيت، ظلت مارفا واقفة لعشر دقائق بعد خولها ويدها على كليتها. وبدا لها أن ياكوف لو رآها مضطجعة فسوف يبدأ حديثه عن الخسائر والانتكاسات، وسينهال عليها بالشتائم متهماً إياها بالنوم وعدم الرغبة فى العمل. وتطلع ياكوف إليها فى تذمر وملل، وتذكر أن عيد الناسك يوحنا غداً، وعيد نيكولاى صاحب المعجزات بعد غد، وبعد ذلك يوم الأحد، ثم يوم الاثنين الصعب، أربعة أيام لا يجوز العمل فيها، وربما تموت مارفا فى أى منها. إذن ينبغى أن يصنع لها اليوم تابوتاً. وأخذ أرشينه الحديدى ثم استلقت هى على الفراش بينما رسم علامة الصليب، وبدأ فى عمل التابوت.
حين أصبح التابوت جاهزاً، لبس برونزا عويناته وسجل فى دفتره:
-تابوت مارفا إيفانوفنا 2 روبل و40 كوبيك.
وتنفس الصعداء فى حين كانت العجوز مستلقية طوال الوقت وهى مغمضة العينين، وفى المساء عندما حل الظلام، نادت عليه العجوز فجأة، وسألته متفرسة فيه بسعادة:
-أتتذكر يا ياكوف؟ أتتذكر.. كيف رزقنا الله قبل خمسين عاماً بطفل أشقر الشعر؟ آنذاك كنا نجلس طوال الوقت على ضفة النهر نغنى.. تحت شجرة الصفاف.
وبعد أن ابتسمت بمرارة، أضافت:
-ماتت البنت.
أجهد ياكوف ذاكرته، ولكنه لم يتسطع أبداً تذكر الطفل ولا الصفصافة فقال:
-هذا يخيل لك.
جاء القس وأجرى مراسيم الاعتراف. بعدها راحت مارفا تتمتم بأشياء غير مفهومة. وفى الصباح ماتت. قامت الجارات العجائز بغسلها وإلباسها ووضعها فى التابوت. ولكى لا يدفع ياكوف مبلغاً إضافياً للشماس تلا هو بنفسه القداس على روحها، فيما لم يأخذوا منه شيئاً عن حفر القبر لأن حارس المقابر هو الذى كان قد عمد ابنته فى الكنيسة بعد ولادتها. وحمل النعش إلى المقبرة أربعة رجال من قبيل الاحترام والتوقير، وليس من أجل النقود، وسار خلفه النسوة العجائز، والمتسولون، واثنان من المجاذيب، بينما كان المارة يرسمون علامة الصليب بورع وتقوى.. وكان ياكوف مسروراً للغاية إذ كان كل شىء محترماً ولائقاً ورخيصاً، وليس هناك ما يمكن أن يكون فيه إهانة لأحد. وفيما كان يلقى النظرة الأخيرة على جثمان مارفا المسجى فى النعش، لمس بأصابعه حافة التابوت، وفكر فى نفسه: صنعة ماهرة!
بعدما عاد من المقبرة، انتابه حزن شديد واستحوذ عليه الملل، وشعر بتوعك: كان تنفسه حاراً وثقيلاً، وقدماه ضعيفتين، وانتابته رغبة شديدة لشرب الماء. راحت الأفكار بذاكرته من جديد أنه لم يشفق عليها مرة واحدة في حياته كلها، ولم يلاطفها. وقد عاشا فى بيت واحد اثنين وخمسين عاماً مرت بطيئة، ولكن حدث على نحو ما أنه طوال هذا الوقت لم يفكر فيها، ولم يلاحظ وجودها أو يهتم بها كما لو كانت قطة أو كلباً بينما كانت كل يوم تشعل المدفأة تطبخ وتخبز تذهب لملء المياه، تقطع الأخشاب، وترقد إلى جواره فى فراش واحد. وعندما كان يعود ثملاً من الأعراس، كانت فى كل مرة تعلق كمانه على الحائط باحترام وتبجيل، وترقد فى فراشه، وكل ذلك بصمت وعلى وجهها أمارات الهيبة والاحترام.
التقى روتشيلد بياكوف فى الطريق، فابتسم له محيياً إياه بانحناءة: وقال:
-أنا أبحث عنكم يا جدى! موسى إليتش يسلمون عليكم ويدعونكم لزيارتهم حيالاً(5).
كان ياكوف فى شغل شاغل عن ذلك، وكانت لديه رغبة شديدة فى البكاء:
-دعنى!
قال ذلك وتابع سيره، بينما انزعج روتشيلد واندفع مهرولاً إلى الأمام:
-كيف يمكن ذلك؟ موسى إليتش سيغضبون! إنهم طلبوك حيالاً!
أدى إلى امتعاض ياكوف أن هذا (اليهودى) كان يلهث ويتلعثم فى كلامه، ويطرف بعينيه، ولديه نمش أحمر كثير على نحو ما، وكان من المقرف لياكوف النظر إلى سترته الخضراء المرقعة بقطع قماش قاتمة، وإلى قامته الهشة الهزيلة بكاملها.
صرخ ياكوف:
-مالك تتدخل فى شئونى يا آكل الثوم؟ دعنى وشأنى!
غضب (اليهودى) وصرخ بدوره:
-ولكن الزموا حدودكم من فضلكم، وإلا ستطيرون من فوق السياج!
زعق ياكوف واندفع نحوه مهدداً بقبضتيه:
-أغرب عن وجهى.. ألا يمكن العيش بعيداً عن الوسخ!
مات روتشيلد فى جلده من الرعب، فقرفص مذهولاً وأخذ يطوح بيديه فوق رأسه كمن يحميه من اللطمات، ثم نهض وفر هارباً، وأثناء جريه كان يقفز ويضرب كفا بكف بينما ظهره الطويل الهزيل يرتعد بوضوح. وفرح الأولاد لما حدث واندفعوا يركضون وراءه صائحين: "يهودى! يهودى!، وجرت الكلاب أيضاً خلف الجميع وهى تنبح. انطلق أحد الماء في قهقهة عالية ثم أطلق صفارة فعلا نباح الكلاب وازداد. ويبدو بعد ذلك أن أحد الكلاب قد عض روتشيلد، فقد سُمعت صرخته المرعوبة من اليأس والفزع.
راح ياكوف يتمشى فى المراعى، ثم اقترب من أطراف البلدة وأخذ يسير على غير هدى. فيما كان الأولاد يتصايحون: "برونزا قادم"! برونزا قادم! وها هو النهر حيث طائر الشنقب يتراكض مسرعاً فوق الرمال، والبطء يزعق، والشمس تلفح الوجوه، وصفحة المياه تتلألأ بلمعان أخاذ يؤذى العين. سار ياكوف فى الطريق الضيق بمحازاة ضفة النهر، ولمح كيف خرجت سيدة ممتلئة حمراء الوجنتين من حوض الاستحمام. فراح يفكر فيها: "ياه يا لك من كلب بحر!". وبعيدا عن حوض الاستحمام كان الأولاد يصطادون السمك بلحم السرطان. ولما لمحوه راحوا يصرخون بحنق "برونزا! بروزنزا". وها هى الصفصافة العريضة القديمة ذات التجويف الضخم وفوقها أعشاش الغربان.. وفجأة نما فى ذاكرة ياكوف طفل صغير بشعر أشقر كأنه حى يرزق، بينما كانت الصفصافة التى تحدثت عنها مارفا تقف خضراء ساكنة، وحزينة.. فكم شاخت، مسكينة! جلس تحتها وراح يتذكر.. على هذه الضفة، حيث المرج الذى تغمره الآن مياه الفيضان، كانت هناك آنئذ غابة من أشجار البتولا، وعلى الجبال الجرداء كان يتراءى على خط الأفق حرش الصنوبر العتيق الذى كان يلوح وقتذاك بزرقته بينما تسير فى النهر قوارب التنزه. أما الآن فالأمر سيان وعلى الضفة الأخرى تبدو الأرض جرداء إلا من شجرة بتولا واحدة فقط، شابة وممشوقة كفتاة بكر. وفى النهر لا يوجد إلا البط والوز، وليس فى الأمر ما يشير إلى أنه فى وقت من الأوقات كانت تسير القوارب للتنزه، ويبدو أن الوز قد صار قليلاً على عكس ما كان فى الماضى. أغلق ياكوف عينيه، فراحت تركض فى مخيلته أسراب ضخمة هائلة متقابلة من الوز الأبيض.
