المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : بطاقة السحرية


manal*****lolo
05-13-2009, 12:51 PM
الفصل الأول‏

في تلك الصبيحة القائظة، حينما استيقظ فجأة ووجد نفسه جالساً فوق الفراش، يتصبب عرقاً ويلهث في تنفس سريع ومضطرب، لم يكن يعي بوضوح وشفافية بأنه سيرتكب جريمة طالما راودته في لحظات حنينه إلى الماضي وذلك قبل غروب الشمس المحترقة بأشعتها المنثالة على الرؤوس الدائخة. استيقظ فجأة وبعنف، دون مقدمات تحت تأثير كابوس مرعب وأجهد‏

نفسه ليتذكر ولو صورة واحدة منه دون جدوي. كان مضطرب البال منفعلاً ومتعباً رغم أنه نام مبكراً كعادته، نوماً متصلاً دون انقطاع. مكث شارد الفكر، مستلقياً فوق السرير، يحاول التركيز واستعادة حالته الطبيعية. تلا قليلاً من الآيات القرأنية والأدعية بصمت ولعن الشيطان الوسواس. وقبل أن يغادر الفراش، دخلت زوجته مبتسمة وفتحت مصراع النافذة الخشبي، فدلف نور الصباح إلى الغرفة وأخرجها من الظلمة الشاحبة التي كانت سائدة داخلها، لاحظت زوجته شحوب وجهه والعرق الكثيف فسألته عن السبب، ولكنه طمأنها بأن أرجع ذلك إلى الحرارة المرتفعة، هذه الحرارة اللعينة التي وصلت مبكرة هذه السنة، إذ موسم الصيف ما زال في بدايته. قصد غرفة الحمام، أراد أن يأخذ دوشاً بارداً فتح الحنفية فلم ينهمر ذلك السائل المنعش الذي يعيد للانسان حيويته ويمنح له قوة يصمد بها طوال النهار. وبدل السيلان المنعش، قابله صوت مزعج ومنفر احدثه الماء الذي تراجع داخل الأنابيب تحت ضغوط الهواء الخارجي ، مما ضاعف من انفعاله ، فصاح بصوت أجش منادياً زوجته لتحضر له دلواً من الماء. وحينما جلس إلى الطاولة في المطبخ، لتناول فطور الصباح، انقطعت شهيته ولم يبتلع سوى فنجاناً من القهوة وهو يبذل قصاري جهده كي لا يتقيأها دفعة واحدة إذ غمره غثيان مقزز مع ارتفاع في درجة الحرارة والضغط الدموي. انتعل حذاءه الصيفي وغادر البيت متمنياً أن تتحسن حالته النفسية كي يتمكن من عقد الاجتماع الطارىء لقدماء المجاهدين المقرر في تلك الصبيحة، كان طويل القامة، نحيفاً ولكنه قوي البنية، تتوسط وجهه المعظم بالوجنتين البارزتين شلاغم سوداء كثيفة الشعر منحدرة قليلاً محلقة حول الشفتين. يكتنف شعر رأسه بياض من الشيب لم ينتشر بعد انتشاراً يوهم صاحبه بأنه شاخ وآن الوقت كي يفكر في الاستعداد للموت المريح.
‏ورغم شيب الرأس، مازالت الشلاغم محافظة على عظمتها ولونها الأصيل. كان يلبس بدلة صيفية رمادية اللون تتكون من سروال وقميص بنصف الذراعين.‏

في الخارج كان الجوّ حاراً وأجول رغم أن النهار ما زال في بدايته.‏

يبعث هذا الجو القائظ رخاء وكسلاً في الأجسام بحيث يبدو الناس في قعودهم ووقوفهم وتنقلاتهم كأنهم نيام أو سكارى أو أشباح كتلك التي نشاهدها في بعض أفلام علم الخيال.‏

الرغبة الوحيدة المعششة في الأذهان هي تلك التي توحي بالتمدّد والاستلقاء تحت ظل شجرة مورقة، تحرك أغصانها ريح خفيفة وتصفع الوجوه المتلألئة بحبات العرق الممزوج بالغبار المهيج للجلد، اتجه صوبا نحو مقر قدماء المجاهدين وهو شارد الفكر لا يلوي علي أحد من أهل القرية الذين يباشرونه بالتحية الصباحية والابتسامة تفيض من شفاههم المورمة، وهو يمشي بتثاقل بيّن يعصر نفسه في محاولة يائسة لاستذكار تفاصيل الكابوس الذي نغص عليه النوم اللذيذ، وبعث في نفسه حالة شعورية قلقة حائرة، جعلت جسمه النحيل لا يستقر على مكان ويتحمل الثبات والجمود، بل عليه بالتحرك المستمر والانشغال بشيء خارجي ليبعد عنه هذا الضغط المفروض من ذاكرته اللعينة التي طفق يصيبها النسيان والتلف. ينظر أمامه وهو لا يحدق في شيء بعينه بل يمسح ببصره الفراغ والعدم، متشبثاً بصور غامضة ومبهمة، تصور أنها مستمدة من ذلك الكابوس المزعج، ولم يتفطن إلى "كلاكصون" سيارة متوقفة قرب الرصيف المقابل من الشارع، الذي تردد أكثر من مرة، لما أدرك السائق عدم نفعية المنبه، فتح الباب، وقف متكئاً على سقف السيارة المغبّر ونادي بأعلى صوته الجهوري " ياسي مصطفى.. يا سي مصطفى " فنفذ النداء المرتفع إلى وعي هذا الأخير الغارق في حيرته، فالتفت في حركة سريعة ومفاجئة كأنه استيقظ من النوم للمرة الثانية في صبيحة ذلك اليوم الذي يبدو أنه لن يمر على خير. تحول من القلق والحيرة إلى الغضب ولسخط حينما تعرف علي المنادي وصاحبه المتكمش داخل السيارة بقامته القصيرة حتى كاد يختفي كلياً، تساءل مصطفى عمروش بغيظ عن لون القدر الذي جعله يلتقي بهذا الحلّوف في مثل هذا الوقت من الصباح. أنه نذير شؤم. منذ أيام وهو يتحايل لتجنب لقائه والابتعاد عنه قدرالمستطاع منذ تلك المرة التي وجده ينتظر خارج المسجد بعد صلاة الجمعة، فبادره بالتحية مصطنعاً ابتسامة مهادنة ودعاه إلى جوله قصيرة في سيارته الفخمة. فأنقاد مصطفى عمروش عن غير رغبة وهو العارف بأن " أحمد تكوش " الملقب بالسرجان لا يبحث عن خلق إلا ووراء ذلك مصلحة يقضيها إن عاجلاً أو آجلاً. وأثناء النزهة المفروضة، أنتظر مصطفى بفارغ الصبر أن يلفظ السرجان بهدف الدعوة المباغتة غير العادية، ولكن هذا الأخير بحسّ رجل أعمال، لم يطلب شيئاً محدداً، بل طاف حول ذكريات الماضي البعيد، أيام الحرب والجوع والتشرد الجماعي، مركزاً ذكرياته حول بعض المجاهدين الذين استشهدوا في المعارك الكثيرة التي انفجرت وسط الجبال المجاورة لقرية " عين الفكرون " مؤكداً على معرفته بهم أحسن معرفة وكانوا يقدرونه أكبر تقدير وذكر أسماء بعضهم الذي جندوا معه في الحرب العالمية الثانية وكيف نجا الأحياء منهم بأعجوبة لا يصدقها إلاّ من كان حاضراً.‏

manal*****lolo
05-13-2009, 01:18 PM
السرجان يتكلم ومصطفى عمروش يبتسم بمرارة إذ أنه يعرفه حق المعرفة منذ أن كان طفلاً، لا يكبره السرجان إلا بعشرة سنوات فقط. يتذكر الأيام التي عاد فيها السرجان من الحرب العالمية الثانية وهو يتجوّل في القرية بزيه العسكري متبختراً، معلناً للجميع بأنه يرتبه سرجان وليس كَبْرَاناً مثلما يتصورون. ومنذ تلك الأيام أصبح معروفاً بهذا الاسم حتى حينما غادر الجيش الفرنسي في أواخر الخمسينات ليفتح دكاناً خاصاً للمواد الغذائية بمساعدة شيخ البلدية الفرنسي، وبعد أن التحق مصطفى عمروش بالثورة كانت تصلهم أخبار سكان عين الفكرون أول بأول وضمنها أخبار السرجان صاحب الدكان الوحيد وخاصة في السنوات الأخيرة مباشرة قبل الاستقلال حين أغلقت الدكاكين الأخرى لقطع المئونة عن المجاهدين في الجبال، وبقي وحده يتصرف كما يشاء، يبيع لمن يريد، ويرفض بيع القهوة والسكر والزيت لمن يريد أيضاً. وصلتهم أخبارٌ متعددة تفيد أن السرجان يرفض البيع لعائلات الشهداء والمجاهدين دون أن يصارحهم بالحقيقة. فمرة، السلعة مفقودة ومرة أخرى، يغلق الدكان بمجرد دخول أحد أعضاء هذه العائلات متحججاً بشغل ما خارج القرية، إلى أن حاصرته دورية المجاهدين في بيته وكان مصطفى خارج البيت يحرس الممر، وباغتته في سريره الوثير مطمئناً يغط في نوم لذيذ وأنذرته بالتخلي عن سلوكه المعادي، آمرة أياه ببيع السلعة للجميع دون تمييز وبالكمية التي يطلبونها. في تلك الليلة أقسم السرجان بكل الأنبياء والصالحين والأولياء المعروفين والمغمورين ورؤوس أبنائه، فلذة كبده بأنه لم يقصد ما يظنون بتاتاً بل يفرحه كثيراً مساعدة عائلات الأخوة الأبطال الذين يحررون الوطن من المعمرين الأشرار. ثم قصد غرفة جانبية وأخرج كيساً من المواد الغذائية وأعطاها لهم معلناً نيته الطيبة في مساعدة الثورة. ولكن أثبتت أفعاله فيما بعد بأن الولاء كان مؤقتاً ومصدره الخوف من الذبح لا غير إذ تمادي في تمييزه بين العائلات وأصبحت دوريات الجيش الاستعماري تطوف حول منزله ليلاً وفي أحيان كثيرة يطرقون الباب ويشربون الشاي عنده مستمعين إليه وهو يروي بطولاته المختلفة أيام تجنيده في الجيش الاستعماري. أجهد مصطفى عمروش نفسه لمعرفة هدف الجولة وطاف حول احتمالات متعددة دون أن يتوقف عند واحدة بعينها، وهو ما فتى، يسترق السمع إلى السرجان يسرد ذكريات الماضي. يتقرب الناس البسطاء إلى قسمة الحزب والمجاهدين عساهم يظفرون بامتياز مادي- سكن، قطة أرض، رخصة تاكسي أو فتح محل تجاري.. ويملك السرجان كل هذا وأزيد. فحالته المادية ميسورة ولا يحتاج إلى معونة، بل العكس هو الصحيح إذ يحتاج الناس إليه يطلبون منه المساعدة المادية والقروض المالية وكراء احدى شاحناته الضخمة لنقل البضائع. هذا ما أقلق مصطفى عمروش وحيّره، فجعله يفكر في الأمر أياماً حتى داهمه السرجان في مكتبه بعد خروج كل الموظفين. فمن عادته البقاء في المكتب بعد انتهاء أوقات العمل لقراءة القرارات والنصوص والوثائق التي يتلقاها من الجهاز المركزي للحزب، ليمعن فيها النظر جيداً، إذ يصر على معرفة كل القوانين المتعلقة بوظيفته، وذلك رغم ثقافته البسيطة وقراءته الابتدائية، فهو لم يلتحق بالمدرسة أيام الطفولة، لم يعرف مقاعد الدراسة إلا بعد الاستقلال عبر الدروس الليلية وهو كبير السن حيث تلعم مباديء الكتابة والقراءة حتى أصبح يقرأ الجريدة اليومية ويطالع بعض الكتب المتعلقة بتاريخ الجزائر، ثم توسعت دائرة معارفه وأضحى يقرأ القرآن والسيرة النبوية. وفي حالة غموض بعض العبارات والكلمات يستعين بإبنه البكر الذي يتابع دراسته في الجامعة وهو على وشك التخرج. داهمه السرجان دون إذن، ولم يتفطن له حتى وجده واقفاً بشموخ وكبرياء على عتبة الباب المفتوح دوماً، تسبقه كرشه المنتفخة الفائضة على حزامه السميك العريض، حزام يشبه أحزمة البذل الميدانية للجيش، ربما تكون عادة قديمة تعوّد عليها أيام كان سرجاناً حقيقياً، كان السرجان قصير القامة، ممتلئاً، يهتم بمظهر جسمه ولباسه بحيث يبدو أصغر من سنه الحقيقي الذي يدور حول الستين. يحلق ذقته باستمرار ويحافظ على التسريحة العسكرية لشعره. قبل أن ينبس بكلمة ويلفظ عبارة السلام المعتادة، أحس مصطفى عمروش بوجود شخص ما، فغادر بصره الصفحات الكثيرة المبعثرة على المكتب وتثبت على وجه الدخيل المتطفل الذي لم ير ضرورة الاعلان عن قدومه. ساد صمت قصير بين الرجلين قبل أن ينطلق السرجان في ثرثرة طويلة مسلماً ومعتذراً عن الازعاج المفاجيء.‏

- " كنت ماراً من هنا، شاهدت الباب مفتوحاً، فقلت لنفسي: لِمَ لا أدخل وأسلم علي سي مصطفى الرجل الطيب. يبدو أنك تتأخر كثيراً في المكتب، أنت تحب عملك دون شك" سكت برهة من الزمن تردد في الجلوس حدق حواليه في أثاث الغرفة المربعة الشكل، الضيقة. يظهر علي قسمات وجهه ارتباك ما. حالته مضطربة دون شك، ولم تلفت هذه الحالة من بصر مصطفى النافذ، وخاطب نفسه بأن الزيارة ليست مفاجئة وعادية بل يضمر أمراً ما وراءها، أمراً مهما يجعل السرجان مضطرباً وقلقاً ومرتبكاً في سلوكه، وهو الرجل الواثق من نفسه إلى حد التعالي والغرور. تعتبر الزيارة الأولى نوعها، لم يسبق أن تردد السرجان عليه في مكتبه، بل لا تربطه معه علاقة من أي نوع، طلب منه مصطفى عمروش الجلوس مرحباً، مصطنعاً الفرح والبهجة لحضوره.‏

تبادل الرجلان أخباراً عامة حول الظروف العائلية وأحوال القرية، ثم ساد الصمت من جديد، كانالجو مشحوناً ومكهرباً، تشاغل مصطفى عمروش بجمع الأوراق المبعثرة فوق المكتب، صنفها في تأن ثم أدخلها في الدرج الجانبي، فيما انساق السرجان خلف بصره الذي مسح المكتبة الخشبية الكبيرة برفوفها العريضة الغاصة بالملفات الادارية والوثائق الحزبية والكتب المتنوعة، محاولاً لم شتات تفكيره المتوتر الذي لا يأبي الاستقرار والسكون واراحة الأعصاب، بعد ثوان ثقيلة، تفطن إلى الصمت السائد، فسارع إلى كسره كي لاتنقطع المقابلة فجأة بسبب هذا الفراغ المضجر. هز رأسه ثم اتكأ علي حافة المكتب بذراعيه وقال بصوت يريده هادئاً ومعبراً- "اسمع ياسي مصطفى.. لقد تقدمت في العمر، فلماذا لا تفكر في مستقبلك ومستقبل أولادك، فتطلب التقاعد، وتفتح لنفسك محلاً تجارياً، يوفر عنك المتاعب وتعيش بقية أيامك سعيداً، مستريحاً. فيما تفيدك الوظيفة الحكومية؟ إنك تحرق صحتك وتعشي عينيك في قراءة ما لا ينفع أتظن بأن الحكومة تؤمن بهذه النصوص والقوانين التي تتكلمون عنها يومياً؟ أصحاب المناصب العليا يقولون كلاماً ويسلكون طريقاً يخالف ذلك الكلام أريد أن أصارحك بخبر سري؟‏

توقف عن الكلام، التفت حوله كأنه يحتاط من آذان صاغية، اقترب من محدثه حتى كاد يلامس كتفه ثم باض الاعتراف دفعة واحدة: "في هذه الأيام بالذات، اتصل بي وزير وطلب مني بناء فيلة له في مسقط رأسه، لأنه لا يأمن مستقبله في الوظيفة مهما كان شأنها، وأصرّ أن يبقي الأمر سراً بيننا إلى غاية الانتهاء من تشييدها. أترى ما يحدث ذلك؟ وزير بأكمله غير آمن علي مستقبله. ما رأيك في اقتراحي؟ وإذا اعترضتك عوائق مالية فأنا مستعد لتقديم كل المعونة اللازمة إلى أن تتحسن حالتك فمالي كثير والحمد لله.. آه.. ماذا تقول؟" حدّق في وجهه ملياً، يريد استشفاف الجواب في لحظتها، فيما بقي مصطفى يحفر في عمق مخه بحثاً عن سبب هذه المساعدة الهابطة من السماء التي يستحيل أن تمنح لوجه الله، وحينما لاحظ اصرار نظرة السرجان، قطب حاجبيه وقال بهدوء وثبات- "اسمع مليح ياسي أحمد، لو أردتُ امتهان التجارة لفعلت ذلك مباشرة بعد الاستقلال، كانت الصحة متوفرة والظروف مناسبة، وأنا ما شاء الله كنت في عنفوان شبابي أستطيع الحرث أحسن من الحصان، لربما كنت غنياً مثلك أو على الأقل تكون حالتي المادية أحسن مما هي عليه اليوم وأنا أشغل منصب أمين قسمة لبلدية صغيرة، لا يتعدى مرتبي الشهري ما تصرفه أنت في اليوم الواحد فقط. أما الآن وقد أشرفت على التقاعد وأنا بالفعل تراودني هذه الفكرة منذ مدة، فلا أرى ضرورة لفتح دكان مهما ارتفعت قيمته. من طمع في الغني والثروة فليبدأها في شبابه مثلما فعلت أنت، ولا ينتظر حتى يشيخ ويهرم ثم يقول بسم الله. إذا كانت نيتك فعلاً في المساعدة، فالقرية غاصة بالشبان الذين ينتظرون مثل هذه الغرض لهجرة الفقر والبطالة. أما آنا فقد فاتني القطار" - " أنا أساعد أصدقائي وأحبابي، أساعد الذين ذقنا الملح معاً أيام المحن، أيام كنا حقيقة نشتاق رغيف خبز نسترجع به الحياة إلى أجسادنا، أما اليوم، فهؤلاء الشبان التعساء الذين تحكي عنهم، كسالي، يبحثون عن الثراء السريع دون مشقة ولاعناء، إنهم لا يحبون العمل. تجدهم في المقاهي يمددون أرجلهم حول طاولات الدومينو، والكرطة " ورق اللعب " أو على أرصفة الطرقات يقيسون المسافات وهم يجرجرون الخطى الناعسة، وحينما تقترح عليهم شغلاً يديرون عنك وجوههم.أحلف لك يا سي مصطفى بدم الشهداء الطاهر، بأنني كثيراً ما بحثت عن شبان للعمل في ورشاتي، وأدفع لهم رواتب تفوق رواتب الحكومة، ولكنهم يرفضونه، الجاد والخير فيهم يعمل أسبوعاً أو أسبوعين ثم ينصرف إلى غير رجعة وبدون إذن".‏

انتظر مصطفى عمروش أن ينفجر السرجان ويلفظ السر الذي أوصله إليه ولكنه لم يفعل. وحينما غادرا معاً المكتب وقطعا الشارع الكبير راجلين وقعدا حول طاولة في مقهى هذا الأخير لشرب القهوة، تكلّم الناس وأطلقوا العنان لخيالهم وهواجسهم وقالوا متنهدين بأن الرجل الخير النزيه والأمين في القرية سقط في وحل نقود السرجان ومغرياته، لقد اشترى السرجان كل الناس في هذه القرية بما فيهم رجال الدَرَكْ، فهو يملك نصف المحلات التجارية.والقصر الذي يقطن فيه ، الواقع في الاتجاه الغربي للقرية لم يشاهده الناس إلا في المسلسلات التلفزونية الأمريكية وأثناء بنائه، تسربت أخبار لا تقل غرابتها وطرافتها عن تلك التي تروي في قصص الملوك والأمراء في الحكايات الشعبية، كثر الكلام عن نوعية المواد المستوردة من المرمر والزجاج المدخن والخزف المزخرف والزرابي والأثاث العصري مثل ذلك الذي يحلم الناس برؤيته وهم يبحلقون في الصور الملونة للمجلات النسائية المستوردة من وراء البحر سواء بطريقة رسمية أو مخفية تحت الملابس وبين ثنايا الحقائب المعبأة. أثناء الصيف في حين ينقطع الماء عن سكان القرية كلها، فيقضون جل أوقاتهم في حمل الدلاء "والقَزادِرِ" والجِرِيكانات" من زَنْقَة إلى زنقة بحثاً عن قطرة ماء صالحة للشرب، فداخل القصر يجري الماء أنهاراً، ويفرغ المسبح مرتين في الأسبوع حيث تلجأ العائلة إلى السباحة يومياً لازالة العرق وإبعاد الحرارة الميَهجة.‏

في ذلك اليوم، فقد الناس البسطاء في القرية، خاصة منهم رفاق السلاح الذين رافقوه في السراء والضراء، الأمل في امكانية الافلات من قبضة السرجان القوية. ماذا يفعل مصطفى عمروش مع السرجان؟ شخصيتان لا تلتقيان، ويعرف الكثير من مسني القرية ماذا حدث بينهما قبل سنتين فقط من وقف اطلاق النار. إنها حكاية قديمة ولكن الناس يتذكرون مثل هذه الحوادث ولا يتورّعون عن سردها كلما سنحت الفرصة. جلس الرجلان طويلاً في المهقى وخاضا في شتى الأمور ثم انضم إليهما آخرون وتشعب الحديث وديانا وانهارا إلى أن خيّم الظلام الحالك على القرية وافترق الجميع، والسرجان لم يبح بسره. كان مصطفى عمروش يدرك بأن لحظة الاعتراف الحميمية غير بعيدة، إذ من الصعب استمرار الوضعية على هذه الحالة وتمضي لقاءاتهما في ثرثرة عادية دون أن يجني السرجان ثماراً ما، وهو المشهور بأنه لا يشيد اتصالاته إلا تحت دافع الغريزة المصلحية وهو لا يمل من ترديد المثل الشعبي "اللي ما ينفع ادفع ". في اليوم الثالث بعد اللقاء الثاني، كان مصطفى عمروش يستعد لمغادرة المكتب، فشاهد سيارة السرجان اللامعة تتوقف على الرصيف المقابل لمقر القسمة، ابتسم في سريرة نفسه ولم يندهش لحضوره، بل كان يتوقع رؤيته في أية لحظة خلال الأيام الثلاث الماضية، أغلق باب المكتب واتجه صوبا نحو السيارة، لم يثرثر السرجان طويلاً هذه المرة، فبمجرد الابتعاد عن القرية، بحث عن مكان واسع وهادئ بمحاذاة الطريق وأوقف السيارة في اهتزاز طفيف. أطفأ المحرك والتفت نحو جليسه قائلاً.‏

