Deprecated: Assigning the return value of new by reference is deprecated in /www/wwwroot/shabab.ps/public_html/vb/printthread.php on line 119
منتديات شباب فلسطين - من قصائد الشاعر الفلسطيني ( محمود درويش )...
منتديات شباب فلسطين

منتديات شباب فلسطين (https://shabab.ps/vb/index.php)
-   العرش الأدبي (https://shabab.ps/vb/forumdisplay.php?f=78)
-   -   من قصائد الشاعر الفلسطيني ( محمود درويش )... (https://shabab.ps/vb/showthread.php?t=4452)

أبو فادي 12-26-2005 07:19 PM

مشاركة: من قصائد الشاعر الفلسطيني ( محمود درويش )...
 
قصيدة اثارت الكتير من الغضب لما قالها محمود درويش لانو كان عم يحكي عن جندي اسرائيلي رح اترككم تحكموا بنفسكم


جندي يحلم بالزنابق الببضاء


يحلم بالزنابق البيضاء
بغصن زيتون..
بصدرها المورق في المساء
يحلم - قال لي- بطائر
بزهر ليمون
ولم يفلسف حلمه، لم يفهم الأشياء
الا كما يحسها.. يشمها
يفهم - قال لي- ان الوطن
أن أحتسي قهوة أمي
أن أعود في المساء..
سألته: والأرض؟
قال: لا أعرفها
ولا أحس أنها جلدي ونبضي
مثلما يقال في القصائد
وفجأة، رأيتها
كما أرى الحانوت.. والشارع.. والجرائد
سألته: تحبها
أجاب: حبي نزهة قصيرة
أو كأس خمر.. أو مغامره
- من أجلها تموت؟
- كلا!
وكل ما يربطني بالأرض من أواصر
مقالة نارية.. محاضره!
قد علموني ان أحب حبها
ولم أحس أن قلبها قلبي،
ولم أشم العشب، والجذور والغصون..
- وكيف كان حبها
يلسع كالشموس.. كالحنين؟
أجابني مواجها:
- وسيلتي للحب بندقية
وعودة الأعياد من خرائب قديمة
وصمت تمثال قديم
ضائع الزمان والهويه!
حدثني عن لحظة الوداع
وكيف كانت أمه
تبكي بصمت عندما ساقوه
االى مكان ما من الجبهه..
وكان صوت أمه الملتاع
يحفر تحت جلده أمنية جديده:
لو يكبر الحمام في وزارة الدفاع
لو يكبر الحمام!..
.. دخن، ثم قال لي
كأنه يهرب من مستنقع الدماء:
حلمت بالزنابق البيضاء
بغصن زيتون..
بطائر يعانق الصباح
فوق غصن ليمون..
وما رأيت؟
- رأيت ما صنعت
- عوسجة حمراء
فجرتها في الرمل.. في الصدور.. في البطون..
- وكم قتلت؟
- يصعب أن أعدهم..
لكنني نلت وساما واحدا
سألته معذبا نفسي، اذن
صف لي قتيلا واحدا.
أصلح من جلسته، وداعب الجريدة المطويه
وقال لي كأنه يسمعني أغنيه:
كخيمة هوى على الحصى
وعانق الكواكب المحطمه
كان على جبينه الواسع تاج من دم
وصدره بدون أوسمه
لأنه لم يحسن القتال
يبدو أنه مزارع أو عامل أو بائع جوال
كخيمة هوى على الحصى.. ومات..
كانت ذراعاه
ممدودتين مثل جدولين يابسين
وعندما فتشت في جيوبه
عن اسمه، وجدت صورتين
واحدة.. لزوجته
واحدة.. لطفلته..
سألته: حزنت؟
أجابني مقاطعا: يا صاحبي محمود
الحزن طير أبيض
لا يقرب الميدان. والجنود
يرتكبون الاثم حين يحزنون
كنت هناك آلة تنفث نارا وردى
وتجعل الفضاء طيرا أسودا
حدثني عن حبه الأول،
فيما بعد
عن شوارع بعيده،
وعن ردود الفعل بعد الحرب
عن بطولة المذياع والجريده
وعندما خبأ في منديله سعلته
سألته: أنلتقي؟
أجاب: في مدينة بعيده
حين ملأت كأسه الرابع
قلت ممازحا: ترحل... والوطن؟
أجاب: دعني..
انني أحلم بالزنابق البيضاء
بشارع مغرد ومنزل مضاء
أريد قلبا طيبا، لا حشو بندقيه
أريد يوما مشمسا، لا لحظة انتصار
مجنونة.. فاشية
أريد طفلا باسما يضحك للنهار،
لا قطعة في الآلة الحربيه
جئت لأحيا مطلع الشموس
لا مغربها.
ودعني، لأنه.. يبحث عن زنابق بيضاء
عن طائر يستقبل الصباح
فوق غصن زيتون
لأنه لا يفهم الأشياء
الا كما يحسها.. يشمها
يفهم - قال لي - ان الوطن
أن أحتسي قهوة أمي..
أن أعود، آمنا، مع المساء

أبو فادي 12-26-2005 07:20 PM

مشاركة: من قصائد الشاعر الفلسطيني ( محمود درويش )...
 
نشيد الرجال

-1-

لأجملِ ضفةٍ أمشي

فلا تحزنْ على قدمي

منَ الأشواكْ

إن خطايَ مثلَ الشمسِ

لا تقوى بدونِ دمي!

لأجملِ ضفّةٍ أمشي

فلا تحزنء على قلبي

من القرصانْ

إن فؤاديَ المعجونَ كالأرضِ

نسيمٌ في يدِ الحبِّ

وبارودٌ على البغضِ!

لأجملِ ضفّةٍ أمشي

فإمّا يهترئ نعلي

أضعْ رمشي

نعمْ... رمشي!



ولا أقفُ

ولا أهفو إلى نومٍ وارتجفُ

لأن سريرَ من ناموا

بمنتصفِ الطريق..

كخشبةِ النعشِ!

تعالوا يا رفاقَ القيدِ والأحزانِ

كي نمشي

لأجملِ ضفّةٍ نمشي

فلنْ نُقهرْ

ولن نخسرْ

سوى النعشِ!



-2-

إلى الأعلى

حناجرُنا

إلى الأعلى

محاجرُنا

إلى الأعلى

أمانينا

إلى الأعلى

أغانينا

سنصنعُ من مشانقنا

ومن صُلبانِ حاضرنا وماضينا

سلالمَ للغدِ الموعود

ثم نصيحُ: يا رضوان!

إفتحْ بابكَ الموصود!



سنطلقُ من حناجرنا

ومن شكوى مراثينا

قصائدَ، كالنبيذِ الحلوِ

تكرعُ في ملاهينا

وتنشدُ في الشوارعِ

في المصانعِ

في المحاجرِ

في المزارعِ

في نوادينا!



سننصبُ من محاجرنا

مراصدَ، تكشفُ الأبعدَ والأعمقَ والأروعْ

فلا نقشعْ

سوى الفجرِ

ولا نسمعْ

سوى النصرِ

فكلُّ تمرّدٍ في الأرضْ

يزلزلنا

وكلُّ جميلةٍ في الأرضْ

تقبّلُنا

وكلُّ حديقةٍ في الأرضْ

نأكلُ حبةً منها

وكلُّ قصيدةٍ في الأرضْ

إذا رقصتْ نُخاصرها

وكلّث يتيمةٍ في الأرضْ

إذا نادتْ نناصرُها



سنخرجُ من معسكرنا

ومنفانا

سنخرجُ من مخابينا

ويشتمُنا أعادينا:

« هلا.. همجٌ همُ.. عربُ »

نعم! عربُ

ونعرفُ كيفَ نمسكُ قبضةَ المنجلْ

ونعرفُ كيفَ يقاومُ الأعزلْ

ونعرفُ كيفَ نبني المصنعَ العصريَّ

والمنزلْ..

ومستشفى

ومدرسةً

وقنبلةً

وصاروخاً

وموسيقى

ونكتبُ أجمل الأشعارْ..



صوت:

وماذا بعد؟

سمعنا صوتكَ المدهونَ بالفوسفورْ

سمعناهُ.. سمعناهُ

فكيفَ ستجعلُ الكلماتُ

أكواخَ الدُّجى.. بلّورْ !

ودربكَ كلّهْ ديجور

وشعبكَ..

دمعةٌ تبكي زمانَ النورْ

وأرضكَ..

نقشُ سجاده

على الطرقاتِ مرميّه

وأنتَ.. بدونِ زوّاده

وماذا بعدُ؟ ماذا بعدْ؟

جميلٌ صوتكَ المحمولُ بالريحِ الشماليّه

ولكنّا سئمناهُ !



جواب:

ذليلٌ أنتَ كالإسفلتْ

ذليلٌ أنتْ

يا مَن يحتمي بستارةِ الضجرِ

غبيٌّ أنتَ.. كالقمرِ

ومصلوبٌ على حجرِ

فدعني أكملُ الإنشادَ

دعني أحملُ الريحَ الشماليّه

ودعني أحبسُ الإعصارَ في كمّي

ودعني أخزنُ الديناميتَ في دمّي

ذليلٌ أنتَ كالإسفلتْ

وكالقمرِ..

غبيٌّ أنتْ !



نشيدُ بنات طرواده:

وداعاً يا ليالي الطهرِ

يا أسوارَ طرواده

خرجنا من مخابينا

إلى أعراسِ غازينا

لنرقصَ فوقَ موتِ رجالِ طرواده



سبايا نحن، نعطيهم بكارتنا

وما شاؤوا

لأنهمُ أشدّاءُ

ونرقدُ في مضاجعِ قاتلي أبطالِ طرواده



وداعاً يا ليالي الطهرِ والأحلامِ

يا ذكرى احبّتنا

سبايا نحنُ منذُ اليوم

من آثارِ طرواده !



تعليقٌ على النشيد:

بلى أصغيتُ للنغمِ

فلا تُخضعْ لجنازِ الرّدى

قيثاركَ المشدود..

من قاعِ المحيطِ لجبهةِ القممِ!

لئلا تجهضَ الأزهارَ والكبريتَ

فوقَ فمِ

سيزهرُ مرةً طلعاً وقنديلاً

وشعراً يصهرُ الفولاذَ..

يرصفُ شارعَ النغمِ

لئلا تحقنَ الأجسادُ

أفيوناً من الألمِ

نعمْ. أصغيتُ للنغمِ

ولكني، تحرَّيتُ السنا في الدمعِ

لا ديمومةَ الظلمِ

لنحرقَ ريشةَ الماضي

ونعزفَ لحننا الرائدْ !

فمن عزمي

ومن عزمك

ومن لحمي

ومن لحمك

نعبّدُ شارعَ المستقبلِ الصاعدْ



صوت:

وماذا بعدُ ؟ ماذا بعدْ ؟

وشعبكَ..

دمعةٌ ترثي زمانَ المجدْ

ولحنُ القيد

يجنّزُنا

ويحفرُ للذين يقاومونَ اللحدْ



جواب:

ذليلٌ أنتَ الإسفلتْ

وكالقمرِ..

غبيّ أنت !

إلى الماضي قليلاً يا حزينَ الصوتْ

يا مَن يمتطي جملاً من الصحراء

وغيركَ يركبُ الصاروخ

إلى الماضي قليلاً يا حزينَ الصوتْ

إلى التاريخ:



مع المسيح

-ألو...

-أريدُ يسوعْ

-نعم ! من أنت؟

-أنا أحكي من «إسرائيل»

وفي قدمي مساميرٌ.. وإكليلْ

من الأشواكِ أحملهُ

فأيُّ سبيلْ

أختار يا بن اللهِ.. أيُّ سبيلْ؟

أأكفرُ بالخلاصِ الحلو

أم أمشي؟

ولو أمشي وأحتضرُ؟

-أقولُ لكمْ: أماماً أيها البشرُ !



مع محمد

-ألو

-أريدُ محمدَ العربِ

-نعم ! من أنت؟

-سجينٌ في بلادي

بلا أرضٍ

بلا علمٍ

بلا بيتِ

رموا أهلي إلى المنفى

وجاؤوا يشترونَ النارَ من صوتي

لأخرجَ من ظلامِ السجنِ..

ما أفعلْ؟

-تحدَّ السجنَ والسجّانَ

فإن حلاوةَ الإيمانِ

تذيبُ مرارةَ الحنظلْ !



مع حبقوق

-ألو. هالو !

أموجودٌ هنا حبقوقْ؟

-نعم من أنت؟

-أنا يا سيّدي عربي

وكانت لي يدٌ تزرعْ

تراباً سمّدتهُ يدا وعينُ أبي

وكانت لي خطىً وعباءة..

وعمامةٌ ودفوفْ

وكانت لي..

-كفى يا ابني!

على قلبي حكايتكمْ

على قلبي سكاكينُ



بقية النشيد

دعوني أكملُ الإنشادْ

فإن هديةَ الأجدادِ للأحفادْ:

« زرعنا.. فاحصدوا !»

والصوتُ يأتينا سماداً

يغرقُ الصحراءَ بالمطرِ

ويُخصبُ عاقرَ الشجرِ!

دعوني أُكملُ الإنشاد

أبو فادي 12-26-2005 07:20 PM

مشاركة: من قصائد الشاعر الفلسطيني ( محمود درويش )...
 
الـجسـر




مشياً على الأقدامِ،


أو زحفاً على الأيدي نعودُ


قالوا..


وكانَ الصخرُ يضمرُ


والمساءُ يداً تقودُ..


لم يعرفوا أنَّ الطريقَ إلى الطريقِ


دمٌ، ومصيدةٌ، وبيدُ


كلُّ القوافلِ قبلهم غاصتْ،


وكانَ النهرُ يبصقُ ضفتيهِ


قطعاً من اللحمِ المفتتِ،


في وجوهِ العائدين


كانوا ثلاثةً عائدين:


شيخٌ، وابنتهُ، وجنديٌّ قديم


يقفونَ عند الجسرِ..


(كان الجسرُ نعساناً، وكانَ الليلُ قبعةًَ.


وبعدَ دقائقَ يصلون. هل في البيتِ ماء؟


وتحسّسَ المفتاحَ ثم تلا من القرآنِ آية...)


قالَ الشيخُ منتعشاً: وكم من منزلٍ في الأرضِ يألفهُ الفتى


قالتْ: ولكنَّ المنازلَ يا أبي أطلالُ !


فأجابَ: تبنيها يدانِ..


ولم يتمَّ حديثهُ، إذ صاحَ صوتٌ في الطريق: تعالوا !


وتلتهُ صقطقةُ البنادق..


لن يمرَّ العائدون


حرسُ الحدودِ مرابطٌ


يحمي الحدودَ من الحنين


(أمرٌ بإطلاقِ الرصاص على الذي يجتاز هذا الجسر


هذا الجسرُ مقصلةُ الذي رفضَ التسوّلَ تحتَ ظلِّ وكالةِ الغوثِ الجديدهْ.


والموتَ بالمجّانِ تحتَ الذلِّ والأمطار، من يرفضه يُقتلُ عندَ هذا الجسرْ.


هذا الجسرْ مقصلةُ الذي ما زالَ يحلُمُ بالوطن).


الطلقةُ الأولى أزاحتْ عن جبينِ الليلِ


قبعةَ الظلام


والطلقةُ الأخرى..


أصابتْ قلبَ جنديٍّ قديم


والشيخُ يأخذُ كفَّ ابنتهِ ويتلو


همساً من القرآنِ سورهْ


وبلهجةٍ كالحلمِ قال:


- عينا حبيبتيَ الصغيرهْ


ليَ، يا جنود، ووجهها القمحيُّ لي


لا تقتلوها، واقتلوني


(كانت مياهُ النهرِ أغزر..


فالذينَ رفضوا هناكَ الموتَ بالمجّان أعطوا النهرَ لوناً آخراً.


والجسرُ، حينَ يصيرُ تمثالاً، سيُصبغُ – دونَ ريبٍ-


بالظهيرةِ والدماءِ وخضرةِ الموتِ المفاجئ).


... وبرغمِ أنَّ القتلَ كانَ كالتدخين..


لكنَّ الجنودَ "الطيّبين"،


الطالعينَ على فهارسِ دفترٍ..


قذفتهُ أمعاءُ السنين،


لم يقتلوا الاثنين..


كانَ الشيخُ يسقطُ في مياهِ النهرِ


والبنتُ التي صارتْ يتيمهْ


كانتْ ممزّقةَ الثياب،


وطارَ عطرُ الياسمين


على صدرها العاري الذي


ملأتهُ رائحةُ الجريمهْ


والصمتُ خيّمَ مرّةً أخرى،


وعادَ النهرُ يبصقُ ضفتيهِ


قطعاً من اللحمِ المفتت


.. في وجوهِ العائدين


لم يعرفوا أنَّ الطريقَ إلى الطريقِ


دمٌ ومصيدةٌ. ولم يعرفْ أحد


شيئاً عن النهرِ الذي


يمتصُّ لحمَ النازحين


(والجسرُ يكبرُ كلَّ يومٍ كالطريقْ،


وهجرةُ الدمِ في مياهِ النهرِ تنحتُ من حصى الوادي


تماثيلاً لها لونُ النجوم، ولسعةُ الذكرى،


وطعمُ الحبِّ حينَ يصيرُ أكثرَ من عبادة).

أبو فادي 12-26-2005 07:21 PM

مشاركة: من قصائد الشاعر الفلسطيني ( محمود درويش )...
 
رسـالة مـن المـنفـى




تحيةً.. وقبلةً


وليسَ عندي ما أقولُ بعدْ


من أينَ أبتدي؟ وأينَ أنتهي؟..


ودورةُ الزمانِ دونَ حدّ


وكلُّ ما في غربتي


زوّادةٌ، فيها رغيفٌ يابسٌ، ووَجدْ


ودفترٌ يحملُ عنّي بعضَ ما حملتْ


بصقتُ في صفحاتهِ ما ضاقَ بي من حقدْ


من أينَ أبتدي؟


وكلُّ ما قيلَ وما يقالْ بعدَ غدْ


لا ينتهي بضمّةٍ.. أو لمسةٍ من يدْ


لا يُرجعُ الغريبَ للديار


لا يُنزلُ الأمطار


لا يُنبتُ الريشَ على


جناحِ طيرٍ ضائعٍ.. منهدّ


من أينَ أبتدي؟


تحيةً.. وقبلةً.. وبعدْ..




-2-


أقولُ للمذياع.. قلْ لها أنا بخيرْ


أقولُ للعصفورِ


إن صادفتَها يا طيرْ


لا تنسني، وقلْ بخيرْ


أنا بخيرْ


أنا بخيرْ


ما زال في عينيَّ بصرْ!


ما زالَ في السّما قمرْ!


وثوبي العتيق، حتى الآنَ، ما اندثرْ


تمزقت أطرافهُ


لكنني رتقتهُ.. ولم يزلْ بخيرْ


وصرتُ شاباً جاوزَ العشرين


تصوريني.. صرتُ في العشرينْ


وصرتُ كالشبابِ يا أمّاه


أواجهُ الحياه


وأحملُ العبءَ كما الرجالُ يحملونْ


وأشتغل


في مطعمٍ.. وأغسلُ الصحون.


وأصنعُ القهوةَ للزبونْ


وألصقُ البسماتِ فوق وجهيَ الحزينْ


ليفرحَ الزبونْ




-3-


أنا بخيرْ


قد صرتُ في العشرينْ


وصرتُ كالشباب يا أمّاه


أدخّنُ التبغَ، وأتّكي على الجدارْ


أقولُ للحلوةِ: آه


كما يقولُ الآخرونْ


« يا إخوتي، ما أطيبَ البنات،


تصوروا كم مُرَّةٌ هيَ الحياة


بدونهنَّ.. مُرّة هي الحياة »


وقالَ صاحبي: « هل عندكم رغيف؟


يا إخوتي؛ ما قيمةُ الإنسانْ


إن نامَ كلَّ ليلةٍ.. جوعانْ؟ »


أنا بخيرْ


أنا بخيرْ


عندي رغيفٌ أسمر


وسلّةٌ صغيرةٌ من الخضار




-4-


سمعتُ في المذياعْ


تحيةَ المشرّدينَ.. للمشرّدينْ


قالَ الجميعُ: كلّنا بخيرْ


لا أحدٌ حزينْ ؛


فكيفَ حالُ والدي؟


ألمْ يزَلْ كعهدهِ، يحبُّ ذكرَ الله


والأبناءَ.. والترابَ.. والزيتون؟


وكيفَ حالُ إخوتي


هل أصبحوا موظفين؟


سمعتُ يوماً والدي يقولْ:


سيصبحونَ كلهم معلمين…


سمعتهُ يقول:


(أجوعُ حتى أشتري لهم كتاب)


لا أحد في قريتي يفكُّ حرفاً في خطاب


وكيفَ حالُ أختنا


هل كبرتْ.. وجاءها خُطّاب؟


وكيفَ حالُ جدّتي


ألم تزلْ كعهدها تقعدُ عندَ البابْ؟


تدعو لنا…


بالخيرِ.. والشبابِ.. والثوابْ!


