الطالب المجتهد
05-14-2009, 10:36 AM
الغزال
قام هلال عن المائدة بعد أن لعبت برأسه الجعة، وأخلت بحركات جسمه، وهو يهتف- والهتاف ميزته- متمايلاً:
- انظروا، يا أحبائي! أنتم، يا أفكاري الأبية، لا، دعونا الآن من الأفكار الأبية.. فالذي يهمني الآن هو مشاعري العنترية..
وعاد إلى مائدته، وتناول الكأس بيديه الاثنتين، وعب منها عبة طويلة كادت تفرغها، واستمر في هتافه:
- انظروا إلى هذا الجو المعتق، هذا الفضاء الحالم. أواه، ما أروع الأحلام! لقد تعلمنا أن نحلم بماض.. لا لقد أخطأت. تعلمنا أن نحلم بمستقبل أفضل ونرجو دائماً أن يكون المستقبل لنا والفضل لغيرنا.. وقد يكون النصيب غيرنا! نحن من المؤمنين بالنصيب والقدر.
وراح يتمايل بشدة أكثر، فحاول أن يتطامن، ولكن رأسه غلبه، فنفضه بشدة، وتنفس الصعداء بقوة، وتوجه إلى كرسيه مخاطباً إياه:
- ليس الآن.. لا.. لا أريد أن ألبي رغبتك الآن، أيها الكرسي.. لا أريد أن تحتضنني.. أحب أن.. نعم، أحب أن أكمل حديثي.. بل خطبتي.. نحن أقدر من غيرنا على الخطب.. أكمل خطبتي.. ماذا كنت أقول؟ آه.. حقاً حقاً! مازال لدي مقدار من الوعي.. الخطبة تزيد من وعينا بالخطبة.. فمن الوعي بالذات الفردية أن تخطب.. كنت أتحدث عن هذه الأجواء الشاعرية.. لكم يحلو لي أن أنام فوق هذا الفضاء الشاعري.. وتحتي كل فتيات المرقص! من المؤسف أنني لست ساحراً! لو.. لو كنته لأنمت الجميع هنا تحت أجنحتي! ورفع يمناه نحو رأسه، وقوس ظهره، ثم رفع رأسه إلى أعلى، وأشار إلى أصدقائه قائلاً:
- إن عنتر جدي وجدكم.. لكن دعوني استقل باسمه هذه الليلة.. أنا أحب الليلة.. أحب أن أنشر أجنحتي لتمتلىء.. أحب أن تفيض بذوري.. فأنا عنترة الفحل!
ووقعت نظرته الغائمة فوق لكحل، فقال مخاطباً إياه وهو لا يكاد يراه:
- أليس كذلك، يا غزال؟
فابتسم لكحل، بوشطحة، ومسح بيده على رأسه بيديه كلتيهما، وتمايل بدوره ليقول:
- إني جعفر مثلك.. لا تستحوذ على هذه الصفة الليلة وحدك..
ضحك هلال وقال:
- يبدو أنني لم أعرفه.. ما زلت أجهله بعد. أنا أحدثه عن عنتر وهو يحدثني عن جعفر. فمن جعفر هذا؟ لاشك أن الغزال يريد أن يَتَبَرْمَك! الغزال محذور.. أقصد معذور.. هو لا يعرف غيره.. لم يعلم الجو الذي نشأ فيه سواه!
قهقه لكحل وقال:
- لحديث الجعة بقية!
وكان أبو سيف، الذي امتلأ به كرسيه بشكل بارز، جالساً قبالة هلال، ينظر إلى كأسه في شرود، فرفع يديه المكورة نحوه وقال له:
- بارع أنت في الكلام!
فصاح هلال:
- لا تنتقد ميزتي.. فما لعنتر غير الكلام!
اهتز أبو سيف في كرسيه، وأجابه:
- صدقت والله. عنتر المتمثل فيك لا سيف له ولا شعر!