- " سأكون صريحاً معك ياسي مصطفى، ولا أظنك غبياً بحيث لم تدرك بأنني سأطلب منك خدمة ما. وأظنك متشوق إلى معرفة قصدي"‏

لم يعلق مصطفى عمروش بحرف واحد بل اكتفي بابتسامة ضيقة كاد يبلعها لولا أنها فلتت منه.‏

سكت السرجان لفترة قصيرة محدقاً في المقود. ابتلع ريقه ثم أردف قائلاً:‏

- " أحتاج إلى أمضائك كي أحصل على شهادة المشاركة في الثورة. لا أخفي عنك بأنني اتصلت ببعض المجاهدين وقالوا لي: إذا أمضي لك سي مصطفى، فنحن مستعدون وفي أية لحظة"‏

صعق مصطفى عمروش وكاد يختنق غيظاً ولكنه كتم غضبه ولم يقل شيئاً، كانت كل الاحتمالات ممكنة إلا هذه.‏

يريد السرجان أن يصبح مجاهداً بعد ربع قرن من الاستقلال .. هذه نكتة العصر ..لِمَ لا وكل الخونة أصبحوا يملكون هذه البطاقة كأنها خاتم سيدنا سليمان، تفتح الأبواب الموصدة وتنطق الجماد وتحيي الأموات. سي أحمد السرجان مجاهد.. ها..ها.. بعد أن ملك القرية وما عليها، أراد أن يعيد الاعتبار إلى نفسه، اشترى كل شيء، فلماذا لا يشتري البطاقة ومعها البطولة والشرف والاعتزاز، ولكن ماذا يفعل بها؟ يتهافت الفقراء عليها كي يكسبوا امتيازات مادية، هذا معقول! أما هو فماذا يفعل بها؟ ربما يريد ترشيح نفسه في انتخابات المجلس الشعبي الوطني. لا أظنه يفكر في مثل هذا الأمر. سؤال وحيد خلط مخ مصطفى عمروش بعد أن أفرغ السرجان أخيراً بالسر المكنون في طياته بعد الصداقة المفتعلة والاغراءات المتكررة. ماذا يفعل بالبطاقة؟‏

- أنت تمزح ياسي أحمد! ماذا تستفيد من امتلاكك لهذه الورقة؟‏

- لا أحتاج مالاً ولا سلطة ولا تخسرون معي ديناراً واحداً. إن عدم امتلاكي هذه البطاقة جعل الألسنة تتهمني بالخيانة أثناء الثورة، ويعلم الله أنني لم أبع أحداً ولم أخن.‏

كنتُ تاجراً أميناً وساعدت الأخوة بالمال والمؤونة، وأصارحك بأنهم كانوا يترددون على داري في ليال كثيرة وكنت في كل مرة أزودهم بالمواد الغذائية اللازمة.‏

قاطعه مصطفى عمروش بعنف وانفعال ظاهرين.‏

- لمن تحكي تاريخك ياسي أحمد، أنا أعرف عنك وعن رجال القرية ونسائها كل ما ينبغي أن يُعرف، المرة الوحيدة التي دخل فيها المجاهدون إلى دارك، جاؤوا لانذارك وتهديدك لأنك كنت ترفض البيع لعائلات المجاهدين والشهداء الله يرحمهم برحمته الواسعة وكنت أنا ضمن الفرقة ولكنني آثرت البقاء خارج البيت للحراسة. اترك البير بغطاه، ولا تحرك المزبلة، فقد تنبعث منها روائح نتنة لا ترضيك.‏

خيم صمت مفاجىء وأصبح المكان يضيق بالرجلين كأن السيارة اقفرت فجأة بحيث لا تتسع لجسميهما المكهربين، اقتربت شاحنة ضخمة مكدسة بالأعمدة الخشبية فغطى ضجيجها المكان كله، مرت مسرعة قرب السيارة التي اهتزت قليلاً وتحرك جسما الرجلين بداخلها، مما جعلهما يتنفسان قليلاً ويستردان توازنهما.‏

أضاف مصطفى عمروش مكسّراً الصمت الثقيل.‏

- إنك تعيش في عزّ ونعيم ولا ينقصك شيء وحتى إن امتلكت هذه البطاقة التي تبدو لك سحرية، لا تغير من الوضع شيئاً.. الناس تعرف وتحكي في كل مكان، هل يمكنك منعهم من الكلام؟ طبعاً لا، لا أحد يمنعهم من الكلام حتى إن كان يضره ويهدد وجوده وكيانه.‏

إن امتلكها، يقول الناس أنك اشتريتها بمالك مثلما تشتري أية بضاعة. تريد رأيي صراحة، دعك من هذه البطاقة، فهي لا تزيد فيك شيئاً.‏

انكمش السرجان في مكانه خلف المقود، فقد شجاعته وكبرياءه وأصبح يشبه المومس التي تذل نفسها وتتضرّع أمام " شيكورها " تاه مدة يسترجع قواه ثم قال في نبرة صوت هادئة هي أقرب إلى التوسل منها إلى الطلب العادي.‏

- كن عاقلاً يا سي مصطفى.. لا يكلفك الإمضاء شيئاً، بل ستريح الكثير معي، فخيري كالبحر.. هي بطاقة أضعها في جيبي وكفي.. لا أطلب منكم خدمة ما، فكثير من الناس في القرية وأنت أول من يعرفهم، يملكون بطاقات النضال وهم لم يغادروا ديارهم خلال السنوات السبع. فلماذا ترفض لي أنا بالضبط؟‏

إحتار مصطفى عمروش في الأمر. هل يقول له بأن هذه الأفعال ليست من مسؤوليته وحده بل يوجد من المجاهدين من لا يتردد عن الإمضاء مقابل قسط زهيد من المال. خطرت إلى ذهن السرجان فكرة تواني في البرح عنها. خاف من رد فعل خصمه الذي يعرف بنزاهته. فهو لا يباع ولا يشتري. أدار الفكرة في رأسه مراراً ثم تجرأ وأفرغ الإقتراح دفعة واحدة:‏

- أنا مستعد للدفع أطلب ما تريد وسأحضرها لك في الحين.‏

إندفع مصطفى عمروش وتحرك في مكانه، أراد النهوض، لمس برأسه السقف الداخلي للسيارة: نسي أنه بداخلها، فتح الباب وقبل أن يخرج أدار رأسه كلية نحو السرجان وصرخ بغيظ:‏

- المسألة مسألة ضمير وليست مسألة مال، ثم اسمع لي جيداً، سأبوح لك بسرٍّ طالما كتمته في قلبي. من باع "سعيد سِتْواح" المجاهد الجريح الذي كان مختفياً في دارلالة فطومة آه.. قل لي.. من أوصل الخبر إلى "مِسْيو غُومِيز" الذي أوصله بدوره إلى الجيش الفرنسي؟‏

أنت محظوظ، وعمرك طويل.. عرفت الخبر بعد الاستقلال بسنوات، لو عرفته في حينه لـ.. وبانفعال شديد، غادر السيارة ضارباً الباب بقوة واتجه نحو القرية راجلاً وغاضباً يأكل نفسه من الندم لأنه لم يعرف الخبر في الوقت المناسب، ولو عرف الخبر في حينه لذبح السرجان بسكين صدئة كي يطلق شخيراً مثل شخير الحلوف البري ويصارع الموت ليلة كاملة قبل أن يلفظ أنفاسه.‏

لم يلتفع نحو السرجان الذي خرج هو أيضاً من السيارة راكضاً وراءه، صائحاً:‏

- إنك تظلمني.. أقسم لك بشرفي وأمي المدفونة تحت التراب وبدم الشهداء الطاهر أنني لم أبع أحداً.. من قال لك هذا الكلام؟ أنا مستعد لمواجهته.. أنا بريء.. أنا بريء.. كان يتوسّل يتضرّع، يريد أن يبكي، أن يفعل أي شيء لاثبات براءته أمام مصطفى الذي واصل سيره ولم يهتم بكلامه. كان مقتنعاً بفعل الخيانة، اقتناعاً راسخاً لا يزحزحه زالزال مهما كان عنفوانه، كان يفكر بسرعة جنوينة، ومخه يغلي غلياناً بركانياً وصوت العجوز التي اعترفت له بالسر يرن في أذنيه، مدوياً ومتحدياً كل الأصوات، كأنه يستمع إليه في اللحظة نفسها، رغم مرور سنوات طويلة منذ ذلك اليوم الذي قاده الطريق إلى إحدى الدشور المجاورة للقرية، وأثناء عبوره الدروب الملتوية، صادف عجوزاً ترعى بعض الماعز فسلم عليها وردت عليه منادية إياه باسمه، فسألها إن كانت تعرفه فأجابته: تعرف الأسود في كل مكان.‏

كان متعباً من المشي، فاغتنم الفرصة ليستريح قليلاً، وتجاذب معها أطراف الحديث فاتضح أنه يعرف ابنها الشهيد ابراهيم الذي قتل في احدى المعارك. وقالت أن لها ابنا آخر هاجر إلى فرنسا ولم تعد تسمع عن أخباره شيئاً، فلولا بناتها الخمس لماتت جوعاً وافترس الذئاب جثتها الهزيلة الناشفة. كانا على قمة رابية، والقرية تبدو واضحة المعالم في الأسفل وكانت الأشغال قد انطلقت في تشييد قصر السرجان وكان قد كثر الحديث العجيب عن أسرار قصره من الداخل. نطقت دون مقدمات:‏

manal*****lolo
05-13-2009, 01:18 PM
- الخونة يمتلكون نفس امتيازات المجاهدين أو أكثر، أما عائلات الشهداء فقد نسيها الجميع ولم يهتم بها أحد. السرجان الخائن الذي باع الشهيد سي السعيد أصبح اليوم آمناً ومرفها يبني القصور،وزوجة سي السعيد تعمل خدامة في المدرسة مع النشاف والمكنسة.‏

تساءل مصطفى عمروش مستقصياً:‏

- ماذا تقولين؟ السرجان هو الذي باع سي السعيد للجيش الفرنسي، من أين لك هذا الخبر الخطير؟‏

- نعم يا سي مصطفى السرجان التاجر العظيم اليوم هو الذي أخبر مسيو غوميز بمكان اختفاء سي السعيد يرحمه الله برحمته الواسعة.. كنت خادمة عند "مسيو غوميز المير" وكان السرجان يتردد باستمرار على داره ليفيده ببعض أخبار المجاهدين، ثم مباشرة بعد انصرافه، يتصل "مسيو غميز " هاتفياً، بالقبطان الفرنسي في "لاصاص" ليتخذ الاجراءات اللازمة ضد الجبهة.‏

وذات مرة كنت أستعد للخروج من عند مسيو غوميز حين دخل السرجان لاهثاً وبعد التحية مباشرة عرفه بمكان وجود المجاهد الجريح، وفي لحظتها رفع مسيو غوميز التليفون واتصل بالقبطان، انصرفت وكاد الغضب ينسيني لباس "الحايك"، آكل نفسي من العجز والضعف أقلهم ، وقبل أن أغادر القرية، كانت السيارات العسكرية تحاصر دار لالة فطومة، عدت إلى هذا القربي الذي تراه أمامك، فهو لم يتغير وما زال على حاله منذ بناه زوجي رحمه الله بعد حرب الألمان، بت ليلة سوداء وبكيت بكاء مراً علي سي السعيد وعلى زوجي الذي كان قد توفي قبل ذلك بأقل من نصف سنة وهو يتقبأ الدم من صدره المهرس.‏

في تلك الليلة لم أكف عن طلب الله بأن ينزل عقوبة جهنمية على السرجان يسخطه ويحوله إلى كلب أجرب أو جيفة نتنة. ولكن حكمة الله فوق الجميع. عاش السرجان وكل يوم يمر يزداد غني وتجبرا.‏

- ولكن لماذا لم تخبري المجاهدين؟‏

- من أين لي أن أعرف وجه المجاهدين؟ كنا نسمع عنهم ويصلنا دوي الرصاص في الجبال والوديان ولكننا لا نعرف أحداً منهم. كان ابني ابراهيم معهم ولم أره بعد صعوده أبداً.‏

أخبرنا أحدهم بأنه سقط شهيداً في أحد الوديان ولم نتشرف حتى بدفنه ولا نعرف قبره إلى حد الآن، كنت عجوزاً خفت من بطش "مسيو غوميز" والسرجان، كنت مغلوبة على أمري وحيدة مع بنائي الخمسة وابني الذي لا يتجاوزالخامسة من عمره. كنا نسكن في هذا الكوخ وحدنا، لا رجل يحمينا، كانت الظروف قاسية.. والآن تعرف الحقيقة ولكن لا يمكن أن نتكلم. لو يسمع السرجان يستعين بالدرك ويطردوننا من كوخنا وربما يدخلوننا الحبس.. إنه قوي والحكومة معه.. انظر إلى قصره فقط كيف يبنيه بدون مساعدة الحكومة.‏

تنبه مصطفى عمروش إلى السبب الذي أدى إلى عدم ضبط السرجان متلبساً بالخيانة، كان يتصل برئيس البلدية الذي يتصل بدوره بالجيش والدرك. حسب لها حسابات ملتوية. في تلك اللحظة فكر في ذبح السرجان أو قتله بالرصاص وراودته الفكرة أياماً ثم اندثرت.‏

كتم السر لنفسه، إذ لا تفيد إذاعته في شيء. العفو الشامل يحمي كل الخونة والحركة إلى الأبد.‏

أدرك سكان قرية عين الفكرون المتراصفين داخل المقاهي حول الكارطة والدومينو والمتسكعين عبر الشاعر الكبير الوحيد يذرعونه ذهاباً واياباً في استمرارية رتيبة لقتل الوقت وجلب التعب لأجسامهم الرخوة كي يتمكنوا من النوم في هذه الليالي القائظة،أن خلافاً حاداً دبَّ بين الرجلين وأن الصراع لا ينتهي بخير منذ شاهدوا السرجان راجعاً وحده في سيارته بعد أن غادر القرية برفقة مصطفى عمروش.‏

ارتعدت أوصالهم وتخيلوا أشياء لا تحدث دائماً إلا في أفلام العنف والمغامرات التي يشاهدونها يومياً مسمرين أمام أجهزة التلفزيون، هذه الأجهزة التي انتشرت مثل الجراد حتى أصبحت العائلة الواحدة الساكنة في شقة واحدة تملك ثلاثة منها تفادياً للمناظر المحرمة اللاأخلاقية حفاظاً على مظاهر الشرف والأصالة، فيختلي الأولاد بجهاز في غرفة وتتحاشر البنات أمام جهاز ثاني وينفرد الأب مع زوجته بجهاز ثالث في غرفته كي يشاهد ما يقدم من الأفلام دون خجل أوحرج من أي نوع. أما العائلة التي قابلتها الدنيا بأستها وتتحاشر مرغمة في غرفة واحدة، فيكتفي أفرادها بالتنحنح والانشغال بالحديث المفتعل كما ظهرت فاتنة على الشاشة تعرض مفاتنها المغرية.‏

manal*****lolo
05-13-2009, 01:19 PM
وخافوا أن يكون السرجان قد عملها وتخلص من مصطفى عمروش في لحظة غضب، ولكنهم سرعان ما تنفسوا الصعداء وهم يشاهدون هذا الأخير قادماً تجاه القرية يمشي بسرعة على حافة الطريق منشغل البال ومضطرب الحال يكتم غيظاً عظيماً، أصر مصطفى عمروش على العودة إلى القرية راجلاً رغم توسلات السرجان الذي تبعه، واقتفى أثره راكضاً على قدميه أول الأمر ثم امتطى سيارته ولحق به طالباً منه الركوب تفادياً لكلام الناس وتمتماتهم القائلة.‏

ماذا يكون موقف أهل القرية بعدما يشاهدوا الرجلين عائدين منفردين وقد غادرا القرية في سيارة واحدة، ولم ينطق مصطفى عمروش بحرف واحد ، تابع سيره مطرقاً رأسه ومقسماً مع نفسه أن لا يمتطي سيارة السرجان أبداً حتى ولو عاش قرناً ونيفاً من الزمن وأصيب بشلل كلي ووجدنفسه منعزلاً في مكان قفر خال تماماً من السيارات إلا سيارته لما ركبها ولتحمل الزحف على البطن مثل الدودة التي لا حول لها ولا قوة عبر كل الدروب الملتوية الوعرة إلى أن يلفظ آخر أنفاسه ويستريح.‏

كتم الرجلان سرّ الخلاف ولم يروياه لأحد. ورغم ذلك روى الناس حكاية الاختلاف بتفاصيل كثيرة، كأنهم كانوا محلقين حول السيارة يشاهدون ويسمعون ما يجري بداخلها أو أنهم يسردون حكاية شاهدوا وقائعها في التلفزة.‏

عرف أهل القرية أن السرجان طلب شهادة نضال في صفوف الثورة وأن مصطفى عمروش رفض الامضاء، واتهمه بالخيانة.‏

ولم يتوقف الصراع عند هذا الحد بل تعمق وتشعب مع ما يرويه الناس من حكايات من ماضي الرجلين حيث ارتفع عندهم الحماس في نبش قبور الذاكرات ونفض الغبار ونزع خيوط العنكبوت عن كل صغيرة وكبيرة تخص حياتهما. يترقب الجميع تصرف كلا الرجلين ويتشوقون لروايتها كل مساء كنشرة أخبار يومية، في البداية كان الصراع ملغماً ولكنه صامت دون مواجهة، ثم تجذر موقف السرجان وتطرف، حيث إنفلت من السر والكتمان إلى الجهر والعلائية. فراح يعلن في الملأ لزملائه وبصوت جهوري مرتفع في نبرة متحدية:‏

- سأخذ البطاقة بالمليح أو القبيح، سأخذها رغم أنف مصطفى عمروش الذي يحسب نفسه المجاهد الوحيد في هذه القرية.. كلنا ساعدنا الثورة..المجاهدون كانوا يترددون على داري ونجلس الليالي الطوال نتحدث في أمور تخص استقلال البلاد. كنا نخطط إلى ما بعد الثورة وكنت أزودهم بمعلومات سرية عن الجيش الفرنسي، وخططه العسكرية، كنت أعرف كل شيء عنه، تعلمتها أيام كنت في صفوفه.. في حرب الألمان.. وفي حرب الأندوشين.. ماذا كان مصطفى هذا؟‏

- حارساً لمغاور لاغير ، ولم يشارك في أية معركة بل كان يعجن مع زوجته ويحضران الأكل للمجاهدين الحقيقين . كان مثل المرأة تماماً .. واليوم ينصب نفسه وصياً عن الثورة‏

سنرى من هو الأقوى.. سأتصل بأصدقائي المجاهدين الحقيقيين في العاصمة وسيطردونه من مكانه، إن لم أكن أنا السرجان.. وإلا ما كنت أنا سرجانا.‏

manal*****lolo
05-13-2009, 01:19 PM
كان يتكيء على الجانب الخارجي للكونطوار الطويل داخل مقهاه، يحيط به مجموعة من الرجال من أصدقائه ومن بعض المعارف البعيدين الفضوليين، يتعمد رفع صوته كي يسمع الصالة بكاملها، يتظاهر الجالسون بلعب الدومينو ولكن كل جوارحهم متيقظة لاستقبال حديثه والتمتع بعد ذلك بروايته. ويصل الخبر إلى مصطفى عمروش مباشرة بعد اذاعته، لربما يكون السرجان لم يغادر المقهي بعد، تنتشر الأخبار بسرعة البرق. ولا يُخفي خبر مهما كان خطيراً، بل بالعكس نوعية هذه الأخبار غير العادية هي التي يتسارع الناس ويتلذذون في روايتها. الكل يعرف الكل عن الكل، لم يتسرّع مصطفى عمروش إلى الاجابة عن اشاعات خصمه بل تريث وانتظر أن تمر الزوبعة بسلام، رغم الانفعال والغضب الظاهرين على قسمات وجهه وأصابعه المرتعشة قليلاً وبريق عينيه السوداوين اللتين تحلمان بانتقام ما، يكون لون الدم الأحمر القاني هو اللون الطاغي على كل الألوان مهما تضاعفت كثافتها. نصحه بعض أصدقائه المقربين بتجنب شر السرجان وبطشه. إنه قوي بماله وعلاقاته المتشعبة مع مسؤولين كبار في الدولة بل منهم من قالها صراحة دون التواء، الامضاء والتخلص من الأشكال، إنها بطاقة بسيطة لا تنفعه في شيء ولا تضر منظمة المجاهدين، هو شيخ بدأ يخرف يملك كل شيء إلا هذه البطاقة التي يتصور أنها ستعيد إليه الاعتبار، ربما يشعر بالندم من تصرفاته إبان الثورة ويريد إراحة ضميره. كاد مصطفى عمروش يعترف جهراً بواقعة الخيانة وأن الذي باع مجاهداً جريحاً مصاباً بخمس رصاصات إلى الجيش الفرنسي يستحق الذبح أو الشنق أو الدفن حياً.‏