وكيفَ حالُ بيتنا


والعتبةِ الملساء.. والوجاقِ.. والأبوابْ؟


سمعتُ في المذياعْ


رسائل المشرّدينَ.. للمشردينْ


جميعهم بخيرْ!


لكنني حزينْ..


تكادُ أن تأكلَني الظنونْ


لم يحملِ المذياعُ عنكم خبراً..


ولو حزينْ


ولو حزينْ




-5-


الليلُ – يا أمّاهُ – ذئبٌ جائعٌ سفّاحْ


يطاردُ الغريبَ أينما مضى..


ويفتحُ الآفاقَ للأشباحْ


وغابةُ الصفصافِ لم تزلْ تعانقُ الرياحْ


ماذا جنينا نحنُ يا أماهْ؟


حتّى نموتَ مرّتين


فمرّةً نموتُ في الحياة


ومرةً نموتُ عندَ الموتْ!


هل تعلمينَ ما الذي يملأني بكاء؟


هَبي مرضتُ ليلةً.. وهدَّ جسمي الداء!


هل يذكرُ المساءْ


مهاجراً أتى هنا.. ولم يعدْ إلى الوطن؟


هل يذكر المساءْ


مهاجراً ماتَ بلا كفنْ؟


يا غابةَ الصفصاف! هل ستذكرين


أن الذي رَموْه تحتَ ظلّكِ الحزينْ


-كأيِّ شيءٍ ميّتٍ – إنسانْ؟


هل تذكرينَ أنني إنسانْ


وتفظينَ جثتي من سطوةِ الغربانْ؟




أمّاهُ يا أماه.


لمن كتبتُ هذهِ الأوراق


أيُّ بريدٍ ذاهبٍ يحملها؟


سُدَّت طريقُ البرِّ والبحارِ والآفاقْ..


وأنتِ يا أمّاه


ووالدي، وإخوتي، والأهلُ، والرفاقْ..


لعلّكم أحياءْ


لعلّكم أمواتْ


لعلّكم مثلي بلا عنوانْ


ما قيمةُ الإنسان


بلا وطن


بلا علَمْ


ودونما عنوانْ


ما قيمةُ الإنسانْ؟

أبو فادي 12-26-2005 07:22 PM

مشاركة: من قصائد الشاعر الفلسطيني ( محمود درويش )...
 
سقوط القمر



في البال أُغنيةٌ


يا أُخت،


عن بلدي،


نامي


لأكتبها...




رأيتُ جسمكِ


محمولاً على الزردِ


وكان يرشح ألواناً


فقلتُ لهم:


جسمي هناك


فسدُّوا ساحة البلدِ




كنَا صغيرين،


والأشجار عاليةٌ


وكنتِ أجمل من أُمي


ومن بلدي...




من أين جاؤوا؟


وكرمُ اللوز سيَّجه


أهلي وأهلك


بالأشواك والكبدِ!...




إنّا نفكِّر بالدنيا،


على عجلٍ،


فلا نرى أحداً،


يبكي على أحدٍ.




وكان جسمكِ مسبيّاً


وكان فمي


يلهو بقطرة شهْدٍ


فوق وحل يدي!...




في البال أُغنيةٌ


يا أخت


عن بلدي،


نامي... لأحفرها


وشماً على جسدي.

أبو فادي 12-26-2005 07:22 PM

مشاركة: من قصائد الشاعر الفلسطيني ( محمود درويش )...
 
قصيدة في ذكرى الراحل جمال عبد الناصر


الرجل ذو الظل الاخضر


نعيشُ معكْ

نسير معك

نجوع معك

وحين تموت

نحاول ألاّ نموت معك!

ولكن،

لماذا تموت بعيداً عن الماء

والنيل ملء يديكْ؟

لماذا تموت بعيداً عن البرق

والبرق في شفتيك؟

وأنت وعدت القبائلْ

برحلة صيف من الجاهليةْ

وأنت وعدت السلاسل

بنار الزنود القويةْ

وأنت وعدت المقاتل

بمعركة... ترجع القادسيةْ



نرى صوتك الآن ملاْ الحناجرْ

زوابع

تلو

زوابع...

نرى صدرك الآن متراس ثائر

ولافتة للشوارع

نراك

نراك

نراك...

طويلاً

...كسنبلةٍ في الصعيد

جميلاً

...كمصنع صهر الحديد

وحراً

... كنافذة في قطار بعيد...

ولستَ نبيّاً،

ولكن ظلّكَ أخضر

أتذكر؟

كيف جعلت ملامح وجهي

وكيف جعلت جبيني

وكيف جعلت اغترابي وموتيَ

أخضر

أخضر

أخضر...

أتذكر وجهي القديم؟

لقد كان وجهي يُحنَّط في متحف إنجليزي

ويسقط في الجامع الأمويّ

متى يا رفيقي؟

متى يا عزيزي؟

متى نشتري صيدليةْ

بجرح الحسين... ومجد أُميَّةْ

ونُبعث في سدِّ أسوان خبزاً وماء

ومليون كيلواط من الكهرباء؟

أتذكر؟

كانت حضارتنا بدوياً جميل

يحاول أن يدرس الكيمياء

ويحلم تحت ظلال النخيل

بطائرة... وبعشر نساء

ولست نبيّاً

ولكن ظلَّك أخضر...

نعيش معك

نسير معك

نجوع معك

وحين تموت

نحاول ألا نموت معك

ففوق ضريحك ينبت قمحٌ جديد

وينزل ماء جديد

وأنت ترانا

نسير

نسير

نسير

أبو فادي 12-26-2005 07:23 PM

مشاركة: من قصائد الشاعر الفلسطيني ( محمود درويش )...
 
القتيل رقم 18




غابةُ الزيتون كانت مرةً خضراءَ


كانت.. والسماءْ


غابةً زرقاء.. كانت يا حبيبي


ما الذي غيَّرها هذا المساء?


.. .. ..


أوقَفُوا سيارةَ العمال في منعطف الدربِ


وكانوا هادئين


وأدارونا إلى الشرق.. وكانوا هادئين


.. .. ..


كان قلبي مَرَّةً عصفورةً زرقاءَ.. يا عشحبيبي


ومناديلك عندي، كلها بيضاء، كانت ياحبيبي


ما الذي لطّخها هذا المساء?


أنا لا أفهم شيئًا يا حبيبي!


.. .. ..


أوقفوا سيارة العمّال في منتصف الدربِ


وكانوا هادئين


وأدارونا إلى الشرق.. وكانوا هادئين


.. .. ..


لكَ مني كلُّ شيء


لكَ ظل لك ضوء


خاتم العرس، وما شئتَ


وحاكورة زيتون وتينِ


وسآتيكَ كما في كل ليلهْ


أدخل الشبّاكَ، في الحلُمِ، وأرمي لَكَفُلَّه


لا تلمني إن تأخرتُ قليلاً


إنهم قد أوقفوني


غابة الزيتون كانت دائمًا خضراء


كانت يا حبيبي


إن خمسين ضحيَّهْ


جعلتها في الغروب..


بركةً حمراء.. خمسين ضحيَّهْ


يا حبيبي.. لا تلمني..


قتلوني.. قتلوني..


قتلوني..

أبو فادي 12-26-2005 07:23 PM

مشاركة: من قصائد الشاعر الفلسطيني ( محمود درويش )...
 
موسيقى عربية







(ليتَ الفتى حَجَرٌ)


يا ليتني حَجَرُ...


أكُلَّما شَرَدَتْ عينانِ


شرَّدَني


هذا السحابُ سحابًا


كُلَّما خَمَشَتْ عصفورةٌ أُفقًا


فَتَّشْتُ عن وَثَنِ ؟


أكُلَّما لَمَعَتْ جيتارَةٌ


خَضَعتْ


روحي لمصرعها في رَغْوَةِ السُّفُنِ


أكُلَّما وَجَدَتْ أُنثى أُنوثتها


أضاءني البرقُ من خصري


وأحرقني!


أكُلَّما ذَبُلَتْ خُبّيزَةٌ


وبكى طيرٌ على فننِ


أصابني مَرَضٌ


أو صِحْتُ: يا وطني!


أكُلَّما نَوَّرَ اللوزُ اشتعلتُ بِهِ


وكلما احترقا


كنتُ الدخانَ ومنديلاً


تمزقني


ريحُ الشمال، ويمحو وجهيَ المَطَرُ؟


ليت الفتى حَجَرٌ


يا ليتني حَجَرُ...

أبو فادي 12-26-2005 07:24 PM

مشاركة: من قصائد الشاعر الفلسطيني ( محمود درويش )...
 


و عاد في كفن


يحكونَ في بلادنا


يحكونَ في شَجَنْ


عن صاحبي الذي مضى


وعادَ في كفنْ


كانَ اسمهُ...


لا تذكروا اسمَه !


خلّوهُ في قلوبنا...


لا تدعوا الكلمه


تضيعُ في الهواءِ كالرماد..


خلّوهُ جرحاً راعفاً.. لا يعرفُ الضمادْ


طريقهُ إليهِ


أخافُ يا أحبتي.. أخافُ يا أيتامْ..


أخافُ أن ننساه في زحمةِ الأسماءْ


أخافُ أن يذوبَ في زوابعِ الشتاء !


أخافُ أن تنامَ في قلوبنا


جراحنا..


أخافُ أن تنامْ


2


العمرُ.. عمرُ برعمٍ لا يذكرُ المطرْ..


لم يبكِ تحتَ شرفةِ القمر


لم يوقفِ الساعاتِ بالسهر


وما تداعتْ عندَ حائطٍ يداه..


ولم تسافرْ خلفَ خيطِ شهوةٍ.. عيناه !


ولم يقبِّلْ حلوةً..


لم يعرفِ الغزلْ


غيرَ أغاني مطربٍ ضيّعهُ الأملْ


ولم يقلْ لحلوةٍ: الله !


إلا مرّتين !


لم تلتفت إليه.. ما أعطتهُ إلا طرفَ عين


كانَ الفتى صغيراً..


فغابَ عن طريقها


ولم يفكّر بالهوى كثيراً..!


3


يحكونَ في بلادنا


يحكونَ في شجنْ


عن صاحبي الذي مضى


وعادَ في كفنْ


ما قالَ حينَ زغردتْ خُطاهُ خلفَ الباب


لأمّه: الوداع !


ما قالَ للأحبابِ.. للأصحاب:


موعدُنا غداً !


ولم يضعْ رسالةً.. كعادةِ المسافرين


تقولُ إني عائدٌ وتسكتُ الظنون


ولم يخطَّ كلمةً..


تضيءُ ليلَ أمه التي..


تخاطبُ السماءَ والأشياء،


تقولُ: يا وسادةَ السرير !


يا حقيبةَ الثياب !


يا ليلُ ! يا نجومُ ! يا إلهُ ! يا سحاب!


أما رأيتم شارداً.. عيناهُ نجمتان؟


يداهُ سلّتانِ من ريحان


وصدرهُ وسادةُ النجومِ والقمرْ


وشعرهُ أرجوحةٌ للرّيحِ والزهرْ!


أما رأيتم شارداً


مسافراً لا يحسنُ السفر؟!


راحَ بلا زوّادةٍ.. من يطعمُ الفتى


إن جاعَ في طريقهِ


من يرحمُ الغريب؟


قلبي عليهِ في غوائلِ الدروبْ


قلبي عليكَ يا فتى.. يا ولداه!


قولوا لها، يا ليلُ! يا نجومُ!


يا دروبُ! يا سحاب!


قولوا لها: لن تحملي الجواب


فالجرحُ فوقَ الدمعِ.. فوقَ الحزنِ والعذاب


لن تحملي.. لن تصبري كثيراً


لأنه..


لأنه ماتَ، ولم يزلْ صغيراً !


4


يا أمَّهُ !


لا تقلعي الدموعَ من جذورها !


للدمعِ يا والدتي جذور،


تخاطبُ المساءَ كلَّ يومٍ


تقولُ: أينَ قافلةُ المساءِ؟


من أينَ تعبرين؟


غصّتْ دروبُ الموتِ.. حينَ سدَّها المسافرون


سُدَّت دروبُ الحزنِ.. لو وقفتِ لحظتينِ


لحظتين!


لتمسحي الجبينَ والعينين


وتحملي من دمعنا تذكار


لمن قضَوا من قبلنا.. أحبابنا المهاجرين


يا أمهُ!


لا تقلعي الدموعَ من جذورها


خلّي ببئرِ القلبِ دمعتين!


فقد يموتُ في غدٍ أبوهُ.. أو أخوهُ


أو صديقهُ أنا


خلّي لنا..


للميّتين في غدٍ لو دمعتين.. دمعتين !


5


يحكونَ في بلادنا عن صاحبي الكثيرا


حرائقُ الرصاصِ في وجناتهِ


وصدره.. ووجهه..


لا تشرحوا الأمورا !


أنا رأيتُ جرحهُ


حدَّقتُ في أبعادهِ كثيرا


"قلبي على أطفالنا"


وكلُّ أمٍّ تحضنُ السريرا !


يا أصدقاءَ الراحلِ البعيد


لا تسألوا: متى يعود؟


لا تسألوا كثيراً


بل اسألوا: متى


يستيقظُ الرجال !؟

أبو فادي 12-26-2005 07:25 PM

مشاركة: من قصائد الشاعر الفلسطيني ( محمود درويش )...
 
درس من كاما سوطرا







بكأس الشراب المرصَّع باللازوردِ


انتظرْها،


على بركة الماء حول المساء وزَهْر الكُولُونيا


انتظرْها،


بصبر الحصان المُعَدّ لمُنْحَدرات الجبالِ


انتظرْها،


بذَوْقِ الأمير الرفيع البديع


انتظرْها،


بسبعِ وسائدَ مَحْشُوَّةٍ بالسحابِ الخفيفِ


انتظرْها


بنار البَخُور النسائيِّ ملءَ المكانِ


انتظرْها،


برائحة الصَّنْدَلِ الذَّكَريَّةِ حول ظُهُور الخيولِ


انتظرْها،


ولا تتعجَّلْ، فإن أقبلَتْ بعد موعدها


فانتظرْها،


وإن أقبلتْ قبل موعدها


فانتظرْها،


ولا تجْفِل الطيرَ فوق جدائلها


وانتظرْها،


لتجلس مرتاحةً كالحديقة في أَوْج زِينَتِها


وانتظرْها،


لكي تتنفَّسَ هذا الهواء الغريبَ على قلبها


وانتظرْها،


لترفع عن ساقها ثَوْبَها غيمةً غيمةً


وانتظرْها،


وخُذْها إلى شرفة لترى قمرًا غارقًا في الحليبِ


انتظرْها،


وقدَّمْ لها الماءَ، قبل النبيذِ، ولا


تتطلَّعْ إلى تَوْآَمَيْ حَجَلٍ نائميْن على صدرها


وانتظرْها،


ومُسَّ على مَهَل يَدَها عندما


تَضَعُ الكأسَ فوق الرخامِ


كأنَّكَ تحملُ عنها الندى


وانتظرْها،


تحدَّثْ إليها كما يتحدَّثُ نايٌ


إلى وَتَرٍ خائفٍ في الكمانِ


كأنكما شاهدانِ على ما يُعِدُّ غَدٌ لكما
وانتظرْها


ولَمِّع لها لَيْلَها خاتمًا خاتمًا


وانتظرْها


إلى أَن يقولَ لَكَ الليلُ:


لم يَبْقَ غيرُكُما في الوجودِ


فخُذْها، بِرِفْقٍ، إلى موتكَ المُشْتَهَى


وانتظرْها!...

أبو فادي 12-26-2005 07:26 PM

مشاركة: من قصائد الشاعر الفلسطيني ( محمود درويش )...
 
قصيدة جديدة

سماء منخفضة





هنالك حب يسير على قدميه الحريريتين
سعيدا بغربته في الشوارع
حب صغير فقير يبلله مطر عابر
فيفيض على العابرين :
( هداياي أكبر مني
كلوا حنطتي
واشربوا خمرتي
فسمائي على كتفي وأرضي لكم)
هل شممتِ دم الياسمين المشاع
وفكرتِ بي
وانتظرتِ معي طائرا أخضر الذيل
لا اسم له ؟


هنالك حب فقير يحدق في النهر
مستسلما للتداعي : إلى أين تركض
يا فرس الماء ؟
عما قليل سيمتصك البحر
فامشِ الهوينى إلى موتك الإختياري
يا فرس الماء
هل كنتِ لي ضفتين ؟
وكان المكان كما ينبغي أن يكون
خفيفا خفيفا على ذكرياتكِ
أي الأغاني تحبين ؟
أي الأغاني ؟ أتلك التي
تتحدث عن عطش الحب ,
أم عن زمان مضى ؟


هنالك حب فقير , ومن طرفٍ واحدٍ
هادئٌ هادئٌ لا يكسر
بلّور أيامكِ المنتقاة
ولا يوقد النار في قمر باردٍ
في سريركِ
لا تشعرين به حين تبكين من هاجسٍ ,
ربما بدلا منه ,
لا تعرفين بماذا تحسين حين تضمين
نفسكِ بين ذراعيكِ !
أي الليالي تريدين ؟ أي الليالي ؟
وما لون تلك العيون التي تحلمين
بها عندما تحلمين ؟


هنالك حب فقير , ومن طرفين
يقلل من عدد البائسين
ويرفع عرش الحمام على الجانبين .
عليكِ , إذاً , أن تقودي بنفسكِ
هذا الربيع السريع إلى من تحبين
أي زمان تريدين ؟ أي زمان ؟
لأصبح شاعرهُ , هكذا هكذا : كلما
مضت امرأة في المساءِ إلى سرها
وجدت شاعرا سائرا في هواجسها
كلما غاص في نفسه شاعرٌ
وجد امرأةً تتعرى أمام قصيدته …
أي منفى تريدين ؟
هل تذهبين معي , أم تسيرين وحدكِ
في اسمكِ منفى يكلل منفى
بلألائه ؟


هنالك حب يمر بنا ,
دون أن ننتبه ,
فلاهو يدري ولا نحن ندري
لماذا تشردنا وردةٌ في جدارٍ قديم
وتبكي فتاةٌ على موقفِ الباص
تقضم تفاحةً ثم تبكي وتضحكُ :
" لا شئ …
لاشئ أكثر
من نحلةٍ عبرت في دمي … "


هنالك حب فقير , يطيل
التأمل في العابرين , ويختارُ
أصغرهم قمراً : أنت في حاجةٍ
لسماءٍ أقل ارتفاعاً ,
فكن صاحبي تتسع
لأنانيةِ اثنين لا يعرفان
لمن يهديان زهورهما ؟!
ربما كان يقصدني , ربما
كان يقصدنا دون أن ننتبه
هنالك حب ...

أبو فادي 12-26-2005 07:27 PM

مشاركة: من قصائد الشاعر الفلسطيني ( محمود درويش )...
 
قصائد عن حبٍّ قديم


1
على الأنقاضِ وردتنا
ووجهانا على الرملِ
إذا مرّتْ رياح الصيفِ
أشرعنا المناديلا
على مهلٍ... على مهلِ
وغِبْنا طيّ أغنيتينِ, كالأسرى
نراوغُ قطرة الطلِّ
تعالي مرةً في البالِ
يا أختاهُ
إنَّ أواخر الليلِ
تُعرِّني من الألوانِ والظلِّ
وتحميني من الذلِّ
وفي عينيك, يا قمري القديمِ
يشدّني أصلي
إلى إغفاءةٍ زرقاءَ
تحت الشمس.. والنخلِ
بعيداَ عن دجى المنفى
قريباً من حمى أهلي


2
تشهّيتُ الطفولة فيكِ
مذْ طارت عصافير الربيعِ
تجرّد الشجرُ
وصوتكِ كان.. يا ما كان
يأتيني
من الآبار أحياناً
وأحياناً ينقِّطهليَ المطرُ
نقياً هكذا كالنارِ.. كالأشجار.. كالأشعرِ ينهمرُ
تعالي
كان في عينيكِ شيءٌ أشتهيهِ
وكنتُ أنتظرُ
وشدّيني الى زنديكِ
شدّيني أسيراً منكِ يغتفرُ
تشهيتُ الطفولة فيكِ
مذْ طارت عصافير الربيعِ
تجرّدَ الشجرُ


3
ونعبر في الطريقِ
مكبّلينِ
كأننا أسرى
يدي.. لم أدرِ أم يدكِ
احتستْ وجعاً
من الأخرى
ولم تطلق كعادتها
بصدري أو بصدرك سرْوة الذكرى
كأنا عابرا دربٍ ككل الناسِ
إن نظروا.. فل شوقاً
ولا ندماً
ولا شزرا
ونغطس في الزحام لنشتري أشياءنا الصغرى
ولم نترك لليلتنا رماداً... يذكر الجمرا
وشيءٌ في شراييني
يناديني
لأشربَ من يديكِ
ترمّد الذكرى


4
ترجّل مرةً كوكبْ
وسار على أناملنا ولم يتعبْ
وحين رشفتُ عن شفتيكِ ماء التوتِ
أقبلَ عندها يشربْ
وحين كتبتُ عن عينيكِ
نقّطَ كل ما أكتبْ
وشاركنا وسادتنا
وقهوتنا
وحين ذهبتِ
لم يذهبْ
لعلّي صرْتُ منسيّاً لديكِ
كغيمةٍ في الريحِ نازلةً الى المغربْ
ولكنّي إذا حولت أن أنساكِ
حطَّ على يدي كوكبْ


5
لكِ المجدُ
تجنّحَ في خيالي من صداكِ... السجنُ والقيدُ
أراكُ إذا استندتُ الى وسادةٍ, مهرة
تعدو... أجسّكِ في ليالي البردِ
شمساً
في دمي تشدو
أسمّيكِ الطفولة
يشرئبُّ أماميَ النهدُ
أسمّيك الربيعُ
فتشمخُ الأعشابُ والورودُ
أسميك السماءَ
فتشمت الأمطار والرعدُ
لك المجدُ
فليس لفرحتي بتحيُّري حدُّ
وليس لموعدي... وعدُ
لك المجدُ


6
وأدركَنا المساءُ... وكانت الشمسُ
تُسرِّحُ شعرها في البحرْ
وآخر قبلة ترسو
على عينيَّ مثل الجمرْ
خذي مني الرياح وقبليني
لآخر مرةٍ في العمرْ
وأدركها الصباحُ
وكانت الشمسُ
تمشّطُ شعرها في الشرقْ
لها الحنّاء والعرسُ
وتذكرةً لقصر الرِقْ
خذي مني الأغاني واذكريني.. كلمحِ البرقْ
وأدركني المساء وكانت الأجراسْ
تدق لموكب المسبية الحسناءْ
وقلبي باردٌ كالماسْ
وأحلامي صناديقٌ على الميناءْ
خذي مني الربيعَ وودّعيني

أبو فادي 12-26-2005 07:27 PM

مشاركة: من قصائد الشاعر الفلسطيني ( محمود درويش )...
 