فأسرع هلال يقول:
- اللسان يغني عن السيف! ثم إني لا أريد أن أكون عنترك الجاهلي.. فأجهل جهله! عليك أن تؤمن بي..
رد أبو سيف قائلاً:
- إيه والله! علي أن أومن بعنتري الحَضَري!
رفع هلال إصبعه وقال:
- عنتر زمانك!
وتدخل لكحل قائلاً:
- وجعفر أيامك
فقال هلال ثائراً:
- لعنة الله على جعفرك!.. عنتر قيمة حاضرى!
ضرب لكحل بيده على الطاولة وقال:
- وعلى عنترك.. آمين يا رب العالمين!
فبادره هلال:
- ها هو لسانك، يا غزال، يلعق كلام العجائز.. هذا أنت..
وضجت الطاولة بالضحك دفعة واحدة، وجلس هلال وهو ينظر بعيداً، ثم توقف عن الضحك فجأة، وقال:
- أرى هناك، يا إخوتي، عينين شرقيتين.. فيهما فتنة.. انظروا معي.. وأية فتنة.. الفتنة جالسة.. وطلائعها تلتقط العيون والقلوب.. ها هي هناك.. كأنها تقول لي.. إن لم تجئني جئتك..
فهتف أبو سيف:
- سأشنق نفسي على حلمة ثدي عربي!
قال لكحل:
- لقد ولدت طاولتنا شاعراً!
فاحتج طلال:
- كلنا شعراء.. حتى ولو جردني أبو سيف من الشعر!
ورأى الفتاة، صاحبة العينين الشرقيتين، تأخذ خوخة وتقضمها ممتصة إياها، فصرخ هلال:
- آه، إن خدي يُؤلمني!
فقال لكحل:
- ساعدوا أحمر الخد! وسأبحث أنا الآخر عمن تفتنني بنظرتها الفاترة.. يخيل إلي أني أرى هناك عينين فرنسيتين.. وميزتي إسناد الصدور.. لي ميزتي، يا هلال!
قام هلال عن المائدة بعد أن لعبت برأسه الجعة، وأخلت بحركات جسمه، وهو يهتف- والهتاف ميزته- متمايلاً:
- انظروا، يا أحبائي! أنتم، يا أفكاري الأبية، لا، دعونا الآن من الأفكار الأبية.. فالذي يهمني الآن هو مشاعري العنترية..
وعاد إلى مائدته، وتناول الكأس بيديه الاثنتين، وعب منها عبة طويلة كادت تفرغها، واستمر في هتافه:
- انظروا إلى هذا الجو المعتق، هذا الفضاء الحالم. أواه، ما أروع الأحلام! لقد تعلمنا أن نحلم بماض.. لا لقد أخطأت. تعلمنا أن نحلم بمستقبل أفضل ونرجو دائماً أن يكون المستقبل لنا والفضل لغيرنا.. وقد يكون النصيب غيرنا! نحن من المؤمنين بالنصيب والقدر.
وراح يتمايل بشدة أكثر، فحاول أن يتطامن، ولكن رأسه غلبه، فنفضه بشدة، وتنفس الصعداء بقوة، وتوجه إلى كرسيه مخاطباً إياه:
- ليس الآن.. لا.. لا أريد أن ألبي رغبتك الآن، أيها الكرسي.. لا أريد أن تحتضنني.. أحب أن.. نعم، أحب أن أكمل حديثي.. بل خطبتي.. نحن أقدر من غيرنا على الخطب.. أكمل خطبتي.. ماذا كنت أقول؟ آه.. حقاً حقاً! مازال لدي مقدار من الوعي.. الخطبة تزيد من وعينا بالخطبة.. فمن الوعي بالذات الفردية أن تخطب.. كنت أتحدث عن هذه الأجواء الشاعرية.. لكم يحلو لي أن أنام فوق هذا الفضاء الشاعري.. وتحتي كل فتيات المرقص! من المؤسف أنني لست ساحراً! لو.. لو كنته لأنمت الجميع هنا تحت أجنحتي! ورفع يمناه نحو رأسه، وقوس ظهره، ثم رفع رأسه إلى أعلى، وأشار إلى أصدقائه قائلاً:
- إن عنتر جدي وجدكم.. لكن دعوني استقل باسمه هذه الليلة.. أنا أحب الليلة.. أحب أن أنشر أجنحتي لتمتلىء.. أحب أن تفيض بذوري.. فأنا عنترة الفحل!