فكيف يمنح بطاقة نضال لخائن كان يتبختر في النعيم فيما كان الثوار مطاردين كالذئاب عبر الأودية والغابات الموحشة، هروباً دوماً من القنابل المحرقة والتمشيط العسكري الشامل متحملين البرد القارس وارتفاع حرارة الطقس والجوع والعري والحفى، ولكنه تراجع في نهاية المطاف متحججاً بعدم تعميق وتوسيع الجرح، بعد أيام سيصمت السرجان وينشغل بأعماله وينسي قصة البطاقة، نهائياً، خمن هذا الكلام دون أن يحسب حساباً لتعنت السرجان وإلحاحه على أخذ البطاقة مهما كلفه ثمنها.تعود ريح كل القضايا التي يخوضها، فما معنى أن يخسر هذه بالذات؟ فلم يتراجع ولم يتنازل عما أسماه حقاً شرعياً له، بل طفق يعلن جهراً في كل مناسبة وفي كل مكان عن نيته في أخذ البطاقة النضالية ومن امضاء مصطفى عمروش نفسه مستعداً لاستعمال كل الوسائل الممكنة وغير الممكنة فهو قادر على صنع المعجزات.. إنه السرجان سي أحمد تكوش.. من لا يعرفه في المنطقة؟ تجاوزت أخباره قرية عين الفكرون وتسربت إلى غاية العاصمة، ابتدأ من لا شيء وجمع ثروة ضخمة تعجز عن عدها الحاسبة الالكترونية ويمكنه الافتخار بدون خجل أنه من بين أكبر أثرياء البلاد إن لم يكن أثراهم جميعاً مثلما يحلو له أن يعلق مزهواً.‏

manal*****lolo
05-13-2009, 01:19 PM
اتصل بالمجاهدين واحداً واحداً وكلمهم عن نيته التي وصفها بالشرعية وأن مطلبه حق من حقوقه مثله مثل غيره من الناس، ثم ذكَّرهم بأسماء رجال يملكون البطاقة النضالية وهم لم يغادروا ديارهم طوال السنوات السبع، بل كان بعضهم يغازل السلطة الاستعمارية ولم يكن يتردد في افشاء أسرار مهمة تسيء إلى الثورة، ومن هذه النقطة توسع الصراع ولم يبق بين الخصمين بل مس مجموعة من الذين تحصلوا علي البطاقة بطرق ملتوية مع فوضي الاستقلال. هدد السرجان بفضح الأسماء المزورة إذا رفضت له البطاقة، وأضاف أنه يملك معلومات خطيرة عن بعضهم.‏

بعد مد وجزر، قررت المنظمة عقد اجتماع طاريء لتدارس الوضع تفادياً لتدهور وتسرب بعض المعلومات إلى السلطة العليا التي ستوفد لجنة للمراقبة والتحري في القضية، هكذا خرج مصطفى عمروش مبكراً في هذه الصبيحة القائظة متوجهاً نحو مقر المنظمة ليترأس الاجتماع المصيري الذي سيفصل في الأمر بصفة نهائية حينما التقي في طريقه بالسرجان والحاج محمد مجبور. لو كان الأول وحده لما توقف. كان الحاج مجبور طاعناً في السن يتجاوز السبعين ومجاهداً قديماً من السنوات الأولى للثورة، اعتزل الحياة في السنوات الأخيرة وبالضبط منذ أدائه لفريضة الحج لم يعد مصطفى عمروش يراه إلا نادراً ، تقدم نحو السيارة سلم علي الحاج مجبور، متجاهلاً السرجان الذي اشتم بدوره توتر الجوّ ولزم السكوت مكتفياً بالسماع. قال الحاج مجبور في نبرة الخاشع والواعظ الديني.‏

- صلي على النبي ياسي مصطفى.. وقدر الموقف برزانة وحكمة، بطاقة تُرضي غرور شيخ مسنّ، لا تضر أحداً... فهو لم يخن علي أية حال وأكد أنه دفع الاشتراكات للجبهة.. نحن لا نريد مشاكل في هذه القرية، وبماله يساعد البلدية في اتمام مشاريع متعددة وهو مستعد لبناء مسجد كبير بثروته وعماله وألاته دون مساعدة من أحد، إنه يطلب التوبة.‏

فكن حكيماً وقف بجانبه في الاجتماع أو على الأقل التزم الحياد واترك الجماعة تقرر..‏

manal*****lolo
05-13-2009, 01:19 PM
لم يكن مصطفى عمروش ينتظر مثل هذا الموقف من صديقه القديم. تأمله قليلاً، هز رأسه بمرارة وقال: الله يهديك ياسي الحاج... أنت زرت بيت الله وقبر النبي المصطفى، وانعزلت للعبارة، فما الذي حشرك في هذه الزوبعة؟ عد إلى دارك ودعك من المشاكل... قفل راجعاً بعد ذلك وأتمم بقية المسافة دون أن يتوصل إلى تنظيم تفكيره وازالة الاضطراب والتوتر، استرسل في خطاب داخلي منفعل تكاد الكلمات تطفو على شفتيه اليابستين من ارتفاع الحرارة:‏

" إذا أراد التوبة فليطلبها من الله، هو وحده الذي يقبلها أو يرفضها... أما البطاقة فما دمت حياً وفي هذا المنصب أقسم بروح كل الشهداء الأبرار أنه لن يراها... سأفضحه في الاجتماع بحضور الجميع، أتوقع أن يسانده كثير من أخواننا المجاهدين الذين لا يعرفون الحقيقة أو أشباه المجاهدين الذين لا يملكون من الجهاد إلا البطاقة، ولكني سأرفض رفضاً قاطعاً، أن أتنازل عن موقفي، لن ألطخ ذكرى سي السعيد ومعه كل الشهداء.‏

قاوم البطل التعذيب المرعب أسبوعاً بأكمله رغم الجرح ولم ينطق الا صراخاً وأنيناً.‏

يتصور مسيو السرجان أنه يشتري كل شيء بماله.. فليبن مسجداً بل آلاف المساجد... ماذا تفعل قرية عين الفكرون بالمسجد؟ يصلي المسلم في أي مكان... ومسجدنا يكفي لجمهور المصلين، توجد أشياء لا تشترى حتى بالذهب الخالص. لم أبع كرامتي بالأمس ولن أبيعها اليوم وأنا لم يبق لي من الدنيا إلا القليل."‏

أشرف علي مقر القسمة فلاحظ جمهوراً غفيراً من الرجال كهولاً وشيوخاً وافقين وسط الساحة في حلقات ثنائية وثلاثية ورباعية يتجاذبون أطراف الحديث في حماس ظاهر وملفت للانتباه، لحظة تشبه فترة انتخابات المجلس الشعبي البلدي. حينما اجتاز سياج الحديقة هرع الجميع يسلمون عليه، مصافحين ومقبلين، فأنشغل بالحديث مع رفاق السلاح وأصدقاء الطفولة متناسياً لفترة ما قلقه وترتر أعصابه وملاحقة السرجان له حتى في أحلامه.‏

manal*****lolo
05-13-2009, 01:21 PM
الفصل الثاني‏

تمدد بطوله الفارع على الفراش يستريح قليلاً من الحرارة المضطرمة خارج البيت، وربما يستغرق في نوم ينسيه القلق والحيرة والتعب. كان الضوء يتسرب خافتاً من الفتحات الضيقة للنافذة الخشبية ولكنه لا يصل إلى حد اغراق الغرفة كلية. فبقي الجو بداخلها مظللاً ودافئاً يرخي العضلات ويجذب النوم باغراء أينما كان مختفياً هارباً هو الآخر من الاضطرام السائد وسط القيلولة، أدار الراديو الموضوع بجانبه، فأنطلق صوت المذيع، وتيباً متنأوماً يذيع الأخبار الوطنية والعالمية، بنفس الوتيرة المتواصلة لا يفرق بين أخبار مهمة وأخرى تافهة، بين أحداث جديدة وأخرى قديمة ما فتىء يكررها ويلوكها منذ أيام دون ملل أو سأم. انساق مصطفى عمروش خلف الصوت لدقائق معدودة ثم هاجره بدون وعي منه إلى هواجسه الباطنية التي تلاحقه وتطارده وتجذبه إليها بقوة المغناطيس أو الجاذبية الأرضية. بعد مدة لا يعرف كم استغرقت من الوقت أعادته موسيقى صحراوية رتبية مثل الجو الحار ساعة الظهيرة إلى الاحساس بالعالم المحيط به، فانبعث صوت المغني الجهوري، صاحب النبرات الخشنة في مد طويل يليق بالفضاءات الشاسعة الممتدة إلى ما لانهاية، فلاة مسطحة وخط مستقيم لا يكسره حاجز مهما كانت أهميته من أشجار باسقة أو تلال شامخة أو واحات منقذة. موسيقى صحراوية بسيطة، تلك هي المقاطع المفضلة عنده، يسرح خلفها في فضاءاته الممتدة إلى أقصى ما تصله العين النافذة والمخيلة الجامحة، لحظة لذيذة، غرق في ثنايا أحابيلها حالماً بأشياء جميلة مزينة بكل الألوان الناصعة ما عدا الأحمر القاني. وفجأة انتقطعت الأغنية وعاد صوت المذيع مزعجاً ومعه استيقظت آلامه وعامت على السطح مضطهدة لحظات السكينة المجلبة للنوم المريح.‏

من ساحة المنزل تواصل إليه صراخ ابنه الأصغر المدلل ثم صوت الأم ناهراً مزمجراً، ومهدداً ابنها الثاني الذي يكبر الأول بسنوات قليلة ويكون قد تخطى سياج الحديقة، بمجرد ظهور الأم علي عتبة الباب قادمة من المطبخ. يختفي حتى تهدأ أعصابها ثم يعود مختلساً محاذياً الجدران كالذئب الخطاف. انقطع البكاء وهدأت الأصوات وعاد الصمت الثقيل من جديد ومعه الحرارة الجافة التي يبدو أنه تصاحب السكون فترتفع بارتفاعه وتضعف بضعفه، وعاد مصطفى عمروش إلى القلق والحيرة والذكريات المحزنة والمؤلمة.‏

كان صدره عارياً ويداه مضمومتين خلف رأسه ومسندتين إلى المخدة الصوفية ويمسح ببصره وجه الجدار المقابل وبالضبط الصورة الكبيرة المعلقة في وسطه، صورة محمية من التمزق والبلي داخل إطار زجاجي من الوجه الأمامي المكشوف وإطار خشبي من الوجه الخلفي المخفي. تمثل رجلين وامرأة شابة تبتسم بخجل وحشمة، يلبس ثلاثتهم زياً عسكرياً، وهم واقفون بثبات وافتخار قرب أشجار الصنوبر وبعض النباتات المتوحشة المورقة التي توحي للناظر بأن الصورة التقطت في يوم من الأيام الربيعية الزاهية وسط غابة ما. كانت الفتاة تتوسط الرجلين، قصيرة القامة لكنها ممتلئة وعلى رأسها قبعة كبيرة وفي وسط ذراعها الأيسر قطعة من القماش الأبيض رُسِمَتْ عليه خطوطاً بالأحمر، فهي فارغة اليدين فيما كان المجاهدان يحمل كل واحد منهما بندقية حرب على كتفه، محكماً إياها بشدة واعتزاز كأنه يخاف أن تفلت منه وتسقط على الأرض وتتركه يتيماً بدون حماية. كان مصطفى عمروش يقف على يمين الفتاة فيما وقف على يسارها صديقه الحميم صديق الصبا والطفولة والشباب علي زغمار الذي استشهد بعد أسبوع فقط من أخذ الصورة، استحضر الوجه البشوش، الوجه الذي تشبثت قساماته بكل تفاصيلها في ذاكرته حياً نابضاً، يتدفق حركة، وبريق العينين الشديدة السواد رغم مرور سنوات طوال منذ اليوم الذي استشهد فيه صاحب الوجه العزيز، حيث تمزق جسمه إرباً إرباً وأصبح كومة مشوهة من اللحم والعظام والدم المخثر والتراب والحصي بعد أن أصيب باحدى القنابل المميتة المنبعثة كالصاعقة من الطائرات العسكرية المسربلة المحومة فوق رؤوس المجاهدين المذعورين الذين لم يعرفوا أين مسلك النجاة من الجحيم الجهنمي قتل الكثير منهم في تلك المعركة ، وجرح مصطفى عمروش بشظايا متفجر جروحاً خفيفة التئمت آثارها بعد أسابيع . كما استحضر صوته وضحكاته المرتفعة المدوية ، وطريقة مشيه وركضه فعاش لحظات مفرحة وأخرى محزنة ، في حنين قاتل إلى العودة إلى الماضي الذي كانت فيه الحياة غالية يضطر الانسان إلى الدفاع عنها بكل ما يملك، ماض يعرف دوي الكلمة وقيمة الوعد وحرارة الدفاع عن قيم لاقيمة لمال الدنيا كله بجانبها. بعد سنوات من الاستقلال الوطني حينما انتشرت موضة البحث عن جثث الشهداء واعادة دفنها في مقابر جماعية جميلة مزينة بالورود المتفتحة والرسوم النحتية المعبرة، عاد إلى ميدان المعركة التي قتل أثناءها صديقه. كان ضمن وفد كلف رسمياً بالبحث عن الرفاة، فاتصلوا بسكان الناحية وعثروا على رجل ما زالت ذاكرته نابضة بالحياة فأعادهم إلى تلك الأيام البطولية الراسخة، يومها، اندس الرجل وسط الغابة يقطع الديس الأخضر ليغطي به سقف غرفة جديدة يخصصها لابنه البكر الذي كان سيتزوج في تلك الصائفة فسمع دوي الرصاص المتعالي وصوت "الله أكبر" الرهيب فأدرك بالعادة أن اشتباكاً قد واجه المجاهدين ضد الجيش الفرنسي.‏

manal*****lolo
05-13-2009, 01:26 PM
ابتعد عن المكان متسللاً بين الأشجار والأحراش لكنه لم يذهب بعيداً حينما تواصل إلى أذنيه خرير محركات الطائرات الحربية التي تمطر ناراً ملتهبة، يرعد المنطقة كلها، فانحتى وسط "ضَرْوَة" يبسمل ويحمد الله ويطلب النجاة متمتماً بين شفتيه عبارات متلعثمة غامضة. استمر القصف مرعباً، يزرع الموت والدمار والعقم، والطائرات محلقة في ذهاب واياب دون توقف. انفجرت قنبلة أولى لم تصبه شظاياها، بقي مختفياً في مكانه طيلة يوم كامل ولم يتحرك إلا مع غروب الشمس، بعد أن تأكد من السكون الكلي وانسحاب العساكر من المكان فخرج متسللاً من مخبئه عائداً إلى الدشرة، وأثناء الرجوع سمع وقع أقدام ثقيلة ومتعثرة فانحنى جانباً ينتظر خائفاً وقلقاً، وإذا بمجاهد جريح يتشبث بأغصان الأحراش بيد ويمسك بندقية بيد أخرى يحاول تسلق منحدر متجهاً نحو عمق الغابة.‏

وقال الرجل باعتزاز أنه ساعد المجاهد الجريح على الخروج من المأزق فأدخله داره وقامت أمه بمعالجته ثم اتصل بمسؤول الدشرة الذي أخبر المجاهدين فأرسلوا رجلين في ليلة الغد أخذا معهما الجريح مسرجاً فوق بغل قوي، محملاً بالقمح والشعير والعدس. وأضاف الرجل في رواية مستفيضة أمام الجميع مشاركته في دفن القتلى مع سكان الدشرة، فهالوا وذعروا للمناظر الوحشية التي عثروا عليها في ساحة المعركة، أجسام مهمشة، ممزقة، جثث ضائعة المعالم، أذرع وسيقان مرمية وحدها، انفصلت بعنف عن الأجسام وبقيت تنزف دماً، حلف الرجل وأقسم بالرب والأنبياء أنه وجد الدم دافئاً لم يتخثر بعد، وجوه ملطخة بالدماء المخلوطة بالتراب والعرق والندى، أعين مفتوحة وثغور تبتسم للسماء الصافي، لم تفقد من حيويتها وفرحها وذعرها شيئاً. وأضاف الرجل باصرار أنه رأى لأول مرة في حياته فرحاً ممتداً لا نهاية له وخوفاً رهيباً على أحد الوجوه الفتية لشاب لم يتجاوزالعشرين، قتل برصاصة في قلبه، وهو الشهيد الوحيد الذي بقي جسمه سليماً، لا جروح عليه ولا تراب. احتار الرجل في تلك اللحظة ولكنه طمأن نفسه بأن الدنيا مليئة بالعجائب وأن الله يخلق من الغرائب مايشاء، دلهم الرجل على القبور المتراصفة تحت أشجار مظللة دون أسماء، قديمة، كان ترابها يستوي مع الأرض، ولم يعرف أهل الدشرة إلا اسم شهيدين كانا من المنطقة . أما بقية القبور فهي مجهولة لا يعرفها ولايزورها أحد لم يعرف مصطفى عمروش أي العظام لصديقه، فالعظام كلها متشابهة، أما الفتاة الشابة الواقفة بين الرجلين فقصتها كانت تروي على غرار الحكايات الشعبية التي تجمع الناس الفقراء في الليالي الشتوية الباردة الطويلة حول الموقد الدافيء. سمع كل أهل المنطقة بقصتها، قصة رددتها بافتخار واعتزاز وأضافت إليها أحداثاً فرعية كي تصبح متكاملة وحلوة للرواية، تغري السامعين.‏

تنهد مصطفى عمروش بعمق، اقتحم الحنين فجأة صدره الذي أصبح يضيق بمثل هذه الذكرايات القاسية كلما تقدم في العمر. أصبح يتألم كثيراً كلما استرجع هذه الذكريات وفي أحيان متعددة تطفح الدموع على سطح عينيه الذابلتين المتعبتين وهو يجهد نفسه لمعرفة نوع الأحاسيس والأفكار والخواطر التي راودت صديقه وهو يحتضر ويلفظ أنفاسه. كانوا جميعاً يستهترون بالموت ويذكرونه في أحاديثهم كشيء عادي. والغريب في الأمر أنهم ينسونه كلياً أثناء المعارك. يفكرون في قتل الأعداء وفي كيفية النجاة والعودة إلى القواعد المخفية وسط الجبال في المغارات المهجورة منذ الأزمنة البعيدة سالمين فرحين، وإذا أصاب الموت المحتوم أحدهم، يتألمون قليلاً، يشعر بعضهم بالفراغ وربما بالخوف ولكن سرعان ما يغادرهم هذا الشعور إذ يقنعون أنفسهم بأن الموت ضروري لربح المعركة الكبرى، وأنهم يقينا سيلتحقون بأصدقائهم وهناك يغمرهم نوع من الابتهاج والسكينة ويتصورون الجنة بمختلف الأشكال في مناظر مبهجة حميلة. حيث النوم العميق والأكل الوفير والدفء والراحة. في السنوات الأخيرة، بدأت خواطر مفزعة تطارد ذهن مصطفى عمروش وتلاحقه دوماً. في ماذا كان يفكر علي زغمار في اللحظة التي أصيب بها بالضربة القاتلة؟ هل مات بالرصاص أم تمزق جسمه بالقنبلة وانفصلت ذراعاه ورجلاه بعيداً عن بقية الأعضاء؟ هل بقي يقظاً ينظر إلى الدم المتفجر من أحد أجزاء جسمه الملقية قربه؟ وتمنى مصطفى من صميم قلبه أن يكون الموت قد أدرك صديقه الحميم في رمشة عين تجعله لا يشعر بوخز الألم وضغطه.‏

وحينما تنهال عليه المشاكل ويكثر القيل والقال حول نزاهة قدماء المجاهدين الذين انساقوا خلف الامتيازات المادية وتحايلوا وتشاجروا وتآمروا من أجلها، ونظرة الناس إليهم وخاصة الشباب الذين يتذمرون ويرون فيهم السبب الرئيسي للبطالة التي ما فتئت تنتشر يوماً بعد يوم، يفضل لو استشهد في احدى المعارك ومات شهيداً ليبقى اسمه نبيلاً طاهراً يذكر باجلال وشموخ أما وهو حي بين أصدقاء تغيروا كلياً وأصبحوا يعتبرون هذه الامتيازات التي يسمح بها القانون حقاً شرعياً، مكافأة لهم تعويضاً عن الجوع والعري والتعب والخوف أيام الثورة التحريرية فلا مفر من السكوت وتقبل الانتقادات بصبر وتبصر.‏

سمع مرة شاباً يحاور صديقه، وهو داخل الحافلة ذاهباً إلى العاصمة يتكلم بصوت مرتفع يملؤه الحقد والغضب، قائلاً بأن المجاهدين استولوا على كل شيء، سيارات مساكن محلات تجارية، مناصب شغل ولا يمكنك أن تحاسبهم على فعل خاطىء أو تغيّب. انتفض بداخله واستشاط غضباً لحظتها ولكنه صمت ولم يقل شيئاً إذ في انتقادات الشاب كثير من الصواب. حينما كانوا يجوبون الجبال والأودية، راودهم أمل وحيد، ليلاً ونهاراً، أكبر مكافأة تمنح لهم استقلال البلاد والعودة إلى عائلاتهم والتخلص النهائي من المطاردات والانتظار القاتل.‏

حورية، طفلة مرحة، ضحوكة دوماً، يعرفها منذ كانا صغيرين يركضان معاً ويجلبان الماء من الوادي عبر دروب وعرة ملتوية موحلة في قر الشتاء ومغبرة في قيظ الصيف. كان يكبرها بثلاث سنوات لاغير. ونمت بينهما صداقة متينة مليئة بالاعجاب والتفاهم، وكبر هذا الشعور معهما إلى أن أضحى حباً قوياً يتحمل المصائب والتضحيات، يلتقيان علانية ويتحدثان طويلاً عن كل شيء يخطر على بالهما، لم يكن الحديث يهمهما بقدر ما كان هاجسهما الوحيد هو المكوث معاً ولأمد طويل بما أن لا شيء يخفي في القرية الصغيرة، فما هو سبب التستر والحذر؟ كانت عائلتهما على دراية بكل لقاءاتهما، ولم تمانعا منتظرتين اليوم الذي تحين فيه الظروف لإقامة عرس كبير لإسعادهما ولكن هذا العرس لم يتم أبداً، أو على الأقل لم يتم بالصورة التي تصورتها العائلتان.‏

في تلك السنين تغيرت حياة السكان في المنطقة كلها رأساً على عقب، كما تغيرت أحاديث الناس واهتماماتهم، فبعد أن كانت الحياة عادية، رتيبة، يتخبط سكانها في البحث عن لقمة الخبز دون الجرأة على رفع أصابعهم للاتهام الصريح والجهوري، وكادوا يفقدون الأمل في تحسين ظروف معيشتهم ويقنعون أنفسهم زوراً وبهتاناً بأن ما يتخبطون فيه من وحل ملطخ بالشر، إنما عقوبة الهية شرسة عن ذنوب اقترفها أجدادهم في يوم ما من الأزمنة الغابرة ولا مفر من التكيف معها والصبر على منوال النبي أيوب.. ربما في يوم ما...‏

وفجأة طفق أهل القرية يغلون ويفورون داخلياً، ويترقبون الأخبار بفارغ الصبر. اندلعت الثورة لتحرير الوطن وطرد المستعمرين بصفة نهائية، امتلأت الجبال المجاورة لهم بمجموعات مسلحة من المجاهدين أتوا من كل مكان واتصلوا ببعض الرجال من القرية. كان مصطفى عمروش شاباً قوياً وشجاعاً فتحمس كثيراً لما يحدث حوله. استهوته الأخبار وحب المغامرة وهاجس التخلص من المعمرين الذين يشتغل في مزارعهم مقابل ثمن زهيد. تكلم مع صديقه علي زغمار واقترح عليه الالتحاق بالأخوة في الجبال الشاسعة المحيطة بالقرية فوافق الصديق على الفور.‏