لا تنامي حبيبتي----


عندما يسقط القمر


كالمراياالمحطمة


يكبر الظلُّ بيننا


والأساطير تحتضر


لا تنامي... حبيبتي


جرحنا صار أوسمة


صار ورداَ على قمر...!
-




خلف شباكنا نهارْ


وذراع من الرضا


عندما لفني وطار


خلتُ أني فراشةٌ


في قناديل جلَّنارْ


وشفاهٌ من الندى


حاورَتْني بلاحوارْ!


لا تنامي... حبيبتي


خلف شباكنا نهارْ!
-




سقط الوردُ من يدي


لا عبير، ولا خّدَرْ


لا تنامي... حبيبتي


العصافير تنتحرْ


ورموشي سنابلٌ


تشرب الليلَ و القدرْ


صوتُك الحُلْوُ قبلةٌ


وجناحٌ على وترْ


غُصْنُ زيتونةٍ بكى


في المنافي على حجرْ


باحثاً عن أُصولهِ


وعن الشمس و المطرْ


لا تنامي... حبيبتي


العصافير تنتحرْ
-




عندمايسقط القمر


كالمرايا المحطمة


يشرب الظلُّ عارَنا


ونُداري فرارَنا


عندما يسقط القمر


يصبح الحب ملحمة


لا تنامي حبيبتي


جرحنا صار أوسمة


ويدانا على الدجى


عندليبٌ علىوترْ

أبو فادي 12-26-2005 07:29 PM

مشاركة: من قصائد الشاعر الفلسطيني ( محمود درويش )...
 
صوت و سوط



لوكان لي برجٌ
حبست البرق في جيبي
وأطفأْتُ السحابْ
لو كان لي في البحر أشرعةٌ
أخذت الموج و الإعصارَ في كفّي
ونوّمتُ العبابْ
لو كان عندي سلّمٌ
لغرسْتُ فوق الشمس راياتي التي
اهترأت على الأرض الخرابْ
لو كان لي فرسٌ
تركْتُ عنانها
ولجمتُ حوذيّ الريحِ على الهضابْ
لو كان لي حقلٌ و محراثٌ
زرعت القلبَ والأشعار في بطن الترابْ
لو كان لي عودٌ ملأْتُ أسئلةً ملحّنةً
وسلّيْتُ الصحابْ
لو كان لي قدمٌ
مشيتُ... مشيتُ حتى الموت من غابٍ لغابْ
لو كان لي... حتى صليبي ليس لي
إني لهُ حتى العذاب
- ماذا تبقّى أيها المحكوم؟ إن الليل خيّمَ مرةً أخرى وتهْتفُ لا أهابْ
- يا سيداتي.. سادتي... يا شامخينَ على الحرابْ
الساقُ تقْطعُ والرقابْ
والقلبُ يُطْفاُ- لو أردتم- والسحابْ
يمشي على أقدامكم
والعين تُسْمَلُ والهضابْ
تنهارُ لوصحتم بها
ودمي المملّح بالترابْ
إن خفّ كرمكمُ يصير الى شرابْ
والنيل يسكب في الفرات – إذا أردتم – والغرابْ
لو شئتمُ في الليلِ شابْ
لكنّ صوتي صاح يوماً: لا أهابْ
فلتجلدوه إذا استطعتم
واركضوا خلف الصدى
ما دام يهتفُ : لا أهابْ

أبو فادي 12-26-2005 07:29 PM

مشاركة: من قصائد الشاعر الفلسطيني ( محمود درويش )...
 

الكلمة (الرائعة) التي القاها محمود درويش في ذكرى اربعين الراحل ممدوح عدوان

(1)


على أربعة أحرف يقوم اسمكَ واسمي، لا على خمسة. لأن حرف الميم الثاني قطعة غيار قد نحتاج إليها أثناء السير على الطرق الوعرة. ‏

في عام واحد وُلدنا، مع فارق طفيف في الساعات وفي الجهات. وُلدنا لنتدرّب على اللعب البريء بالكلمات. ولم نكترث للموت الذي تدقه النساء الجميلات، كحبة جوز، بكعوب أحذيتهن العالية. ‏

عالياً، عالياً كان كل شيء... عالياً كالأزرق على جبال الساحل السوري. وكما يتسلق العشب الانتهازي أسوار السلطان، تسلقنا أقواس قزح، لنكتب بألوانها أسماء ما نحب من الأشياء الصغيرة والكبيرة: ‏

يداً تحلب ثدي الغزالة، ‏

مجداً لزارعي الخس في الأحواض، ‏

شغف الإسكافيّ بلمس قدَم الأميرة، ‏

ومصائر أخرى لجمهور مطرود من المسرح. ‏

لم ننكسر بدويّ هائل كما يحدث في التراجيديات الكبرى، بل كأشعة شمس على صخور مدببة لم يُسفك عليها دم من قبل، لكنها أخذت لون النبيذ الفاسد. ولم نصرخ، هناك، لأن لا أحد، هناك، ليسمع، أو يشهد. ‏

دلّتني عليك تلك الضوضاء التي أحدثتها نملة بين الخليج والمحيط، حين نجت من المذلة، واعتلت مئذنة لتؤذن في الناس بالأمل، ‏

ودلّتكَ عليّ سخرية مماثلة! ‏

ولما التقينا عرفتُكَ من سُعالك، إذ سبق لي أن حفظته من إيقاع شعرك الأول، يُفزع القطط النائمة في أزقة دمشق العتيقة، ويبعثر رائحة الياسمين. ‏

لم يكن لنا ماض ذهبي على أهبة العودة، كما يدعي رواد المقهى الخائفون من القبض على قرون الحاضر الهائج كالكبش، ولا غد أكيد، خلفنا، كما يدّعي رواد الشعر الخالي من الملح، المتخم بفراغ المطلق. ‏

لم نبحث إلا عن الحاضر. ‏

ولكننا، من فرط ما أهنّا، بشّرنا بالقيامة بصوت مرتفع، أثار علينا غضب الملائكة المنذورين لصيانة اللغة الصافية من غبار الأرض، والباحثين عن الشعر الصافي في جناح بعوضة.ودُعينا، في غرف التشريح معقّمة الهواء والكلام، إلى بتر المفردات كثيرة الاستعمال. وسرعان سرعان ما علاها الصدأ من قلة الاستعمال، وفي أولها: الحياة... ومشتقاتها. ‏

لكننا آثرنا أن نخاصم الملائكة. ‏

ممدوح لا أطيق سماع اسمك الآن، لأنه يذكّرني بما ينقصني من رغبة في الضحك معك على عورة بردى المكشوفة كأسرارنا القومية. ولأنه يذكّرني بمدى حاجتي إلى استراحة من الركض آناء النوم، بحثاً عن حلم مسروق، أراه واضحاً وأحاور السارق. ويذكّرني اسمك بما أنا فيه من طقطقة كأني حبة بلوط في موقد الفقير ليلة العيد. ‏

لهذا، أكتب اسمك ولا ألفظه، ففي الكتابة يتموّج اسمك على ماء الحضور. وفي الكلام أسمع وحش الغياب يطاردني من حرف إلى حرف، ليفترس الشلو الأخير من قلبي الجائع إلى هجائك المادح. ‏

أبو فادي 12-26-2005 07:29 PM

مشاركة: من قصائد الشاعر الفلسطيني ( محمود درويش )...
 
2)

ممدوح! ماذا فعلتَ بك وبنا؟ فلم نعد نحزن من تساقط شعرك المبلل بالزيت، فإنك تستعيده الآن من عشب الأرض. ولكن، في أية ريح أخفيت عنا سعالك، فلم يعد في غيابك مُتسع لغياب آخر. ‏

لا لأن حروف اسمك هي حروف اسمي، لا أتبيّن مَن منا هوالغائب، بل لأن الحياة التي ألفت بين ثعلبين ماكرين لم تمنحنا الوقت الكافي لنقول لها كم أحببناها، وكم أحببنا فجورها وتقواها.. فتركت ثعلباً منا بلا صاحب. ‏

لا جلجامش ولا أنكيدو. لا الخلود هو المبتغى ولا قوة الثور. فنحن الخفيفان الهشان، كواقعنا هذا، لم نطلب أكثر من وقت إضافي لنلعب بالكلمات لعباً غير بريء، هذه المرة، أو لنورث ما لم نقله بعد مَن لم يقل بعد. ولنجعل من الشعر مزاحاً مستحباً مع العدم. لكن حرف الميم الثاني في اسمك واسمي ظل قطعة غيار لا تنفع. ‏

ممدوح! هذا هو وقت الزفاف الفاحش بين الرعد والصحراء، شرق الشمال، لإنجاب الكمأ إعجازي التكوين. صِف لي ولادة الكمأة أصف لك عجزي عن وصف سر القصيدة، فانظر شرق الشمال! ‏

هي حسرة التعريف. أنين الرمل على الشاطئ حين يرفع القمر، بأصابعه الفضية، سروال البحر وقت الجزر، ويرش علينا قصيدة حب إباحية التصوّف. ‏

فاغضُضْ من صوتك، لا من بصرك، وانظر. فمنذ ولادة اللغز الكوني، والشعر مختبئ في أشد المواقع انكشافاً. ويظهر جلياً جلياً في اللامرئي من سماء مسقوفة بكفاءة الغيب. ‏

كل الأزهار شريفة حيث تُترك لحالها، ما عدا القرنفلات الحمر التي يضعها الجنرالات، ما بين وسام ونجمة، على بزة سوداء أو كحلية... لخداع أرامل الشهداء. ‏

وكل اليمامات نظيفة، حتى لو بالت على شرفاتنا والوسائد، ما عدا اليمامات التي يدرّبها الغزاة والطغاة معاً، وعلى حدة، على الطيران الرسمي في أعياد ميلادهم، وفي مناسبات وطنية أقل أهمية. ‏

الآن، لا أتذكّر شيئا منك. فالذكرى تلي الحرب والموت والزلزال. وأنت، ما زلت معي تكتب هذه المرثية، على هذه الورقة البيضاء، في هذا الليل البارد... أو نكتبها معاً لشاعر محبط. فلعلها لا تعجبه فيتوقف عن اغتيال نفسه، إلى أن يقوم غيرنا بكتابة مرثية أفضل، لا تعجبه هي أيضاً، فينتظر غيرها ويحيا أكثر، ‏

كما لو نُودي بشاعر أن انهض من هذا الألم. ‏

وأنسى الآن، لتبقى معي، أكثر من غلسٍ لم يُدركْنا ولم ندركه قبل أن تُفرغ آخر كرم عنب مقطّر في كأسك التي لا تخلو أبداً إلا لتنكسر، أيها العاصر الماهر! ‏

ليس هذا مجازاً، بل هو أسلوب ليل لا يصلح إلا ضيفاً، وأنت المضيف الباذخ. وإن افتأت عليك، كصديق حامض القلب، عاملته بالحسنى وأرقت عليه حليب الفجر. ‏

لكني لا أنسى ضحكتك التي تشبه شجرة زنزلخت مبحوحة الأغصان، عالية وعريضة، لا تاريخ لها منذ صار التاريخ قهقهة عابثة. ومنذ عادت الجرار إلى حفظ الصدى، كالزيت، خوفاً عليه من آثار الشمس الجانبية. ‏

كم حيّرني فيك انشقاق طاقاتك الإبداعية عن مسار التخصص، كعازف يحتار في أية آلة موسيقية يتلألأ. لم أقل لك إن واحداً منك يكفي لتكون عشيرة نحل تمنح العسل السوري مذاق المتعة الحارق. بحثت عن الفريد في العديد، دون أن تعلم أن الفريد هو أنت. وأنت أمامك بين يديك. ألا ترى إليك، أم وجدت نفسك أصفى في تعدّدها، يا صديقي المفرط في التشظي ككوكب يتكوّن. ‏

فصصت الثوم للقصيدة لتحمي شرايينها من التصلب. فالشعر، كالجسد، في حاجة هو أيضاً إلى عناية طبية، وإلى فصاد كلما أصيب الدم بالتلوث. آه، من التلوث الذي جعل الإيقاع نشازاً، واستبدل حفيف الشجر بموسيقى الحجر، واعتبر الحياة عبئا على الاستعارة! ‏

لكن هذا لم يهمَّك. لأن الحياة لا تُوهبُ لتُعرَّف أو تُعرَض للنقاش، بل لتُعاش... وتعاش بكاملها، وتُلتهم كقطعة حلوى إلهية، أو شفتين ناضجتي الكرز. وقد عشتها كما شئت أنت، لا كما هي شاءت. أحببتها فأحبّتك. وشاكست ما يجعلها أحد أسماء الموت، في عصر القتل المعولم الذي يمنح القتلى قسطاً من الحياة لا لشيء... إلا لينجبوا قتلى. ‏

يا ابن الحياة الحر، أيها المدافع عن جمال الوردة العفوي، وحرية العشاق في العناق على مرأى من كهّان الطهارة اللوطيين! مَن بعدكَ سيسخر ممّن يتقنون تسمية الآلهة، ولا يقدرون على تسمية الضحايا؟ يأنفون من الانتباه إلى دم مسفوك على طريق المعراج، ويُسرفون في التحديق إلى غيمة عابرة في سماء طروادة، لأن الدم قد يلطخ نقاء الحداثة المتخيلة، ولأن الغيم سرمدي الدلالات. لعلهم على حق، ما دامت هزائمنا تستدعي تطوير النقد إلى هذا الحد! ‏

لكن هذا أيضا لا يهمك، أيها المتعالي على التعالي، أيها العالي من فرط ما انحنيت بانضباط جندي أمام سنبلة، ونظرت، حزيناً غاضباً، إلى أحذية الفقراء المثقوبة، فانحزتَ إلى طريقها الممتلئ بغبار الشرف. الشرف؟ يسألك المترجم: ما معنى هذه الكلمة؟ فلم أجدها في الطبعات الجديدة من المعاجم. ‏

ممدوح، يا صديقي، لماذا كما يفعل الطرخون خانك وخاننا قلبك؟ لماذا لم تعلم كم نحبك؟ لماذا تمضي وتتركني ناقصاً؟ لماذا... لماذا؟ ‏

أبو فادي 12-26-2005 07:30 PM

مشاركة: من قصائد الشاعر الفلسطيني ( محمود درويش )...
 
مطار أثينا



مَطَارُ أَثِينَا يُوَزِّعُنَا لِلْمَطَارَاتِ.

قَالَ المُقَاتِلُ: أَيْنَ أُقَاتِل ؟

صَاحَتْ بِهِ حَامِلٌ: أَيْنَ أُهْدِيكَ طِفْلَكَ ؟

قَالَ المُوَظَّفُ: أَيْنَ أُوَظِّفُ مَالِي ؟

فَقَالَ المُثَقَّفُ: مَالِي وَمَالكَ ؟

قَالَ رِجَالُ الجَمَارِكِ: مِنْ أَيْنَ جِئْتُمْ ؟

أَجبْنَا: مِنَ البَحْرِ.

قَالُوا: إِلَى أَيْنَ تَمْضُون ؟

قُلْنَا: إلى البَحْرِ.

قَالُوا: وَأَيْنَ عَنَاوِينُكُم ؟

قَالَتِ امْرَأَةٌ مِنْ جَمَاعَتِنَا: بُقْجَتِي قَريَتِي.

فِي مَطَارِ أَثِينَا انْتَظَرْنَا سِنِينَا.

تَزَوَّجَ شَابٌّ فَتَاةً وَلَمْ يَجِدَا غُرْفَةً لِلزَّوَاجِ السَّريعِ.

تَسَاءَلَ: أَيْنَ أَفُضُّ بَكَارَتَهَا ؟

فَضَحِكْنَا وَقُلْنَا لَهُ: يَا فَتىً، لاَ مَكَانَ لِهَذَا السُّؤالِ.

وَقَالَ المُحلِّل فِينَا: يَمُوتُونَ مِنْ أَجْلِ أَلاَّ يَمُوتُوا.

يَمُوتُونَ سَهْوًا.

وَقَالَ الأَدِيبُ: مُخَيَّمُنَا سَاقِطٌ لاَ محَالَة.

مَاذَا يُرِيدُونَ مِنَّا ؟

وَكَانَ مَطَارُ أَثِينَا يُغَيِّرُ سُكَّانَهُ كُلَّ يَوْمٍ.

وَنَحْنُ بَقِينَا مَقَاعِدَ فَوْقَ المَقَاعِدِ نَنْتَظِرُ البَحْرَ،

كَمْ سَنةً يَا مَطَارَ أَثِينَا!...

أبو فادي 12-26-2005 07:31 PM

مشاركة: من قصائد الشاعر الفلسطيني ( محمود درويش )...
 
حــتى النخــاع


المكان:أحد المطارات

الزمن: القهر

التاريخ:الذل

التهمه :عربي


ــــــــــــــــــــــــــــــــ

سألتنى الموظفه الشقراء هل أنا عربي؟

أتســــأليننى هـــــل أنا عربي؟!!!

أنا عربي أقسم لك بأننى عربي...

تفحصي ملامحي جيداً...

تفحصي جسدي..

ستجدين ندوب طعنات السيوف...

وكدمات عصي البوليس...

ورائحة عرقي تشبه رائحة النفط...

أصابنى الشلل في بعض أجزائي...

وتعرضت لأزمات قلبية...

أدخلوني غرفة الانعاش...

فأخطأ الطبيب في حقني بالمخدر..

وحقنني بالدولار!!

فأصبت بالتخمة لأني لم أعتد تناول العقاقير المتخمه...

هل أدركتِ كم أنا عربي؟

وكم أنا مُتعب..

أنا عربي أناصر (الأمين)

وأمقت (المأمون)

لا لشيء إلا لأن الأول يوافق اسمه اسم جدي

الذي دهسته عربة الإمبراطور (أورليانوس) في شوارع روما

أثناء استعراضه أسيرته الملكة (زنوبيا)

ومات جدي وهو يحمل في يده اليمنى زجاجة خمر مفخخه

وفي اليد اليسرى حقيبة ديبلوماسية تحوي كل أوراق القضية

وبكت جدتي كثيراً

كما لم تبك (الخنساء)

لأن جدي مات قبل أن يبعث لها بسوار كسرى

ولم يذكره التاريخ

وإلى الآن لم أعرف هل وقع سهواً من ذاكرة التاريخ

أو أن موته جاء قبل أن يبدأ المؤرخون التدوين!

وقبل أن يخدعنا معلم الجغرافيا ويقول إن (إفريقيا) عذراء!

وصدقناه بل وتخيلناها فتاة سمراء تسبل عيونها خجلاً...

ولم نستطيع أن نتخيل ارتفاع الدم الأحمر إلى وجنتيها وهي سمراء...

واكتفينا بأن تسبل عيونها خجلاً...

وبعد مدة اكتشفنا أننا نعيش في أحشائها منذ أن دخلها الفاتحون...

وحفرت سنابك خيولهم الارض ولم تكتشف النفط...

هل صدقتِ كم أنا عربي؟

وكم أنا مُرهق

زرعوا في ذاكرتي موت (صلاح الدين)

ولم أصدق!

ولكني أقتنعت أنه مات حقاً...

عندما داسوا قبره ولم يستيقظ...

وصرخت كل النساء ولكن (المعتصم) كان يحتفل بعيد ميلاده...