لم يكن يدرى كيف حدث أنه خلال الأربعين أو الخمسين سنة الأخيرة من حياته لم يذهب مرة واحدة إلى النهر. ولو كان قد حدث وذهب، فهو لم يلق بالاً إليه أبدا؟ إلا أن النهر مخلص وأمين، وليس شحيحاً ووضيعاً. وكان من الممكن ممارسة صيد السمك فيه، وبيعه للتجار والموظفين وصاحب البوفيه على المحطة، وبعد ذلك يمكن وضع النقود فى البنك. وكان من الممكن السباحة فى قارب من ضيعة إلى ضيعة، والعزف على الكمان ولدفع الناس، حينها، من مختلف الطبقات نقوداً من أجل ذلك. وكان من الممكن تجريب قياد قوارب التنزه، وهذا أفضل من صناعة التوابيت. وفى النهاية كان من الممكن تربية الوز واصطياده ثم بيعه شتاء فى موسكو، وعندئذ كان من الجائز تحصيل ما يقرب من عشر روبلات فى السنة من بيع الريش وحده. ولكنه غفل عن كل هذا ولم يفعل أى شىء منه فى حينه، ويالها من خسارة! ياه، يا لها من خسارة! ولو كانت كل هذه الأشياء معا: صيد السمك والعزف على الكمان وقيادة القوارب واصطياد الوز، فأى رأسمال كان من الممكن تحقيقه! ولكن لم يكن هناك أى شىء من ذلك حتى فى المنام. ومرت الحياة دون جدوى، بدون أية لذة، ضاعت هباء وهدراً، ولم يتبق أى شىء فى المستقبل، وإذا نظرت للوراء فهناك أيضاً لا يوجد شىء سوى الانتكاسات والخسائر، وتلك الفظائع التى تقشعر منها الأبدان، لماذا لا يستطيع الإنسان أن يعيش بحيث لا توجد هذه الخسائر؟ يا ترى من أجل ماذا قطعوا شجرة البتولا وحرش الصنوبر؟ ولماذ كف الكلأ عن العطاء؟ ومن أجل أى شئ يفعل الناس دائما كل ما هو غير ضرورى لهم؟ من أجل ماذا أمضى ياكوف حياته كلها يتشاجر ويتخاصم، ويزعق ويصرخ، يهدد بقبضتيه، ويسئ إلى زوجته. ويا ترى ما الداعى لكى يفزع (اليهودى) ويهينه الآن؟ لماذا يعرقل الناس، بشكل عام بعضهم البعض عن الحياة؟ فما أكثر الخسائر الفادحة! وما أكثر الانتكاسات البشعة من جراء ذلك! ولو لم يكن الحقد والضغينة لكان للناس من بعضهم البعض منافع عظيمة.
فى المساء وبالليل كان يتراءى له الطفل الصغير، والصفصافة، والسمك، والصيد، والوز، ومارفا تشبه من جانب وجهها طائراً يهم بشرب الماء، ووجه روتشيلد الممتقع المسكين، وسحنات ما أخرى تميل عليه من جميع الاتجاهات مدمدمة بخسائره. وراح يتقلب من جنب إلى جنب، ونهض من فراشه ما يقرب من الخمس مرات لكى يعزف على الكمان.
فى الصباح رفع جسده من الفراش بصعوبة بالغة، وذهب إلى المستشفى، أمر له مكسيم نيكولايتش بنفسه بوضع كمادة باردة على رأسه، وأعطاه مسحوقاً، ولكن ياكوف أدرك من ملامحه ومن نبرة صوته أن الحالة سيئة، ولن تنفع أى مساحيق. وبعد عودته إلى البيت أدرك أن هناك منفعة واحدة من الموت: فليست هناك ضرورة للأكل، ولا للشرب، ولا لتسديد الصدقات والإتاوات للكنيسة، ولا الإساءة للناس، وبما أن الإنسان سيرقد فى القبر ليس عاماً واحداً، وإنما مئات وآلاف السنين، فلو حسبنا المنفعة لبدت عظيمة. ومن حياة الإنسان لا يتأتى أى شىء سوى الخسارة، أما من موته فتأتى الفائدة، وهذه الفكرة بالطبع بديهية، ورغم ذلك فكل هذا مؤلم ومرير: فلماذا يوجد فى العالم ذلك النظام الغريب، حيث الحياة التى توهب للإنسان مرة واحدة فقط تمر هكذا دون جدوى؟
لم يكن مؤسفاً له أن يموت، ولكن ما إن وقعت عيناه فى البيت على الكمان حتى انقبض قلبه، وشعر بالأسى والأسف لكونه لن يستطيع أخذ الكمان معه إلى القبر، وسيبقى الآن يتيماً، وسوف يحدث معه نفس ما حدث مع غابة البتولا وحرش الصنوبر. كل شىء فى هذا العالم قد ضاع، وسوف يضيع على الدوام!
خرج ياكوف من البيت وجلس قرب العتبة وهو يضم الكمان إلى صدره بقوة. وبينما راح يفكر فى حياته الخاسرة التى ضاعت هدراً، عزف على الكمان دون أن يدرى هو ذاته ماذا يعزف. فخرج العزف حزيناً ومؤثراً وانهمرت الدموع على خديه، وكلما استغرق فى التفكير، غنى الكمان بشكل أكثر حزناً.
أصدر مزلاج الباب الخارجى صريراً، مرة ومرتين، وظهر روتشيلد فى الباحة الخارجية أمام البيت. قطع نصف المسافة بشجاعة، وما إن رأى ياكوف حتى توقف فجأة وانكمش تماماً. وراح من رعبه يصنع بيديه تلك الإشارات التى كما لو كان يود بها أن يبين على أصابعه كم الساعة الآن.
قال ياكوف بحنان داعياً إياه:
-تعال.. لا تخف.. تعال!
تطلع روتشيلد بارتياب. وبخوف أخذ يقترب، ثم توقف على بعد ساجين(6) منه. وقال مقرفصاً:
-انتم.. أعملوا معروف لا تضربونى! لقد أرسلونى موسى إليتش من جديد. قالوا لا تخف، اذهب ثانية إلى ياكوف وقل له إن الأمر بدونهم غير ممكن إطلاقاً. فيوم الأربعاء عُرش(7).. نعم.. نعم.. السيد شابوفالوف.. سيزوج ابنته لإنشان(8) جيد. وأضاف (اليهودى) مضيقاً عيناً واحدة:
-والعُرش سيكون رغيداً.. أو.. أوو..!
قال ياكوف متنفساً بصعوبة:
-لا أستطيع.. لقد مرضت يا أخى.
وراح يعزف من جديد والدموع تطفر من عينيه وتتساقط على الكمان. وأخذ روتشيلد ينصت باهتمام مائلا نحوه بجانبه وعاقداً ذراعيه على صدره، بينما التعبير المذعور على وجهه يتحول شيئاً فشيئاً إلى شعور حزين مشفق، وجحظت عيناه كأنما يعانى من إحساس بالإعجاب المضنى. ثم تمتم وااه ه ه! وسحت دموعه ببطء على خديه وراحت تقطر على سترته الخضراء.
ظل ياكوف طوال النهار راقداً مغموماً. وبينما كان القس يحصل منه على الاعتراف فى المساء، سأله عما إذا كان قد نسى الاعتراف بذنب ما مهم. وفيما راح ينشط ذاكرته الضعيفة، تذكر من جديد وجهه مارفا الناضح بالشقاء، والصرخة المؤلمة (لليهودى) الذى عضه الكلب، ثم قال بصوت لا يكاد يسمع:
-سلموا الكما لروتشيلد.
فأجاب قس:
-حسناً.
* * *
الآن يتساءل الجميع فى البلدة: من أين لروتشيلد بهذا الكمان الجيد؟ اشتراه أم سرقه، أو من الممكن أن يكون قد حصل عليه كرهن؟ أما هو فقد ترك الناى منذ زمن بعيد، ويعزف حالياً على الكمان فقط. ومن تحت قوسه تنساب أيضاً تلك الأنغام الحزينة كما كانت تنساب آنذاك من الناى. ولكنه عندما يحاول إعادة ما عزفه ياكوف وقتما كان جالساً على العتبة، كان يخرج منه شىء يوحى بالحزن والأسى بحيث ينخرط السامعون فى البكاء رغماً عنهم، فيما كان هو فى نهاية اللحن يجحظ بعينيه متمتماً: واااه ه ه! وإذ أثارت هذه الأغنية الجديدة الإعجاب فى البلدة، فقد راح التجار والموظفون يدعون روتشيلد أثناء فترات الراحة ويرغمونه على عزفها عشرات المرات.