ووقعت نظرته الغائمة فوق لكحل، فقال مخاطباً إياه وهو لا يكاد يراه:
- أليس كذلك، يا غزال؟
فابتسم لكحل، بوشطحة، ومسح بيده على رأسه بيديه كلتيهما، وتمايل بدوره ليقول:
- إني جعفر مثلك.. لا تستحوذ على هذه الصفة الليلة وحدك..
ضحك هلال وقال:
- يبدو أنني لم أعرفه.. ما زلت أجهله بعد. أنا أحدثه عن عنتر وهو يحدثني عن جعفر. فمن جعفر هذا؟ لاشك أن الغزال يريد أن يَتَبَرْمَك! الغزال محذور.. أقصد معذور.. هو لا يعرف غيره.. لم يعلم الجو الذي نشأ فيه سواه!
قهقه لكحل وقال:
- لحديث الجعة بقية!
وكان أبو سيف، الذي امتلأ به كرسيه بشكل بارز، جالساً قبالة هلال، ينظر إلى كأسه في شرود، فرفع يديه المكورة نحوه وقال له:
- بارع أنت في الكلام!
فصاح هلال:
- لا تنتقد ميزتي.. فما لعنتر غير الكلام!
اهتز أبو سيف في كرسيه، وأجابه:
- صدقت والله. عنتر المتمثل فيك لا سيف له ولا شعر!
فأسرع هلال يقول:
- اللسان يغني عن السيف! ثم إني لا أريد أن أكون عنترك الجاهلي.. فأجهل جهله! عليك أن تؤمن بي..
رد أبو سيف قائلاً:
- إيه والله! علي أن أومن بعنتري الحَضَري!
رفع هلال إصبعه وقال:
- عنتر زمانك!
وتدخل لكحل قائلاً:
- وجعفر أيامك
فقال هلال ثائراً:
- لعنة الله على جعفرك!.. عنتر قيمة حاضرى!
ضرب لكحل بيده على الطاولة وقال:
- وعلى عنترك.. آمين يا رب العالمين!
فبادره هلال:
- ها هو لسانك، يا غزال، يلعق كلام العجائز.. هذا أنت..
وضجت الطاولة بالضحك دفعة واحدة، وجلس هلال وهو ينظر بعيداً، ثم توقف عن الضحك فجأة، وقال:
- أرى هناك، يا إخوتي، عينين شرقيتين.. فيهما فتنة.. انظروا معي.. وأية فتنة.. الفتنة جالسة.. وطلائعها تلتقط العيون والقلوب.. ها هي هناك.. كأنها تقول لي.. إن لم تجئني جئتك..
فهتف أبو سيف:
- سأشنق نفسي على حلمة ثدي عربي!
قال لكحل:
- لقد ولدت طاولتنا شاعراً!
فاحتج طلال:
- كلنا شعراء.. حتى ولو جردني أبو سيف من الشعر!
ورأى الفتاة، صاحبة العينين الشرقيتين، تأخذ خوخة وتقضمها ممتصة إياها، فصرخ هلال:
- آه، إن خدي يُؤلمني!
فقال لكحل:
- ساعدوا أحمر الخد! وسأبحث أنا الآخر عمن تفتنني بنظرتها الفاترة.. يخيل إلي أني أرى هناك عينين فرنسيتين.. وميزتي إسناد الصدور.. لي ميزتي، يا هلال!