وحين سمع الصراخ كان متعباً ومتخماً و(عمورية) بعيده بعيدة جداً...

تفصله عنها ستة وخمسون سنة...

فاكتفى بالاستنكار..

أنا عربي منذ أن هجرتنا نساؤنا وأصبحن عشيقات للأرض

وشق أطفالنا عصى الطاعة بحجر صغير...

ولكننا لم نصمت....

ويشهد لنا العالم بأننا دائماً نتكلم...

حتى علا الصدأ أسماعنا...

ولم نعد نسمع حتى بعضنا البعض...

وآه... كم أنا عربي حتى النخاع!




محمود درويش

أبو فادي 12-26-2005 07:31 PM

مشاركة: من قصائد الشاعر الفلسطيني ( محمود درويش )...
 
الورد و القاموس



وليكن.

لا بد لي...

لا بد للشاعر من نخب جديدْ

وأناشيد جديده

إنني أحمل مفتاح الأساطير وآثار العبيد

وأنا أجتاز سرداباً من النسيان

والفلفل، والصيف القديم

وأرى التاريخ في هيئة شيخ،

يلعب النرد ويمتصُّ النجوم



وليكن

لا بدَّ لي أن أرفض الموت،

وإن كانت أساطيري تموت

إنني أبحث في الأنقاض عن ضوء، وعن شعر جديد

آه... هل أدركت قبل اليوم

أن الحرف في القاموس، يا حبي، بليد

كيف تحيا كل ُّهذي الكلمات!

كيف تنمو؟... كيف تكبر؟

نحن ما زلنا نغذيها دموع الذكريات

واستعارات... وسُكَّر!



وليكن...

لا بد لي أن أرفض الورد الذي

يأتي من القاموس، أو ديوان شعر

ينبت الورد على ساعد فلاّح، وفي قبضة عامل

ينبت الورد على جرح مقاتل

وعلى جبهة صخر

أبو فادي 12-26-2005 07:32 PM

مشاركة: من قصائد الشاعر الفلسطيني ( محمود درويش )...
 
عن الأمنيات


لا تقل لي:
ليتني بائع خبز في الجزائر
لأغني مع ثائر!

لا تقل لي:
ليتني راعي مواش في اليمن
لأغني لانتفاضات الزمن!

لا تقل لي:
ليتني عامل مقهى في هفانا
لأغني لانتصارات الحزانى!

لا تقل لي:
ليتني أعمل في أسوان حمالا صغير
لأغني للصخور

يا صديقي!
لن يصين النيل في الفولغا
ولا الكونغو، ولا الأردن، في نهر الفرات!
كل نهر، وله نبع.. ومجرى.. وحياة!
يا صديقي!.. أرضنا ليست بعاقر
كل أرض، و لها ميالدها
كل فجر، و له موعد

أبو فادي 12-26-2005 07:33 PM

مشاركة: من قصائد الشاعر الفلسطيني ( محمود درويش )...
 
مزامير


أُحبُّكِ، أولا أُحبُّكِ –

أذهبُ، أترك خلفيعناوين قابلةً للضياعْ.

وأنتظر العائدين، وهم يعرفون مواعيد موتيويأتون.

أنتِ التي لا أُحبُّك حين أُحبًّك، أسوارُ بابل

ضيِّقَةٌ فيالنهار، وعيناك واسعتان، ووجهك

منتشر في الشعاع.

كأنكِ لم تولدي بعد. لم نفترق بعد. لم تصرعيني.

وفوق سطوح الزوابع كل ُّكلام جميل،وكلُّ

لقاء وداع.

وما بيننا غيرُ هذا اللقاء، وما بيننا غير هذاالوداع.

أُحبُّك، أو لا أحبُّك –

يهرب مني جبيني، وأشعر أنك لا شيءأو كل شيء

وأنك قابلة للضياع.



أُريدكِ، أو أُريدكِ –

إنَّ خرير الجداول محترقٌ بدمي. ذات يومأراك،

وأذهب.

وحاولتُ أن أستعيد صداقةَ أشياء غابت – نجحت

وحاولت أن أتباهى بعينين تتسعان لكل خريف –

نجحت – وحاولتُ أنأرسم اسماً يلائم زيتونةًً

حول خاصرةٍ – فتناسَلَكوكبْ.



أُريدك حين أقول أنا لا أُريدك...

وجهي تساقط. نهرٌبعيدٌ يذوبُ جسمي. وفي السوق

باعوا دمي كالحساء المعلَّب.

أُريدك،حين أقول أُريدك-

يا امرأة وَضَعَتْ ساحل البحر الأبيض المتوسطفي

حضنها... وبساتين آسيا على كتفيها... وكلَّ

السلاسل فيقلبها.



أُريدك، أو لا أُريدك –

إنَّ خرير الجداول. إنَّ حفيفالصنوبر. إنَّ هدير

البحار. وريشَ البلابل محترقٌ في دمي – ذات

يومأراك، وأذهب.



أُغنّيك، أو لا أُغنيك –

أسكتُ. أصرخُ. لا موعدللصراخ ولا موعد

للسكوت. وأنتِ الصراخ الوحيدُ وأنتِالسكوت

الوحيدْ.



تداخل جلدي بحنجرتي. تحت نافذتي تعبرالريح

لابسةً حَرَساً. والظلامُ بلا موعد. حين ينزل

عن راحتيَّالجنودْ

سأكتبُ شيئاً...

وحين سينزل عن قدميَّ الجنود

سأمشيقليلاً...

وحين سيسقط عن ناظريِّ الجنود

أراك... أرى قامتي منجديد.

أُغنّيك، أو لا أُغنّيك

أنت الغناء الوحيد، وأنت تُغنيّنني لوسكتُّ. وأنت

السكوتُ الوحيد.



-2-

في الأيامالحاضرة

أجد نفسي يابساً

كالشجر الطالع من الكتب

والريح مسألةعابرة.

أُحارب... أو لا أُحارب؟

ليس هذا هو السؤال

المهمّ أنتكون حنجرتي قويَّة.

أعمل... أو لا أعمل؟.

ليس هذا هوالسؤال

المهمّ أن أرتاح ثمانية أيام في الأسبوع

حسب توقيتفلسطين.

أيها الوطن المتكرر في الأغاني والمذابح،

دُلِّنيعلى مصدرالموت

أهو الخنجر... أم الأكذوبة؟



لكني أذكر أن لي سقفاًمفقوداً

ينبغي أن أجلس في العراء.

ولكيلا أنسى نسيم بلاديالنقي

ينبغي أن أتنفس السل

ولكي أذكر الغزال السابح فيالبياض

ينبغي أن أكون معتقلاً بالذكريات.

ولكيلا أنسى أن جباليعالية

ينبغي أن أُسرِّح العاصفة من جبيني.

ولكي أُحافظ على ملكيةسمائي البعيدة

يجب ألاّ أملك حتى جلدي.



أيها الوطن المتكررفي المذابح والأغاني

لماذا أُهرِّبك من مطار إلىمطار

كالأفيون...

والحبر الأبيض...

وجهازالإرسال؟!

أُريد أن أرسم شكلك.

أيها المبعثر في الملفاتوالمفاجآت

أُريد أن أرسم شكلك

أيها المتطاير على شظايا القذائفوأجنحة العصافير

أريد أن أرسم شكلك

فتخطف السماءُ يدي.

أريدأن أرسم شكلك

أيها المحاصر بين الريح والخنجر

كي أجد شكليفيك

فأُتَّهم بالتجريد وتزوير الوثائق والصور الشمسية

أيها المحاصربين الخنجر والريح.



ويا أيها الوطن المتكرر في الأغانيوالمذابح

كيف تتحول إلى حلم وتسرق الدهشة

لتتركنيحجراً.

لعلَّك أجمل في صيرورتك حلماً

لعلَّكأجمل!...



لم يبق في تاريخ العرب

اسم أستعيره

لأتسلَّلبه إلى نوافذك السريَّة.

كل الأسماء السرية محتجزة

في مكاتب التجنيدالمكيَّفة الهواء

فهل تقبل اسمي –

اسمي السري الوحيد –

محموددرويش؟

أما اسمي الأصلي

فقد انتزعته عن لحمي

سياطُ الشرطةوصنوبرُ الكرمل



أيها الوطن المتكرر في المذابحوالأغاني

دُلَّني على مصدر الموت

أهو الخنجر

أمالأكذوبة؟!



-3-

يومَ كانتْكلماتي

تربةً...

كنتَ صديقاً للسنابلْ.

يومَ كانتكلماتي

غضباً...

كنت صديقاً للسلاسل

يوم كاناتكلماتي

حجراً...

كنتُ صديقاً للجداول.

يومَ كانتكلماتي

ثورةً...

كنت صديقاً للزلازل

يوم كانتكلماتي

حنظلاً...

كنتُ صديقَ المتفائل

حين صارتكلماتي

عسلاً...

غطَّىالذباب

شفتيَّ!...



-4-

تركت وجهي على منديلأُمّي

وحملت الجبال في ذاكرتي

ورحَلْت...

كانت المدينة تكسرأبوابها

وتتكاثر فوق سطوح السفن

كما تتكاثر الخضرة في البساتين التيتبتعد...

إنني أتَّكئ على الريح

يا أيتها القامة التي لاتنكسر

لماذا أترنَّح؟ ... وأنت جداري

وتصقلني المسافة

كمايصقل الموتُ الطازج وجوهَ العُشّاق

وكلما ازددتُ اقتراباً منالمزامير

ازددتُ نُحولاً...

يا أيتها الممرات المحتشدةبالفراغ

متى أصل؟...

طوبى لمن يلتفُّ بجلده!

طوبى لمنيَتذكَّر اسمه الأصليَّ بلا أخطاء!

طوبى لمن يأكل تفاحة ولا يصبحشجرة.

طوبى لمن يشرب من مياه الأنهار البعيدة

ولا يصبحغيماً!

طوبى للصخرة التي تعشق عبوديتها

ولا تختار حريةالريح!.



-5-

اكلما وقفتْ غيمه على حائط

تطايرت إليهاجبهتي كالنافذة المكسورة

ونسيت أني مرصود بالنسيان

وفقدتهويتي؟

إنني قابل للانفجار

كالبكارة...



وكيف تتَّسععيناي لمزيد من وجوه الأنبياء؟

اتبعيني أيتها البحار التي تسأملونها

لأدلك على عصا أخرى.

إنني قابلللأعجوبة

كالشرق...

أنا حالة تفقد حالتها

حين تكفُّ عنالصراخ

هل تسمّون الرعد رعداً والبرق برقاً

إذا تحجَّر الصوت، وهاجراللون؟!

اكلما خرجتُ من جِلدي.

ومن شيخوخة المكان

تناسلالظلُّ، وغطّاني...؟

اكلما أطلقتُ رياحي في الرماد

بحثاً عن جمرةمنسيَّة

لا أجد غير وجهي القديم الذي تركته

على منديلأُمي؟

إنني قابلٌ للموت

كالصاعقة...

أبو فادي 12-26-2005 07:33 PM

مشاركة: من قصائد الشاعر الفلسطيني ( محمود درويش )...
 
تكملة قصيدة مزامير




-6-

أشجاربلادي تحترف الخضرة

وأنا أحترف الذكرى.

والصوت الضائع فيالبرية

ينعطف نحو السماء، ويركع:

أيها الغيم! هل تعود؟

لستُحزيناً إلى هذا الحدّ

ولكن، لا يحبُّ العصافير

من لا يعرفالشجر.

ولا يعرف المفاجأة

من اعتاد الأكذوبة.

لستُ حزيناً إلىهذا الحد

ولكن، لا يعرف الكذب

من لم يعرف الخوف.



أنالستُ منكمشاً إلى هذا الحد

ولكن الأشجار هي العالية.

سيداتي، آنساتي،سادتي

أنا أحبُّ العصافير

وأعرف الشجر

أنا أعرفالمفاجأة

لأني لم أعرف الأكذوبة.

أنا ساطع كالحقيقةوالخنجر

ولهذا أسألكم:

أطلقوا النار على العصافير

لكي أصِفَالشجر.

أوقفوا النيل

لكي أصف القاهرة.

أوقفوا دجلة أو الفراتأو كليهما

لكي أصف بغداد.

أوقفوا بردى

لكي أصفدمشق!

وأوقفوني عن الكلام

لكي أصفنفسي...



-7-

ظلُّ النخيل، وآخرُ الشهداء، والمذياع يرسلصورةً

صوتيةً عن حالة الأحباب يومياً، أُحبُّك في

الخريف وفيالشتاءْ.



- لم تبك حيفا. أنت تبكي. نحن لا ننسىتفاصيل

المدينة, كانت امرأةً، وكانت أنبياءْ.



البحرُ! لا. البحرُ لم يدخل منازلنا بهذا الشكل.

خمسُ نوافذٍ غرقتْ، ولكنَّ السطوحتعجُّ

بالعشب المجفَّف والسماءْ -



ودَّعتُ سجّاني. سعيداًكان بالحرب الرخيصة.

آه يا وطن القرنفل والمسدّس، لم تكن أُمّيمعي.

وذهبتُ أبحث عنك خلف الوقت والمذياع. شكلك

كان يكسرني... ويتركني هباءْ.



كان الكلام خطيئةً، والصمت منفى. والفدائيون

أسرى توقهم للموت في واديك. كان الموت تذكرة

الدخول إلىيديك. وكنتً تحتقر البكاءْ.



والذكرياتُ هويةً الغرباء أحياناً، ولكنالزمان

يضاجع الذكرى وينجب لاجئين، ويرحل

الماضي، ويتركهم بلا ذكرى. أتذكرنا؟ وماذا

لو تقول: بلى! أ نذكر كل شيئ عنك؟ ماذا

لو نقول: بلى!... وفي الدنيا قضاةُ يعبدون الأقوياءْ.



من كل نافذةٍ رميتُالذكريات كقشرة البطيخ,

واستلقيتُ في الشَّفَق المحاذي للصنوبر (تلمع

الأمطار في بلد بعيد. تقطف الفتياتُ خوخاًغامضاً...)



والذكرياتُ تمرُّ مثل البرق في لحمي،وترجعني

إليك... إليك. إنَّ الموت مثل الذكريات كلاهما

يمشي إليك... إليك، يا وطناً تأرجح بين كلِّ

خناجر الدنيا وخاصرةِالسماءْ.



ظلّ النخيل، وآخر الشهداء والمذياع يرسل صورة

صوتيةعن حالة الأحباب يومياً – أحبك في

الخريف وفيالشتاءْ.



-8-

حالة الاحتضار الطويلة

أرجعتني إلى شارعفي ضواحي الطفولةْ

أدخلتني بيوتاً

قلوباً

سنابل

منحتنيهويَّه

جعلتني قضيَّه

حالةُ الاحتضار الطويلةْ.



كانيبدو لهم

أنني ميّت، والجريمةُ مرهونةٌ بالأغاني

فمرُّوا، ولم يلفظوااسمي.

دفنوا جثتي في الملفّاتوالانقلابات،

وابتعدوا.

(والبلاد التي كنتُ أحلم فيها – سوف

تبقى البلاد التي كنتُ أحلم فيها).



كان عمراًقصيراً

وموتاً طويلا

وأفقتُ قليلا

وكتبتُ اسم أرضي علىجُثَّتي

وعلى بندقيَّةْ

قلت: هذا سبيلي

وهذا دليلي

إلىالمدن الساحليَّةْ.

وتحركتُ،

لكنهم قتلوني.



دفنواجثتي في الملفات والانقلابات

وابتعدوا.

(والبلاد التي كنتُ أحلم فيها –

سوف تبقى البلاد التي كنتُ أحلم فيها).



أنا في حالةالاحتضار الطويلةْ

سيِّد الحزن.

والدمع من كل عاشقةعربيَّة

وتكاثر حولي المغنّون والخطباء

وعلى جثتي ينبتُ الشعروالزعماء

وكل سماسرة اللغةالوطنيَّة

صفَّقوا

صفَّقوا

صفَّقوا

ولتعشْ

حالةالاحتضار الطويلةْ



حالةُ الاحتضار الطويلةْ

أرجعتني إلى شارعفي ضواحي الطفولة

أدخلتني بيوتاُ... قلوباً... سنابل

جعلتنيقضيَّة

منحتني هويَّة

وتراثَ السلاسل.



-9-

إنيأتأهَّب للانفجار

على حافة الحلم

كما تتأهب الآباراليابسة

للفيضان.



إني أتأهَّب للانطلاق

على حافةالحلم

كما تتأهب الحجارة

في أعماق المناجم الميتة



إنيأتحفَّز للموت

على حافة الحلم

كما يتحفز الشهيد للموت

مرةأُخرى.



إني أتأهَّب للصراخ

على حافة الحقيقة

كمايتأهَّب البركان

للانفجار.



-10-

الرحيلانتهى

من يغطّي حبيبي

كيف مرَّ المساء المفاجئ

كيفاختفى

في عيون حبيبي؟

الرحيل انتهى.



أصدقائي يمرونعني.

أصدقائي يموتون فجأة



الرحيل انتهى

في جناحالسنونو.

الرحيل ابتدأ

حين فرَّ السجين.



ما عرفتُالضياع

في صرير السلاسل

كان لحمي مشاع

كسطوحالمنازل

لعدوّي ، ولكن

ما عرفت الضياع

في صريرالسلاسل



أصدقائي يمرّون عني

أصدقائي يموتونفجأة.



-11-

أداعب الزمن

كأمير يلاطفحصاناً.

وألعبُ بالأيام

كما يلعب الأطفال بالخرزالملوَّن.



إني أحتفل اليوم

بمرور يوم على اليومالسابق

وأحتفل غداً

بمرور يومين على الأمس

وأشرب نخبالأمس

ذكرى اليوم القادم

وهكذا... أُواصلحياتي!



عندما سقطتُ عن ظهر حصاني الجامح

وانكسرتذراعي

أوجعتني إصبعي التي جرحت

قبل ألف سنة!



وعندماأحييت ذكرى الأربعين لمدينة عكا

أجهشت في البكاء على غرناطة

وعندماالتفَّ حبل المشنقة حول عنقي

كرهت أعدائي كثيراً

لأنهم سرقوا ربطةعنقي!



-12-

نرسم القدس :



إله يتعرَّى فوقخطَّ داكن الخضرة. أشباه عصافير تهاجرْ

وصليب واقف في الشارع الخلفيَ. شيءيشبه البرقوق

والدهشة من خلف القناطرْ

وفضاء واسع يمتدُّ من عورةجنديّ إلى تاريخ شاعر.



نكتبُ القدس :

عاصمة الأمل الكاذب... الثائر الهارب... الكوكب

الغائب. اختلطتْ في أزقَّتها الكلماتُالغريبةُ،

وانفصلتْ عن شفاه المغنّين والباعةِالقُبَلُ

السابقةْ.



قام فيها جدار جديد لشوق جديد،وطروادةُ

التحقتْ بالسبايا. ولم تَقُل الصخرةُ الناطقةْ

لفظةًتُثبِتُُ العكس. طوبى لمن يجهضُ النار في

الصاعقةْ!.



ونغنيالقدسَ :

يا أطفالَ بابلْ

يا مواليد السلاسلْ

ستعودون إلىالقدس قريباً

وقريباً تكبرون.

وقريباً تحصدون القمح من ذاكرةالماضي

قريباً يصبح الدمع سنابل.

آه، يا أطفال بابل

ستعودونإلى القدس قريباً

وقريباًتكبرونً.

وقريباً

وقريباً

وقريباً...

هلّلويا

هلّلو يا!

ثائر!

أبو فادي 12-26-2005 07:34 PM

مشاركة: من قصائد الشاعر الفلسطيني ( محمود درويش )...
 
في انتظار العائدين

أكْوَاخُ أحْبَابِي عَلَى صَدْرِ الرِّمَالْ

وَأَنَا مَعَ الأَمْطَارِ سَاهْر ....

وَأنا ابْنُ عُولِيسَ الَّذي اِنْتَظَرَ الْبَرِيدَ مِنَ الشّمَالْ[1]

نَادَاهُ بَحَّارٌ ، وَلَكِنْ لَمْ يُسَافِر

لَجَمَ الْمَرَاكِبَ ، وَانْتَحَى أَعْلَى الْجِبَالْ[2]

- يَا صَخْرَةً صَلَّى عَلَيْهَا وَالِدِي لِتَصُونَ ثَائِرْ

أنَا لَنْ أبِيعَكِ بالَّلآلي ..

أنَا لَنْ أُسَافِر ..

لَنْ أُسَافِر ..

لَنْ أُسَافِر !‍‍!



أصْواتُ أحْبَابِي تَشُقُّ الرِّيحَ ، تَقْتَحِمُ الْحُصُونْ

يَا أُمَّنا اِنْتَظِرِي أمَامَ الْبَابِ . إنَّا عَائِدُون

مَاذَا طَبَخْتِ لَنَا ؟ فَإنَّا عَائِدُونْ

نَهَبُوا خَوَابِي الزَّيْتِ ، يَا أُمِّي ، وَأَكْيَاسَ الطّحِينْ

هَاتِي بُقُولَ الْحَقْلِ !