ومكث مصطفى متردداً لأيام فيما إذا كان يحق له مصارحة حورية بمشروعه، أم لا. وانتهى إلى رأي يقضي باعلامها. انتظر خروجها لجلب الماء فرافقها مسافة قصيرة، وهو صامت لا يعرف من أين يمسك الخيط. تنبهت حورية إلى حيرته وتساءلت عن السبب بدون مقدمات ودفعة واحدة، أجابها مرتبكاً، بنبرة فخورة لا تعرف الخوف أو التراجع:‏

- سألتحق بالمجاهدين في الجبال لتحرير الوطن.‏

manal*****lolo
05-13-2009, 01:27 PM
لفظ العبارة بخفة، تماماً مثل مطر الإعصار الذي ينهمر فجأة وبكميات كبيرة ثم ينقطع بعد حين، لم تجبه مباشرة. توقفت عن السير، طأطأت رأسها فترة وجيزة ثم نظرت إلى التلال المقابلة لهما، وقالت بصوت ثابت ونبرة حادة:‏

هل يقبل المجاهديون النساء في صفوفهم؟ ابتسم مندهشاً وحدق في بياض عينيها قائلاً:‏

- أنا أتكلم بجد، لا أمزح.. الحياة في الجبال صعبة للرجال، فكيف يقبلون النساء أنهم يحاربون بالبنادق والرصاص..‏

أراد أن يقول لها أكثر من حياة الجبال لكنه يجهلها. ولكن رغم عدم معرفته بها فهو متأكد أنهم لا يقبلون النساء لأن المحارب ينبغي أن يكون خفيفاً كي يتنقل بسرعة ويسير في الليالي وينام وسط الأحراش والأودية، هل تتحمل المرأة هذه الحياة الشاقة؟ طبعاً لا.. خيم الحزن والمرارة على وجه حورية البريء.. ومكثت تفكر ملياً ثم فجأة برقت عيناها وقالت بخفة كأنها خائفة من تبخر فكرتها:‏

- ومن سيحضر لكم الخبز والطعام؟ أعرف. كل هذه الأشياء... تعلمت من أمي جيداً...‏

- اسمعي يا حورية... دعك من الكلام الفارغ، واكتمي السر ولا تخبري أحداً... نحن نذهب لنحارب فرنسا، أفهمت... لا نصعد إلى الجبال لجمع الحطب بل لمحاربة فرنسا، وهذه مسألة تخص الرجال دون النساء...‏

- بعد أن تلتحق بالمجاهدين، سأجيب من يسألني بأن مصطفى مجاهد كبير...‏

أجابت باعتزاز وكبرياء، رافعة رأسها باستقامة ثابتة. سكتت ثم قالت بخجل وارتباك موجهة بصرها نحو التراب:‏

- سأنتظرك يا مصطفى حافظ على نفسك والله يكون معك.‏

بعد يومين من هذا اللقاء الخاطف اقتفي مصطفى عمروش وصديقه علي زغمار آثار الدروب المُثعبنة وسط الأحراش التي لا تغطي جسميهما كلية ثم دفا وسط غابة من أشجار الصنبوبر والبلوط كثيفة الورق والأغصان، والتي لا توحي بوجود حياة إنسانية بداخلها، تأبطا معهما كيساً خيشياً يستعمل للقمح والشعير، رمياً فيه بعض اللوازم الخاصة من اللباس والأكل، وطافا وسط التلال والأودية بحثاً عن المجاهدين.‏

كانا يتصوران أنهما بمجرد الولوج داخل أول غابة، سيصادفان أفواجاً من الرجال الأشداء مدججين بكل أنواع الأسلحة، وسيستقبلان بالأحضان المفتوحة على مصراعيها، وتمنح لهما الرشاشات والبدلات العسكرية، ومباشرة تنطلق المعارك ويعيش الصديقان البطولات العجيبة. غدرا القرية في الصباح الباكر قبل انبلاج الفجر، فأشرقت الشمس مبتسمة ودارت دورة كاملة وأوشكت على الغروب، ولم يعثرا على شبح مجاهد واحد. أصابهما القلق والتعب والجوع، فاختارا لهما مكاناً آمناً تحت شجرة بلوط ضخمة، أكلا قليلاً وجلسا يتساءلان حائرين عن المكان الذي يخفي المجاهدين. توقعا مختلف الاحتمالات الممكنة حتى التي مفادها أن وجودهم اشاعة باطلة اخترعها الناس لتخويف المعمرين. ولكن ايمانهم بوجود "الخاوة" كان قوياً لا تزعزعه الشكوك ولا يضعفه يوم كامل من البحث الدؤوب. بقيت تساؤلاتهم معلقة في الفضاء بلا مجيب، ناما تلك الليلة بالتناوب مسترقين السمع إلى عواء الذئاب ونعيق الضفادع المنبثق من كل الأرجاء. وفي الصباح الباكر مع انقشاع أول خيوط الظلمة، كان الصديقان مستعدين للبحث وباصرار أكبر هذه المرة. المنطقة جبلية، تغطي الأشجار مساحتها، وهي خالية من السكان. بلّل الندى ثيابهما أثناء الاحتكاك بالأغصان المورقة وأصاب وجهاهما وأذرعهما بخدوش بسيطة، أسالت بعض قطرات الدماء. حينما ارتفعت الشمس وكونت زاوية مستقيمة مع الأشجار، تضاعفت حرارتها مما اضطرهما إلى الاستراحة تحت ظل غصن مورق يحجب رؤية أديم السماء. لم يسمعا أي صوت حتى وجدا رجلاً واقفاً على رأسيهما متسائلاً بنبرة حادة:‏

- ماذا تفعلان هنا في هذه الغابات البعيدة؟ صعقهما الرجل بسؤاله وهيئته الوقورة. كان واقفاً بثبات يرتدي قشابية صوفية بنية اللون، غطت كل جسمه ما عاد ذراعه الأيسر، وعلى رأسه شاشية حمراء. تبادلا الصديقان نظرات حائرة وأدرك مصطفى بحدسه أن هذا الرجل منهم بلاشك فوقف بخفة وقال:‏

- جئنا عندكم.. كنا نبحث عنكم منذ صباح أمس: تبحث عن من؟‏

- المجاهدين... جئنا نحرر الجزائر... نحارب فرنسا..- ومن قال لكم بأنكم ستجدون المجاهدين هنا؟ أنا أسكن المنطقة ولا أعرفهم ولم أسمع عنهم شيئاً. احتار مصطفى أي الإجابة الملائمة يقدمها للرجل الغريب. تردد قليلاً، تلعثم ولكن سبقه صديقه علي في الرد السريع العفوي- في قرية عين الفكرون سمعنا بأن "الخاوة" يسكنون الجبال ويقاتلون لطرد الفرنسيين من بلادنا فجئنا نلتحق بهم.‏

حدق الرجل في سحنتهما بإمعان. بقي لحظة شادر الذهن كأنه يفكر في قرار ما ثم أخرج يده اليمنى من تحت القشابية وأدخل ابهامه وسبابته على شكل دائرة داخل فمه وأطلق تصفيرة مدوية. وما هي إلا ثوان حتى امتلأ المكان برجال مسلحين ينظرون إليهما مثلما ينظر الصياد إلى غنيمته. سر الصديقان سروراً عظيماً وتبخرت الشكوك والأتعاب وحل محلها الحماس والاستعداد الأعمى. تضاعف سرورهما حينما تعرفا على ثلاثة رجال من قريتهما وقويت عزيمتهما واطمأنا لحالهما أيما اطمئنان، وهكذا أصبح الصديقان في صفوف الثورة يشاركان في التدريبات والرحلات والأعمال الخاصة بتحضير القواعد الجديدة وتحسين أماكن الراحة الآمنة، وبعد مرور أشهر قليلة أصبحا جنديين متكاملين وبدأت المعارك والبطولات والمآسي..‏

ومكثت حورية في منزل أبيها حزينة لفراق حبيبها، وسعيدة لأنه رجل شجاع ومجاهد، لم تدرك مكانته في قلبها إلا هذه المرة. قبل ذلك كانت العلاقة عادية، تستطيع رؤيته ولو خلسة من بين يقوب الأبواب والجدران والجدران أثناء دخوله أو خروجه إذ كانت العائلتان متجاورتين في المسكن. أما وهو غائب فاشتاقت إليه كل الاشتياق وحنت إلى كلامه وإلى وجهه وإلى نظراته.‏

عند القيلولة حينما يهدأ الضجيج، وتقل الأعمال المنزلية تتمدد على الحصير وسط باحة الدار وتسرح خلف الذكريات الجميلة وتتخيل مواقف سعيدة، ترفض نهايتها وتتمنى لو تستمر الأحلام بلا انقطاع إلى مالانهاية تضجر وتفور قلقاً وارتباكاً حينما تداهمها أمها بأمر ما، فتضطر إلى النهوض والانصياع مكرهة، مكفهرة الوجه متناعسة. فكانت تتخيل مصطفى بلباس المجاهدين وببندقية تلمع لمعاناً ساطعاً، يباغتها في لحظة ما، يقف أمامها فجأة دون سابق انذار. وفي بعض الأحيان تتشجع مخيلتها وترى نفسها مجاهدة تطوف الجبال مع مصطفى ورفاقه، تحضر لهم الأكل وتغسل ملابسهم. وتلوك هذه الأحلام مراراً وتكراراً في أوقات فراغها حتى أضحت حقائق تلتبس مع الواقع الملموس.ومع الأيام تباعدت لحظات الأحلام ، واكتسى الضباب وجه مصطفى مفاوت لا تتذكره إلا حينما تستيقظ ليلاً تحت دوي طلقات الرصاص القريبة من القرية‏

مرت أربع سنوات ثقيلة، مرعبة، ولم تتلق حورية إلا أخباراً خاطفة عن مصطفى، جمعتها مناسبات متعددة بأمه فحاولت أن تتلصص بعض الأخبار عنه دون دوى، إن الأم مثلها لا يصلها عنه خبر يذكر. كل ما تعرفه هو أنه مازال حياً يرزق ويتمتع بصحة جيدة، وسيعود إلى القرية بعد استقلال البلاد. نفس العبارة يرددها زوجها كلما استحضر الحديث عن الابن مصطفى، ويقسم لهم الأب بأنه سمع النبأ من "مسبل" القرية الذي يتصل بالمجاهدين في الجبال كلما سنحت له الظروف. فهو يعرف مصطفى ويلتقي به دائماً هناك. تصر الأم لمعرفة تفاصيل أخرى، سواء بالأسئلة الملحاحة أو بالنظرات الحائرة القلقة، ولكن يجيبها الأب مكرراً نفس العبارات التي ما فتيء يرددها منذ سنوات.‏

manal*****lolo
05-13-2009, 01:27 PM
كبرت حورية ونضج جسمها وتفتحت أنوثتها فأصبحت محل أنظار العجائز اللاتي يترصدن عروساً لابنهن أو حفيدهن أو أحد فتيان العائلة الكبيرة. وصارت أمها تمنعها من الخروج وحدها. ولا تسأم من أسماعها النصائح اللازمة، في كل الأوقات الليل والنهار حتى حفظت حورية كل عبارات وحكمها، فترددها معها بصوت مسموع، كي تقنعها بأنها استوعبت الدرس جيداً ولا داعي للتكرار الذي أصبح مملاً.‏

وفي احدى المرات، زراتهم عجوز من معارفهم وقت الظهيرة، اختلت بأمها في زاوية من زوايا الساحة المظللة ودخلت معها في حديث طويل، بصوت خافت، هامس، انقطع كلية عند اقتراب حورية وبين يديها صينية القهوة. حطتها على المائدة وعادت إلى المطبخ، فانشغلت بالكنس والغسيل لمدة معينة ثم عادت إلى الساحة كي تجالس المرأتين وتسمع منهما أخباراً مفيدة، فساد السكوت بمجرد اقترابها. تنبهت حورية للانقطاع المفاجيء، فبررّت ذلك لكون الحديث يخص بعض شؤون النساء المتزوجات، ويحبذ أن تبقى المراهقات خارج أسراره الملتوية. جلست معهما على "هيدروه" صوفية بيضاء، سكبت لنفسها فنجاناً من القهوة يكتنفها فضول لسماع أخبار جديدة من العجوز التي سبق أن تعرفت عليها وتجاذبت معها أطراف الحديث العام، ولكن هذه الأخيرة، بذكاء محنّك، غيرت مجرى الكلام السابق وتوجهت بأسئلتها إلى الفتاة، وهكذ1 استرسلن في درب مخالف من الكلام العادي اللجوج. ومرة ثانية، وبمحض الصدفة، استمعت خلسة إلى حديث بين أمها وأبيها يخصها. لم تستشف الأمر جيداً، ولكنها فهمت بأنهما ينويان تزويجها إلى رجل ما في القرية.وهنا انفتحت ذاكرتها بعنف، تماماً مثل الجرح القديم الذي ينشق بعد سنين من شفائه أثر صدمة مباغتة، فاستحضرت صورة مصطفى واضحة المعالم كأنه لم يفارقها أبداً، صورة امتزجت في خطوطها ما تبقى من وجهة القديم وما أضافته عبر التخيلات العديدة التي أضحت واقعاً ملموساً بالنسبة إليها. ارتعدت أوصالها وانزوت في ركن من الدار، حائرة، تحاول عدم تصديق الخبر، فلربما تكون قد أخطأت الفهم. كبر في ذهنها الوسواس والخوف من قرار والديها. فهي تعلم علم اليقين بأنهما إذا قررا تزويجها، فلا مفر، ولا تمرد ولا رفض. حينما يقرر الأب منح ابنته إلى رجل ما، انتهى الحديث وتبخرت الأحلام ودفن الأمل. قضت أياماً حالكة لا تعرف طعماً للأكل أو مذاقاً للنوم. فظهر ذلك جليّاً على جسمها ولفت انتباه الأم التي واجهتها بوابل من الأسئلة كي تكتشف السبب الضامر. وفي مشاجرة كلامية عنيفة، مرتفعة الصدى، باحت الأم بالسرّ المكتوم، واعترفت لها بأن أباها قرّر "اعطائها" إلى رجل مهم من أعيان القرية المعروف تحت اسم السرجان، يملك حانوتاً واسعاً يبيع فيه المواد الغذائية، متزوج وله أولاد وبنات. يسكن في منزل كبير وسط القرية في الشارع الرئيسي، ويقع حانوته في الرصيف المقابل لدار البلدية. قضي سنوات في الجيش الفرنسي، بعيداً عن أهل القرية لا يزورها إلا نادراً، يمكث فيها أياماً،يتبختر ببذلته العسكرية التي لا تغادر جسمه المتكامل القوي البنية رغم قصره نسبياًز وبها يزور الأهل والأصدقاء، ويجلس في المقهى حول لعب الورق أو الدومينو، ولا ينسى تحية العلم الفرنسي المرفرف على باب مقر البلدية، كلما مرّ قربه، وإن فعل ذلك مرات عديدة في اليوم الواحد، كان يعتبر ذلك من واجباته الأساسية التي تعلمها داخل الثكنة. إذا كانت القبعة في يده أو على كتفه الأيسر، فيسويها جيداً على رأسه المدور ثم يحيي تحية عسكرية منضبطة مع ضربة قوية على الأرض برجله اليمنى. وحافظ على هذه العادة بعد انفصاله من الجيش الفرنسي، وهجرانه للبذلة العسكرية، فأصبح يحيي العلم كل صباح قبل أن يفتح باب حانوته المقابل للعلم المثلث الألوان، ولم ينقطع عن هذا الوفاء إلا بعد أن تلقى انذاراً من المجاهدين، يهددونه بالقتل إن تمادى في ذلك السلوك الشاذ.‏

manal*****lolo
05-13-2009, 01:28 PM
بعد خروجه من الجيش، عمل "شامبيط" في القرية وضواحيها لفترة وجيزة ثم فتح حانوتاً مباشرة بعد اندلاع الثورة. ومن موقعه الاستراتيحي، على عتبة الحانوت، يشرف السرجان على جميع ما يجري من أحداث. كما يعرف كمية المواد الغذائية التي يشتريها كل فرد، وهل يكتفي بالمقدار الخاص لعدد أعضاء العائلة أم يزيد فوقها؟ بهذه الطريقة يتعرف على من يبعث المؤونة إلى المجاهدين، وتصل كل هذه المعلومات ساخنة إلى الثكنة القابعة على طرف القرية منذ مدة قصيرة.‏

وعادة ما يجلس رجال القرية بمحاذاة الحانوت في نهاية الظهيرة قبل غروب الشمس، أثناء الأيام الدافئة، ويبحرون في أحاديث شتى دون قيد أو نظام، ويشاركهم السرجان مجهداً نفسه لاستشفاف بعض الأخبار التي تفيد "مسيوغوميز" رئيس البلدية، صديقه الحميم. في البداية كان يتصل بالسلطة العسكرية دون خوف أو مراوغة لأنه متأكد بأن هذه السلطة ستقضي على "الفلاقة" بكل سهولة. هي مسألة وقت فقط، تماماً مثلما فعلت مع المتمردين في السابق . ولكنه غير موقفه وأصبح يحتاط بحذر شديد في اتصالاته مع الادارة الاستعمارية منذ أن وجد " عبد الهادي رمضان " مذبوحاً على عتبة منزله. صادفه أحد الشيوخ في الصباح الباكر، مرمياً بطوله الفارع على الأرض، يتدلى رأسه على حافة الرصيف فيما اختفت رجلاه خلف الباب المفتوح، كان يرتدي "قندورة" بيضاء تلطخت ببقع من الدم المتخثر انحط رأسه على بركة دم كالتي يتحاشر حولها الأطفال في عيد الأضحى حينما يعلق الأب أو الجد الكبش المذبوح لسلخه وتفريغه. في الصباح، بعدما انقشع الليل، حينما حضر رجال الدرك والشامبيط، كان دم البركة لم يجمد بعد. سقط الرأس منفصلاً عن بقية الجسم أثناء تحريك الجثة لادخالها إلى البيت، وقع الوجه على البركة الصغيرة، فتطايرت قطرات كثيرة ملطخة بعض الأرجل، أصبح الرأس المستدير، الساكن أحمر كانه غطس كلية في كمية أوسع من الدم أو داخل الدهان الأحمر مثل الذي تدهن به الواجهات الخارجية لمحلات الجزارة. وبقي الحاضرون مبهورين ومذعورين أمام الكرة الحمراء ولم يتجرأ أحد على رفعها وادخالها البيت مع الجثة. تبادلوا نظرات فارغة مرتبكة ثم تنبه أحدهم وأحضر دول ماء ورش الرأس.‏

كان "عبد الهادي رمضان" "حركياً" يتعامل مع قائد الثكنة العسكرية المستحدثة في القرية شخصياً، وجهرا أمام الملأ وبمرأى من الناس جميعاً، ويعلن عداءه واستهتاره، واحتقاره للمجاهدين دون خجل أو خوف. كان وحيداً في منزله في تلك الليلة. في صباح اليوم الذي سبق اعدامه أوصل زوجته وأولاده إلى أهلها القاطنين في قرية مجاورة بمناسبة حفل ختان. لم يسمع أهل القرية ضجيجاً يذكر.‏

ولم يجد "عبد الهادي رمضان" وقتاً للصراخ أو طلب النجدة. كانالإعدام سريعاً وفعالاً ولم ترتعش اليد التي أمسكت السكين الخاص ومررته بثبات على الرقبة السمينة كرقبة كبش الأغنياء.‏

شاهد السرجان الجثة الملقاة على الرصيف وتصور لحظتها أنه مذبوح وممدد في مكان الحركي، فارتعدت أوصاله وتضاعف خوفه من المجاهدين القادرين على اختراق حدود القرية المحروسة بالعساكر المسلحين تسليحاً عصرياً واغتيال أي فرد في بيته ثم الإنسحاب في صمت دون جلب نظر الحراس. عاد إلى منزله مباشرة يطارده هاجس غريب أقلقه وأضجره. وقبل دخوله غرفة النوم ليستريح قليلاً ويسترجع أنفاسه انحنى لينزع حذاءه فشاهد قطرات دم على أحداها. توقف عن الحركة. وفي تلك اللحظة قرر في نفسه التصرف بحكمة ودهاء كي يرضي الطرفين وأن يضرب عن التوجه إلى الثكنة. فذلك أمر مكشوف ومصدر للأخطار بل عليه أن يتصل بالسيد غوميز رئيس البلدية وهوالذي يوصل أخباره إلى قائد الثكنة.‏

manal*****lolo
05-13-2009, 01:29 PM
حينما كان عاملاً في الجيش الفرنسي حضر دروساً حول الجوسة العسكرية وانبهر أمام ذكاء الجواسيس في مغالطة صفوف العدو والتصرفات السرية التي يسلكونها دون أن يتفطن لهم أحد حتى زوجاتهم، لم لا يقتفي أثرهم ويوهم الثوار بأنه يتعاطف معهم بل ويخدمهم بافادتهم ببعض الأخبار غير الخطيرة عن الثكنة التي يعرفها حق المعرفة لكثرة ماتردد داخلها، فيتعامل مع مخبر لهم في القرية لمعرفة تنقلاتهم ومشاريعهم على أساس السرية التامة في اتصالاته مع الطرفين كي يتوهم كل طرف أن السرجان من عملائه المخلصين. أجبره المنظر البشع على تغيير سلوكه ومراقبة كلامه والتفكير الحسابي المتقن قبل الاتيان على كل فعل مهما ظهر طفيفاً". أضحى لايختلف إلى منزل ( مسيو غوفير ) إلا إذا تأكد من خلو الشارع الفرعي من الأنظار المختلة أيضاً يستقبل أفراد العائلات التي لها أولاداً في الجبال بحفاوة وابتسامة عريضة مصطنعة. يتسامح معهم في عدم دفع ثمن المشتريات. وطفق يصارح بعضهم "الذي يشك أن له علاقة ما مع الثوار " في نيته بدفع كمية من المواد الغذائية وبمقدار من المال إلى ، "الخاوة"‏

ليقلل من صعوباتهم، وبالفعل تم الاتصال "بمسّبل" القرية فبردع له حماراً معبئاً، مع كمية من المال ووعد بكميات أكبر في الأيام القليلة القادمة.‏