هوامش:
(1) مقياس طول روسى قديم يساوى 71سم-(المترجم).
(2) لم يكتب تشيخوف كلمة (يهودى) بالروسية، ولكنه استخدم الصفة الشائعة التى كانت تستخدم لتحقير اليهود فى روسيا القيصرية (جيد)-بكسر الجيم وتعطيشها وكسر الياء أيضا-المأخوذة من الكلمة الإنجليزية (Judas). وسوف نضعها لاحقا بين قوسين، للتمييز بينها وبين صفة يهودى بالمعنى الروسى-(المترجم).
(3) المقصود (أهلى)، ولكن ياكوف نطقها بشكل غير صحيح لغويا، واضعا علامة النبر على حرف آخر-(المترجم).
(4) المقصود (علقة)، ولكن ياكوف نطقها بشكل غير صحيح إملائيا حرف بحرف آخر، والعلقة هى نوع من الديدان كان الروس يستخدمونه للعلاج بوضعه على الجسم لامتصاص الدم كوسيلة لعملية الحجم-(المترجم).
(5) المقصود (حالا)، ولكن روتشيلد نطقها بشكل غير صحيح مبدلا علامة النبر-(المترجم).
(6) ساجين يساوى متر و13سم-(المترجم).
(7) المقصود (عُرس)، ولكنه نطقها بلكنة غير روسية-(المترجم).
(8) المقصود (إنسان)، ولكنه نطقها أيضا بلهجة غير روسية-(المترجم).