هَاتِي الْعُشْبَ !

إنَّا عَائِدُونْ !

خُطُوَاتُ أحْبَابِي أنِينُ الصَّخْرِ تَحْتَ يَدِ الْحَديدْ

وَأنا مَعَ الأمطَارِ ساهِدْ

عَبَثاً أُحَدِّقُ في الْبَعِيدْ

سَأظَلُّ فَوْقَ الصَّخْرَ .. تَحْتَ الصَّخْرِ .. صَامِدْ

أبو فادي 12-26-2005 07:35 PM

مشاركة: من قصائد الشاعر الفلسطيني ( محمود درويش )...
 


قصيدة جديدة




لوركا


عفو زهر الدم يا لوركا ،وشمس في يديك

وصليب يرتدي نار قصيده

أجمل الفرسان في الليل . . يحجون إليك

بشهيد . . وشهيدة

هكذا الشاعر زلزال . . وإعصار مياه

ورياح . . إن زأر

يهمس الشراع للشراع : قد مرت خطاه

فتطاير يا حجر

هكذا الشاعر موسيقى وترتيل صلاه

ونسيم إن همس

يأخذ الحسناء في لين إله

وله الأقمار عش إن جلس

لم تزل إسبانيا أتعس أم

أرخت الشعر على أكتافها

وعلى أغصان زيتون المساء المدلهم

علقت أسيافها

عازف الجيتار في الليل يجوب الطرقات

ويغني في الخفاء

وبأشعارك يا لوركا يلم الصدقات

من عيون البؤساء

العيون السود في إسبانيا تنظر شزرا

وحديث الحب أبكم

يحفر الشاعر في كفيه قبرا

إن تكلم

نسي النسيان أن يمشي على ضوء دمك

فاكتست بالدم بسمات القمر

أنبل الأسياف . . حرف من فمك

عن أناشيد الغجر

آخر الأخبار من مدريد أن الجرح قال

شبع الصابر صبرا

اعدموا غوليان في الليل وزهر البرتقال

لم يزل ينشر عطرا

أجمل الأخبار من مدريد

ما يأتي غدا

أبو فادي 12-26-2005 07:35 PM

مشاركة: من قصائد الشاعر الفلسطيني ( محمود درويش )...
 
فضة الموت الذي لا موت فيه


نسيان أمر ما صعود نحو باب الهاوية
ها أنذا أنسى نهاياتي
وأصعد ثم اهبط..ثماصعد ثم اهبط
اين يمتحن الصواب ؟
هل في الصعود أم النزول، أم في الوصول الى نهايات الطريق المفرحة؟!
وإذا صعدت فكيف أرفع فكرة أو اغنية؟
...
هي أغنية

...........

وعلي أن أنسى البداية كي أسير إلى البداية واثقا مني ومنها
..............

هل كان معيار الحقيقة دائما سيفا لأخفي فكرتي مذ طار سيفي؟

..........
دافعت عما لا أراه، ولن أراه، وعن سرير العاشقة
دافعت عن شجر سيشنقني إذا ما عدت من لغتي إليه
دافعت عن حجرسيخفي برق آثاري ونايات للرعاة السابقين
دافعت عما كان لي ويفر مني حين توقظه يداي
دافعت عما ليس لي. وسأستطيع إذا استطعت سأستطيع
أن أرجع الماضي إلىماضيه، أن أستل موعظة الجبل
ممن رآني سائرا متسائلا بين الضحايا و الشهود

....

أهناك ما يكفي من النسيان كي أنسى.. وأنسى
أنسىلأبتكر البداية من نهاية ما انتهى فينا. كسرت الدائرة
وكسرت نفسي كي أرى نفسي تدل على انتباه الأجنحة
وعلي أحيانا، أنطعم خيلنا لغة، أنسرجها الكتابة؟
من ليس منا صار منا. افتحوا باب الحدائق في قيودي
يخرج إليكم ما أريد من الكلام،وما أريد من اليمام:


....

في قوتي ضعف الممر وفي انكساري قوة المعنى

.....

هل نستطيع العيش أكثر ما استطعنا كين رى ذهب الكلام
خبزا وفاكهة؟ "أسأت إليك يا شعبي" أسأت كما أساء الحب لي
وأصبت طفلا بالأغاني حين قدست المعاني وحدها
وتركت سكان القصيدة في مخيمهم يعدون الهواء على الأصابع.

كم من أخ لك لم تلده الأم يولد من شظاياك الصغيرة؟
كم من عدو غامض ولدته أمك يفصل الآن الظهيرة عن دمك؟

"أأسأت ياشعبي إليك" كما أساء إلي آدم؟
ما أضيق الأرض التي لا أرض فيها للحنين إلىأحد!



...

كم مرة ستكون آخر من يكون و لايكون؟
يستدرجونك، خارج المعنى فلا تلق السلام على أحد
واخطف خطاك من الخناجر، وارتفع أعلى من الشجر السابحة واللغة


وادخل إلى أنفاق نفسك كي ترى ماليس فيهم.


يستدرجونك، فانتظرهم خارج الأشياء. كن شبحا. وكن
شبحا، ولاتخلع قناعك عن دروعك. كن شبح
شبح البداية والنهاية والمدى، أنت المدى. هي أغنية


قطعوا يدي وطالبوني أن أدافع عن حلب
واستأصلوا مني خطاي وطالبوني أن أسير إلى صلاة الغائبين
أشعلت معجزتي وسرت، فحاصروني، حاصروني،حاصروني
قالوا: انتظر، فنظرت. [لا تكسر موازين الرياح مع العدو]
ووقفت. قالوا: لاتقف. فمشيت ثانية، فقالوا: لا تسر
[الحرب فر. لا تحاربخارج الكلمات] قلت: من العدو؟
[إرفع شعارك وانتظره. واعتذر عما فعل]
ماذا فعلت؟ [بحثت وحدكعن خطاك ولم تبلغ سيدك]
من سيدي؟ قالوا: [الشعار على الجدار] فقلت: لا
لا سيد إلا دمي المحروق في جسدي يفتش عن يدي
لتدق بوابات هذا الليل. لا. لا سيد إلا دمي. هي أغنية




وعلي أن أجد الغناء لكي أسلي من أسلي: قاتلي،وحبيبتي
وأنا أحب لأرفع الأنقاض عن نفسي، وأحيانا أحب لكي أحب
ماذا سأفعل بعدجسمك، والشتاء هو الشتاء.
عسل عنيف يرشد الأنثى إلى ذكر. ويرشدني إلى عبث الكلام
دقت حوافر هذه الأمطار خاصرتي. أألجأ للقصيدة
وهي التي فتحت على حريتي منفاي فيك. وأين أنت وأين أنت؟

في القاع يتضح الغياب. أرى الغياب، أجسه وأراه جسما للغياب
وأقيس هاويتي بما يبقى من النسيان، لا أنسى فأهبط في الجحيم
وأقيس هاويتي بما يبقى من النسيان، فاهبط أيها النسيان حبلاللخروج
للخارج الهاوي. تعبت من الرجوع إلى مهب الذاكرة
أنسى لأعرف أننا بشر. وأنسى كي أجدد وردتي.


......



لا أستطيع تأمل الأشياء وهي تعيش في لكي أغيب
وقددت من حجر، وفي حجر سجنت. ومن حجر
أطلعت نرجسة لتؤنس صورتي. أنا من هناك
وبكل ما أوتيت من حجر سأجمع قوتي وخرافتي
لأكون صنوا لاسمي الحجري، تخطيطا لظل لي، وظل للمكان
ومسافة قرب المسافة بين أسئلتي وأجوبةالسيوف الغادرة.
سأمزق الصحراء في وحول أجوبتي. سأسكن صرختي


.......


أنا من رأى نوم التتار على الخيول الراكضة.
أنا من رأى أمعاءه فوق الدوالي.. فاقترب
أنا من رأى خمسين عصرا جاثما فوق الدقيقة.. فاقترب.
أنا من رأى تسعين والدة لبنت واحدة
أنا من رأى سربا من الحشرات يصطاد القمر
أنا من رأى في جرحه تاريخ هجرات الشعوب من الكهوف الى المسارح
أنا من رأى ما لا يرى. هي أغنية
لا شيء يعنيها سوى إيقاعها. ريحتهب لكي تهب لذاتها. هي أغنية
حجر يشاهد عودة الأسرى إلى ما ليس فيهم. هي أغنية
قمر يرى أسرار كل الناس حين يخبئون جنونهم في ضوئه ويصدقون الأغنية

أبو فادي 12-26-2005 07:36 PM

مشاركة: من قصائد الشاعر الفلسطيني ( محمود درويش )...
 
"البكاء بين يدي زرقاء اليمامة"







مُعَلَّقٌ أنا على مشانقِ الصَّباحْ

وجبهتي - بالموتِ - مَحنيَّهْ

لأنني لم أَحْنِها.. حَيَّهْ!

***


يا إخوتي الذينَ يعبُرون في المِيدان مُطرِقينْ

مُنحدرين في نهايةِ المساءْ

في شارِع الإسكندرِ الأكبرْ

لاتخجلوا.. ولترْفعوا عيونَكم اليّ

لأنكم مُعلَّقونَ جانبي.. على مشانِق القيصَرْ.

فلترفعوا عيونَكم اليّ

لربما.. إذا التقتْ عيونُكم بالموتِ في عَينَيّ:

يبتسمُ الفناءُ داخلي.. لأنكمْ رفعتم رأسَكمْ.. مرَّهْ!

"سيزيفُ" لم تعدْ على أَكتافهِ الصَّخرهْ

يحملُها الذين يُولدونَ في مخادِع الرقيقْ.

والبحرُ.. كالصّحراءِ.. لا يروي العطَشْ

لأنَّ من يقولُ "لا" لا يرتوي إلاّ مَن الدُّموعْ!

... فلترفعوا عيونَكم للثائرِ المشنوقْ

فسوف تنتهونَ مثلَه.. غدا

وقبّلوا زوجاتِكم.. هنا.. على قارعةِ الطريقْ

فسوف تنتهون ها هنا.. غدا

فالانحناءُ مُرّ..

والعنكبوتُ فوق أعناقِ الرّجالِ ينسجُ الردى

فقبِّلوا زوجاتِكم.. إني تركتُ زوجتي بلا وداعْ

وإن رأيتم طفليَ الذي تركتُه على ذراعِها بلا ذراعْ

فعلّموهُ الإنحناءْ!

علّموهُ الانحناءْ!

اللهُ. لم يغفر خطيئةَ الشيطانِ حين قال لا!

والودعاءُ الطيبونْ..

هم الذين يرِثون الأرضَ في نهايةِ المدى

لأنهم.. لايُشنقون!

فعلّموهُ الإنحناءْ!

وليس ثَمَّ من مَفَرّ.

لاتحلُموا بعالمٍ سعيدْ
فخلف كل قيصر يموتُ: قيصرٌ جديد!

وخلف كل ثائرٍ يموتُ: أحزانٌ بلا جدوى..

ودمعةٌ سُدى!

(مزج ثالث)


ياقيصرُ العظيم: قد أخطأتُ.. إني أَعترِفْ

دعني - على مِشنقتي - أَلْثُم ُيَدكْ

ها أنذا أُقبّل الحبلَ الذي في عُنقي يلتفّ

فهو يداكَ, وهو مجدُك الذي يجِبرُنا أن نعبُدَكْ

دعني أُكَفِّرْ عنْ خطيئتي

أمنحكَ - بعد ميتتي - جُمْجُمَتي

تصوغُ منها لكَ كأساً لشرابِك القويّ

... فإن فعلتَ ما أريدْ

إن يسألوك مرةً عن دميَ الشهيدْ

وهل تُرى منحتَني "الوجودَ " كي تسلُبَني "الوجودْ"

فقلْ لهم: قد ماتَ.. غيرَ حاقدٍ عليّ

وهذه الكأسُ - التي كانتْ عظامُها جمجمتَه -

وثيقةُ الغُفران ِلي.

يا قاتلي: إني صفحتُ عنك..

في اللّحظةِ التي استرحتَ بعدَها مني:

استرحتُ منكْ!

لكنني.. أوصيكَ إن تشأْ شنقَ الجميع

أنترحم الشجر!

لا تقطعِ الجذوعَ كي تنصبَها مشانقاً

لا تقطعِ الجُذوع

فربما يأتي الرَّبيع

"والعامُ عامُ جوع"

فلن تشمَّ في الفرُوعِ.. نكهةَ الثَّمر!

وربما يمر في بلادِنا الصّيف الخَطِِرْ

فتقطعَ الصحراء.. باحثاً عن الظلالْ

فلا ترى سوى الهجيرِ والرّمالِ و الهجيرِ والرمال

والظمأِ الناريّ في الضُلوع!

يا سيدَ الشواهدِالبيضاء في الدُّجى..


(مزج رابع)


يا إخوتي الذينَ يعبُرون في المِيدان في انحِناءْ

منحدرين في نهايةِ المساءْ

لا تحلموا بعالمٍ سَعيدْ..

فخلفَ كلِّ قيصرٍ يموتُ: قيصرٌ جديدْ.

وإن رأيتمْ في الطّريق "هانيبالْ"

فأخبروه أنني انتظرته مدى على أبواب "روما" المُجهدهْ

وانتظرتْ شيوخ روما - تحت قوسِ النَّصر - قاهرَ الأبطال

ونسوةَ الرومان بين الزينةِ المُعربدهْ

ظللنَ ينتظِرْن مقدمَ الجنودْ..

ذوي الرؤوسِ الأطلسية المجعّده

لكن "هانيبال" ما جاءتْ جنودُه المجنّده

فأخبروه أنني انتظرتهُ.. انتظرتهُ..

لكنهُ لم يأتِ!

وأنني انتظرتُهُ.. حتى انتهيتُ في حبالِ الموت

وفي المدى: "قرطاجةٌ" بالنار تَحترقْ

"قرطاجةٌ" كانتْ ضميرَ الشمسِ: قد تعلَّمتْ معنىالرُّكوع

والعنكبوتُ فوق أعناقِ الرجال

والكلماتُ تَختنق

يا إخوتي: قرطاجةُ العذراءُ تحترقْ

فقبِّلوا زوجاتِكم,

إني تركتُ زوجتي بلا وَداعْ

وإن رأيتم طفليَ الذي تركتُه على ذراعها.. بلا ذِراع

فعلّموهُ الإنحناءْ

علّموهُ الإنحناءْ..

عَلّموهُ الإنحِناءْ..

أبو فادي 12-26-2005 07:37 PM

مشاركة: من قصائد الشاعر الفلسطيني ( محمود درويش )...
 
قصيدة الارض من اجمل ما كتب درويش

قصيدة الأرض
في شهر آذار، في سنةالإنتفاضة، قالت لنا الأرضُ أسرارها الدموية.
في شهر آذار مرّت أمام البنفسج والبندقيّة خمس بنات.
وقفن على باب مدرسة إبتدائية، واشتعلن مع الورد والزعتر البلديّ.
افتتحن نشيد التراب.
دخلن العناق النهائي – آذار يأتي إلى الأرض من باطن الأرض يأتي، ومن رقصة الفتيات – البنفسج مال قليلاً ليعبر صوت البنات.
العصافيرُ مدّت مناقيرها في اتّجاه النشيد و قلبي.
أنا الأرض
والأرض أنت
خديجةُ! لا تغلقي الباب
لا تدخلي في الغياب
سنطردهم من إناء الزهور وحبل الغسيل
سنطردهم عن حجارة هذا الطريق الطويل
سنطردهم من هواء الجليل.
وفي شهر آذار، مرّت أمام البنفسج والبندقيّة خمس بناتٍ.
سقطن على باب مدرسةٍ إبتدائيةٍ.
للطباشير فوق الأصابع لونُ العصافيرِ.
في شهر آذار قالت لنا الأرض أسرارها.
-2-
أُسمّي الترابَ امتداداً لروحي
أُسمّي يديّ رصيفَ الجروح
أُسمّي الحصى أجنحة
أسمّي العصافير لوزا ًو تين
وأستلّ من تينة الصدر غصناً
وأقذفهُ كالحجرْ
وأنسفُ دبّابةَ الفاتحين.
-3-
وفي شهر آذار، قبل ثلاثين عاما وخمس حروب،
وُلدتُ على كومة من حشيش القبور المضيء.
أبي كان في قبضةالإنجليز.
وأمي تربّي جديلتها وامتدادي على العشب.
كنت أحبّ "جراح الحبيب" و أجمعها في جيوبي، فتذبلُ عند الظهيرة، مرّ الرصاص على قمري الليلكي فلم ينكسر،
غير أنّ الزمان يمرّ على قمري الليلكي فيسقطُ سهواً...
وفي شهر آذار نمتدّ في الأرض
في شهر آذار تنتشرُ الأرض فينا
مواعيد غامضةً
واحتفالاً بسيطاً
ونكتشف البحر تحت النوافذ
والقمر الليلكي على السرو
في شهر آذار ندخلٌُ أوّل سجنٍ وندخلُ أوّل حبّ
وتنهمرُ الذكريات على قريةً في السياج
وُلدنا هناكو لم نتجاوز ظلال السفرجل
كيف تفرّين من سُبُلي يا ظلال السفرجل؟
في شهر آذار ندخلُ أوّل حبٍّ
وندخلُ أوّل سجنٍ
وتنبلجُ الذكريات عشاءً من اللغة العربية:
قال لي الحبّ يوماً: دخلت إلى الحلم وحدي فضعتُ وضاع بي الحلم. قلت تكاثرْ!
تر النهر يمشي إليك.
وفي شهر آذار تكتشف الأرض أنهارها.
-4-
بلادي البعيدة عنّي.. كقلبي!
بلادي القريبة مني.. كسجني!
لماذا أغنّي
مكاناً، ووجهي مكانْ؟
لماذا أغنّي
لطفل ينامُ على الزعفران؟
وفي طرف النوم خنجر
وأُمي تناولني صدرها
وتموتُ أمامي
بنسمةِ عنبر؟
-5-
وفي شهر آذار تستيقظ الخيل
سيّدتي الأرض!
أيّ نشيدٍ سيمشي على بطنك المتموّج، بعدي؟
وأيّ نشيدٍ يلائم هذا الندى والبخور
كأنّ الهياكل تستفسرُ الآن عن أنبياء فلسطين في بدئها المتواصل
هذا اخضرار المدى واحمرار الحجارة-
هذا نشيدي
وهذاخروجُ المسيح من الجرح والريح
أخضر مثل النبات يغطّي مساميره وقيودي
وهذا نشيدي
وهذا صعودُ الفتى العربيّ إلى الحلم والقدس.
في شهر آذار تستيقظ الخيلُ.
سيّدتي الأرض!
والقمم اللّولبية تبسطها الخيلُ سجّادةً للصلاةِ السريعةِ
بين الرماح وبي ندمي.
نصف دائرةٍ ترجعُ الخيلُ قوسا
ويلمعُ وجهي ووجهك حيفاوعُرسا
وفي شهر آذار ينخفضُ البحر عن أرضنا المستطيلة مثل
حصانٍ على وترِ الجنس
في شهر آذار ينتفضُ الجنسُ في شجرالساحل العربي
وللموج أن يحبس الموج ... أن يتموّج...أن
يتزوّج .. أويتضرّح بالقطن
أرجوك – سيّدتي الأرض – أن تسكنيني وأن تسكني نصهيلك
أرجوك أن تدفنيني مع الفتيات الصغيرات بين البنفسج والبندقية
أرجوك – سيدتي الأرض – أن تخصبي عمري المتمايل بين سؤالين: كيف؟وأين؟
وهذا ربيعي الطليعي
وهذا ربيعي النهائيّ
في شهرآذار زوّجتُ الأرضُ أشجارها.
-6-
كأنّي أعود إلى مامضى
كأنّي أسيرُ أمامي
وبين البلاط وبين الرضا
أعيدُ انسجامي
أنا ولد الكلمات البسيطة
وشهيدُ الخريطة
أنا زهرةُ المشمش العائلية.
فيا أيّها القابضون على طرف المستحيل
من البدء حتّىالجليل
أعيدوا إليّ يديّ
أعيدوا إليّ الهويّة!
-7-
وفي شهر آذار تأتي الظلال حريرية والغزاة بدون ظلال
وتأتي العصافير غامضةً كاعتراف البنات
وواضحة كالحقول
العصافير ظلّ الحقول على القلب والكلمات.
خديجة!
- أين حفيداتك الذاهباتُ إلى حبّهن الجديد؟
- ذهبن ليقطفن بعض الحجارة-
قالت خديجة وهي تحثّ الندى خلفهنّ.
وفي شهر آذار يمشي التراب دماً طازجاً في الظهيرة. خمس بناتٍ يخبّئن حقلاً من القمح تحت الضفيرة. يقرأن مطلع أنشودةٍ على دوالي الخليل، ويكتبن خمس رسائل:
تحيا بلادي
من الصفر حتّى الجليل
ويحلمن بالقدس بعد امتحان الربيع وطرد الغزاة.
خديجةُ! لا تغلقي الباب خلفك
لا تذهبي فيالسحاب
ستمطر هذا النهار
ستمطرُ هذا النهار رصاصاً
ستمطرُ هذا النهار!
وفي شهر آذار، في سنة الانتفاضة، قالت لنا الأرض أسرارهاالدّمويّة:
خمسُ بناتٍ على باب مدرسةٍ ابتدائية يقتحمن جنودالمظلاّت.
يسطعُ بيتٌ من الشعر أخضر... أخضر.
خمسُ بناتٍ على باب مدرسة إبتدائيّة ينكسرن مرايا مرايا
البناتُ مرايا البلاد علىالقلب..
في شهر آذار أحرقت الأرض أزهارها.
-8-
أنا شاهدُ المذبحة
وشهيدالخريطة
أنا ولد الكلماتُ البسيطة
رأيتُ الحصى أجنحة
رأيتالندى أسلحة
عندما أغلقوا باب قلبي عليّاً
وأقاموا الحواجزفيّا
ومنع التجوّل
صار قلبي حارةْ
وضلوعي حجارةْ
وأطل ّالقرنفل
وأطلّ القرنفل
-9-
وفي شهر آذار رائحةٌ للنباتات.
هذا زواجُ العناصر.
"آذار أقسى الشهور" وأكثرها شبقاً.
أيّ سيفٍ سيعبرُ بين شهيقي وبين زفيري ولا يتكسّرُ !
هذا عناقي الزّراعيّ في ذروة الحب.
هذا انطلاقي إلى العمر.
فاشتبكي يانباتات واشتركي في انتفاضة جسمي، وعودة حلمي إلى جسدي
سوف تنفجرُ الأرضُ حين أُحقّقُ هذا الصراخ المكبّل بالريّ والخجل القرويّ.
وفي شهر آذارنأتي إلى هوس الذكريات، وتنمو علينا النباتات صاعدة ً في اتّجاهات كلّ البدايات.
هذا نموُّ التداعي.
أُسمّي صعودي إلى الزنزلخت التداعي.
رأيت فتاةً على شاطئ البحر قبل ثلاثين عاماً وقلتُ: أنا الموجُ، فابتعدتُ في التداعي.
رأيتُ شهيدين يستمعان إلى البحر:عكّا تجئ معالموج.
عكّا تروح مع الموج. وابتعدا في التداعي.
ومالت خديجةنحو الندى، فاحترقت. خديجة! لا تغلقي الباب!
إن الشعوب ستدخلُ هذا الكتاب وتأفل شمسُ أريحا بدونِ طقوس.
فيا وطن الأنبياء...تكامل!
ويا وطن الزراعين.. تكاملْ!
ويا وطن الشهداء.. . تكامل!
ويا وطن الضائعين .. تكامل!
فكلّ شعاب الجبال امتدادٌ لهذا النشيد.
وكلّ الأناشيد فيك امتدادٌ لزيتونة زمّلتني.
-10-
مساءٌ صغيرٌ على قريةٍ مهملة
وعيناك نائمتان
أعودُ ثلاثين عاماً
وخمس حروبٍ
وأشهدُ أنّ الزمانْ
يخبّئ لي سنبلة
يغنّي المغنّي
عن النار والغرباء
وكان المساءُ مساء
وكان المغنّي يغنّي
ويستجوبونه:
لماذا تغنّي؟
يردّ عليهم:
لأنّي أغنّي
.....
وقد فتّشوا صدرهُ
فلم يجدوا غير قلبه
وقد فتّشوا قلبه
فلم يجدوا غيرشعبه
وقد فتشوا صوته
فلم يجدوا غير حزنه
وقد فتّشوا حزنه
فلم يجدوا غير سجنه
وقد فتّشوا سجنه
فلم يجدوا غيرهم فيالقيود
وراء التّلال
ينامُ المغنّي وحيداً
وفي شهرآذار
تصعدُ منه الظلال
-11-
أنا الأملُ والسهل ُوالرحبُ – قالت لي الأرضُ والعشبُ مثل التحيّة في الفجر
هذا احتمالُ الذهاب إلى العمر خلف خديجة. لم يزرعوني لكي يحصدوني
يريد الهواء الجليليّ أن يتكلّم عنّي، فينعسُ عند خديجة
يريد الغزال الجليليّ أن يهدم اليوم سجني، فيحرسُ ظلّ خديجة وهي تميل على نارها.
يا خديجةُ! إنّي رأيتُ .. وصدّقتُ رؤياي تأخذني في مداها وتأخذني في هواها.
أنا العاشق الأبديّ،السجين البديهيّ. يقتبس البرتقالُ اخضراري ويصبحُ هاجسَ يافا
أنا الأرضُ منذ عرفت خديجة
لم يعرفوني لكي يقتلوني
بوسع النبات الجليليّ أن يترعرع بين أصابع كفّي ويرسم هذا المكان الموزّع بين اجتهادي وحبّ خديجة
هذا احتمال الذهاب الجديد إلى العمر من شهر آذار حتّى رحيل الهواء عن الأرض
هذا الترابُ ترابي
وهذا السحابُ سحابي
وهذا جبين خديجة
أنا العاشقُ الأبديّ – السجينُ البديهيّ
رائحةالأرض توقظني في الصباح المبكّر..
قيدي الحديديّ يوقظها في المساءالمبكّر
هذا احتمال الذهابُ الجديد إلى العمر،
لا يسأل الذاهبون إلىالعمر عن عمرهم
يسألون عن الأرض: هل نهضت
طفلتي الأرض!
هل عرفوك لكي يذبحوك؟
وهل قيّدوك بأحلامنا فانحدرت إلى جرحنا في الشتاء؟
وهل عرفوك لكي يذبحوك
وهل قيّدوك بأحلامهم فارتفعت إلىحلمنا في الربيع؟
أنا الأرض..
يا أيّها الذاهبون إلى حبّةالقمح في مهدها
احرثوا جسدي!
أيّها الذاهبون إلى صخرةالقدس
مرّوا على جسدي
أيّها العابرون على جسدي
لنت مرّوا
أنا الأرضُ في جسدٍ
لن تمرّوا
أنا الأرض في صحوها
لن تمرّوا
أنا الأرض. يا أيّها العابرون على الأرض في صحوها
لن تمرّوا
لن تمرّوا
لن تمرّوا!