ومن عتبة حانوته لفتت حورية نظره الثاقب وهي تعبر الشارع مع أخيها الصغير. فايقظت شهوته التي كبتتها ظروف الحرب، ترقبها مراراً متلهفاً إلى الوقت الذي تأتي فيه إلى حانوته لتشتري شيئاً ما فيملأ ذراعيها بكل ما تطلب مجاناً لاغرائها. ولكنها لم تفعل أبداً. كان أبوها يقوم باقتناء، لوازم البيت، وإذا اقتضى الحال يرسل أحد أخويها الصغار، بسهولة عرف أهلها واستفسر عن حالتهم المادية فخامرته فكرة سُرَّ لها واطمأن قلبه لأنه سيصبح من الأعيان الأغنياء الذين يملكون زوجات متعددات. فاتصل بعجوز من معارفه استقصت الأمر في سرية وفرشت الورود الفواحة أمام الأم. أوصلت للسرجان كل المعلومات اللازمة المفيدة ثم مباشرة انتهى إلى تنفيذ قراره فكلف وفداً من كبار أهل القرية ليقنعنوا أباها بمصاهرته رغم أنه متزوج وله أولاد. وإذا رأى الأب ضرراً في جمع الزوجتين تحت سقف واحدا فهو مستعد لاسكانها في منزل مستقل. إنه رجل ثري وسيقدم المهر الذي يطلبونه دون مناقشة ويستطيع تقديم مالاً يحلمون به .سيكون العرس من أكبر ما شهدت القرية في حياتها. كان أبوها "بوزهير حميد" رجلاً فقيراً وبسيطاً ينصهر في راي الجماعة بسهولة، خجولاً، محتشماً لا يقدر على رفض طلب وفد من كبار أهل القرية. يشتغل نجاراً في احدى ورشات المعمرين في المدينة الكبيرة المطلة على البحر. يقطع المسافة الفاصلة بين القرية والمدينة راجلاً عبر الدروب المثعبنة وسط التلال والأودية ولا يغادر مكان العمل إلا مع غروب الشمس بعد أن يكون قد امتلأ بغبار النجارة الكاتم للأنفاس يقوم بعمله في جدية ملحوظة ولايتغيب إلا في الحالات النادرة بعد أخذ الاذن من صاحب الورشة. أنه قليل الاتصال بسكان القرية. يفضل العزلة في نقش قطعة الأرض المحاذية لمنزله على أن يلتحق بالمقهى لاضاعة الوقت في لعب الدومينو أو الكرطة. رضي الأب بالمصاهرة. كبرت ابنته وهي صالحة للزواج فلماذا يفكر في الأمر إذن؟.‏

صحيح أن السرجان متزوج ولكن ما العيب في ذلك؟ فهو غني يستطيع اعالة أربع زوجات والدين لا يعارض تعددهن لدى الرجل الواحد. الرسول نفسه كان متزوجاً بتسع نساء... هذا كلام ردده أعضاء الوفد كثيراً وسط مديح وتهليل لخصال السرجان وثرائه. بهذه الكيفية البسيطة تقرر مصير حورية دون استشارتها.. ومنذ متى تستشار المرأة في زواجها في هذه القرية وغيرها من القرى المجاورة؟ لم تعلم الخبر اليقين إلا بعد زيارة الوفد إلى البيت فوافق أبوها أثناء الجلسة وطمأن الرجال على أن المسألة بالنسبة إليه محسومة وليس من الرجولة أن يطلب رأيها فيما يقوله أمام نفر من الرجال، فهم قصدوا الرجل وعلى الرجل أن يجيبهم بمحض ارادته وحريته لاغير وحتى أن رفضت الزواج فلا يملك الشجاعة الكافية للتراجع عن قراره.‏

إن تراجع سيصبح أضحوكة القرية. رجل بشلاغمه يتراجع عن كلمته تحت تأثير زوجته أو ابنته، هذا عار فظيع سيلاحقه بقية حياته وسيحرمه من النوم الهادي ومن الافتخار برجولته أينما كان.‏

انهمرت دموع حورية على خديها الملونين بلون التفاح الأحمر، قوية كالأمطار الاستوائية بدون انقطاع لمدة سبعة أيام بلياليها مرّة مُجهرة رفضها ساخطة لا تفعل شيئاً سوى البكاء ممتنعة عن الأكل والعمل والكلام . ومرة أخرى تغلق الباب على نفسها باحكام وتترك اليأس يغزو تفكيرها المشوش ولا تفتح الباب لأمها العطوف كما أنها لا تجيب لتوسلاتها الرقيقة الحنونة، أما الأب فلم يعر أي اهتمام لهذا السلوك الصبياني مثلما سمّاه، كان واثقاً كل الثقة، بأن ابنته ستدرك مصلحتها بعد حين وستكف عن هذا الهراء. وحينما مرّ الأسبوع الأول ولم تغادر حورية حجرتها لسبب ما واجهها في ثبات قائلاً بنبرة حاسمة:‏

- دعك من البكاء كالطفلة الصغيرة وفكري بعقلك.. لن أتراجع عن موقفي وسأزوجك لهذا الرجل إلا إذا شاء الله وأماتك قبل ذلك.‏

اكتفي بهذه العبارات الصادرة عن ايمان عميق بأنه يتصرف على حق ولم يدرك في تلك اللحظة بأنه قد تنبأ بمصيرها دون معرفة وأن ابنته حورية ستموت دون أن تتزوج السرجان. وبعد سنة ونصف حينما أخبره أحد الرجال القاطنين في الريف بموت ابنته بتلك الطريقة المرعبة تذكر ما قاله هذا اليوم وندم أشد الندم على تصلبه واصراره على تزويجها رغم ارادتها.‏

بكت حورية طويلاً حتى أصبحت عيناها شديدتي الاحمرار ولا تفتحهما إلا بصعوبة فائقة.‏

أصابهما التهاب حار وقوي ولم تمنع نفسها من حكهما طول الوقت. كان يتغلب عليها اليأس في لحظات الانهيار العصبي ولكنها كلما تخيلت صورة مصطفى وذكرت الأيام السعيدة لطفولتهما انتفضت وقررت بعنف أنها تفضل الموت على الزواج الاجباري. أدركت في قرارة نفسها أن البكاء والعويل والانطواء لا يفيدها في شيء ولا يخرجها من المأزق. أطلقت العنان لخيالها وأحلامها تقترح لنفسها خطة توصلها إلى حبيبها. افترضت كل الامانيات المحتملة دون أن تتوقف عند واحدة يمكن تنفيذها. رفضت الزواج الاجباري لسبب ظاهر واضح هو أنها تحب شاباً غائباً وتنتظر عودته. وبحثت في باطنها عن سبب آخر، به نقمت على أبيها لموقفه السلبي تجاه الثورة. هل هو جبان أم يتعاطف مع المعمر الذي يشتغل عنده؟ تفتخر بمصطفى أشد الافتخار. أنه بطل شجاع ولا يهاب أحداً. ولماذا لا يكون أبوها مثله ويرفع مكانة العائلة وسط أهل القرية. يتكلم الناس في الخفاء في الليل حول الموقد أو في عرصة الدار تحت سماء متلألئة بالنجوم، يروي أهل القرية ما يتسرب من أخبار من قمم الجبال الكثيفة الأشجار بطولات ومعارك ضارية.. كلما وصل خبر استشهاد أحد المجاهدين من سكان القرية إلا وتقرأ الفاتحة بصوت خافت في كل البيوت وتتلى الدعوات الطويلة المتوسلة للرحمن أن يدخله الجنة دون حساب أو عقاب مهما ارتكب من ذنوب وأتى من شر.‏

manal*****lolo
05-13-2009, 01:30 PM
انقطعت دموع حورية الرقراقة وتسربت إلى قلبها المهزوز فكرة خطيرة لم تسبقها إليها فتاة أخرى. في البداية حينما خطرت على ذهنها أول مرة ارتعش جسمها والتوت مصارينها وأصيبت باسهال مفاجيء خفيف ولكن لم لا؟ ما المانع؟ سيطرت الفكرة حتى أضحت ولا تعرف شيئاً ثانياً. خلال ساعات طويلة انتابها خوف ثم سرعان ما لفظته جانباً وأقسمت مع نفسها بالالتحاق بحبيبها مصطفى أينما كان مهما كلفها من صعوبات ومهما كانت نتيجة ذلك. فإنها أحسن من الزواج المفروض عليها ومع من؟ حركي معروف عند كل أهل المنطقة. ماذا يقول عنها مصطفى لو قبلت هذا الزواج؟ سيحتقرها دون شك ويلعنها من أعماقه، ربما بصق على التراب متخيلاً أنه يلفظ بصاقه على وجهها، إنما لم تتقبل ذلك ولو على مستوى الافتراض الوهمي فقط. بعد أن أقنعت نفسها بضرورة الالتحاق بالمجاهدين، أصبحت حائرة في كيفية الوصول إليهم، هل ستذهب وحدها أو تبحث عن رفيق؟ ومن هذا الرفيق؟ سمعت مراراً عن اسم رجل يتردد على الأفواه الخافتة لنساء يزرن أمها في بعض الأحيان يقال بأنه يجمع المال ليوصله إلى المجاهدين. يسكن في الطرف الجنوبي للقرية. احتجت حورية بحجة عادية وقصدت بيته. استقبلتتها زوجته بكلام مليح وشاي ساخن دون أن يرغمها الفضول على طرح السؤال الإجباري المنطقي: ما سبب الزيارة؟ تعرف المرأتان بعضهما البعض ولكن لم يسبق أن تحدثتا معاً أو تبادلتا الزيارة. أفضت حورية بسرها كاملاً دون اخفاء نقطة واحدة، وفي نهاية حكايتها المختصرة توسلت الزوجة أن تكلم زوجها لعله يوصلها إلى المجاهدين. لقد سمعت بأنهم أصبحوا يقبلون النساء الممرضات في صفوفهم، وهي مستعدة لأن تكون مساعدة لهن، لم تجهر المرأة برأيها في القضية بل أبدت جهلاً مطبقاً بعلاقة زوجها بالمجاهدين ولكنها ستكلمه في المساء حينما يعود من العمل.‏

كانت المرأة على علم بمشروع الزواج ورفض حورية له.. ومن في القرية لم يسمع في وسط النساء؟ حسدتها بعض النساء لما ستلقاه من عز مادي ورفاهية في اللباس الفاخر والأكل المتوفر والمتنوع.. ستأكل الخبز الرومي ولا تقضي يومها في العجن والدلك واشعال النار، ولكن النساء اللائي يعرفن ارتباطها بالشاب مصطفى عمروش الغائب منذ أكثر من أربع سنوات، رثين لحالها ولحال البطل الذي يأكل نفسه من الشقاء ليحرر الوطن بينما يسلب له السرجان حبيبته دون أن يعرف طعم الجوع والبرد والتعب. قررت المرأة مساعدة حورية من إيمانها بأن السرجان خائن لا يستحق إلا الذبح، فكيف يتزوج فتاة تنتظر مجاهداً ضحى بشبابه من أجل استقلال الجزائر؟ فمن الواجب عليها أن تنغص حلمه الشرس في افتكار حورية من مغالبه بعد شرائها بماله وسلطته. بعد أيام قليلة، اتصلت بها وأبلغتها بأن زوجها يعرف مصطفى وسيتصل به في أقرب فرصة تجمعهما معاً. عليها بالانتظار والصبر. بعدج أيام قليلة أخرى بعثت لها أبنتها الصغيرة، وحينما حضرت حورية وجدت المسبّل في انتظارها فقال: اتصلت بمصطفى وأخبرته برغبة والديك في تزويجك وأنك رفضت رفضاً قاطعاً. فرح لموقفك وهو مستعد للقائك وسيقبلونك بين الممرضات لتتعلمي المهنه. سأنتظرك الليلة على الساعة الواحدة صباحاً، ينبغي أن تخرجي في سرية تامة بحيث لا يتفطن إليك أحد. سأنتظرك أمام الباب خذي معك أشياء قليلة جداً ستجدين كل شيء في المركز..‏

لم تصدق أذنيها. غمرها فرح وقلق كبيران. في العتمة الحالكة مكثت مفتوحة العينين على اتساعهما تحدق بقوة محاولة اختراق الجدار السميك. تبعثر تفكيرها ولأول مرة منذ سمعت زواجها انتابها فراغ مسكن. جلست على الأرض مستندة ظهرها إلى الحائط مختبية تنتظر في الظلام الدامس أن يحين الوقت المحدد للرحيل. حضرت رزمة ثياب في سرية تامة دون أن تغير من سلوكها شيئاً كي لا تبعث الريب في نفس أمها وأخوتها الصغار. تخاف من أمها أكثر لأنها الانسانة الوحيدة في البيت التي تهتم بتنقلاتها وتناديها باستمرار لتطلب منها القيام بعمل ما. أما الأب فهو غائب من الدار طول الوقت ولا يدخل إلا للأكل والنوم.‏

إنها مطمئنة من هذه الجهة لأن فكرة هروبها لا يمكن أن تخطر على بال أحد. إنها فكرة جنونية حقاً. لم يسمعوا بواقعة مثلها بقرية عين الفكرون ولا في القرى المجاورة. تحمست كثيراً للمشروع حتى أصابها الأرق. تبيت لياليها متقلبة في الفراش متنهدة بعمق تتخيل نفسها بصحبة حبيبها تمشي تحت ظلال أشجار باسقة وتشم روائح عطرة تنبعث في النباتات الغابية المتعددة وتستنشق فاتحة منخريها على اتساعهما محدثة صوتاً كأن هذه الروائح تسللت بالفعل إلى فراشها وعمت أجواء الغرفة الغارقة في سبات عميق.‏

أما الآن، وهي على استعداد كامل للرحيل لا يفصلها عن الموعد الحاسم إلا بضع ساعات تسربت بعض الشكوك إلى قناعتها. هل تتصرف تصرفاً سليماً؟ ألم تتسرع في اتخاذ الاجراءات اللازمة للتخلص من الورطة المفروضة عليها؟.‏

كيف سيستقبلها مصطفى وهل هو راض عن سلوكها؟ كيف يتصرف أبوها بعد اكتشاف هروبها؟.‏

هل سيدرك بأنها التحقت بالمجاهدين وهل سيجرؤ على متابعتها؟ إنهالت عليها أسئلة معقدة لا تعرف لها أجوبة. كادت تنهاربكاءاً وتتراجع عن الهروب ولكن صورة مصطفى أقوى من كل التبريرات الأخرى. تشوقت إلى رؤيته وإلى سماع صوته والحديث معه. تصورت أنها قادرة على قضاء شهور كاملة في الحديث عن أشواقها ووصف الليالي الطويلة في سهاد وأرق وخيالها محلق يطارد أدنى ملامح له. غرقت في تفكير متواصل وتحولت العتمة إلى نور والسكون إلى صخب وأصوات متباينة والمكان المغلق إلى فضاء رحب لا يحده البصر النافذ، ولم يعدها إلى جلستها المكورة الشخير المرتفع المستمر لأحد أخويها النائمين قربها في براءة مطبقة ولا الكلام المتقطع الذي ارتفع فجأة من أختها الصغرى تحت تأثير كابوس مزعج. عاد الصمت من جديد وحورية لم تبال بل هي غارقة حتى الأذنين في أحلامها وأشواقها. مكثت على هذه الصورة وقتاً طويلاً، إلى أن انتفضت وحدها كأنها تذكرت موعد الرحيل فقامت من مكانها متخطية الأجسام الممددة كالسردين. رفعت رزمتها على أحد ذراعيها وغطت رأسها بقطعة قماش مورد. فتحت الباب ببطء ملحوظ دون أن تحدث صوتاً أو خرخشة. قطعت مسافة الساحة الداخلية بحذر، ثم الحديقة وأخيراً جلست قرب السياج تمسح المكان المظلم بحدقتي عينيها الحادتين اليقظتين رغم نقص النوم البادي على وجهها المتعب. فلم تلاحظ شبحاً إنسانياً ولم تسمع وقع خطوات قريبة أو بعيدة. أبعدت عن نفسها الخوف ومكثت تحرس المكان في يقظة ثعلب. بعد دقائق اعتادت على الظلمة وأصبحت تبصر بوضوح أكثر من ذي قبل. بعد فترة لم تعرف حورية كم استغرق من الوقت انتصب شبح المسبل قرب السياج وكأنه مرق من تحت الأرض . لم تسمع حورية وقع خطواته ولم تشاهده وهو قادم من بعيد باغتها فارتعشت احشاؤها قليلاً ولكن ما أن تعرفت عليه حتى نهضت واقفة بخفة غير معهودة فتحت السياج دون أن تنبس بكلمة اتبعت خطاه الخفيفة الصامتة. غادرا القرية متدثرين بالعتمة والأشجار المورقة، مستدركين مراكز الحراسة. حينما ظهرت الشمس الصباحية بأشعتها الدافئة لتطرد النسمات الليلية الباردة كانا قد ابتعدا عن منطقة الخطر وهما يوغلان وسط الغابة الندية تجاه قمم الجبال الشامخة . في الصباح الباكر، استيقظ الأب بوزهير حميد كالعادة وغادر البيت بعد أن شرب قهوته في صمت وعادت الأم إلى النوم كالعادة أيضاً دون أن تتفطن للحادث الاستثنائي النادر.‏

manal*****lolo
05-13-2009, 01:31 PM
بعد طلوع النهار وسط ضجيج الأطفال الصغار انتظرت الأم قيام ابنتها من النوم لتساعدها في العمل المنزلي ولكن هذه الأخيرة تأخرت وأحجمت عن الظهور فاتجهت الأم صوب الغرفة لايقاظها، لم تجدها، قالت مع نفسها بأن ابنتها ستكون في الحديقة أو عند الجيران عادت إلى المطبخ منتظرة دون قلق. أين ستكون؟ ستظهر لا محالة بعد حين.‏

ليست موجودة عند الجيران لم يروها قط هذا الصباح.‏

أين ستكون؟ تساءلت الأم بشيء من التوتر والحيرة. لم تتعود الغياب بهذا الشكل السري، قلقت الأم وخافت على ابنتها وعلى نفسها من زوجها ومن كلام الناس، خاصة أن ابنتها مخطوبة رسمياً. اقترب منتصف النهار ولم تظهر حورية بعد. فقدت الأم رزانتها وبقيت تترقب أدنى صوت في الساحة أو خارج البيت لعل حورية تداهمهم بعد هذه الغيبة المفاجئة، ارتبكت حركتها ولم تحسن القيام بالتنظيف المنزلي واحترق الأكل فوق النار لسهوها وترقبها المتواصل. انتصف النهار، دخل الأطفال كلهم لتناول الطعام ولم تظهر حورية بعد ولم يعرف عنها خبر عند أحد. خرجت الأم من هدوئها وانتابها ضجر وفراغ مرعبين.‏

وكيف يكون رد فعل أبيها في المساء إذا لم تظهر إلى ذلك الحين؟ غضبت على أبنائها وسخطت في وجوههم رافعة صوتها ثم أمرتهم بالذهاب للبحث عنها عند الأقارب في القرية، والطواف عبر الشوارع لعل وعسى.. خرج الأطفال بصمت داهمهم القلق هم أيضاً.‏

دخلت بعض الجارات على الأم للاستفسار وتهدئة الجو المكهرب والتخمين معاً في الأماكن التي يحتمل أن تلجأ إليها. روت الأم بصدق حالة ابنتها النفسية منذ خطوبتها وموافقة أبيها على مصاهرة السرجان، رغم ذلك لم تجرؤ الأم والنساء الوافقات حولها على الافصاح عما خامرهن وهي أن تكون قد هربت من الدار العائلي كرفض قاطع للزواج القسري، شيء فظيع أن تهرب البنت من بيت أهلها. ستكون فضيحة الدهر كله. كثر الحديث وكثرت الاحتمالات المشجعة لتهدئة الجو وارخاء الأعصاب المتوترة. عاد الأطفال بخيبة أمل ظاهرة على سحناتهم المتجهمة، لم يعثروا عليها ولم يسترقوا سمع خبر مفرح أو مشجع عنها. شعرت الأم كأن سقف البيت سينهار على رأسها المبلبل، بل ستتحطم السماء عليه وتصيره رماداً تنفثه الرياح الهوجاء إلى أعماق الربع الخالي.تلألأت عيناها بالدموع المدرارة، ولكنها امتنعت عن السيلان الجارف. جف حلقها وفقدت القدرة على النطق السليم المسترسل، والتصقت الجوانب الداخلية لمصارينها المتعبة من القلق والجوع كأنها في نهاية يوم رمضاني من تلك الأيام الصيفية القائظة الطويلة جداً.. ارتعش جسمها حتى كادت تفقد استقامتها في الرفوف، وهي حائرة تفكر بسرعة جنونية في احتمالات متنوعة، تحاول الكذب على نفسها بأن حورية ستظهر بعد حين وسيتبخر القلق والخوف ويتلاشى الهرج والمرج مباشرة بعد رجوعها. لم تتمكن من المكوث في مكان مستقر لدقائق معدودة، بل تتحرك دوماً وتكلم نفسها بصوت مرتفع مكررة عبارات واحدة مقتضبة، متوسلة مثلما تفعل الثكلى وهي تندب فقيدها.‏

طال الانتظار واقترب الليل ولم تعد حورية. كيف تواجه آلام زوجها وكيف تبرر غياب ابنتها؟‏

كلما اقترب وقت رجوع الأب من العمل وازداد خوفها وتعاظمت اسئلتها بو زهير حميد من العمل منهكماً لا يفكر إلا في فنجان قهوة ساخنة وابرام سيجارة ثم التمدد فوق الحصيرة للاستراحة الكاملة. وجد البيت غارقاً في سكون وصمت غريبين، أين صيحات الأطفال وركضهم نحوه، راوين ما حدث لهم في ذلك اليوم وشاكين من أفعال بعضهم البعض وطالبين تحقيق بعض رغباتهم المتنوعة؟ أين الأم وحركاتها الخفيفة لتقديم كرسي للجلوس وماء للغسل وقهوة للارتشاف وازالة التعب؟‏