طوق اليمامة 09-22-2009 01:04 PM

رد: ..{ أدب روسي}..
 
مزحة

أنطون تشيكوف



كان يوما شتويا مشرقا وكان صقيع حاد وكانت قطع فضية منه تغطي الخصلات المتحدرة على جبين (نادينكا) وأسفل شفتها العليا. كانت تتمسك بذراعي ونحن واقفان فوق تلة عالية. ومن مكاننا حتى قاع الأرض امتد سهل انعكست عليه الشمس بوضوح وكأنه مرآة صافية. وإلى جانبنا كانت مزلجة عليها قماش أحمر اللون فاتحه.

رجوتها قائلا: "هيا بنا لنتزحلق للأسفل يا نادينكا. مرة واحدة فقط. أؤكد لك أنه لن يحدث أي مكروه".

ولكن (نادينكا) كانت خائفة. فالمنحدر الذي يبدأ من تحت حذائها الطويل إلى أسفل التلة الثلجية بدا مريعا لها كأنه هاوية سحيقة. خانتها شجاعتها وحبست أنفاسها وهي تنظر إلى الأسفل بعد أن اكتفيت بأن اقترحت عليها امتطاء المزلجة ولكن ماذا لو كانت هناك مخاطرة بالسقوط إلى الهاوية؟ كانت ستموت كانت ستفقد صوابها.
قلت لها:" من أجلي أنا لا تخافي. لا يجدر بك الخوف فهو مرض للنفس وجبن عظيم".

استسلمت (نادينكا) أخيرا ومن ملامح وجهها أدركت أنها استسلمت وهي تختنق فزعا. أجلستها على المزلجة وهي شاحبة مرتعدة الأوصال ثم طوّقتها بذراعي ودفعتها وأنا معها إلى أسفل الهوة السحيقة.

انطلقت المزلجة كالرصاصة والهواء المندفع بفعل تحليقنا ضرب في وجوهنا بكل قوته وهديره ثم أطلق صفيره الحاد في آذاننا وتمزّق على أجسادنا ثم اشتدت قرصاته في وهج غضبه وحاول أن يقتلع رأسينا من على أكتافنا. كنا بالكاد نتنفس تحت ضغط الريح. بدا الأمر وكأن الشيطان نفسه أمسك بنا بمخلبيه وأخذ يسحبنا إلى الجحيم تتبعه زمجرته. كل ما كان يحيط بنا ذاب في خط رفيع طويل طويل يتسارع بشدة. لحظة أخرى وبدا أننا لا بد هالكان.

قلت بصوت خفيض: "أحبك يا ناديا".
بدأت المزلجة تتباطأ في حركتها أكثر فأكثر وخفت هدير الريح وطنين الهواء وغدا التنفس أسهل وأخيرا وصلنا إلى الأسفل. كانت (نادينكا) أقرب للموت منها إلى الحياة. كانت شاحبة لا تكاد تتنفس فساعدتها على النهوض.

قالت وهي تنظر إليّ بعينين ملؤهما الرعب: "لا شيء سيجعلني أكرر ذلك. لا شيء في هذا العالم كله. كدت أموت".

بعد دقائق استعادت اتزانها ونظرت إليّ بتساؤل هل نطقت فعلا بتلك الكلمات الثلاث أو أنها تخيلت ذلك في غمرة الإعصار؟ جلست بجانبها أدخّن وأنظر بإمعان في قفازي.

تأبطت ذراعي وقضينا وقتا طويلا نمشي قرب التلة الثلجية. من الواضح أن اللغز أرهقها. هل سمعت تلك الكلمات أم لا؟ نعم أم لا؟ نعم أم لا؟ كانت مسألة كبرياء أو شرف مسألة حياة..كانت مسألة في غاية الأهمية بل أهم مسألة في العالم. ظلت (نادينكا) تنظر في وجهي بنفاد صبر وحزن نظرة حادة. كانت تجيب بعشوائية تنتظر ما إذا كنت سأتكلم أم لا. ياه يا لهذا اللعب بالمشاعر على هذا الوجه الجميل! لاحظت أنها كانت تصارع نفسها وأنها كانت تريد قول شيء تريد أن تسأل سؤالا ولكنها لم تجد الكلام. شعرت بأن الفرحة تسقيها حيرة وخوفا وارتباكا.

قالت من دون أن تنظر إليّ: "لدي فكرة".
فسألتها: "ما هي؟"
- هيا بنا..نتزحلق للأسفل مرة أخرى.

عانينا في تسلق التلة الثلجية من الدرجات مرة أخرى. أجلست (نادينكا) وهي شاحبة مرتعدة الأوصال على المزلجة. مرة أخرى طرنا نحو الهاوية الرهيبة ومرة أخرى قابلنا هدير الريح وطنين الهواء ومرة أخرى عندما كان انحدارنا في أصخب لحظاته وأسرعها قلت بصوت خفيض: "أحبك يا ناديا".