أبو فادي 12-26-2005 07:37 PM

مشاركة: من قصائد الشاعر الفلسطيني ( محمود درويش )...
 
رثاء الشاعر محمود درويش الرئيس ياسر عرفات لمناسبةأربعين يوما على رحيله


تأخر حزني عليه قليلاً، لأني كغيري توقعت من سيد النجاة أن يعود إلينا هذه المرة أيضاً ببداية جديدة، لكن الزمن الجديد أقوى من شاعرية الأسطورة ومن سحر العنقاء. وللتأبين طقس دائم، يبدأ باستعمال فعل الماضي الناقص. كان ياسر عرفات الفصل الأطول في حياتنا، وكان اسمه أحد أسماء فلسطين الجديدة، الناهضة من رماد النكبة إلى جمرة المقاومة، إلى فكرة الدولة، إلى واقع تأسيسها المتعثر. لكن للأبطال التراجيديين قدراً يشاكسهم، ويتربص بخطوتهم الأخيرة نحو باب الوصول، ليحرمهم من الاحتفال بالنهاية السعيدة بعمر من الشقاء والتضحية، لأن الزارع في الحقول الوعرة لا يكون دائماً هو الحاصد.

يعزينا في هذا المقام أن أفعال هذا القائد الخالد، الذي بلغ حد التماهي التام بين الشخصي والعام، قد أوصلت الرحلة الفلسطينية الدامية إلى أشد ساعات الليل حلكة، وهي الساعة التي تسبق الفجر، فجر الاستقلال المر، مهما تلكأ هذا الفجر، ومهما اقيمت أمامه أسوار الظلاميين العالية.
ويعزينا أيضاً أن بطل هذه الرحلة الطويلة، الذي ولد على هذه الأرض الشامخة، قد عاد إليها ليضع حجر الأساس للمستقبل، وليجد فيها راحته الأبدية، لتغتني أرض المزارات بمزار جديد.
الرموز أيضاً تتخاصم، كما يتخاصم التاريخ مع الخرافة، والواقع مع الأسطورة.

لذلك كان ياسر عرفات، الواقعي إلى أقصى الحدود، في حاجة أحياناً إلى تطعيم خطابه بقليل من البعد الغيبي، لأن الآخرين أضافوا إلى الصراع على الحاضر صراعاً على الماضي، بمحو الحدود بين ما هو تاريخي وما هو خرافي، ولتجريد الفلسطيني من شرعية وجوده الوطني على هذه الأرض. لكن البحث عن الحاضر هو شغل الناس وشاغلهم، وهو ميدان عمل السياسة، وعمل القائد المتطلع إلى الغد.

وكان ياسر عرفات، الناظر إلى الغد، والعميق الإيمان بالله وأنبيائه، عميق الإيمان أيضاً بالتعددية الثقافية والدينية، التي تعطي هذه البلاد خصوصيتها.. التعددية المضادة للمفهوم الحصري الإسرائيلي. وكان في بحثه الديناميكي عن الغد في الحاضر يبحث عن نقاط الالتقاء، ويشكل سداً أمام الأصوليات. لم يكن تدينه حائلاً دون علمانيته، ولم تكن علمانيته عبئاً على تدينه. فالدين لله والوطن للجميع.

من منا لم يقف حائراً أمام قوة إيمانه بالعودة القريبة؟ كان بصره كبصيرته يخترق الضباب الأسود.
كنت شاهداً عليه وهو يستعد لركوب البحر من بيروت إلى ما لا نعرف، إلى مجهول بعيد.
سأله أوري أفنيري: إلى أين أنت ذاهب؟ فرد على الفور .. إلى فلسطين. لم يصدق أحد منا هذا الجواب الهارب من الشعر، ولم تبد فلسطين من قبل بعيدةً كما تبدو من هذا البحر. كان خارجاً من حصار شارون، نجا من ملاحقة الطائرات ومن عدسة القناص، ومضى في رحلة أوديسية، محملاً بنهاية مرحلة، ليقول: أنا ذاهب إلى فلسطين.

أعاد ترميم الحكاية والرحلة، نجا من غارة على غرفة النوم في تونس، ونجا مرةً أخرى من سقوط طائرته في الصحراء الليبية، ونجا من آثار حرب الخليج الأولى، ونجا من صورة الإرهابي واستبدلها بصورة الحائز على جائزة نوبل للسلام، وحقق نبوءته التي سكنته طيلة العمر، عاد إلى أرض فلسطين، عاد إلى أرض ميعاده.

لو كانت تلك هي النهاية لانقلبت التراجيديا الإغريقية على شروطها. لكن شارون، العائد من ضواحي بيروت نادماً على ما لم يفعل، سيلاحق خصمه الكبير في رام الله، سيحاصره ثلاث سنوات، سيحول مقره أطلالاً، وسيسمم حياته بالحصار والعزلة، وسيحرمه من الموت كما يشتهي شهيداً في مقره. فإن شارون لا يحارب الشخص ولا يحارب نصه الوطني فحسب، بل يحارب إشعاع الرمز في الزمن، ويحارب أثر الأسطورة في ذاكرة الجماعة.

لكن ياسرعرفات، الذي يعي بعمق ما أعد لنفسه من مكانة في تاريخ العالم المعاصر، أشرف بنفسه على توفير وجع ضروري للفصل الأخير من أسطورته الحية، فطار إلى المنفى ليلقي عليه تحية وداع أسلم معها روحه. فالبطل التراجيدي لا يموت إلا في المنفى.

وفي طريق عودته المجازية، عرّج ذو الهوى المصري على مصر ليسدد لها دينه العاطفي. وعند عودته النهائية، التي لا منفى بعدها، ألقى النظرة الطويلة الأخيرة على الساحل الفلسطيني المغروز كسيف في خاصرة البحر، ثم نام. تدثر الجسد الخفيف بأرض الحلم الثقيل ونام .. لا لينهض كصنم أو أيقونة، بل فكرةً حيةً تحرضنا على عبادة الوطن والحرية، وعلى الإصرار على ولادة الفجر بأيد شجاعة وذكية.

إن صناعة الوهم تزدهر الآن في مكان آخر. فعلى مستويات عالمية وإقليمية، يجري الاحتفال المبكر لرؤية فجر كاذب، يبزغ من رحيل عرفات الموصوف بأنه كان العقبة الرئيسة أمام تقدم عملية السلام .. ليكن، فما هي الرؤية الجديدة؟ سيمتحن القانون الدولي والمرجعية الدولية.
مادامت العقبة قد زالت، فهل سيزول الاحتلال؟ لن ينتظر العالم طويلاً ليدرك أن لاءات شارون الأربع، التي تبناها الرئيس الأميركي، لا تشكل العقبة الكبرى أمام السلام فحسب، بل تجعل السلام مستحيلاً، لأنها تجعل إمكانية قيام دولة فلسطينية مستقلة مستحيلة. فلا يستوي السلام مع استمرار الاحتلال واستعباد الشعب الفلسطيني، كما لا يستوي المؤقت مع الأبدي، فمن بعد عرفات سيرضى بشبه دولة مؤقتة إلى الأبد؟.!

سنفتقده دائماً في الأزمات، وفي المفاوضات، وفي جميع نواحي حياتنا، لأنه جزء عضوي منها، ولأنه فريد وبلا مدرسة، فالعرفاتية لا تقوم إلا على صاحبها، لأنها موهبة خاصة حيوية، وألفة ونشاط خارق، ومزايا شخصية لا تورث، وفوضى ونظام معاً، وعلاقات حميمة مع الناس، شعت الكريزمة العرفاتية ما هي عليه.
بعد عرفات لن نعثر على عرفاتية جديدة. لقد أغلق الباب على مرحلة كاملة من مراحل حياتنا الداخلية، لكن الباب لن ينفتح بغيابه على قبول الشروط الاسرائيلية التعجيزية لتسوية لم يبق للفلسطينيين فيها ما يتنازلون عنه.

هنا تواصل العرفاتية فعلها، وهنا لايكون عرفات فرداً، بل تعبيراً عن روح شعب حي.
في كل واحد منا فكرة شخصية منه وعناق وقبلة، وفي كل واحد منا وعي هوية لا تعاني من قلق التعريف. لن نكون فلسطينيين إلا إذا كنا عرباً، ولن نكون عرباً إلا إذا كنا فلسطينيين، فهذه الهوية مستعصية على المراجعة والتفاوض، سواء قام الشرق الأوسط الجديد أو لم يقم. ولن نكون ما نريد أن نكون إلا إذا عرفنا كيف ننهي عملية الخروج من تاريخنا ومن التاريخ الانساني، وكيف نعود إليهما بكل ما أوتينا من طاقات وتجارب ومواهب؟

وتلك كانت محاولة ياسر عرفات الدؤوب، الانتقال من الدور الذي تحتله ضحية التاريخ إلى المشاركة في صناعة التاريخ، فله المجد والخلود.

أبو فادي 12-26-2005 07:39 PM

مشاركة: من قصائد الشاعر الفلسطيني ( محمود درويش )...
 
هذا ما قاله محمود درويش عن قصيدته "جدارية" ..



"لقد استبد بي هاجس النهاية منذ أدركت أن الموت النهائي هو موت اللغة إذ خُيِّل إليَّ بفعل التخدير أنني أعرف الكلمات، وأعجز عن النطق بها فكتبت على ورق الطبيب.. لقد فقدت اللغة أي لم يبقَ مني شئ."




"إن صراع هذه القصيدة مع تجربة موت شخص لم يكن في حاجة إلى الإشارة الواضحة، إلى أن حياتنا العامة هي في حالة صراع جماعي ضد موت الهويَّة وموت المعنى، وإن انتصار الشعر على الموت المجازي منذ كان الشعر ربما يحمل دلالة قريبة أو بعيدة إلى قيامتنا الجديدة."



"وحين كتبت هذه القصيدة طيلة العام الماضي استبد لي، استبد بي هاجس نهاية أخرى لن أحيا لأكتب عملاً آخر، لذلك سميته جدارية، لأنه قد يكون عملي الأخير الذي يُلخص تجربتي في الكتابة، ولأنه نشيد مديح للحياة، ومادمت قد عشت مرة أخرى فإن عليَّ أن أتمرد على كتابي هذا، وأن أحب الحياة أكثر وأن أحبكم أكثر."



هذا هو اسمكَ ..
قالتِ امرأة ..
وغابت في الممرّ اللولبي ..
هذا هو اسمُكَ، فاحفظِ اسمكَ جيِّداً! ..
لا تختلف معهُ على حرف ..
ولا تعبأ براياتِ القبائلِ ..
كُن صديقاً لاسمك الأفقَيِّ ..
جرِّبهُ مع الأحياء والموتى ..
ودرِّبهُ على النُطق الصحيح برفقة الغرباء ..
واكتبهُ على إحدى صُخور الكهف ..
يا اسمي: سوف تكبرُ حين أكبرُ ..
الغريبُ أخُو الغريب ..
يا اسمي: أين نحن الآن؟ ..
قل: ما الآن .. ما الغدُ؟ ..
ما الزمانُ وما المكانُ ..
وما القديمُ وما الجديدُ؟ ..
سنكون يوماً ما نريدُ ..


بالمناسبة جدارية محمود درويش منشورة سابقا

أبو فادي 12-26-2005 07:40 PM

مشاركة: من قصائد الشاعر الفلسطيني ( محمود درويش )...
 
أَبَدُ الصُبَّار


إلى اين تأخُذُني يا أَبي ؟

إلى جِهَةِ الريحِ يا وَلَدي …



... وَهُما يَخْرجانِ مِنَ السَهْل ، حَيْثُ

أَقام جنودُ بونابرتَ تلاَّ لِرَصْدِ

الظلال على سور عَكََّا القديم -



يقولُ أَبٌ لابِنِه : لا تَخَفْ . لا

تخف من أَزيز الرصاص ! التصِقْ

بالتراب لتنجو ! سننجو ونعلو على

جَبَلٍ في الشمال ، ونرجعُ حين

يعود الجنودُ إلى أهلهم في البعيد .



ومن يسكُنُ البَيْتَ من بعدنا

يا أَبي ؟

سيبقى على حاله مثلما كان

يا ولدي !



تَحَسَّسَ مفتاحَهُ مثلما يتحسَّسُ

أَعضاءه ، واطمأنَّ . و قال لَهُ

وهما يعبران سياجاً من الشوكِ :

يا ابني تذكَّرْ! هنا صَلَبَ الانجليزُ

أَباك على شَوْك صُبَّارة ليلتين ،

ولم يعترف أَبداً . سوف تكبر يا

ابني ، وتروي لمن يرثون بنادقهم

سيرة الدم فوق الحديد ....



- لماذا تركتَ الحصان و حيداً ؟

- لكي يُؤنسَ البيتَ ، يا ولدي ،

فالبيوتُ تموت إذا غاب سٌكَّانٌها ...



تفتحُ الأبديَّةُ أَبوابها ، من بعيد ،

لسيَّارة الليل . تعوي ذئابُ

البراري على قَمَرٍ خائفٍ . و يقولُ

أَب لابنه : كُنْ قوياً كجدِّك!

وأَصعَدْ معي تلَّة السنديان الأخيرةَ

يا ابني ، تذكَّرْ : هنا وقع الانكشاريُّ

عن بَغْلَةِ الحرب ، فاصمُدْ معي

لنعودْ .



- متى با أَبي ؟

- غداً . ربما بعد يومين با ابني !



وكان غَدُ طائشُ يمضغ الريح

خلفهما في ليالي الشتاء الطويلةْ .

وكان جنودُ يُهُوشُعَ بن نونَ يبنون

قَلْعَتَهُمْ من حجارة بيتهما . وهما

يلهثان على درب ( قانا ) : هنا

مرَّ سيَّدُنا ذاتَ يومٍ . هنا

جَعَل الماءَ خمراً. وقال كلاماً

كثيراً عن الحبَ ، يا ابني تذكّر

غداً . وتذكّرْ قلاعاَ صليبيَّةً

قَضَمَتْها حشائش نيسان بعد

رحيل الجنود ....

أبو فادي 12-26-2005 07:41 PM

مشاركة: من قصائد الشاعر الفلسطيني ( محمود درويش )...
 
قصيدة من الديوان الجديد

كزهر اللوز أو أبعد

مهداة

إلى الحورية


في البيت أجلس


في البيت أجلس , لا حزيناً لا سعيداً

لا أنا , أول لا أحد



صحفُُ مبعثرةٌ . و وردُ المزهريةِ لا يذكّرني

بمن قطفته لي. فاليوم عطلتنا عن الذكرى,

و عطلةُ كل شيء . . . إنه يوم الأحدْ



يوم نرتب في مطبخنا و غرفةَ نومنا,

كلٌّ على حدةٍ . و نسمع نشرةَ الأخبار

هادئةً, فلا حربٌ تشنُّ على بلدْ



الأمبراطورُ السعيدُ يداعبُ اليومَ الكلابَ,

و يشرب الشمبانيا في ملتقى نهدين من

عاجٍ . . . و يسبح في الزبدْ



ألأمبراطور الوحيدُ اليوم في قيلولةٍ ,

مثلي و مثلك , لا يفكر بالقيامة . . . فهيَ

مُلك يمينهِ , هيَ و الحقيقةُ و الأبدْ!