ولكن الارهاق الجسدي أنهك الأب الهادي، بحيث لم يلاحظ التحول السائد. قررت الأم الامتناع عن افشاء السر إلا بعد أن يستريح قليلاً ويتلذذ برشفات القهوة الساخنة ولكن ابنتها الصغيرة سبقتها وكشفت لأبيها الفضيحة وهي جالسة على ركبته. ابتسم بو زهير حميد ابتسامة ساخرة من هراء ابنته وتخريفها. القي بصره النافذ تجاه الأم وطلب منها تفسير اللغز. ربما هناك شيء ما لم تهضمه الطفلة البريئة. ارتعدت الأم من جديد وانتحرت الكلمات في حلقها، تلعثمت وتلكأت لثوان ثم انهارت باكية ووسط الشهيق والدموع المنهارة، قالت بأن حورية اختفت منذ الصباح ولم يعثروا لها على أثر رغم الاستقصاءات المتكررة. ولتبديد الخوف أسترسلت في اسهال لفطي سريع رواية كل تفاصيل الحادث منذ بدايته. بقي الأب مصعوقاً،مذهولاً، صامتاً، مبلبل الذهن يحالو اقناع نفسه بأن ما يسمعه أكذوبة حضرتها الأم مع أبنائها ليعدل عن قراره بتزويجها للسرجان. لم يتحرك من مكانه وحينما صمتت الأم فجأة فاسحة المجال مرة أخرى للبكاء والشهيق والتوسلات الهامدة، أطرق رأسه مفكراً في اللعنة التي لحقت به، ثم نهض وفتش الغرفتين والمطبخ ودورة المياه، وبعد ذلك خرج إلى الحديقة،طاف حول أركانها وخباياها وحينما لم يعثر على حورية دخل على زوجته المطبخ، هز كتفيها بعنف وطلب منها التأكيد على صحة الحادث، لم يصدق ما سمعه، حورية لا يمكن أن تفضحهم بهذا الشكل المخزي، إنها عاقلة وناضجة ومسؤولة أيضاً. ازدادت الأم بكاء وعويلاً، استقصي الأب عن الأماكن التي بحثوا فيها، وبعد التأكيد من أنهم لم يتركوا جاراً ولا قريباً في القرية إلا وسألوه، قال بعصبية ظاهرة أنها ستكون قد التجأت إلى أخوالها في الدشرة أو عند عمتها في المدينة فلا ينبغي القلق.. أين ستذهب؟ إنها فتاة، فلا يمكن لها الهيام على وجهها عبر شوارع المدن ودروب البراري.‏

كان الأب مطمئناً نوعاً ما. ليس لها خيارات أخرى غير الاختفاء عند الأقارب، لعلهم يسمعون شكواها ويتدخلون لفسخ الخطوبة المكرهة. لبس قشابيته مستعداً للخروج والبحث عنها، إلا أن الأم نبهته لقانون حظر التجول السائد في القرية منذ مدة طويلة فكيف يفسر وجوده خارج البيت في الليل، سيتهم بمساعدة المجاهدين ويسجن أو يقتل برذاذ رشاش دون رحمة أو شفقة مثلما الذئاب أو الخنازير البرية.‏

قضي الزوجان ليلة بيضاء، لم يعرفا خلالها نوماً ولا أكلا، تبادلا عبارات نادرة، متقطعة وتأوهات مسموعة متواصلة عبر الليل الطويل الذي لم يرد أن يتجلي إلا بعد أن تطلع الروح من مستقرها المؤقت، تبدو الساعة متوقفة، تدور عقاربها ببطء السلحفاة. طلب الأب قهوة بعد مرور منتصف الليل بكثير، ارتشف منها جرعات قليلة وحطها جانباً، إنه معروف بالهدوء والتحكم في الأعصاب، ولكن في هذه الليلة بالذات، ومع المصيبة النازلة على جسمه النحيف المرهق تحت ضغط جبروت المعمر، فقد رزانته وانهارت قواه، رغم إقناع نفسه أن ابنته اختفت عند أحد أفراد العائلة، تشكو حالها، وإذا... هربت بالفعل فكيف يواجه السرجان وأعيان القرية الذين شرفوه في بيته وطلبوا مصاهرته؟ لايملك الشجاعة الكافية للنظر في عيونهم الساخرة، المحتقرة، لو كان رجلاً قوياً، متحكماً في عائلته بقبضة من فولاذ لما تجرأت ابنته على الهروب من المنزل العائلي، لو حدث هذا بالفعل وتبين أن حورية قد هجرت البيت إلى مكان مجهول سيرحل من القرية نهائياً وفي أقرب وقت ممكن إلى مدينة بعيدة لا يعرفه فيها أحد. فكيف له أن يمكث في قرية عين الفكرون وسط النظرات المستفزة الساخرة للرجال والتمتمات القاتلة للنساء. يتضاعف غضبه أحياناً ويقسم قاطعاً أنه لن يتراجع قيد أنملة عن قرارة، وسيضربها ضرباً مبرحاً ويترك آثاراً عميقة على جسدها خاصة في الظهر والفخذين، سيجرها من الشعر عبر أزقة القرية كي يثبت رجولته للملأ ويضع حداً للسخرية والاستهزاء الجماعي. ثم بعد حين يلين قلبه ويتعاطف مع ابنته، يشيد قصراً من التبريرات ليقنع نفسه بالعفو عنها، رفضت الزواج بالسرجان المتزوج بأمرأة أخرى له معها أطفال بعدد أصابع اليد الواحدة، ويكبرها سناً، فلماذا لا يحترم رفضها ويتوجه رأساً إلى السرجان ليعلن تراجعه، هل يملك القوة لمواجهة رجل ذي مال وسلطة مثل السرجان ؟ يشك في نفسه . يشك في أن ينهار بمجرد الوقوف أمامه . فمكث الليلة كاملة ، يتأرجح بين موقفي القبول والرفض، دون أن يستقتر على رأي نهائي منتظراً انبلاج الفجر كي ينطلق في البحث عن حوريته المتمردة. ولكنه لم يعثر لها على أثر. طاف اليوم كله ركضاً من مكان إلى مكان حيث زار كل العائلات القريبة والبعيدة دون جدوى، عاد مع غروب الشمس منهكاً ومنكسر البال متمنياً من صميم قلبه الممزق أن يجدها في البيت.ولكنه بعدما دخل منزله ، خاب أمله وتبخرت أحلامه ، انتشر الخبر بين أهل القرية كالوباء وأصبح الناس لا يعرفون من الحديث إلا هروب حورية وكان السرجان من الأوائل الذين وصلهم الخبر. في البداية لم يصدق، إذ مثل هذا السلوك لا يحتمل وقوعه في هذه المنطقة الجبلية المحافظة على قيم الشرف والرجولة البدوية.‏

manal*****lolo
05-13-2009, 01:31 PM
سمع عن مثل هذه الاختفاءات المؤقتة أيام كان في فرنسا منخرطاً في الجيش. تهرب بعض المراهقات من المنزل العائلي، حينما ترغم كارهة على القيام بفعل ما. أما في الجزائر، وفي وسط هذه الجبال بالضبط فمما لا يصدقه العقل.‏

أخبر السرجان جميع أهله وأصحابه من العرب والأوروبيين بنيته في الزواج مرة ثانية وأنه قد وقع اختياره على فتاة جميلة عذراء وسيقام العرس في بداية الصيف.‏

انتشر خبر اختفاء حورية بسرعة مذهلة، واتفق لسان القرية على أن الهاربة رفضت الزواج بالسرجان وفاضت بعض الألسنة المغرضة، العارفة بأسرار الجميع أنها تعشق الشاب مصطفى الذي التحق بالمجاهدين في بداية الثورة وكان يتصل بها خلال كل هذه السنين الماضية، يأتي إليها في الليل ربما يكون هو الذي خطفها، بعد أيام من البحث والتحريات لم يجد الأب أثر لها في كل المنطقة، سافر إلى العاصمة وقضى فيه يومين يتجول عبر شوارعها يتفرس الوجوه لعله يتعرف على وجه ابنته، اقتنع الجميع بأن حورية التحقت بالمجاهدين، اختنق السرجان غيظاً واستشاط غضباً، كيف تفضل شاباً هارباً عن العدالة يهيم بوجهه عبر الجبال والأودية لا يعرف لنفسه مستقراً، معرضاً نفسه للموت المؤكد في كل لحظة وتترك العز المادي والرفاهية والأمن والاستقرار؟. احتار في أمرها... تعرض نفسها للجوع والبرد وتترك عائلتها في فضيحة لم تحدث قبل ذلك لأحد، وكان أمامها حل تحلم به كل فتيات القرية، شعر بالاهانة والاحتقار النفسي وصغرت قيمته، هو السرجان صاحب المال والسطوة فتاة فقيرة لا تساوي شيئاً أمام شخصيته الموموقة..‏

قدام الناس تظاهر باللامبالاة، كأن الأمر لم يمسه لا من قريب ولامن بعيد، قال بأنه كان صافياً في غرضه، أراد الزواج مرة ثانية مثلما يفعل أغنياء القوم، وبما أنه وقع اختياره على عائلة مهزوزة ورجل ضعيف لا حول له ولا قوة فإنه سينتقي عائلة أخرى يصاهرها.‏

وصب جل غضبه وسخطه على الأب الضعيف الذي تنعدم فيه صفات الرجولة، وإلا لما بقي مكتوف الأيدي ، ساكتاً، منهزماً مختفياً في بيته بين أحضان زوجته، أضاف أنه لو قدر أن حدثت له مثل هذه الواقعة، لطاردها في كل مكان حتى عند الغلاقة ولأحضرها ووفى بوعده لأن الرجل لا يساوي إلا ما تساويه كلمته ووعوده. تكلم السرجان كثيراً ليغطي هزيمته أمام الناس ويظهر أمام أهل القرية أنه شجاع ولم يعتبر حورية ألا كأية امرأة عادية.‏

انتطع الأب عن العمل مدة أسبوع وهو يبحث في كل الاتجاهات دون جدوى وحينما أراد استنئناف شغله، قابله صاحب الورشة في الباب ومنعه من الدخول صارخاً في وجهه أن الورشة ليست قهوة "خالي موح" يدخلها متى شاء ولما طلب راتب الأيام التي اشتغل فيها نهره المعمر قائلاً بأنه غيابه سبب له خسائر جسيمة لأنه لم يلب طلبات زبائنه.‏

محنة ثانية انهالت على رأس الرجل المسكين طرحته الفراش لأيام عديدة كاد يفارق الحياة، لولا زيارة مفاجئة في منتصف احدى الليالي الممطرة، قام بها أحد المجاهدين ليبلغه أن ابنته حورية تسلم عليه وتطلب منه العفو وأنها تتمتع بصحة جيدة وسط المجاهدين والمجاهدات تتعلم مهنة التمريض. إنها تقوم بواجبها تجاه الوطن والثورة وعليه التحلي بالشجاعة وأن لا يهتم بأقاويل أهل القرية.‏

استيقط مصطفى عمروش من غفوته والابحار في سرداب الذكريات البعيدة تحت طرقات قوية على الباب الخارجي وصوت رجل ينادي باسمه. نهض متثاقلاً، ألقى نظرة إلى الساعة الجدارية، وجدها تقترب من الخامسة، فاندهش لسرعة مرور الوقت خلال الظهيرة، لم يكن يعي إن كان بقي مستيقظاً طول الوقت أم غفا في نوم خفيف. لم يغير من وضعية تمدده. أمام الباب وجده "بو زهير حميد" أب حورية حبيبة شبابه وزوجته الأولى ، وجهه يتصبب عرقاً ويلهث من الصياح، يبدو التعب والغضب على قسماته، تقوّس ظهره من الكبر وما زال جسمه يحافظ على النحول. بمجرد ظهور مصطفى على عتبة الباب الخارجي قال شاكياً: السرجان الخبيث ياسي مصطفى..... أنه في المقهى يطعن في شرف ابنتي حورية وابنك جمال، يقول كلاماً جارحاً لا أتحمله..... أنها استشهدت منذ سنين فلماذا النبش في قبور الموتى.‏

ودون اجابة دخل مصطفى عمروش بيته، وخرج بعد قليل وبين يديه بندقية في وضعية الهجوم وأتم الاستعداد لاطلاق النار، لم يكن بو زهير حميد ينتظر مثل هذا الجواب.‏

كان أكبر ما يتوقعه أن يطلب مصطفى من السرجان الكف عن هذه الافتراءات بطريقة سلمية، صعقه المشهد، وسمره لثوان في مكانه أمام الباب. حينما تفطن للخطورة وركض خلفه لينهره عن القتل كان مصطفى عمروش بخطواته السريعة تحت تأثير الغضب والحقد والانتقام المشروع، قد انعرج عبر الشارع الرئيسي متجهاً صوباً دون تردد نحو مقهى السرجان مصمماً على ألا ترتعش يداه وألا يلين قلبه.‏

manal*****lolo
05-13-2009, 01:37 PM
الفصل الثالث‏

خلال الأيام الأخيرة التي سبقت مباشرة اليوم المشهود الذي سيتردد طويلاً على ألسنة أهل قرية عين الفكرون، مكّوناً اهتماماً أساسياً ومجالاً ثرياً لتكسير الرتابة المخيمة، هذه الرتابة التي أغرقت الجميع في شبه اكتئاب وتدهور نفسي حتَّى ارتفعت، صيّرت حركاتهم ثقيلة غير مبالية، وارتفعت الحرارة ارتفاعاً جنونياً انقطعت الأمطار القليلة والرياح النادرة في منتصف فصل الربيع، مما أسرع في تحويل اللون الأخضر إلى الأصفر الشاحب وانقراض الحشائش القزمة المتشبثة بالتراب في هيئة ذابلة هرمه، وسرعان ما ظهرت الحشرات النحيفة المتعطشة إلى الغذاء، أنواع الناموس بكل أحجامها حتى نوع الهليكوبتر، والذباب والفئران وبنات وردان أو "القَرْلَلّو" مثلما يطلق عليه أهل القرية، وعشرات الحشرات الأخرى الجريئة التي اقتحمت البيوت، خاصة المطابخ والحدائق ومخازن التموين، مما أجبر الناس على البحث عن المبيدات المضادة في كل المحلات التجارية التابعة للقطاع العام والخاص، للتصدي للغزاة الذين لا يبدو أنهم تناقصوا رغم الكميات الهائلة من السائل ذي الرائحة الكريهة، فوقع الناس في "حيص بيص" يتأرجحون طول الوقت بالليل خاصة بين إغلاق النوافذ والأبواب وأحكام الشرفات بأنواع من الباش السميك وسد كل ثقوب التهوية التي تتسرب منها الحشرات وتحمل الرائحة الكريهة الممزوجة بارتفاع الحرارة وتلألإ الجسم بحبات العرق وبين فتحها على مصراعيها لاستقبال النسمات الباردة ومعها هجوم الناموس باللدغات والامتصاصات التي تبعد النوم نهائياً وتزرع الدماميل المهيجة، ومما زاد الأمر خطورة وتعقيداً اختفاء سائل المبيد فجأة من الأسواق فعرف أهل القرية وظيفة أخرى شاقة وهي البحث الدؤوب عن المبيدات في كل مكان سمعوا بوجودها فيها. اختفت أياماً، فارتفعت الشائعات المعقولة واللامعقولة، ثم بدأ يظهر في السوق وبأثمان تفوق السعر العادي من ثلاث إلى عشر مرات، عند بعض التجار المؤقتين الذي يعرضون السلعة المفقودة على أرصفة الطرقات مطمئنين غير خائفين من جهاز الرقابة الموسمي الذي لا يراه التجار إلا مرة واحدة في الحول، يمر مرور الكرام في جولة سياحية ينتفع أعضاؤه لنفسهم دون الإكتراث بالطوابير اللامتناهية على أبواب المحلات الحكومية ذات المساحة الكبرى، المشيدة في سرعة مذهلة على طرف المدن والقرى، حيث يبيت الزبائن الدائمون الليلة متحاشرين ينتظرون الافتتاح للركض تجاه بسط البضائع مع كل ما تتخلل المطاردة من مشادات كلامية وجسدية وتكسير زجاج الواجهات الخارجية للمحل.‏

manal*****lolo
05-13-2009, 01:38 PM
إذن منح ذلك اليوم مجالات واسعة لقضاء الوقت والانشغال بتلك الحكايات القديمة التي حفظها الكل عن ظهر قلب إلى درجة القرف من سماعها مرة أخرى.‏

تحرك السرجان خلال تلك الأيام التي لم يخطر على باله بأنها الأيام الأخيرة في حياته ولو سمعها من أحد... وإن كانت الدرويشة لاّلة عويشة البوسعادية.. لا نطلق في ضحكة هستيرية مجلجلة بصداها الرجعي البعيد لساعات كاملة، إذ لم يتصور الموت وفي هذه الأيام بالذات وهو يلهث وراء كيفية يتحصل بواسطتها على بطاقة النضال أيام الثورة، متصلاً بكل معارفه المتفرعين إلى غاية العاصمة، بطاقة مزيّنة بالخط الثلاثي وعلى طرفها الأيمن صورته الشمسية انتقاها من بين مجموعة صور يظهر فيها شاباً أنيقاً ووسيماً، بدون شعرة شيب واحدة. يكون قد التقطها منذ سنوات واحتفظ بها لمثل هذه المناسبة العظيمة، فيغلف البطاقة في إطار زجاجي يصنع لها خصيصاً عند أحسن الحرفيين، وإذا اتقضى الأمر سيسافر إلى فرنسا ليبحث لها عن إطار ملائم في أروع وأفخم وأغلى المحلات . وسيدفع مقابلها رنكات أو دولارات خضراء مخرخشة . ثم يعلقها على جدار داخل مكتبة الخاص وراء ظهره كي يراها كل زواره، لم يكن يخطر على باله أبداً أنه سيفارق الدنيا دون أن تمنح له هذه البطاقة التي تبدو في نظره سحرية، بل لم يكن يشوبه شك في أن خصمه اللدود لا يمتنع طويلاً عن الامضاء بل سيرضخ بعد مدة قصيرة وسيوقع مثل العبد المطيع.‏

رغم الحرارة المخيّمة المرهقة وأزيز الحشرات المعلن في وضح النهار،لم يكف السرجان عن الجري والبحث عن وسائل يضغط بها على خصمه . ذكَّرته هذه المحنة بصديق قديم ، تعامل معه في السنوات الصعبة التي تلت مباشرة الاستقلال ، انتقل منذ سنوات إلى العاصمة واستقر بها في منصب مهم . وفيما ركن إلى لمقعد الخلفي الوثير لسيارته المتجهة إلى العاصمة مستمعاً إلى حكايات السائق العادية وثرثرته اللجوجة، عادت إلى ذهنه الزيارة المفاجئة التي باغته بها في احدى الأماسي في السنة الأولى للاستقلال وذلك قبل أن يسدل الظلام ستاره المعتم، أدخله إلى غرفة الضيوف وهو يرتبك ويبحث في خياله عن سبب الزيارة الليلية غير المنتظرة طرح تساؤلات مريبة ألا تكون، الزيارة لها علاقة بخياناته أيام الحرب القريبة؟ حافظ على سريتها ولكن من أدراه بأن شخصاً ما يكون قد تتبعه إلى غاية دار مسيو غوميز، واسمتمع إلى الحديث الدائر بينهما؟؟

manal*****lolo
05-13-2009, 01:38 PM
تفحص الرجل جيداً لعله يكتشف سلاحاً مخفياً على حزامه أو داخل جيوبه، فلم يلاحظ شيئاً يزعجه، استرق النظر خلسة إلى تقاسيم وجه الزائر الذي غلس نحوه دون موعد، فلم تقابله نظرات الحقد والانتقام وبروز الأعصاب الغليظة على الخدين والصدغين، كان يبدو على الرجل الهدوء والانشراح وقليلاً جداً من الارتباك في تحركاته. يعرفه السرجان كأحد المسؤولين الرئيسيين على توزيع الفرينة والزيت والسكر على فقراء القرية، اسمه "بومالح عبد المالك" ويعرف السرجان أيضاً قصة التحاقه بالثورة. تخانق مع الشامبيط حول إشعال النار في الغابة لتحضير الفحم وبيعه. ضبطه وهو يحفر الأرض لوضع الحطب قبل وقوده، فأراد ربطه وجره إلى السجن، دافع الرجل عن نفسه. كان قوياً فتغلب على الشامبيط. صرعه بضربة حديدية على صدغه وانتزع منه البندقية وهرب إلى الجبال.‏

يتذكر السرجان كيف استقبله بحفاوة مبالغ فيها، مرحباً مهللاً، قائلاً بأن المنطقة كلها زغردت لموقفه الرجولي، فقد أحسن الاختيار، الحرية أحسن من السجن مهما كان ثمنها.‏

فاسترسل في ذكر خصال المجاهد ووصف فرحة الاستقلال، فأفاض في التفاصيل، لم يسمح للرجل بتلفظ كلمة واحدة حتى حضر الشاي وأضاف بأن العشاء جاهز وأقسم أن يشاركه الأكل.‏

كل هذا وهو يترقب بتلهف أن يفصح الرجل عن سبب الزيارة، وحينما أدلي الزائر بدوله لم يصدق السرجان أذنيه، طلب منه إعادة شرح طلبه لأنه بدأ يشيخ وثقل سمعه وضعف بصره. حضر المجاهد بومالح عبد المالك ليبيع له بعض الأكياس من المواد الغذائية، منحته الجبهة كمية تفوق حاجياته العائلية، فأراد بيعها لأنه لا يملك مكاناً لتخزينها.‏

فلم يجد إلا السرجان يتوجه إليه على أن يبقى الأمر سراً بينهما، لأن ألسنة الناس طويلة زيادة عن اللزوم وهم كثيراً ما يسيؤون الفهم ويتسرعون في اطلاق الأحكام الجزافية دونما التأكد من صحتها، في الوهلة الأولى، صدّق السرجان نوايا المجاهد، فقبل شراء الكمية التي كان يتصور أنها لا تزيد عن قنطارين أو ثلاثة، ولكنه حينما فتح الغشاية الكتيمة الخلفية للشاحنة الصغيرة ووجدها معبأة بالتمام والكمال بالأكياس والبراميل، ابتسم ابتسامة ماكرة مدركاً أن الكمية مسروقة لا محالة، وأن قصة المجاهد للتمويه فقط، وعلى من؟.‏