عندما توقفت المزلجة رشقت (نادينكا) ببصرها التلة التي انزلقنا عليها ثم تفرستني بنظرة طويلة وأرهفت السمع لصوتي الذي لم يكن فيه مثقال ذرة من اهتمام او مشاعر. وكلّ جسمها كل جزء منه حتى الفراء والقبعة عليها أصدر أقصى علامات التعجب وعلى وجهها أسئلة محيّرة: "ما معنى هذا؟ من نطق بتلك الكلمات؟ هل قالها أو أنني تخيلتها فقط؟"
أقلقها ذلك الشك وأفقدها صبرها. لم تجب الفتاة المسكينة على أسئلتي وعبست وبلغت أدمعها طرف جفنيها.

سألتها: "ألم يكن من الأفضل لو ذهبنا إلى البيت؟".
قالت هائجة: "أنا..أنا أحب هذا التزحلق. هلا تزحلقنا مرة أخرى؟".
لقد "أحبّت" التزحلق ولكنها عندما ركبت على المزلجة كما في المرتين السابقتين كانت شاحبة مرتعدة الأوصال بالكاد تتنفس من فرط الفزع.

تزحلقنا للمرة الثالثة ولاحظت أنها كانت تحدق في وجهي وتراقب شفتيّ. ولكنني وضعت منديلي على شفتي وسعلت وعندما وصلنا إلى منتصف التلة استطعت أن أتمتم ب"أحبك يا ناديا".

وبقي اللغز لغزا. كانت (نادينكا) صامتة تتفكر في شيء ما. رافقتها إلى البيت وحاولت أن تمشي ببطء تخفف سرعتها تنتظر ما إذا كنت سأقول لها تلك الكلمات أم لا ولاحظت كيف أن روحها كانت تعاني وكيف كانت تجتهد كي لا تقول لنفسها:"لا يمكن أن تكون الريح قد قالتها. ولا أريد أن تكون الريح هي التي قالتها".

في الصباح التالي تركت لي رسالة جاء فيها: "إن كنت ذاهبا للتزحلق اليوم خذني معك. ن".

ومنذئذ بدأت أذهب كل يوم للتزحلق مع (نادينكا) وبينما نحن نطير بالمزلجة كنت أقول في كل مرة بصوت خفيض نفس الكلمات:"أحبك يا ناديا".

وسرعان ما اعتادت (نادينكا) على تلك العبارة وأدمنتها كالكحول أو المخدر الذي لا فرار منه. لم تستطع العيش من دونها. نعم كان التزحلق فوق التلة الثلجية يرعبها كما كان في السابق ولكن الخوف والخطر أضفيا سحرا غريبا على كلمات الحب. تلك الكلمات كما كانت دوما لغزا يحير النفس ويعذبها تشويقا. وبقي المشتبهان كما هما أنا والريح. لم تكن تعرف أيا منا كان يمارس الحب معها ولكنها بالتأكيد بدأت تفقد الاهتمام بذلك. ما دام الشراب مسكرا كل الكؤوس سواء.

وحدث يوما أن ذهبت إلى ساحة التزلج وحيدا وبينما أنا بين الجموع رأيت (نادينكا) تصعد التلة الثلجية وتبحث عني ثم نزلت من على الدرجات في حياء. كانت تخاف أن تذهب بمفردها. يااه كم كانت تخاف! كانت بيضاء كالثلج ترتعد وكأنها تسوق نفسها إلى مقصلتها. ولكنها ذهبت ذهبت دون أن تنظر وراءها بإصرار. من المؤكد أنها قررت وضع الأمر في محك الاختبار أخيرا. هل كانت تلك الكلمات الجميلة ستسمع من دون وجودي؟ رأيتها شاحبة انفرجت شفتاها بفزع وركبت على المزلجة فأغمضت عينيها لتقول للأرض وداعا إلى الأبد. تزحلقت.. لا أعرف ما إذا كانت (نادينكا) سمعت تلك الكلمات أم لا. رأيتها فقط تنهض من على المزلجة باهتة المنظر شديدة الإعياء. وكان من السهل الجزم بالنظر إلى وجهها أنها لم تكن متأكدة ما إذا سمعت شيئا أم لا. لقد حرمها فزعها وهي تطير إلى الأسفل حاسة السمع وتمييز الأصوات والفهم.

وجاء شهر مارس وأتى الربيع بأبهى حلله. أظلمت تلتنا الثلجية وفقدت بهاءها وذابت. وهكذا توقفنا عن التزحلق. لم يكن هناك مكان آخر تستطيع فيه المسكينة (نادينكا) سماع تلك الكلمات وبالتأكيد لا شخص آخر يقولها حيث لم تكن هناك ريح وكنت أنا ذاهبا إلى (بيترزبيرغ) لمدة طويلة وربما للأبد.

وحدث قبل يومين من رحيلي أن كنت جالسا عند الغروب في الحديقة الصغيرة التي يفصلها عن فناء منزل (نادينكا) سور عال عليه مسامير. كان الجو ما يزال باردا وبعض الثلج ركام هناك قرب كومة السماد وبدت الأشجار ميتة ولكن عبق الربيع كان منتشرا والغربان تنعق وهي تأوي إلى منامتها. صعدت على السور ووقفت هناك طويلا وأنا أختلس النظر من خلال شق. رأيت (نادينكا) تخرج إلى الفناء وتحدق في السماء بعينين ملؤهما اللهفة والحسرة. كانت رياح الربيع تهب في وجهها الشاحب الكئيب. ذكّرتها بالريح التي كانت تهبّ علينا على التلة الثلجية عندما سمعت تلك الكلمات الثلاث وغدا وجهها حزينا جدا جدا وانزلقت دمعة على وجنتها ورفعت الطفلة المسكينة ذراعيها وكأنها تتوسل إلى الرياح أن تجلب لها تلك الكلمات مرة أخرى. وفي انتظار الرياح قلت بصوت خفيض:"أحبك يا ناديا".

وحلّت الرحمة. يا لذاك التغير الذي حدث ل(نادينكا)!. اغرورقت عيناها بعبراتها ثم ملأت وجهها ابتسامة عريضة فبدت مرحة وسعيدة وجميلة ورفعت ذراعيها لتستقبل الرياح.

وعدت أدراجي لأحزم أمتعتي.