كسلٌ خفيفُ الوزن يطهو قهوتي

و الهالُ يصهَلُ في الهواء و في الجسدْ



و كأنني وحدي. أنا هو أو أنا الثاني

رآني و اطمأنّ على نهاري و ابتعدْ



يوم الأحد

هو أوّل الأيام في التوراة , لكنَّ

الزمان يغيّر العاداتِ: اذ يرتاح

ربُّ الحرب في يوم الأحدْ



في البيت أجلس , لا سعيداً لا حزيناً

بين بين. و لا أبالي إن علمت بـأنني

حقاً أنا . . . أو لا أَحَدْ !

أبو فادي 12-26-2005 07:42 PM

مشاركة: من قصائد الشاعر الفلسطيني ( محمود درويش )...
 
فرحاً بشيء ما


فرحاً بشيءٍ ما خفيٍّ كنت احتضن

الصباح بقُوة الانشاء , أَمشي واثقاً

بخطايَ, أمشي واثقاً برؤايَ , و حيٌ ما

يناديني: تعال! كأنه إيماءةٌ سحريةٌ ,

و كـأنه حلمُ ترجّل كي يدربني على أسراره,

فأكون سيّدَ نجمتي في الليل . . . معتمداً

على لغتي. أنا حٌلْمي أنا. أنا أٌمُّ أمّي

في الرؤى , و أَََبو أَبي , و ابني أنا.



فرحاً بشيءٍ ما خفيٍّ, كان يحملي

على آلاته الوترية الانشادُ. يصقلني

و يصقلني كماس أميرة شرقية



ما لم يُغَنَّ الآن

في هذا الصباح

فلن يُغَنّى



أعطنا, يا حُبُّ, فيضكَ كُلّه لنخوض

حرب العاطفييّن الشريفةَ , فالمناخُ ملائمٌ,

و الشمس تشحذ في الصباح سلاحنا,

يا حُبّ! لا هدف لنا الا الهزيمةَ في

حروبك . . . فانتصر أنت انتصرْ, و اسمعْ

مديحك من ضحاياكَ: فانتصر! سلِمتْ

يداك! وَعُدْ إلينا خاسرين . . . و سالماً!

فرحاً بشيء ما خفيٍّ , كنت أمشي

حالماً بقصيدة زرقاء من سطرين, من

سطرين . . . عن فرح خفيف الوزن

مرئيٍّ و سرّيّ معاً



من لا يحبُ الآن

في هذا الصباح,

فلن يُحبّ!

أبو فادي 12-26-2005 07:42 PM

مشاركة: من قصائد الشاعر الفلسطيني ( محمود درويش )...
 
هو لا غيره





هُوَ لا غيره, منْ ترجلّ عن نجمةٍ


لم تُصبْهُ بأي أذى.


قال: اسطورتي لن تعيش طويلاً


و لا صورتي في مخيلّة الناس /


فلتَلمْتَحنّي الحقيقةُ



قلت له: إن ظهرتَ انكسرتَ, فلا تنكسرْ


قال لي حزنهُ النبويّ: إلى أين أذهبُ ؟


قُلت إلى نجمةٍ غير مرئيةٍ


أو إلى الكهف /


قال: يحاصرني واقعٌ لا أجيد قراءته


قلت: دوّنْ إذنْ, ذكرياتك عن نجمة بَعُدتْ


وَ غدِ يتلكأُ و اسأل خيالك: هل


كان يعلم أن طريقكَ هذا طويل؟


فقال: و لكنني لا أجيد الكتابةَ يا صاحبي!


فسألت: كذبت علينا إذاً ؟


فأجابَ: على الحُلم أن يرشد الحالمين


كما الوَحْيُ /


ثم تنهّد: خُذ بيدي أيها المستحيل!


و غاب كما تتمنى الأساطيرُ /



لم ينتصر ليموت, و لم ينكسر ليعيش
فَخُذْ بيدينا معاً , أيها المستحيل!

أبو فادي 12-26-2005 07:43 PM

مشاركة: من قصائد الشاعر الفلسطيني ( محمود درويش )...
 
كمقهى صغير هو الحب

كمقهى صغير على شارع الغرباء

هو الحُبُُّ ..... يفتح أبوابه للجميع

كمقهى يزيد و ينقص وفقْ المناخ :

إذا هََطَلَ المطرُ ازداد رُوّاده ,

و إذا اعتدل الجوُّ قلّوا و ملّوا . . .

أنا ههنا – يا غريبةُ – في الركن أجلس



(ما لون عينيكِ ؟ ما اسمك ؟

كيف أناديك حين تَمٌرِِّّين بي , و أنا جالس في انتظاركِ ؟ )



مقهى صغيرٌ هو الحبُّ.

أطلب كأسَيْ نبيذ

و أشرب نخبي و نخبك

أحمل قُبَّعتين

و شمسيّةً

إنها تمطر الآن

تمطر أكثر من أَيّ يوم, و لا تدخلين.

أَقول لنفسي أخيراً: لعلَّ التي كنت

أنتظرُ انتظَرَتْني . . . أو انتظرتْ رجلاً

آخرَ – ا نتظرتنا و لم تتعرف عليه /عليَّ ,

و كانت تقول: أنَا ههنا في انتظاركَ.



(ما لون عينيكَ ؟ أيَّ نبيذٍ تحبُّ ؟

و ما اسمُكَ ؟ كيف أناديكَ حين تمرُّ أمامي)



كمقهى صغير هو الحبُّ . . . .

أبو فادي 12-26-2005 07:44 PM

مشاركة: من قصائد الشاعر الفلسطيني ( محمود درويش )...
 
عندما يبتعد ....


للعدُوُّ الذي يشربُ الشايَ في كوخنا فَرَسٌ في الدخَانِ.

وبنْتٌ لها حاجبانِ كثيفانِ.

عينانِ بُنّيتان.

وشَعْرٌ طويلٌ كَلَيْلِ الأغاني على الكَتِفَيْنِ.

وصورَتُها لا تفارقُهُ كُلَّما جاءنا يطلُبُ الشايَ.

لكنَّهُ لا يُحَدِّثُنا عن مشاغلها في المساء،

وَعَنْ فَرَسٍ تَرَكَتْهُ الأَغاني على قمَّة التَلِّ...

... في كوخنا يستريحُ العَدُوُّ من البُندقيّة،

يترُكُها فوق كُرسيِّ جَدِّي.

ويأكُلُ من خبزنا مثلما يفعَلُ الضيفُ.

يغفو قليلاً على مقعد الخَيْزُرانِ.

ويحنُو على فَرْوِ قِطَّتنا.

ويقولُ لنا دائمًا:

لا تلومو الضحيَّةَ!

نسألُهُ: مَنْ هِيَ?

فيقولُ: دَمٌ لا يُجَفِّفُهُ الليلُ.../

... تلمعُ أَزرارُ سُُتْرَتِهِ عندما يبتعدْ

عِمْ مساءً! وسَلِّمْ على بئرنا

وعلى جِهَةِ التين. وامشِ الهُوَيْنَى على

ظلِّنا في حقول الشعيرِ. وسَلِّمْ على سَرْونا

في الأعالي. ولا تَنْسَ بوَّابةَ البيتِ مفتوحةً

في الليالي. ولا تَنْسَ خَوْفَ الحصان من الطائراتِ،

وسَلِّمْ علينا، هُنَاكَ إِذا اتَّسعَ الوقتُ.../

هذا الكلامُ الذي كان في وُدِّنا

أَن نَقولَ على الباب... يَسْمَعُهُ جيِّدًا

جيِّدًا، ويُخَبِّئُهُ في السُّعَال السريعِ

ويُلْقِي به جانبًا.

فلماذا يزورُ الضحيَّةَ كُلَّ مساءٍ?

ويحفَظُ أَمثالَنا مِثْلَنا،

ويُعيدُ أنَاشيدَنا ذاتها،

عن مواعيدنا ذاتها في المكان المُقدَّسِ?

لولا المسدسُ

لاختلطَ النايُ في النايِ ...

... لن تنتهي الحربُ ما دامتِ الأرضُ فينا تدورُ على نفسها!

فلنَكُنْ طَيِّبين إذًا. كان يسألُنا أَن نكونَ هنا طَيِّبينَ.

ويقرأُ شِعرًا لطيّار (يِيتْس):

أَنا لا أُحبُّ الذينَ أُدافعُ عنهُمْ،

كما أَنني لا أُعادي الذينَ أُحاربهُمْ...

ثم يخرجُ من كوخنا الخشبيِّ،

ويمشي ثمانينَ مترًا إلى

بيتنا الحجريِّ هناك على طَرَفِ السَّهْلِ.../

سَلِّمْ على بيتنا يا غريبُ.

فناجينُ قهوتنا لا تزال على حالها.

هل تَشُمُّ أَصابعَنَا فوقها?

هل تقولُ لبنتك ذاتِ الجديلةِ والحاجبينِ الكثيفينِ إِنَّ لها صاحبًا غائبًا،

يتمنَّى زيارَتَها، لا لِشيْءٍ...

ولكنْ ليدخل مِرْآتَها ويرى سِرَّهُ:

كيف كانت تُتَابعُ من بعده عُمْرَهُ

بدلاً منه? سَلِّمْ عليها

إِذا اتَّسعَ الوقتُ...

هذا الكلامُ الذي كان في وُدِّنا

أَن نقولَ له، كان يسمعُهُ جيِّدًا جَيِّدًا،

ويُخبِّئُهُ في سُعَالٍ سريع،

ويُلْقى به جانبًا، ثم تلمَعُ

أزرارُ سُتْرَتِهِ، عندما يَبْتَعِدْ...

أبو فادي 12-26-2005 07:45 PM

مشاركة: من قصائد الشاعر الفلسطيني ( محمود درويش )...
 


مقهى .. وأنت مع الجريدة


مقهى ، وأنت مع الجريدة جالس
لا .. لست وحدك
نصف كأسك فارغ
والشمس تملأ نصفها الثاني
ومن خلف الزجاج ترى المشاة المسرعين ولا تُرى
( إحدى صفات الغيب تلك :تَـرى ولكن لا تُـرى )
كم أنت حرّ أيها المنسيّ في المقهى
فلا أحد يرى أثر الكمنجة فيك
لا أحد يحملق في حضورك أو غيابك
أو يدقق في ضبابك
إن نظرت إلى فتاة وانكسرت أمامها

***

كم أنت حرّ في إدارة شأنك الشخصي
في هذا الزحام
بلا رقيب منك .. أو من قارىء
فاصنع بنفسك ما تشاء
اخلع قميصك أو حذاءك إن أردت
فأنت منسيّ وحرّ في خيالك
ليس لاسمك أو لوجهك ههنا عمل ضروري
تكون كما تكون
فلا صديق ولا عدوّ هنا يراقب ذكرياتك
فالتمس عذرا لمن تركتك في المقهى
لأنك لم تلاحظ قصّة الشعر الجديدة
والفراشات التي رقصت على غمّازتيها
والتمس عذرا لمن طلب اغتيالك ذات يوم
لا لشيء .. إلا لأنك لم تمت
يوم ارتطمت بنجمة
وكتبت أولى الأغنيات بحبرها

***

مقهى ... و أنت مع الجريدة جالس
في الركن منسيّا
فلا أحد يهين مزاجك الصافي
ولا أحد يفكّر باغتيالك
كم أنت منسيّ ...وحرّ في خيالك

أبو فادي 12-26-2005 07:46 PM

مشاركة: من قصائد الشاعر الفلسطيني ( محمود درويش )...
 
لوصف زهر اللوز



ولوصف زهر اللوز


لا موسوعة الأزهار تسعفني


ولا القاموس يسعفني


سيخطفني الكلام إلى أحابيل البلاغة


والبلاغة تجرح المعنى ، وتمدح جرحه


كمذكّر يملي على الأنثى مشاعرها


فكيف يشعّ زهر اللوز في لغتي أنا ..
و أنا الصدى ؟


وهوالشفيف كضحكة مائية نبتت
على الأغصان من خفر الندى


وهو الخفيف كجملة بيضاء موسيقية ..


وهو الضعيف كلمح خاطرة
تطلّ على أصابعنا ..ونكتبها سدى


وهو الكثيف كبيت شعر لا يدوّن بالحروف


***


لوصف زهر اللوز
تلزمني زيارات إلى اللاوعي


ترشدني إلى اسماء عاطفة معلّقة على الأشجار


ما اسمه ؟؟


ما اسم هذا الشيء في شعريّة اللاشيء


يلزمني اختراق الجاذبيّة والكلام


لكي أحس بخفة الكلمات
حين تصير طيفا هامسا


فأكونها وتكونني
شفّافة بيضاء


لاوطن .. ولا منفى .. هي الكلمات

بل ولع البياض بوصف زهر اللوز

لا ثلج ولاقطن

فما هو في تعاليه على الأشياء والأسماء


***


لو نجح المؤلف في كتابة مقطع

في وصف زهر اللوز

لانحسر الضباب عن التلال

وقال شعب كامل ..

هذا هو ..

هذا كلام نشيدنا الوطني

أبو فادي 12-26-2005 07:46 PM

مشاركة: من قصائد الشاعر الفلسطيني ( محمود درويش )...
 

كنت أحبّ الشتاء


كنت فيما مضى أنحني للشتاء احتراماً
وأصغي إلى جسدي
مطرٌ مطر
كرسالة حبٍّ تسيل إباحيّة من مجون السماء
شتاء
نداء
صدى جائع لاحتضان النساء
هواء يُرى من بعيد على فرسٍ تحمل الغيم
بيضاء بيضاء
كنت أحبُّ الشتاء
وأمشي إلى موعدي فرحاً مرحاً
في الفضاء المبلل بالماء
كانت فتاتي تنشّف شعري القصير
بشعر طويل ترعرع في القمح والكستناء
ولا تكتفي بالغناء
أنا والشتاء نحبّك .. فابقَ إذاً معنا
وتدفىءُ صدري على شادِنَي ظبيةٍ ساخنين
كنتُ أحب الشتاء
وأسمعه قطرة قطرة
مطر .. مطر
كنداء يُزَفُّ إلى العاشق : أهطل على جسدي
لم يكن في الشتاء بكاءٌ يدلّ على آخر العمر
كان البداية
كان الرجاء
فماذا سأفعل .. والعمر يسقط كالشعر
ماذا سأفعل .. هذا الشتاء ؟

أبو فادي 12-26-2005 07:47 PM

مشاركة: من قصائد الشاعر الفلسطيني ( محمود درويش )...
 
خطبة الهندي الأحمر ماقبل الأخيرة أمام الرجل الأبيض





إِذًا، نَحْنُ مَنْ نَحْنُ في المسيسِبّي. لَنا ما تَبَقَّى لَنا مِنَ الأَمْسِ


لكِنَّ لَوْنَ السَّماءِ تَغَيَّرَ،
وَالْبَحرَ شَرْقًا تَغَيَّرَ،
يا سَيِّدَ الْْبِيضِ! يا سَيِّدَ الخَيْلِ،
ماذا تُريدُ مِنَ الذَّاهِبينَ إلى شَجَرِ اللَّيْل?
عالِيَةٌ روحُنا، وَالْمَراعي مُقَدَّسَةٌ، وَالنّجومْ كَلاَمٌ يُضيءُ
... إِذا أَنْتَ حَدَّقْتَ فيها قَرَأْتَ حِكايَتَنا كُلَّها:
وُلِدْنا هُنا بَيْنَ ماءٍ وَنارٍ...
ونُولَدُ ثانِيَةً في الْغُيومْ على حافَّةِ السّاحِلِ اللاّزَوَرْدِيِّ بَعْدَ الْقِيامَةِ.
.. عَمّا قَليلْ فلا تَقْتُلِ الْعُشْبَ آَكْثَرَ،
لِلْعُشْبِ روحٌ يُدافِعُ فينا عَنِ الرّوحِ في الأَرْضِ
/ يا سَيِّدَ الْخَيْلِ!
عَلِّمْ حِصانَكَ أَنْ يَعْتَذِرْ لِروحِ الطِّبيعَةِ عَمَّا صَنَعْتَ بِأَشْجارِنا:
آهِ! يا أُخْتِيَ الشَّجَرةْ لَقَدْ عَذَّبوكِ كَما عَذَّبُوني
فلا تَطْلُبي الْمَغْفِرَةْ لِحَطَّابِ أُمِّي وَأُمِّكْ...





... لَنْ يَفْهَمَ السَّيِّدُ الأَبْيَضُ الْكَلِماتِ الْعتيقَهْ
هُنا، في النُّفوسِ الطَّليقَةِ
بَيْنَ السَّماءِ وَبَيْنَ الشَّجَر...
فَمِنْ حَقِّ كولومبوسَ الْحُرِّ أَنْ يَجِدَ الهِنْدَ في أَيِّ بَحْر،
وَمِنْ حَقَّهِ أَنْ يُسَمِّيَ أَشْبَاحَنا فُلْفُلاً أَوْ هُنودا،
وَفي وُسْعِهِ أَنْ يُكَسِّرَ بَوْصَلَةَ الْبَحْرِ
كَيْ تَسْتَقيمَ وَأَخطاءَ ريحِ الشَّمالِ،
وَلكِنَّهُ لا يُصَدِّقُ أَنَّ الْبَشَر سَواسِيَّةٌ
كالْهَواءِ وَكالمَاءِ خارِجَ مَمْلَكَةِ الْخارِطَة!
وَأنَّهُمُ يولَدونَ كَما تولَدُ الناسُ في بَرْشَلونَة،
لكِنَّهمْ يَعْبُدون إِلَهَ الطَّبيعَةِ في كُلِّ شَيْءٍ...
وَلا يَعْبُدونَ الذَّهَبْ...
وَكولومبوسُ الْحُرُّ يَبْحَثُ عَنْ لُغَةٍ لَمْ يَجِدْها هُنا،
وعَنْ ذَهَبٍ في جَماجِمِ أجْدادِنا الطَّيِّبينَ
وكان لَهُ مَا يُرِيدُ مِنَ الْحَيِّ وَالمَيْتِ فِينا.
إِذًا لِماذا يُواصِلُ حَرْبَ الإِبادَةِ، مِنْ قَبْرِهِ، لِلنِّهايَة?
وَلَمْ يَبْقَ مِنَّا سِوى زِينَةٍ لِلْخَرابِ،
وَريشٍ خَفيفٍ على ثِيابِ الْبُحَيْراتِ.
سَبْعونَ مِلْيونَ قَلْبٍ فَقَأْتَ...
سَيَكْفي وَيَكْفي، لِتَرْجِعَ مِنْ مَوْتِنا مَلِكًا فَوْق عَرْشِ الْزمانِ الْجَديد...
أَما آنَ أَنْ نَلْتَقِيَ، يا غَريبُ غَريبَيْنِ في زَمَنٍ واحِدٍ?
وَفي بَلَدٍ واحِدٍ، مَثْلَما يَلْتَقي الْغُرَباءُ على هاوِيَة?
لَنا ما لَنا... وَلَنا ما لَكُمْ مِنْ سَماء لَكُمْ ما لَكُمْ...
وَلَكُمْ ما لَنا مِنْ هَواءٍ ومَاء لَنا ما لَنا مِنْ حَصًى...
وَلَكُمْ ما لَكُمْ مِنْ حَديد
تَعالَ لِنَقْتَسِمَ الضَّوْءَ في قُوَّةِ الظِّلِّ،
خُذْ ما تُريد مِنَ اللَّيْلِ، وَاتْرُكْ لَنا نَجْمَتَيْنِ لِنَدْفِنَ أَمْواتنا في الْفَلَكْ
وَخُذْ ما تُريدُ مِنَ الْبَحْرِ، وَاتْرُكْ لَنا مَوْجَتَيْنِ لِصَيْدِ السَّمَكْ
وَخُذْ ذَهَبَ الأَرْضِ والشَّمْسِ،
واتْرُكْ لَنا أَرْضَ أَسْمائِنا
وَعُدْ، يا غَريبُ، إلى الأَهْلِ... وابْحَثْ عَنِ الْهِنْد /


( 3 )



... أَسْماؤُنا شَجَرٌ مِنْ كَلامِ الإِلهِ،
وَطَيْرٌ تُحَلِّقُ أَعْلى مِنَ الْبُنْدُقِيَّةِ.
لا تَقْطَعوا شَجَرَ الاِسْمِ يا أَيُّها الْقادِمون مِنَ الْبَحْرِ حَرْبًا،
وَلا تَنْفُثوا خَيْلَكُمْ لَهَبًا في السُّهول
لكُمْ رَبُّكُمْ ولَنَا رَبُّنا، وَلَكُمْ دينُكُمْ وَلَنا دينُنا
فلا تَدْفِنوا اللَّهَ في كُتُبٍ وَعَدَتْكُمْ بأَرْضٍ على أَرْضِنا
كَما تَدَّعونَ، وَلا تَجْعَلوا رَبَّكُمْ حاجِبًا في بَلاطِ الْمَلِك!
خُذوا وَرْدَ أَحْلاَمِنا كَيْ تَرَوْا ما نَرى مِنْ فَرَحْ!
وَناموا على ظِلِّ صَفْصافِنا كَي تَطيروا يَمامًا يَماما...
كَما طارَ أَسْلافُنا الطيِّبونَ وَعادوا سَلامًا سَلاما.