عليه هو السرجان الذي يلتقطها في الفضاء قبل أن تمس الأرض... احتار قليلاً من السلوك النادر بين صفوف المجاهدين، خاصة في السنوات الأولى للاستقلال، ثم فكر ملياً، وسرّ بداخله، هي فرصة للريح لا تعوّض، أن سعر الحمولة لا يناقش إلا بعد إدخال الشاحنة داخل المستودع الواقع خلف منزله وتفريغها، في ذلك الوقت، يصعب على المجاهد وصديقه السائق التراجع عن البيع إن كان الثمن المقترح منخفضاً، خلال فترة التفريغ، ما فتىء السرجان يشكو من صعوبة البيع والشراء، الناس فقراء لا يملكون المال فيُجْبَر على البيع ديناً، وذلك يسبب له مشاكل كثيرة في العثور على المال الذي يسمح له بالتموين، ثم أن الفرينة هذه الأيام لا تباع لأن كل عائلة تأخذ نصيبها من الجبهة، لذلك يصعب سيلان كل هذه الكمية في السوق، بعد الانتهاء من التفريغ أحضر السرجان فناجين القهوة، ثم حدد السعر بنفسه، سعراً منخفضاً عن الأسعار الرسمية المعمول بها، ولم يجد المجاهد نفساً للإحجاج، مهما كان الثمن، إنه رابح فهو لم يدفع شيئاً مقابل السلعة المعروضة،في الغد سافر السرجان إلى المدينة واتصل بصديق يملك مخبزة فباع له الكمية مع فائدة تفوق خمسين بالمائة ثمن الشراء، ثم اتفقا على موعد الشحن الذي ينبغي أن يتم في أقرب وقت ممكن. هكذا دخل السرجان باب التجارة الرابحة. لم يكتف المجاهد بالشحن الأول بل كرّر العملية مرات عديدة، مع الحرص على دفع ثمن البيع في كل صفقة، غير مبال بشكاوي السرجان، وحججه لإقناعه بأن حالة السوق متدهورة وأن خطورة اكتشاف الكميات المسروقة في بيته، سيدخله السجن بدون محاكمة، كان بومالح عبد المالك خروفاً فأصبح ذئباً.‏

manal*****lolo
05-13-2009, 01:38 PM
تطورت الأمور في صالح الرجلين عين المجاهد مسؤولاً عن قسمة الحزب بقرية عين الفكرون، مما ضاعف نفوذهما وتقاربهما والإكثار من الصفقات التجارية بينهما.‏

انطلقت الذاكرة متموجة، تزيل الغبار وتبعد النسيان عن احداث كاد السرجان أن يردمها تحت أطنان من الغرانيت ويلفظها في أعمق حفرة بحرية وإن وجدت في أقصى شرق الكرة الأرضية قرب جزر الفلبين، لأنها تبعث في صدره ضيقاً خانقاً وتحجب بصره بغشاء سميك، فيفضل نسيانها، ولكنها لا تأبىالابتعاد بل تحاصره حتى في داخل سيارته من نوع 505 آخر موديل مكيفة ومجهزة بكل الوسائل المساعدة لتحمل السفر الطويل، انساق خلف الذكريات التي بنت مجده، فساقته تماماً مثل آلة السفر إلى عمق التاريخ عبر رحلة مرة، أيام كان يترقب يوم الإعلان عن وقف إطلاق النار، في حالة نفسية تشوبها عواطف متناقضة تتراوح بين الخوف من المجاهدين الذين سينحدرون أفواجاً أفواجاً، معبأة بالسلاح، حاقدين على الخونة والحركية، وبين سرور داخلي يغمره لأنه سيغدو الرجل الوحيد الغني في قرية عين الفكرون بعد أن أشتري ممتلكات كثيرة من عند مسيو غوميز وأصدقائه قبل سفرهم العاجل، قضى ليالي عديدة ممدداً على فراشه يخطط ويحلم بمشاريع لا نهاية لها، دون أن يغادره الخوف المبطن من اكتشاف بعض خياناته، رغم الحذر والحيطة والسرية التامة التي حاول جاهداً أن يخفى بها هذه "البيعات" الرخيصة.‏

لقد ساعد الجبهة بقليل من المال وبعض الأكياس من القمح والشعير، ولكن الإشكال المطروح هو أن المسّبل الذي تعامل معه باعه هو نفسه إلى الجيش الفرنسي، فعذب لاستنطاقه إلى أن لفظ أنفاسه فوق البلاط البارد، ومع استشهاد هذا البطل المناضل، اختفى الشاهد الوحيد الذي كان بإمكانه الإدلاء بشهادة تنقذه من الذبح.‏

إذن منح ذلك اليوم مجالات واسعة لقضاء الوقت والانشغال بتلك الحكايات القديمة التي حفظها الكل عن ظهر قلب إلى درجة القرف من سماعها مرة أخرى.‏

manal*****lolo
05-13-2009, 01:38 PM
في تلك الأيام كان خائفاً، لا يستقر في مكان، ويعلن جهراً عن فرحه لاستقلال الجزائر، بعد الاعلان الرسمي والنهائي الاستقلال، كان يغادر القرية ويقف على تربة تحاذي شجرة خروب باسقة مورقة تنسدل بعض أغصانها إلى أن تلامس الأرض، يمسح السهول المترامية أمام بصره من الأراضي الخصبة، ويتنهد بعمق وحسرة، من سيخلف المعمرين في فلاحة هذه الخيرات الذهبية؟ من سيمتلكها؟ آه... لو تبيعها الحكومة إلى من يملك المال لأشتري قطعة واسعة، تمتد إلى غاية البحر. أقتني مذياعاً من المدينة خصيصاً لالتقاط الأخبار المهمة، كاد يغمى عليه حينما وصله خبر تأميم كل الأراضي التي كان يملكها المعمرون وتحويلها إلى مزارع مسيرة ذاتياً من طرف الفلاحين والقرويين، وعلى إثر ذلك أنشئت تعاونيات فلاحية خاصة بالمجاهدين الراغبين في خدمة الأرض، تبخرت أحلامه وفقد أمل امتلاك قطعة أرض يستثمرها، بعد تفكير حسابي دقيق وجد أن التجارة لمن يدرك تحريك حبالها بدهاء هي الضمان الوحيد الذي يسمح له بجمع ثروة كبيرة، في خضم الاحتفالات المبتهجة للاستقلال، وجد نفسه يتظاهر عبر شوارع القرية وسط جمهور غفير من الرجال والنساء والأطفال يتدثرون العلم الوطني أو قطع قماش خضراء أو حمراء، تنبه إلى الأمر وعلق علماً وطنياً في قضيب حديدي فوق حانوته وأصرّ على التحية الصباحية، فيطيل الوقوف خاصة إذا شاهد مجاهداً يمر عبر الشارع، في بهجة الأيام الأولى للاستقلال حافظ بعض المجاهدين على ارتداء الجاكتة العسكرية وحمل البندقية على الكتف أينما توجهوا، لذلك كان من السهل التعرف عليهم والتكلم معهم، كانوا يكثرون من الطواف ليلاً عبر الشوارع والأزقة الضيقة تحسباً لعدوان محتمل، فترات حرجة عايش بعضها في عزلة سيارته الفخمة التي وإن رآها أحد المصطفين في محطات النقل العمومي تحت أشعة الشمس المحرقة وطيران الغبار الملوث "والذي يتجمع في منخاري الأنف مكوناً مادة عفنة يابسة تسد الممر للهواء، فيحتار صاحب الأنف المكدس عن الوسيلة المثلى للتنظيف". يمسح ببصره المكان وتتسمر عيونه على الأصابع المتعددة المنشغلة باصطياد المادة المزعجة في اطمئنان كلي فيتشجع ويدخل سبابته المظفرة المتسخة ويبدأ عملية تنظيف الأنبوبين المنسدين دون أن يلفت النظر إلى تلك الفتاة الجميلة المتحضرة التي أشمأزت من المنظر وابتعدت ولكنها أين تهرب؟ المكان كله تحول إلى نهر للاصطياد فتتقدم من الاسفلت تترقب أو تاكسي لتغادر المكان بسرعة" فأنه لن يتردد من الصياح "آه.. لو أملك سيارة فخمة من هذ الطراز لما اشتكيت أبداً.. إنها تبعد الغمّ والهمّ والنرفزة" جاهلاً هموم صاحبها وإغراقه في بئر بلا قاع، كما تذاكر السرجان مع صديقه بومالح عبد المالك صاحب المنصب الحساس، فعرجا على الأيام التي كانا يقدمان رجلاً ويؤخران أخرى، قبل الانطلاق السريع نحو السلطة والجاه بفضل دهائهما في تحويل بعض أموال الدولة إلى جيوبهما، خاصة تلك الكمية الهائلة من المصوغات الذهبية المتنوعة التي تبرع بها أهل قرية عين الفكرون بحماس صادق، صادف أن كان بومالح على رأس القسمة، فكلف نفسه بجمع المجوهرات المنقذة من سنوات الشقاء بعد تقطير واقتصاد كانا على حساب البطن وحماية الجسم من البرد القارس، وايصالها إلى الخزينة العامة بالعاصمة، فتاهت نصف الكمية عبر سراديب مظلمة، وسط الطريق الفاصل بين القرية والعاصمة، تطوّع السرجان بكل فرح وسرور بحراستها في حفرةٍ آمنة ومضمونة، بعيدة عن الأعين الفضولية على ألا يكشف عليها إلا بعد مرور سنوات - اسمع يا سي عبد المالك باسم الملح الذي أكلناه معاً، أطلب مساعدتك.. إن حاجتي عندك أنت، أنا أريد بطاقة قدماء المجاهدين، ولا تسألني لماذا مثلما حقق معي ناس عين الفكرون فكرةٌ خطرت ببالي وصمَمت على امتلاكها ثم أحتفظ بها في جيبي أو احرقها فهو شغلي أنا وحدي.. تصوّر أن سي عمروش رفض ملفي- سأحضر لك شاهدين هنا في البيت ويمضيان بالرحب والسرور ونملأ الملف مثلما يحلو لنا، وستصلك البطاقة إلى غاية عين الفكرون.‏

- أنت لم تفهمني.. أنا لا أعيش في العاصمة، لو كنت كذلك لما احتجت إلى البطاقة نهائياً.‏

manal*****lolo
05-13-2009, 01:39 PM
الدزاير" مدينة كبيرة لا يعرفك أحد ولا يهتم بك الناس، سواء كنت بطلاً مثل عميروش أو حركياً مثل البشاغا بوعلام، ولكن هناك في عين الفكرون، الناس تعرف، والعيون ثاقبة والأفواه ثرثارة لا تصمت. أريد بطاقة نضال من قسمة عين الفكرون بالذات وبامضاء مصطفى عمروش شخصياً، إنه مجاهد من الدفعات الأولى ومعروف بنزاهته، إذا أمضى على ملفي ستسكت الألسنة المغرضة المنافقة، التي تبتسم في وجهي وتسخر مني في ظهري... تصّور أن ابنتي شفيقة الموجودة الآن في الجامعة، عادت مراراً إلى البيت باكية، شاهقة لأنها وجدت من يشتمها بابنة الحركي... وأنا أقسم بالحجات الثلاث التي قادتني إلى البقاع المقدسة بأنني ما خنت أبداً، تعاملت مع المير "مسيو غوميز" لأنني تعرفت عليه أيام كنت عسكرياً وهو الذي تمادى في البحث عني للمشاركة في جلساته الشيقة حول بعض الكؤوس اللذيذة، كان يلح ويكرر الدعوة كي أسهر معهم وأشرب كأساً من "البوردو" الله يغفر لي ذنوبي.. انقطع عن الكلام، أطرق بصره على الزريبة المزركشة ذات الأصل الايراني، المستوردة حتماً من أسواق مرسيليا، كأنه يتابع دعواه ويطلب المغفرة والتوبة الكاملة، أم أنه حنّ إلى طعم النبيذ بأصنافه المتنوعة الجزائرية والفرنسية وإلى الأيام التي سكر فيها حتى النخاع وخبط خبطة الكلاب قبل أن يغادر الحانة متمايلاً، يصهل بصوته المبحوح متصوراً أنه يغني تارة أغاني جزائرية وتارة أخرى أغاني فرنسية رسخت في ذهنه من فترة المدرسة الابتدائية التي قضى فيها بعض السنين قبل أن يطرد، ارتسمت على ثغره الواسع ابتسامة ماكرة، أظهرت نواجده والأسلاك البلاتينية التي تشد بعض الأسنان الإصطناعية، هز رأسه من اليمين إلى اليسار ثم أردف قائلاً مستمراً في حديثه الداخلي، كان صديقه يسمع إليه.‏

manal*****lolo
05-13-2009, 01:39 PM
للأسف، لم تكن تعرفني قبل الثورة، لو كنت تعرفني لكوننا ثنائياً رائعاً.. كنت أتمتع بصحة جيدة وراتبي الجيد كان يكفيني، أصرفه بالدورو على نفسي فقط، نساء خمر، ولائم في أحسن المطاعم.. آه على تلك الأيام! لولا الحرب... لعنة الله كبيرة على كل الحروب، في أية بقعة من العالم، مهما كانت دوافعها.‏

استرسل السرجان في رواية مغامراته الحاناتية والماخورية في بعض المدن الفرنسية التي تنقل عبر ثكناتها، جاهداً نفسه في استحضار جل التفاصيل من تقاسيم الوجوه، ونبرات الأصوت ومحتوى الأحاديث بالضبط، بنفس العبارات والوقفات الايقاعية، فيما جلس بومالح قبالته على الفوتاي الوثير، يتابع بصمت دون تركيز أو اهتمام، محاولاً التوغل إلى أعماق عقلية هذا العجوز الذي يصرّ على قطعة ورق لا قيمة لها بالنسبة إليه، وهو المالك من المال والمحلات التجارية والسيارات والشاحنات باعداد يعجز المرء على عدها دون الاستعانة بالحاسبة، يهز رأسه بالموافقة كلما توقف السرجان عن الحديث مستدركاً اياه بعبارة مثل أتسمعني جيداً ياسي عبد المالك" أو حينما يذكر له اسم رجل ما غاب عن حقل معرفته منذ سنوات، ليستفسرعن مكان وجوده، استيقظت شهية الكلام عند السرجان وخامره حنين إلى استحضار فيلم حياته، خاصة اللحظات السعيدة، كشريط يتمتع برؤيته وهو مستلق على الفوتاي المريح، وأمامه مستمع نموذجي يكتفي بالاستماع وهز الرأس بالموافقة وإن كانت ظاهرية فقط، دون اللجوء إلى استفسارات محرجة وتعليقات أخلاقية جارحة واطلاق أحكام قاطعة لا تقبل الطعن، ورغم انهماكه في الحديث الحنيني، لم ينس السرجان ارتشاف القهوة، شرابه المفضل في كل الفصول وفي كل الأوقات، فيضاعف عدد الفناجين حينما يصاب بالأرق ولا يعرف طعم النوم بسبب مشكل من المشاكل التي يتلقاها في تجارته، يرتشف الجرعات ببطء ملحوظ، محدثاً تصفيرة حادة، ترتفع تباعاً، وبعد أن يحط الفنجان على الصينية النحاسية، يقول بافتخار "المتعة في شرب القهوة تكمن في التصفيرة التي يحدثها الشارب، وهو يبلعها ساخنة... أنا لا أشرب ماء بل قهوة.." ويحبها ساخنة، تسكب في الفنجان مباشرة بعد اطفاء النار ولا يقبلها دافئة، فيهيج هيجاناً ويصيح شاكياً- كم يتقن فن الشكوى من كساد السوق وتعفن البضائع في المخازن وارتفاع أسعار الشراء بحيث يقنع المتعاملين معه حتى إن كان غير صادق مع نفسه، وما أكثر هذه الحالات التي سمحت له بشراء البضاعة بأثمان منخفضة وبيعها بغلاء فاحش- ثم يقوم من مكانه ويتجه صوبا نحو المطبخ ويشعل الفرن الغازي ويحضر القهوة بنفسه، رغم الحاح زوجته التي تشكو هي أيضاً من روماتيزم في المفاصل- هي كذلك تتقن فن الشكوى عن تدهور صحتها وعجز الأطباء عن شفائها وأنه "أي زوجها" سيكتشفها في أحد الأصباح جامدة في فراشها، وعادة ما تسترسل في بكاء وعويل خافتين يستمر يوماً كاملاً تلعن زوجها الذي فضل الاهتمام بتجارته قبل اهتمامه بها وذلك منذ السنوات الأولى من الزواج، وأهملها مثلما أهملها الأطباء الذين ينسوا من برئها ونفروا من تذمرها وشتائمها اللاذعة لكل الأطباء دون استثناء.‏

manal*****lolo
05-13-2009, 01:40 PM
تدهورت صحتها وتضاعفت آلام جسمها، كما انهارت أعصابها وأصبحت مثل المطاط الذابل المهتري، الذي لا يشدّ شيئاً، منذ تلك الحادثة الغريبة والعجيبة النادرة، بل يمكن القول بأن مثل تلك الواقعة التي عاشها زوجها السرجان ومعه كل أهل القرية في رعب وخشوع، لا تحدث إلا مرة في سبعة قرون ويمكن ادراجها ضمن طرائف الكون التي لا يوجد تفسير عقلي لها، في تلك السنة، تأخرت الأمطار عن السقوط وعمّ جفاف لم يشهده البلد منذ أعوام، انتصف شهر جانفي ولم تستقبل الأرض الظمأى قطرة ماء واحدة، فلم يتمكن الفلاحون وعمال المزارع الحكومية من زرع أو غرس نبتة واحدة، تجمع الناس في المساجد وقرروا اقامة صلاة الاستسقاء كل يوم جمعة وفي كل قمم الجبال العالية، لعل الله يستجيب لدعواتهم ويرسل غيثاً مدراراً ينقذ البشر من التهلكة والأرض من الخراب والبوار، فكان الناس يجتمعون مباشرة بعد صلاة الفجر أمام المساجد ويقصدون القمم أفواجاً أفواجاً، راجلين ومضربين عن امتطاء كل أنواع النقل الحديثة من سيارات وشاحنات وحافلات ودراجات، أعدوا وسرجوا الحمير والبغال للمسنين من الأئمة والأعيان، وذلك لكي تصبح الصلاة أكثر نفعاً لأن المسلم يتوجه إلى ربّه عارياً من كل اختراعات الغرب الكافر، فيقف أمامه طاهراً عفيفاً خاشعاً، بل غالي بعض المتطرفين من الشباب أصحاب اللحي المكثفة الخصبة الأنيقة المعطرة، التي يعتنى بها بدقة ويخصص مشط لها وحدها واقترحوا لفظ اللباس الغربي وارتداء الجلابية والقندورة والبرنوس وحماية الرأس بشاشية بيضاء ويستحسن أن تكون هذه الألسنة مستوردة من مكة المكرمة، لتكمل شروط القيام بصلاة الاستسقاء، وتمنى بعضهم لو كان الماء الذي يحملونه في زجاجات بلاستيكية مستورداً هو الآخر من بئر زمزم، حتى يستجيب الله لدعائهم في الحين وتمتلي الأرض ماء قبل أن يغادروا القمم، راجعين إلى الأحياء المعمورة، ولكن كل هذه الصلوات لم تنفع في جلب الأمطار، بقي الجوّ جافاً والحرارة مضطربة والأرض تزيد انشقاقاً والأشجار يباساً والآبار القليلة التي ما زالت تحتوي على ماء للشرب جفت، حتى ظن الناس أن يوم القيامة قد اقترب ومعه ساعة الحساب والعقاب، فغصت المساجد بالمصلين الخاشعين الخائفين، وأغلقت الحانات أبوابها وأضرب الناس عن ملاعب كرة القدم يوم الجمعة ليخصصوا اليوم كله للعبادة والصلاة.‏

manal*****lolo
05-13-2009, 01:40 PM
في الهضاب العليا، انسلخت الحلفاء وكل أنواع الحشائش الأخرى وطفقت قطعان الغنم تموت بأعداد هائلة حتى خاف الناس من انقراضها، مما أجبر الحكومة على استيراد كميات ضخمة من الشعير والتبن لانقاذها، وصلت البواخر مصفرة ورست في طوابير دامت شهوراً كاملة لإنزال البضائع المنقذة، وهنا تدخل التجار بحيل ملتوية ولم ينساقوا خلف موضة العبادة الجارفة، فاستولوا على كمية كبيرة من البضائع بالتواطؤ مع بعض الموظفين المرتشين فكدسوها في مخازن سرية، في انتظار انقطاعها نهائياً من السوق لبيعها بأثمان خيالية، يلزم المحتاج نفسه على الشراء أو بيع قطيعه بالجملة مثل البضاعة الفاسدة، ارتفع ثمن الحمولة الواحدة إلى درجة أن المربي يستطيع شراء الشاحنة ولا يمكنه شراء البضاعة التي بداخلها، ولم تفت السرجان هذه الفرصة الذهبية، فركض إلى اقتناء أطنان من الشعير وحزم التبن المستورد من بلاد بعيدة مثل أستراليا وكندا وأميركا، ثم وزعها من مخازنه المبعثرة، منتظراً اشتداد الأزمة كي يضرب ضربة العمر.‏

شاءت الصدف أن شبّ حريق مهول في أحد المستودعات في ظهيرة قائظة، اقتربت درجة حرارتها من الأربعين فأسرع الناس إلى اخمادها ثم وصلت سيارات المطافيء مصفرة، وتبعتها لاندروفر الدرك، وكم كانت المفاجأة صاعقة حينما اكتشف الجميع أن البضاعة هي تبن وشعير، ماذا تفعل هنا هذه البضاعة التي يتهافت عليها المربون لانقاذ المواشي من الموت المحتوم والانقراض؟ قام أعوان الدرك بتحريات معمقة، فاكتشفوا المخازن الأخرى، وسبق السرجان للاستنطاق نفي معرفته بها نهائياً واتهم بعض عماله الذين أرادوا الإغتناء من ورائه دون أن يحدد أسماً أو يوجه اتهاماً ضد شخص بعينه.‏

سيق العمال المكلفون بحراسة وتنظيف المخازن وسائق الشاحنات، وبعد استجوابات واستنطاقات عنيفة دامت أسبوعاً كاملاً، اعترف أحد السواق بأن السرجان هو الذي أمره بشحن البضاعة من المرسى واخفائها في المخازن، توسعت التحريات وتجاوزت صلاحيات فرقة الدرك المحلية، ولكن فجأة نزل أمر بالافراج عن الجميع والتوقف عن التحقيق، يكفي مصادرة البضائع، وارسالها فوراً إلى إحدى مدن الهضاب العليا، أفرج عن السرجان وعماله بعد أسبوع من الحجز المؤقت، وطوي ملف القضية كأن شيئاً لم يحدث.‏

manal*****lolo
05-13-2009, 01:40 PM
خلال مدة الحجز، لم يكف السرجان عن اتصال بمعارفه الأقوياء في أجهزة السلطة المدنية منها والعسكرية، يطلب المساعدة ويذكرهم بخيره السابق وخدماته المجانية في نقل مواد البناء واعارة عماله لأيام، بل لشهور كاملة لتشييد بعض الفيلات الخاصة، حينما كان محجوزاً لم يكن يفكر إلا في كيفية النجاة بنفسه والخروج في أقرب وقت ممكن، وبعد الافراج عنه، غمرته كآبة مظلمة وحزن عميق منعه من الكلام واستقبال أصحابه الذين أسرعوا لتهنئته على الافلات من يد العدالة ومن المكوث داخل أربعة جدران رطبة لسنوات، لولا الرجال الأقوياء الذين دافعوا عنه في أعلى مستوى لغاب عن القرية لسنين طويلة وفيما كان هؤلاء يتوافدون أفراداً وأزواجاً، يتجمعون في الحديقة مصرين على مقابلته، أختلى السرجان بنفسه كئيباً، محطماً، في غرفته، بعد أن أمر زوجته بألا تترك أحداً يدخل عليه، وغرق في بحر من الحسابات العسيرة، فوجد أنه فقد أموالاً باهظة، دفعها لشراء البضائع ورشوة مجموعات من الموظفين، تبخرت في ثوان دون أن يتمكن من تسويقها أو الانتفاع بها بشكل من الأشكال، ومع كل الخسارة، تلطخت سمعته في الوحل، خاصة عند أهل عين الفكرون الذين سيكثرون من الحديث عنه ويتهمونه جهراً بالاختلاس والسرقة والمتاجرة في السوق السوداء، وهوالمحافظ دائماً على أن تكون سمعته طيبة ظاهرياً.‏