كان هذا منذ زمن بعيد. (نادينكا) الآن متزوجة. لقد تزوجت -ولا يهم ما إذا كان ذلك باختيارها أم لا- ولديها الآن ثلاثة أطفال. ولم تنس أننا ذهبنا ذات مرة للتزحلق وأن الرياح حملت لها الكلمات "أحبك يا نادينكا". بالنسبة لها كانت هذه هي أكثر اللحظات المؤثرة والجميلة في حياتها.

ولكن الآن وأنا أكبر سنا أعجز عن أفهم لماذا نطقت بتلك الكلمات وماذا كان هدفي من تلك المزحة.



***
تمت

طوق اليمامة 09-22-2009 01:05 PM

رد: ..{ أدب روسي}..
 
الساذجه

أنطوان تشيكوف


طلبت - قبل بضعة أيام - من مربية أولادي ( جوليا فاسيليفنا ) موافاتي بغرفة المكتب.
- تفضلي بالجلوس ( جوليا فاسيليفنا ) - قلت لها - كيما نسوي مستحقاتك .
ويبدو أنك تلبسين رداء الرسمية والتعفف إذ أنك لم تطلبيها رسميا مني رغم حاجتك الماسة للمال ... حسنا ... كنا إذا قد اتفقنا على مبلغ ثلاثين روبلا في الشهر ...
- بل أربعين قالت باستحياء.
- كلا .. اتفاقنا كان على ثلاثين ، دونت ملاحظة بذلك . أدفع إلى المربيات ثلاثين روبلا عادة . لقد عملت هنا مدة شهرين لذا ..
- شهران وأيام خمسة قالت مصححة
- بل عملت لمدة شهرين بالتمام والكمال - قلت بإصرار - لقد دونت ملاحظة بذلك ، وهذا يعني أنك تستحقين ستين روبلا يخصم منها أجر تسعة أيام تعرفين تماما أنك لم تعملي شيئا لـ ( كوليا ) أيام الأحد وكنت تكتفين بالخروج به للنزهة ... هناك أيضا ثلاث إجازات و ...
ولم تعقب .. اكتفت المسكينة بالنظر إلى حاشية فستانها فيما كست محياها حمرة شديدة .. مانبست ببنت شفه
- ثلاث إجازات فلنخصم من ذلك إذا اثنى عشر روبلا ... كما وأن ( كوليا ) قد مرض فاستغرق ذلك ثلاثة أيام لم يتلق عبرها أي درس ... شغلت إبان ذلك بـ ( تانيا ) فقط ، هناك أيضا أيام ثلاثة شعرت فيها بآلام في أسنانك ممضة اعفتك زوجتي خلالها من العمل بعد الظهر ... اثنا عشر وسبع يساوي تسعة عشر ، واطرحي ذلك فيتبقى بعد ذلك ... آ ... واحد وأربعون روبلا ... أصبح ذلك
واحمرت العين اليسرى ( لجوليا فاسيليفنا ) ثم ... غرقت بالدمع ، فيما تشنج ذقنها وارتعش ... وسعلت بشدة ثم مسحت أنفها ... إلا أنها ... لم تنبس بحرف
- " قبيل ليلة رأس السنه كسرت كوب شاي وصحنه ، يخصم من ذلك روبلان رغم أن تكلفة الكوب هي في الواقع أكثر من ذلك إذ إنه كان ضمن تركة قيمة ... لا يهم ليست تلك هي أولى مامنيت به من خسائر ... بعد ذلك ونتيجة لإهمالك صعد ( كوليا ) شجرة فتمزق معطفه ، يخصم من المجموع عشرة روبلات ... كما وأن الخادمه قد سرقت - بسبب لامبالاتك حذاء ( فانيا ) ينبغي أن تفتحي عينيك جيدا ... أن تتوخي الحذر والحيطة
فنحن ندفع لك ثمن ذلك ... حسنا نطرح من كل ذلك خمسة روبلات وإني قد أعطيتك عشرة روبلات يوم العاشر من يناير
- لم يحدث ذلك ّ همست ( جوليا فاسيليفنا )
- بلى دونت ملاحظة بذلك قلت بإصرار
- حسنا وإذا أجابت بنبرات كسيرة .
- فإذا ما خصمنا سبعة وعشرين من واحد وأربعين فسيتبقى لك أربعة عشر روبلا
وغرقت بالدموع حينها كلتا عينيها فيما ظهر العرق على أنفها الصغير الجميل ... ياللبنية المسكينة
- لم أحصل على مال سوى مرة واحدة
- قالت صوت راعش متهدج النبرات - وكان ذلك من زوجتك . ماتجاوز ما استلمته ثلاث روبلات ... لا أكثر سيدي
- حقا أرأيت لم أدون ملاحظة بذلك - سأخصم من الأربعة عشر روبلا ثلاثة فيتبقى لك أحد عشر روبلا
ودفع إليها بالمبلغ فتناولته بأصابع مرتجفة ثم دسته في جيبها .
شكرا قالت هامسة .
- ولماذا هذه الـ ( شكرا ) سألتها
- للمبلغ الذي دفعته لي .
لكنك تعرفين أني قد غششتك ... أني قد سرقتك ونهبت مالك فلماذا شكرتني
- في أماكن أخرى لم يكونوا ليدفعوا لي شيئا البتة
- لم يمنحوك على الإطلاق شيئا زال العجب إذا لقد دبرت هذا المقلب كي ألقنك درسا في المحافظة على حقوقك ، سأعطيك الآن مستحقاتك كاملة ... ثمانون روبلا ... لقد وضعتها في هذا الظرف مسبقا ... لكن - تساءلت مشدوها - أيعقل ذلك أن يتسم إنسان بكل ذلك الضعف والاستسلام لماذا لم تعترضي لم كل ذلك الصمت الرهيب ... أيعقل أن يوجد في هذا العالم النابض بالظلم والأحقاد والشراسة إنسان بلا أنياب أو مخالب إنسان في سذاجتك وخضوعك
وابتسمت في ذل وانكسار فقرأت في ملامحها " ذاك ممكن " واعتذرت منها مجددا عما سببته لها من ألم وإحراج ، إذ إن الدرس كان قاسيا حقا قبل أن أسلمها الظرف الذي يحوي أجرها ... ثمانون روبلا تناولتها بين مكذبة ومصدقة ... وتلعثمت وهي تكرر الشكر ... المرة تلو المرة ثم غادرت المكان وأنا أتأملها وسيل من جراحات الإنسان المعذب في أرجاء غابة الظلم يندح في أوردتي وهمست لنفسي :
- حقا ما أسهل سحق الضعفاء في هذا العالم

طوق اليمامة 09-22-2009 01:07 PM

رد: ..{ أدب روسي}..
 