سَتَنْقُصُكُمْ، أَيُّها الْبِيضُ، ذِكْرى الرَّحيلِ عَنِ الأَبْيَضِ الْمُتَوَسِّط،
وَتَنْقُصُكُمْ عُزْلَةُ الأَبَدِيَّةِ في غابَةٍ لا تُطِلُّ على الهاوِيَةْ
وَتَنْقُصُكُمْ حِكْمَةُ الانْكِساراتِ،
تَنْقُصُكُمْ نَكْسَةٌ في الْحُروب
وَتَنْقُصُكُمْ صَخْرَةٌ لا تُطيعُ تَدَفُّقَ نَهْرِ الزَّمانِ السَّريع
سَتَنْقُصُكُمْ ساعَةٌ لِلتَّأَمُّلِ في أَيِّ شَيْءٍ، لِتُنْضِجَ فيكُمْ سَماءً ضَرورِيَّةً لِلتُّرابِ،
سَتَنْقُصُكُمْ ساعَةٌ لِلتَّردُّدِ ما بَيْنَ دَرْبٍ وَدَرْبٍ،
سَيَنْقُصُكُمْ يوربيدوسُ يَوْمًا، وَأَشْعارُ كَنْعانَ والْبابِلِيِّينَ،
تَنقُصُكُمْ أَغاني سُلَيْمانَ عَنْ شولَميتَ،
سَيَنْقُصُكمْ سَوْسَنٌ لِلْحَنين
سَتَنْقُصُكُمْ، أَيُّها اٌّلبِيضُ، ذِكرى تُروِّضُ خَيْلَ الْجُنون وَقَلْبٌ يَحُكُّ الصُّخُورَ لِتَصْقُلَهُ في نِداءِ الكَمَنْجاتِ...
يَنْقُصُكُمْ وَتَنْقُصُكُمْ حَيْرَةٌ لِلْمُسَدَّسِ: إِ
نْ كانَ لا بُدَّ مِنْ قَتْلِنا فَلاَ تَقْتُلوا الْكائِناتِ الَّتي صادَقَتْنا، وَلا تَقْتُلوا أَمْسَنا
سَتَنْقُصُكُمْ هُدْنَةٌ مَعَ أَشْباحِنا في لَيإلى الشِّتاءِ الْعَقيمَة وَشَمْسٌ أَقلُّ اشتعالاً، وبَدْرٌ أَقلُّ اكتِمالاً،
لِتَبْدُوَ الْجَريمَة أَقَلَّ احْتِفالاً على شاشَةِ السِّينما، فَخُذوا وَقْتَكُمْ
( 4 )


... نَعْرِفُ ماذا يُخَبِّي هذا الْغُموضُ الْبَليغُ
لنا سَماءٌ تَدلَّتْ على مِلْحِنا تُسْلِمُ الرُّوحَ.
صَفْصافَةٌ تَسيرُ على قَدَمِ الرِّيحِ،
وَحْشٌ يُؤَسِّسُ مَملكةً في ثُقوبِ الْفَضاءِ الجَريحِ...
وَبَحْرٌ يُمَلِّحُ أَخْشابَ أَبْوابِنا،
وَلَم تَكُنِ الأَرْضُ أَثْقَلَ قَبْلَ الخليقةِ، لكنَّ شيئًا كهذا عَرَفْناهُ قَبْلَ الزَّمانِ...
سَتَرْوي الِّرياحُ لنا بِدَايَتَنا والنِّهايَةَ،
لكِنَّنا نَنْزِفُ اليَوْمَ حاضِرَنا وَنَدْفِنُ أَيَّامَنا في رَمادِ الأَساطيرِ،
لَيْسَتْ أَثينا لنا، وَنَعْرِفُ أَيَّامَكُمْ مِنَ دُخانِ الْمَكانِ،
وَلَيْسَتْ أَثينا لَكُمْ، وَنَعْرِفُ ما هَيَّأَ الْمَعدِنُ -
السَّيِّدُ الْيَوْمَ مِنْ أَجْلِنا ومِنْ أَجْلِ آلِهَةٍ لَمْ تُدَافِعْ عَنِ الْمِلْحِ في خُبْزِنا
وَنَعْرِفُ أَنَّ الْحَقيقَةَ أَقْوى مِنَ الْحَقِّ، نَعْرِفُ أَنَّ الزَّمانَ تَغَيَّرَ،
مُنْذُ تَغَيَّرَ نَوْعُ السِّلاحِ.
فَمَنْ سَوْفَ يَرْفَعُ أَصْواتَنا إِلى مَطَرٍ يابِسٍ في الْغُيُومِ?
وَمَنْ يَغْسِلُ الضَّوْءَ مِنْ بَعْدِنا وَمَنْ سَوْفَ يَسْكُنُ مَعْبَدَنا بَعْدَنا?
مَنْ سَيَحْفَظُ عاداتِنا مِنَ الصَّخَبِ الْمَعْدِنيِّ?
(نُبَشِّرُكُمْ بِالْحَضارَةِ) قالَ الْغَريبُ، وَقال: أَنا سَيِّدُ الْوَقْتِ، جِئْتُ لِكَيْ أَرِثَ الأَرْضَ مِنْكُم.
فَمُرُّوا أَمامي، لأُحْصِيَكُمْ جُثّةً جُثّةً فَوْقَ سَطْحِ الْبُحَيْرَة
(أُبَشِّرُكُمْ بالْحَضارَةِ) قالَ، لِتَحْيا الأناجيلُ،
قالَ، فَمُرُّوا لِيَبْقى لِيَ الرَّبُّ وَحْدي،
فإنَّ هُنودًا يَموتونَ خَيْرٌ لِسَيِّدِنا في الْعُلا مِنْ هُنودٍ يَعيشونَ،
وَالرَّبُّ أَبْيَض وَأَبْيَضُ هذا النَّهارُ:
لَكُمْ عالَمٌ وَلنا عالَم...
يَقول الغَريبُ كَلامًا غَريبًا،
وَيَحْفِرُ في الأَرْضِ بِئْرًا لِيَدْفِنَ فيها السَّماءَ.
يَقولُ الْغَريبُ كَلامًا غَريبًا وَيَصْطادُ أَطْفالنا وَالْفَراشَ.
بِماذا وَعَدْتَ حَديقَتَنا يا غَريب?
بِوَرْدٍ مِن الزِّنْكِ أَجْمَلَ مِنْ وَرْدِنا?
فَلْيكُنْ ما تَشاء وَلكِنْ،
أَتَعْلَمُ أَنَّ الْغَزالَةَ لا تَأْكُلُ الْعُشْبَ إِنْ مَسَّهُ دَمُنا?
أَتَعْلَمُ أَنَّ الْجَواميسَ إِخْوتُنا والنَّباتاتِ إِخْوتُنا يا غَريب?
فلا تَحْفِرِ الأَرْضَ أَكْثَرَ!
لا تَجْرَحِ السُّلَحْفاةَ الَّتي تَنامُ على ظَهْرِها الأَرْضُ،
جَدَّتُنا الأَرْضُ، أَشجارُنا شَعْرُها وَزِينتُنا زَهْرُها.
(هذِه الأَرْضُ لا مَوْتَ فيها)، فَلا تُغَيِّرْ هَشاشَةَ تَكْوينِها!
لا تُكَسِّرْ مَرايا بَساتينِها وَلا تُجْفِلِ الأَرْضَ،
لا تُوجِعِ الأَرْضَ.
أَنْهارُنا خَصْرُها وَأَحْفادُها نَحْنُ،
أنتُمْ ونحن، فلا تَقْتُلوها...
سَنَذهبُ، عمَّا قليلٍ،
خُذُوا دَمَنا واتركُوها كما هي، أَجملَ ما كَتَبَ اللَّهُ فوقَ المياه،
لَهُ... ولنا سَنَسْمَعُ أصْواتَ أسلافِنا في الرِّياحِ،
ونُصْغي إِلى نَبْضِهِمْ في بَراعِم أشجارِنا.
هذه الأَرْضُ جَدَّتُنا مُقَدَّسةٌ كُلُّها، حَجَرًا حَجَرًا،
هذه الأَرْضُ كُوخٌ لآلِهَةٍ سَكَنتْ مَعَنا، نَجْمةً نجمةً،
وأضاءَت لَنا لَيإلى الصَّلاةِ...
مَشَينا حُفَاةً لِنَلْمُسَ رُوحَ الْحَصى وَسِرْنا عُراةً لِتُلْبِسَنا الرُّوحُ،
روحُ الهواءِ، نِسَاء يُعِدْنَ إلينا هِباتِ الطَّبيعةِ
- تاريخُنا كانَ تاريخَها.
كانَ لِلْوَقْتِ وَقْتٌ لِنولَدَ فيها وَنَرْجِعَ مِنْها إِلَيْها:
نُعيدُ إِلى الأَرْضِ أَرْواحَها رُوَيْدًا رُوَيدًا.
وَنَحْفَظَ ذِكْرى أَحِبَّتِنا في الْجِرار مَعَ الْمِلْح والزَّيْتِ،
كُنَّا نُعَلِّقُ أَسْماءَهُمْ بُطُيورِ الجداوِل
وَكُنَّا الأَوائِلَ،
لا سَقْفَ بَيْنَ السَّماءِ وزُرْقَةِ أَبْوابِنا
وَلا خَيْلَ تَأْكُلُ أَعْشابَ غِزْلانِنا في الْحُقولِ،
وَلا غُرَباء يَمُرُّونَ في لَيْلِ زَوْجاتِنا،
فَاتْرُكوا النَّايَ للرّيحِ تَبْكي على شَعْبِ هذا المكانِ الجريحِ...
وَتَبْكي عليكم غَدا، وتبكي عليكم... غَدا!
( 5 )
وَنحن نُوَدِّعُ نيرانَنا، لا نَرُدُّ التَّحِيَّةَ...
لا تَكْتُبوا علينا وَصايا الإلهِ الجديدِ،
إِلهِ الحديدِ،
ولا تطلُبوا مُعاهَدةً للسَّلامِ من الميِّتينَ،
فلم يَبْقَ منهُمْ أَحَدْ يُبَشِّرُكُمْ بالسَّلامِ مَعَ النَّفْسِ والآخَرين، و
كُنَّا هُنا نُعمِّرُ أَكْثَرَ، لَوْلا بَنادِقُ إنجلترا وَالنّبيذُ الفرنْسِيُّ
والإنفلونزا،
وكُنّا نعيشُ كما يَنْبَغي أَنْ نَعيشَ
بِرُفْقَةِ شَعْب الْغَزال وَنَحْفَظُ تاريخَنا الشَّفَهِيَّ،
وَكُنَّا نُبَشِّرُكُمْ بالبَراءَةِ والأُقْحُوان
لكُمْ رَبُّكم ولنا ربُّنا،
ولَكُم أَمْسُكُمْ ولنا أَمْسُنا،
والزَّمان هُوَ النَّهرُ
حِينَ نُحدِّقُ في النَّهرِ يَغْرَوْرَقُ الْوَقْتُ فينا...
أَلا تَحفظونَ قليلاً من الشِّعرِ كي تُوقِفوا الْمَذْبَحةْ?
أَلَمْ تولَدوا من نِساءٍ?
أَلَمْ تَرْضَعوا مِثْلَنا حَليبَ الحنين إِلى أمَّهاتٍ?
ألَم تَرْتَدوا مِثلَنا أَجْنِحَةْ لِتَلْتَحِقوا بِالسُّنونو.
وكُنَّا نُبَشِّرُكُمْ بالرّبيعِ، فلا تَشْهَروا الأَسْلِحَةْ!
وفي وُسْعِنا أَن نَتَبَادَلَ بَعْضَ الْهَدايا وبَعْضَ الغِناء
هُنا كانَ شَعْبي. هنا ماتَ شَعْبي.
هنا شَجَرُ الكستَناء يُخَبِّئُ أَرْواحَ شَعْبي.
سَيَرْجِعُ شَعْبي هَواءً وَضَوْءًا وَماء،
خُذوا أَرْضَ أُمِّيَ بالسَّيْفِ،
لكِنَّني لَنْ أُوَقِّعَ باسْمي مُعاهَدَةَ الصُّلْحِ بَيْنَ الْقَتيلِ وقاتِلِهِ،
لَنْ أُوَقِّعَ باسْمي على بَيْعِ شِبرٍ مِنَ الشَّوْكِ حَوْلَ حُقولِ الذُّرة
وأَعْرِفُ أَنّي أُودِّعُ آخِرَ شمْسٍ،
وأَلْتَفُّ باسمي وأَسْقُطُ في النَّهرِ،
أَعْرِفُ أنّي أَعودُ إلى قَلْبِ أٌمِّي
لِتَدْخُلَ، يا سَيَّدَ البِيضِ، عَصْرَكَ...
فَارْفَعْ على جُثَّتي تَماثيلَ حُرّيَّةٍ لا تَرُدُّ التَّحِيَّةَ،
واحفِرْ صَليبَ الْحديد على ظِلِّيَ الْحَجَريِّ،
سَأَصْعَدُ عَمَّا قليلٍ أَعإلى النَّشيد،
نَشيدِ انْتِحارِ الْجَماعاتِ حِينَ تُشيِّعُ تاريخَها لِلْبَعيد،
وَأُطلِقُ فِيها عَصافيرَ أصواتِنا:
ههُنا انْتَصَرَ الْغُرَباء على الْمِلحِ،
وَاخْتَلَطَ الْبَحْرُ في الْغَيْمِ،
وَانْتَصَرَ الْغُرَباء على قِشْرَةِ الْقَمْحِ فينا،
وَمَدُّوا الأَنابيبَ لِلْبَرْقِ والْكَهْرَباء
هُنا انْتَحَرَ الصَّقْرُ غَمًّا،
هُنا انْتَصَرَ الغُرَباء عَلَيْنا.
ولَم يَبْقَ شيءٌ لنا في الزَّمانِ الجديد
هُنا تَتَبَخِّرُ أَجْسادُنا، غَيْمةً غَيْمةً،
في الفضاء هُنا تَتَلأْلأُ أَرْواحُنا، نَجْمةً نَجْمةً، في فضاءِ النَّشيد
( 6 )
سَيَمْضي زَمانٌ طَويلٌ
لِيُصْبحَ حاضِرُنا ماضيًا مِثْلَنا
سَنَمْضي إِلى حَتْفِنا، أَوَّلاً،
سنُدافعُ عن شَجَرٍ نَرْتَديه وَعَنْ جَرَسِ اللَّيلِ،
عَنْ قَمَرٍ،
فَوْقَ أَكْواخِنا نَشْتَهيه
وَعَنْ طَيْشِ غزْلانِنا سَنُدافعُ،
عن طِينِ فَخَّارِنا سَنُدافِعُ
وَعَن ريشِنا في جَناحِ الأَغاني الأَخيرةِ.
عمَّا قَليل تُقِيمونَ عَالَمَكُمْ فَوْقَ عَالَمِنا:
مِنْ مَقابِرِنا تَفْتَحونَ الطَّريق إِلى الْقَمَرِ الاصطِناعيِّ.
هذا زَمانُ الصِّناعاتِ. هذا زَمانُ المَعادِنِ، مِنْ قِطْعَةِ الفَحْمِ تَبْزُغُ شَمْبانيا الأَقْوِياءْ...
هُنالِكَ مَوْتى وَمُسْتوطَناتٌ،
وَمَوْتى وبولدوزراتٌ،
وَمَوْتى وَمُسْتَشْفَياتٌ،
وَمَوْتى وَشَاشاتُ
رادار تَرْصُدُ مَوْتى يَموتون أَكْثَرَ مِنْ مَرّةٍ فى الْحياةِ،
وَتَرْصُدُ مَوْتى يَعيشونَ بَعْدَ الْمَماتِ،
وَمَوْتى يُرَبُّونَ وَحْشَ الْحَضاراتِ مَوْتًا،
وَمَوْتى يَموتونَ كَيْ يَحْمِلوا الأَرْضَ فَوْقَ الرُّفات...
إِلى أَيْنَ، يَا سَيِّد البِيضِ، تأخُذُ شَعْبي،... وَشَعْبَك?
إِلى أَيِّ هَاوِيَةٍ يَأْخُذُ الأرْضَ هذا الرّوبوتُ الْمُدَجَّجُ بَالطَّائِرات وَحَامِلَهِ الطَّائراتِ،
إِلى أَيِّ هاويةٍ رَحْبَةٍ تَصْعَدون?
لَكُم ما تَشاؤونَ:
رُوما الجديدةُ، إِسْبَارْطةُ التكنولوجيا
وأَيديولوجيا الجنون،
ونَحنُ، سَنَهْرُبُ مِنْ زَمَنٍ لَمْ نُهَيِّئْ لَهُ،
بَعْدُ،
هاجِسَنا سَنَمضى إِلى وَطَنِ الطَّيْرِ سِرْبًا من الْبَشَرِ السَّابِقين
نُطِلُّ على أَرضِنا مِنْ حَصى أَرْضِنا،
مِنْ ثُقوبِ الْغُيوم نُطِلُّ على أَرْضِنا،
مِنْ كَلامِ النُّجُومِ
نُطِلُّ على أرضِنا مِنْ هَواءِ الْبُحَيْراتِ،
من زَغَبِ الذُّرَةِ الْهَشِّ،
مِن زَهْرَةِ القَبْرِ،
من وَرَقِ الحُورِ،
من كُلِّ شيء يُحاصِرُكم، أَيُّها البِيضُ،
مَوْتى يَموتونَ،
مَوْتى يَعِيشونَ،
مَوْتى يَعودونَ،
مَوْتى يَبوحونَ بالسِّرّ،
فَلْتُمْهِلوا الأَرْضَ حتى تَقولَ الحَقيقةَ، كلَّ الحَقيقة، عَنكم وعنّا... وعنّا وعنكم!
7
هُنالِك مَوْتى يَنامونَ في غُرَفٍ سَوْفَ تَبْنونَها هنالِك
مَوْتى يَزورونَ ماضيَهُمْ في المَكانِ الَّذي تَهْدِمون
هنالِكَ مَوْتى يَمُرُّونَ فَوقَ الجسورِ الَّتي سَوفَ تَبْنونَها
هنالِكَ مَوْتى يُضيئونَ لَيْلَ الفَراشاتِ،
مَوْتى يَجيئونَ فَجْرًا لكي يَشْرَبُوا شايَهُمْ مَعَكُم،
هادئِين كما تَرَكَتْهُمْ بَنادِقُكُمْ،
فاتركوا يا ضُيوفَ المَكان مَقاعِدَ خالِيَةً لِلْمُضيفينَ..
كي يَقْرَؤوا عليكُمْ شُروطَ السَّلامِ مَعَ... الْمَيِّتين!

أبو فادي 12-26-2005 07:47 PM

مشاركة: من قصائد الشاعر الفلسطيني ( محمود درويش )...
 
لا أعرف الشخص الغريب




لا أعرف الشخص الغريب ولا مآثره

رأيتُ جنازةً فمشيتُ خلف النعش

مثل الآخرين .. مطأطِىء الرأس احتراماً

لم أجد سبباً لأسأل : من هو الشخص الغريب؟

وأين عاش ؟ وكيف مات
( فإن أسباب الموت كثيرة .. ومن بينها وجعُ الحياة )


سألتُ نفسي : هل يرانا

أم يرى عدماً ويأسف على النهاية

كنتُ أعلمُ أنه لن يفتح النعش المغطّى بالبنفسج

كي يودّعنا ..ويشكرنا .. ويهمس بالحقيقة
( ما الحقيقة ؟؟؟)


ربمّا هو مثلنا في هذه الساعات

يطوي ظلّه

لكنّه هو وحده الشخص الذي لم يبكِ هذ الصباح

ولم يرَ الموت المحلّق فوقنا كالصقر

(فالأحياء هم أبناء عمِّ الموت ... والموتى
نيام ٌ هادئون .. وهادئون .. وهادئون )


ولم أجد سبباً لأسأل : من هو الشخص الغريب ؟

وما اسمه ؟
( لا برق يلمع في اسمه )

والسائرون وراءه عشرون شخصاً
ما عداي ( أنا سواي )

وتهتُ في قلبي على باب الكنيسة :

ربّما هو كاتبٌ أو عاملٌ أو لاجىء
أو سارقٌ ، أو قاتل ٌ ... لا فرق

فالموتى سواسية أمام الموت

لايتكلمون .. وربّما لا يحلمون

وقد تكون جنازة الشخص الغريب جنازتي

لكن أمرا ما إلهيّاً يؤجِّلها

لأسبابٍ عديدة

من بينها .. خطأ كبيرٌ في القصيدة


الساعة الآن 07:25 AM.

Powered by vBulletin® Version 3.8.4
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd.
new notificatio by 9adq_ala7sas