البدين والنحيف

أنطوان تشيكوف




في محطة سكة حديد نيقولاي التقى صاحبان أحدهما بدين والآخر نحيف، كان البدين قد تغذى لتوه في المحطة ولمعت شفتاه من الدهن كما تلمع ثمار الكرز الناضجة، وفاحت منه رائحة النبيذ والحلويات المعطرة .
أما النحيل فكان خارجا لتوه من عربة القطار محملا بالحقائب والصرر وعلب الكرتون . وفاحت منه رائحة لحم الخنزير والقهوة الرخيصة .. ولاحت من وراء ظهره امرأة نحيفة طويلة الذقن .. زوجته، وتلميذ طويل بعين مزورة .. ابنه .
وهتف البدين عندما رأى النحيف :
- بورفيري ! أهو أنت ؟ يا عزيز ! كم مر من أعوام لم أرك!
ودهش النحيف :
- يا سلام ! ميشا ! يا صديق الطفولة ! من أين جئت ؟
وتبادل الصاحبان القبلات ثلاثا، وحدق كل منهما في الآخر بعينين مغروقتين بالدموع . وكانا كلاهما في حالة من الذهول اللذيذ .
وقال النحيف بعد القبلات :
يا عزيزي ! لم أتوقع أبدا ! يالها من مفاجأة ! هلا نظرت إلي جيدا ! جميل كما كنت ! حبوب وغندور كما كنت ! آه يا إلهي ! كيف أحوالك ؟ أصبحت غنيا ؟ تزوجت ؟ أنا تزوجت كما ترى .. وهذه زوجتي، لويزا .. من عائلة فانسنباخ .. بروتستانتية .. أما هذا فابني، نفانائيل، تلميذ بالصف الثالث. يا نفانيا، هذا صديق طفولتي ! درسنا معا في المدرسة . فكر نفانائيل قليلا ثم نزع قبعته .
ومضي النحيف يقول :
- درسنا معا في المدرسة ! أتذكر كيف كانوا يغيظونك بلقب هيروستراتوس لأنك أحرقت بالسيجارة كتاب عهدة، وكانوا يغيظونني بلقب أفيالتوس لأنني كنت أحب النميمة؟ . ها ها .. كم كنا صغارا ! لا تخف يا نفانيا .. اقترب منه .. وهذه زوجتي، من عائلة فانسنباخ .. بروتستانتية.
وفكر نفانائيل قليلا، ثم اختبأ خلف ظهر أبيه .
وسأل البدين وهو ينظر بإعجاب إلى صديقه :
- كيف حالك يا صديقي ؟ أين تخدم ؟ وماذا بلغت في الخدمة ؟
فضحك النحيف ضحكة صفراء، وازداد انكماشا :
- العفو .. ماذا تقولون .. إن اهتمام سعادتكم الكريم .. هو كالبلسم الشافي .. هذا هو ابني نفانائيل يا صاحب السعادة .. وزوجتي لويزا بروتستانتية إلى درجة ما ..
- وأراد البدين أن يعارض بشيء ما، ولكن وجه النحيف كان يطفح بالتبجيل والتعبير المعسول والخنوع إلى درجة أثارت الغثيان في نفس المستشار السري، فأشاح بوجهه عن النحيف ومد له يده مودعا. وصافح النحيف ثلاث أصابع وانحني بجسده كله وضحك كالصيني : " هئ – هئ – هئ " . وابتسمت الزوجة ومسح نفانائيل الأرض بقدمه وسقطت منه القبعة .وكانوا ثلاثتهم في حالة من الذهول اللذيذ .


تمت

طوق اليمامة 09-22-2009 01:08 PM

رد: ..{ أدب روسي}..
 
الكبش والآنسة


أنطوان تشيكوف



كانت سِحنة السيد المحترم الشبعانة اللامعة تنطق بالملل القاتل.. كان قد غادر لتوه أحضان مورفيوس* بعد الظهر ولا يدري ماذا يفعل.. لم تكن له رغبة في التفكير أو التثاؤب، أما القراءة فملّها منذ زمن سحيق، وكان الوقت لايزال مبكرا للذهاب إلى المسرح، ومنعه الكسل من الذهاب إلى التزحلق فما العمل؟ بما يسلي نفسه؟
وأبغله الخادم يجور:
- هناك آنسة ما .. جاءت تسأل عنكم . - آنسة؟ ممم تُرى من هي؟ على العموم سيان .. ادعها .
ودخلت غرفة المكتب بهدوء فتاة وسيمة سوداء الشعر ترتدي ملابس بسيطة، بل وبسيطة جداً، وعندما دخلت حَيّت بانحناءة .. وأخذت تقول بصوت مرتعش:-
ـ ارجو المعذرة ... أنا.....قالوا لي إن حضرتكم............ إنه من الممكن أن أجدكم في الساعة السادسة فقط.....أنا....أنا.....ابنة مستشار القصر** بالتسيف....
- تشرفنا تفضلي اجلسي اية خدمة؟ اجلسي لا تخجلي.
- لقد جئتكم في طلب.......

مضت الآنسة تقول وهي تجلس في ارتباك وتعبث بأزرارها بيدين مرتعشتين.
- لقد جئت.. لكي أطلب منكم بطاقة سفر مجانية إلى موطني سمعت أنكم تعطون.. وأنا أريد أن أسافر وليس معي..... أنا لست غنية... بطاقة من بطرسبرج إلى كورسك .
- ممممم....هكذا....ولماذا تريدين السفر إلى كورسك ؟ ألا يعجبك الحال هنا - لا هنا يعجبني ولكن...أهلي أريد ان أسافر إلى أهلي لم أرهم منذ مدة طويلة كتبوا لي أن أمي مريضة .
- ممم....وأنت موظفة ام طالبة .
وأخبرته الآنسة بالمكان الذي تعمل فيه وعند مَن وكَم كانت تتقاضى وبحجم العمل الذي كانت تؤديه.
ـ هكذا...... كنت تعملين..... لا يمكن القول أن مرتبك كان كبيرا.....لايمكن القول....ليس من الإنسانية إلا أن تصرف لك بطاقة مجانية......مم.......إذن فأنت مسافرة إلى أهلك، حسنا وربما كان لديك في كورسك حبيب هه؟ .. حبوب؟ هىء هىء هىء... خطيب؟ آه تخجلين؟ آه لا داعي هذا شيء جيد .....فلتسافري ..... حان الوقت لكي تتزوجي.. ومن هو.. موظف .. شيء جيد .. سافري إلى كورسك يقال إنه على بعد مائة فرسخ من كورسك تنتشر رائحة حساء الكرنب وتزحف الصراصير.....هىء هىءهىء لا بد أن الحياة مملة في كورسك هذه؟ لا تخجلي انزعي القبعة.
- يا يجور هات الشاي.
لم تكن الأنسة تتوقع مثل هذا الاستقبال الرقيق فشع وجهها بالسرور ووصفت للسيد المحترم كل ما في كورسك من ألوان التسلية.......وأخبرته أن لديها أخا موظفا وعمها مدرس وأبناء أخيها تلاميذ... وقدم يجور الشاي وتناولت الآنسة الكوب بوجل وراحت ترتشفه دون صوت، وهي تخشى أن تصدرعنها مصمصة.. وكان السيد المحترم يتطلع إليها وهو يضحك بسخرية.... لقد بدأ يشعر بالملل.
ـ هل خطيبك وسيم؟ وكيف تعرفت عليه؟
وأجابت الآنسة بخجل على هذين السؤالين واقتربت بمجلسها من السيد المحترم في ثقة وروت له وهي تبتسم كيف تقدم الخطاب هنا في بطرسبرج لخطبتها فرفضتهم ...... تحدثت طويلاً، وأنهت حديثها بأن أخرجت من جيبها رسالة من والديها وقرأتها على السيد المحترم.... ودقت الساعة الثامنة.
- والدك خطه لا بأس به ....... بأية زخارف ينمق الحروف ..هىء هىء.. حسنا لقد حان وقت انصرافي ...لابد أن المسرح بدأ عرضه ......وداعا يا ماريا سيميونوفنا.
فسألت الآنسة وهي تنهض :
- إذن أستطيع أن آمل.
- بماذا؟
- بأن تعطوني بطاقة مجانية......
- بطاقة؟ مممممم....... ليس لدي بطاقات يبدو أنك أخطأتِ يا سيدتي..هىءهىءهىءهىء .. أخطأتِ العنوان .. دخلتِ غير المدخل ...بالقرب مني يسكن حقا أحد العاملين في السكك الحديدية، أما أنا فأعمل في البنك .. يا يجور؛ قل لهم أن يعدوا العربة.. وداعا يا آنسة ماريا سيميونوفنا .. سعيد جدا .... سعيد جدا بلقائك .
ارتدت الآنسة معطفها وخرجت .....وعند مدخل الباب الآخر قيل لها أنه سافر إلى موسكو في السابعة والنصف.




* إله الأحلام عند الإغريق .

** رتبة عسكرية من الدرجة السابعة في روسيا القيصرية .

طوق اليمامة 09-22-2009 01:09 PM

رد: ..{ أدب روسي}..
 
هذه بعض المختارات من الادب الروسي

ارجو ان تنال اعجابكم :)

نسيم الشام 09-23-2009 08:58 AM

رد: ..{ أدب روسي}..
 
طوق اليمامة جزااكِ الله عنا كل الخير


ساعود لاكمل القراءة ان شااء الله ..بالفعل لاحظت عمق الادب الروسي


بس طلب صغير لو سمحتي :ShababSmile221:

كبري الخط كماان او خاي اللون غاامق شوي :ShababSmile116:

شكراا ..:ShababSmile229:

طوق اليمامة 09-24-2009 09:57 AM

رد: ..{ أدب روسي}..
 
اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة نسيم الشام (المشاركة 1358502)
طوق اليمامة جزااكِ الله عنا كل الخير


ساعود لاكمل القراءة ان شااء الله ..بالفعل لاحظت عمق الادب الروسي


بس طلب صغير لو سمحتي :ShababSmile221:

كبري الخط كماان او خاي اللون غاامق شوي :ShababSmile116:

شكراا ..:ShababSmile229:


يا هلا نور الموضوع اختي

بالفعل هو ادب جميل جدا

اسعدني مرورك عزيزتي


نورتي :ShababSmile224:

نسمة دفا 09-24-2009 09:25 PM

رد: ..{ أدب روسي}..
 
الادب الروسي ادب راقي وجميل للغاية

سلمت يمناكي الاء ما ننحرم يا رب =)

طوق اليمامة 09-25-2009 11:19 AM

رد: ..{ أدب روسي}..
 
اقتباس:

المشاركة الأصلية كتبت بواسطة نسمة دفا (المشاركة 1360029)
الادب الروسي ادب راقي وجميل للغاية

سلمت يمناكي الاء ما ننحرم يا رب =)


الله يسلم عمرك

ما ننحرم من هالمرورالحلو :)


الساعة الآن 10:49 PM.

Powered by vBulletin® Version 3.8.4
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd.
new notificatio by 9adq_ala7sas