لماذا لم يوزعها مجاناً للناس ينتفعون بها مثلما سمع الامام يروي عن أحد الصحابة، الذي تبرع بألف جميل محملة بالبضائع في سنة من سنوات انتشار المجاعة؟ ولماذا لا تكون هذه الكارثة عقوبة إلهية نزلت عليه؟ فكيف يستغل ظرفاً مأساوياً ليجمع مالاً حراماً؟ يشكو الناس من الجفاف وتموت قطعان الغنم طراداً، فيما كان قلبه منسداً لدخول الرحمة والشفقة، لم يكن السرجان متديناً في شبابه ولكن مع تقدم العمر، أصبح يتردد على المساجد للصلاة ويجالس الأئمة، يسمع منهم الوعظ والارشاد، فامتلأت نفسه بعاطفة دينية، أصبح يميز بين الحلال والحرام دون أن يطبقه في سلوكه التجاري، في خلوته تلك فكر في جميع هذه المسائل، مما زاد من كآبته وحزنه، فأصيب بنوبة قلبية، أفقدته وعيه وأدخلته في غيبوبة جعلت زوجته تعتقد بموته وتطلق صراخاً مدوياً، انتشر صداه عبر أرجاء البيت كله، دخلت غرفته بعد منتصف الليل، بعد أن تخلصت من النساء الزائرات فلقيته ممدداً على ظهره دون حراك، اجتمع الناس مرة أخرى في منزله وحضر الإمام، قلب الجثة بحذر فوجدها هامدة، ألصق احدى أذنيه على الصدر، فلم يستمع إلى ذلك الخفقان المنتظم، فاستغفر الله وتلا الفاتحة ودعا طويلاً، ثم أعلن للحاضرين أن السرجان انتقل إلى رحمة ربه.‏

manal*****lolo
05-13-2009, 01:40 PM
وما أن أدركت القرية الصباح حتى علم أهلها كباراً وصغاراً، رجالاً ونساء، بوفاة السرجان تحت ضغط المصيبة التي نزلت عليه، ابتسم البعض فرحين معتبرين الموت في مثل هذه الظروف عقاباً وجزاء من الله الذي يمهل ولا يهمل، حضرت العائلة مراسيم الدفن في اليوم ذاته، وما أن آذن المؤذن لصلاة الظهر حتى انطلق الموكب الجنائزي نحو المقبرة الواقعة في طرف القرية الشرقي، توقف المشيعون عند باب المقبرة، بمحاذاة صف من أشجار السرو والتين لاقامة الصلاة على روح الميت، ما أن انتهى الدعاء الأول وانتصفت الوقفة الخاشعة، حتى حدث العجب العجاب الذي أرغمهم على هجر الصلاة قبل انتهائها والركض في جميع الاتجاهات تاركين أحذيتهم، وعيونهم زائغة لا تصدق ما تري، نعم، لقد تحرك جسم السرجان الممدد فوق التابوت الخشبي الأخضر اللون، وأصدر آهة ثم انتفض جالساً يتخبط في كفنه الأبيض الناصع، أزاح القماش من على وجهه وانتصب وافقاً يتفرس ببصر حائر الأشباح البشرية المهرولة عبر كل شبر من الأرض الحجرية المسننة والأشواك اليابسة وهي حافية القدمين، تاركة المساحة المسطحة بعناية، المخصصة للصلاة، مغطاة بالأحذية من كل الأنواع والمقاييس، سقط الكثير على الأرض من الارتباك والخوف، فنهضوا في لمح البصر دون أن يجرؤوا على الالتفات خلفهم والتأكد مما أفزعهم، بعد أن كان المكان غاصاً بالناس، أصبح خالياً مخيفاً مكث السرجان بغطائه الأبيض كشبح ليلي، يحاول هضم ما جري له، مسح ببصره المقبرة وأمعن نظره التائه في الكتان الناصع والتابوت، فأدرك لتوه أن الناس اعتقدوه ميتاً، فرافقوا جثته إلى مقرها الأخير، فارتعد لفكرة استيقاظه وهو تحت التراب على عمق مترين، لو حدث ذلك لعاش لحظات رعب وفزع حقيقية قبل أن يختنق ويستأنف موته بشكل نهائي، لا يقبل الشك.‏

قفز من فوق التابوت وجرى يريد اللحاق بالمشيعين الفارين صائحاً بصوت مستغيث: يا ناس.. يا أهل البلد.. انتظروني.. أنا حي، لم أمت.. لا تخافوا، أنا سي أحمد السرجان.. أنا حي.. أنا حي..‏

manal*****lolo
05-13-2009, 01:41 PM
كان يصرخ بأعلى صوته ويحاول لم أطراف الكفن الذي انفصل عن بعضه البعض، فيشده بيد، فيما يشير بيده الأخرى رافعاً اياها فوق رأسه، دخل القرية عبر الشارع الرئيسي ماشياً وسط الطريق الاسفلتي الخالي من المارة على غير عادته، اختفى الجميع وحصنوا أنفسهم وراء الأبواب يطلون من خلال ستائر النوافذ أو الشرفات، يترصدون أخبار الميت الحي الذي سبقه صوته المدوي عبر الأزقة مستغيثاً طالباً الاعتراف به ككائن حي، وصل الخبر كالبرق إلى بيته الفائض بالنساء المعزيات، فتبعثرن عبر جميع الفتحاة الموجودة، يبسملن ويحولقن، مكثت زوجته وحيدة مع ابنتها شفيقة، تطل من الباب الخارجي في تلهف، غير مصدقة ما التقطته أذناها وسط العويل والبكاء المفتعل والدعوات والصلوات الخافتة، ولكنها حينما أبصرته قادماً نحو الباب، هربت راكضة وأغلقت باب المطبخ على نفسها تصطك أسنانها من الخوف، غمرها شعور طفيف من الفرح لرجوع زوجها حياً، ولكن هل يبعث الأموات أحياء؟ هذا ما لم تتمكن من الاقتناع به، شفيقة ابنتها هي الوحيدة التي تشجعت واستقبلت أباها على عبتة الباب، لأنها لم تصدق حكاية عودة الميت من الآخرة مثلما هو راسخ في أذهان الجميع، هي طالبة ثانوية، في الفرع العلمي، وقرأت في احدى المجلات عن أشخاص يصابون بسكتة قلبية ويبقى قلبهم نابضاً ببطء ومهل لا ينتبه له إلا الطبيب المختص وبأجهزة مساعدة، فيظن الناس البسطاء بأنه فقد الحياة ويقومون بدفنه، وقطعاً سيكون أبوها قد تعرض لمثل هذه الحالة النادرة، في ذلك المساء والأيام التي تلته، لم يقدر أهل القرية التطرق إلى حديث غير عودة السرجان من الآخرة، طار الخبر مع الريح إلى القرى المجاورة، فتكلف بعضهم عناء السفر للتأكد من واقعية الحادثة.‏

تكلم الناس وقالوا أشياء عجيبة، قال أحد الشيوخ بأن السرجان سيعمر أزيد من قرن، وقال الامام بأن هذه العودة الميمونة سر من أسرار الله الذي ليس للبشر الحق في الكشف عنه، ثم أضاف بأن السرجان له صفة الأولياء الصالحين لأن الله نبهه في دنيا الفناء قبل دنيا الخلود، لذلك، فعليه أن يكف عن التجارة بالحرام وأن يتصدق كثيراً وعبر كل أيام السنة، وأن يبني مسجداً بالربح الحلال ويحج بيت الله سبع مرات متتالية، ليغسل عظامه ويطهر روحه، وصل الخبر إلى الدرويشة لآلة عويشة البوسعادية، فقلبت أوراقها تسعاً وتسعين قلبة، ثم ترقبت النجوم سبع ليال متتابعة، وبخرت بأعشاب نادرة جلبتها من أدغال جزر بعيدة، وأخيراً وفي ليلة قمرة، ساطع ضوؤها، كشفت نبوئتها، قائلة بأن السرجان سيموت بالرصاص وسط جميع غفير من الناس، تسربت هذه النتيجة إلى أهل القرية الذين ابتسموا مستهزئين، فكيف يموت الانسان بالرصاص في زمن الاستقلال ووسط رهط من الرجال؟ هل سيعمر السرجان تسعة قرون مثل سيدنا نوح وتضطرم نيران حرب ضروس ويسقط ضحيتها؟ هذا كلام عجوز تخرف وتهذي وتقول طلاسم لا تفك.‏

manal*****lolo
05-13-2009, 01:41 PM
وقال طالب فلسفة، تبحر في دهاليز علم الكلام، مسقياً بتمرد نيتشه وشكوكه، يكون قباض الأرواح قد أخطأ في الاسم أو الرقم، وحينما اكتشف عزرائيل الغلط أسرع لتصليح الوضع، فأرجع الحياة إلى السرجان ليسلبها من صاحبها الأصلي القابع في بقعة ما من بقاع الدنيا الواسعة، آمناً مطمئناً في التلذذ بمتاع الدنيا، غير آبه بمصيره المحتوم.‏

وتهاطلت على السرجان أسئلة لم يعرف كيف يجيب عنها، هل شاهد الآخرة؟ هل كلمه عزرائيل؟ هل خاطبته الملائكة؟ هل التقي بوالده أو جده أو أحد أعيان القرية الأتقياء؟ حادث عجيب بقي راسخاً في أذهان سكان المنطقة كلها، حتى أضحى فاصلاً تاريخياً، تحدد بواسطته الوقائع والوفيات والولادات.. ولد فلان في السنة الموالية لعودة السرجان من الآخرة، هاجر فلان إلى فرنسا قبل تلك السنة بكذا سنة، حج فلان بعدها بكذا سنة.‏

منذ تلك الظهيرة، أضحت زوجة السرجان مريضة باستمرار ولم تنفع الأدوية التي كثرت إلى درجة أنها خصصت لها ثلاجة منفردة، لا أمل يرجى من شفائها ولا قافلة الأطباء التي زارتهم، سواء في العاصمة أو في فرنسا، روماتيزم مع حالة نفسية متدهورة نغصت وكدرت حياتها، فعرفت الأرق وانقطعت شهيتها وتعكر مزاجها إلى حين أصبحت تنفجر ثائرة لأي سبب مهما كانت صغيراً أو تافهاً، فعادة ماكانت تستيقظ وسط الليل وتدور بين الغرف والابهاء كالنحلة العمياء، ثم تخرج إلى الحديقة باحثة عن تسلية تلهي بها نفسها من الفراغ والصمت والسهاد.‏

ولم يفقد السرجان الثقة في نفسه، وفي سلطة أمواله حتى في تلك اللحظة التي شاهد فيها مصطفى عمروش قادماً تجاه المقهى، يمشي بخطى سريعة بدا له أنه يجري فوق الاسفلت المحترق تحت الأشعة المنثالة كرصصات الكلاشينكوف.‏

كان السرجان وافقاً وسط المقهى متكئاً على الكنطوار الطويل بمرفقه الأيسر، فيما أمسك فنجان قهوة في اليد الثانية، وهو ما فتيء يتحدث إلى مجموعة من الرجال الواقفين في حلقة دائرية حوله، رافعاً صوته المبحوح كي يسمع جميع الزبائن المنتشرين حول طاولات الصالة العريضة، منهمكين في لعب الدومينو والكرطة، يحتسون زجاجات "الغازوز" الباردة لابعاد العطش الذي لا يفارق حلوقهم إلا لدقائق ثم يعود أشد الحاحاً واضطراماً، ليس من عادته الالتحاق بالمقهى إلا بعد أن تنزل الحرارة ويبرد الجو، أي بعد الخامسة.‏

بعد الغداء، تمدد قليلاً على فراشه كي ينام بعض الوقت، دون أن يجد له طعماً، كأنه استيقظ لتوه من سبات دام يوماًوليلة، لم يطق نفسه في هذه الوضعية، فنهض وغادر البيت بقندورته التي يرتديها دائماً وهو داخل الدار، دون أن يحدد في ذهنه مكاناً بعينه يقصده قبل أن يجتاز السياج الخارجي، فكر في ارتداء بذلته الصيفية، لكنه تكاسل عن العودة إلى غرفته وتغيير ملابسه، يبعد قصره الجديد الذي بناه في السنوات الأخيرة عن البنايات الأولى للقرية بحوالي كيلو متر ونصف، ظل واقفاً قرب الجدار الفاصل بين الحديقة والطريق البلدي، تردد في قطع المسافة راجلاً تحت الحرارة القائظة، فكر في اخراج سيارته من المرآب العائلي، لكنه عدل عن الفكرة وانطلق في مشي بطيء نحو وسط القرية.‏

manal*****lolo
05-13-2009, 01:41 PM
بعد أن تحقق الجزار من شخصية السرجان القادم إلى القرية، وفي ذلك الوقت بالذات وتحت هذه الأسهم من النار المنثالة بلا رحمة، تشاءم وطلب من الله أن يمرر اليوم بسلام، إذ منذ أن سكن السرجان منزله الجديد لم يره قادماً مشياً أثناء الظهيرة بالجلابية والبليغة، كان يتأهب لغلق حانوت جزارته بعد أن تأكد من اختفاء جميع السكان في المنازل أوالمقاهي هروباً من الحرارة غير المحتملة، فانتظر مرور السرجان قرب حانوته، فبادره قائلاً والفضول يبرق في حدقتي بصره لمعرفة السبب المقلق الذي أخرج السرجان في هذا الوقت بالذات، خاصة بعد الاشاعات التي تحاك حوله هذه الأيام- واش ياسي أحمد، طردتك الحرارة اللعينة من الدار... - أيه ياسي محمد... إن هذه الحرارة لا تبشر بالخير، لو لم يخف الانسان أن يتهمه الناس بالكفر لقلت بأن الله نسي هذه القرية، وهذه البلاد نهائياً. ففي فرنسا ياسي محمد بلد الكفار مثلما يقولون، المطر ينزل حتى في الصيف، بقيت سبع سنوات ولم أشاهد نصف هذه الحرارة، أما الأنهار، فلا يعبرها الناس إلا بالزوارق الكبيرة.. أما في هذا البر الخالي فتقول أن الله غاضب علينا منذ الأزل.. كان السرجان منفعلاً وقلقاً، فاستحلي الحديث مع الجزار، متبادلاً معه بعض الأخبار، ثم أكمل طريقه نحو المقهى متحملاً العرق الذي بلل ملابسه الداخلية والصقها مع اللحم، كانت هذه المرة هي الأخيرة التي رأى فيها الجزار السرجان، إذ مباشرة بعد انهاء الحديث الثنائي بينهما، أسدل الستار الحديدي والتحق ببيته، تناول غذاءه، وتمدد في نوم لذيذ مريح، ولم يستيقظ إلا تحت صياح ابنه البكر، العائد من وسط القرية: بابا.. بابا.. قتل السرجان بالرصاص..‏

manal*****lolo
05-13-2009, 01:42 PM
الفصل الرابع‏

كان الرواق طويلاً وعريضاً ومكتظاً بالطلبة المتحركين في ذهاب وإياب مستمرين، والواقفين أزواجاً وأفواجاً، ذكوراً وإناثاً، كان القلق والإرتباك ظاهراً على وجوه وحركات الكثير منهم، يبدو أنهم ينتظرون شيئاً ما، منذ الصباح والطلبة يختلفون إلى ذلك الرواق، ويحدقون بتفحص متلهف إلى الواجهات الخشبية، لعلهم يحظون برؤية تلك الأوراق التي تحمل اسم الناجحين في الإمتحانات النهائية للسنة الدراسية، كان الحديث كله يدور حول النتائج المحتملة وكيفية تصحيح الأساتذة، وتداول بعض الأخبار المتسربة من اجتماع الأساتذة للمداولات حول النتائج والتي يروجها بعض أعوان الإدارة الذين بدأت تصلهم القوائم الأولى للناجحين.‏

تعب جمال عمروش من المشي، فأسند ظهره إلى الحائط ثم فتح كتاباً كان يتأبطه تحت ذراعه الأيسر وشرع في القراءة بشكل متقطع، فلم يغرق كلية في القراءة لأن نظره كان يغادر الخطوط السوداء الساحرة، ويمسح الرواق جهة اليمين، وجهة اليسار، يتفرس الوجوه بتلهف، ولما لم يتعرف على قسمات أليفة، يعود بتثاقل وخيبة أمل إلى الصفحة المعروضة أمامه.‏

يقضي جمال عمروش أيامه الأخيرة في الجامعة قبل العطلة الصيفية والعودة إلى قرية عين الفكرون، كان طويلاً ونحيفاً يشبه أباه، وكان يطبعه خجولاً يميل الصمت والإنطواء، لم يكن باله مشغولاً بنتائج امتحانات آخر السنة، فقد اجتهد وسهر الليالي كعادته، لذلك كان واثقاً من النجاح إذ لم يرسب في مادة واحدة منذ السداسي الأول، وهو الآن يشرف على انهاء السنة الرابعة، ليتفرغ لعطلة صيفية هادئة بين غابات ووديان عين الفكرون، يفضل المشي والجلوس بعيداً عن ضجيج الناس والسيارات، فيقضى معظم أيامه في تفحص أنواع الحشرات والحيوانات البرية والمائية حتى كاد يتعرف على جميع عاداتها ومميزاتها الأساسية.‏

manal*****lolo
05-13-2009, 01:42 PM
منذ صغره، وهو يتهرب من الركض بين المنازل والأزقة والصياح والصراخ، ويقصد الوادي القريب يسترق السمع إلى خرير الماء وزقزقة الطيور المتنوعة وأصوات الحيوانات الأليفة الصادرة من أماكن مجاورة، فيتلقاها خافتة هامسة، غير مزعجة ولا منفرة ولا مخيفة، في الوادي الذي يضيق في المنعرجات ويتسع في المساحات المستقيمة، يتتبع جمال عمروش حركات الضفادع والأسماك والأحناش غير السامة، يصطاد بعضها حية، تتلوى بخفة بحيث يصعب الإمساك بها باليد فهي لزجة، مبللة ، تتخبط بعنف وهي تغادر قاع الوادي، كان جمال يستعين بكيس خيشي، يربطه مع طرف قصبة طويلة ويجره داخل الماء ضد التيار الضعيف، في البداية، كان يتأمل الكيس ويتأمل الحيوان المائي بفضول عالم، ثم يعيده إلى الماء قبل أن يختنق ويلفظ أنفاسه، وبعد ذلك مع مرور الوقت، اطلع في كتاب علمي أن بامكان الانسان المحافظة على الأسماك والبرمائيات حية بادخالها في بوقال أو زجاجة مليئة بالماء وبعض الحشائش التي تنبت في قاع الوادي وعلى أطرافه، بهذه الطريقة، جمع عدداً لا بأس به من الزجاجات والبوقالات المليئة بأنواع شتى من السمك والحنش والسرطان، وخبأها وسط خميلة من القصب على الضفتين، عادة ما كان يمركز مكان سمكة كبيرة في بركة عميقة مغطاة بالحشائش البنية اللون، المائلة إلى السواد الطفيف، فينتظرها في وضعية ثابتة ساكتة مثل الصنم، لساعات يترقت لحظة بروز رأسها أو جسمها ويتأمل حركتها بلذة منقطعة النظير، وكان أيضاً يصطاد الطيور بواسطة الدبق الذي كان يصنعه بنفسه من الصمغ الصنوبري ، وكان يفضل العصافير الملونة . فيحتفظ بها داخل أقفاص صغيرة يصنعها أيضاً ويطلق سراح الأنواع الأخرى مثل الدوري والمرفو والجحموم... ففي حصص العلوم الطبيعية، اعتاد احضار، نوع الحيوان أو الحشرة أو السمكة التي يدرسونها إلى القسم وإبهار الأستاذ بمعلومات كثيرة حول حياة الحيوان وعادته وأمكنة تواجده.‏

manal*****lolo
05-13-2009, 01:42 PM
إنساق جمال عمروش للحظات خلف ذاكرته والحنين إلى الطفولة الهادئة الثرية، والأماكن المظللة على ضفاف الوادي، حتى كاد يستحضر الأصوات والروائح ذاتها داخل الرواق المكتظ ولم ينتبه إلى الحركة الرشيقة لفتاة خمرية، تتقدم نحوه بابتسامة عريضة ترفرف على شفتيها الموردتين بالمُحَمَّر، تجرّ خلفها شعراً منسدلاً على كتفيها النحيلين وتحمل محفظة جلدية سوداء، قبل أن تباغته بتحية دافئة بصوتها الممتلىء العذب، رفع رأسه من على الكتاب كأنه أحس بقدومها، اعتدل في وقفته وهيأ نفسه للقاء الثمين، ارتخت قسمات وجهه وارتسمت على ثغره ابتسامة خجولة ومد يده للمصافحة.‏

- أهلاً بك شفيقة.. تأخرت كثيراً هذا الصباح .. حطت محفظتها على الأرض، تأوهت من التعب وقالت بعصبيه.‏

- مشكلنا الخالد.. النقل.. أخاف أن تتعدى سنة ألفين وأزمة المواصلات تطاردنا، تصور أنني وقفت في المحطة على الساعة الثامنة إلا لربع.. انتظرت حتى فقدت الأمل، وكدت آتي راجله أو أستعين بالأتوستوب، ثم عدلت عن الفكرة ورضخت لنزوة الحافلات.. ساعة ونصف وأنا مسمرة في المحطة.. الحافلات التي مرت كانت غاصة تكاد تنفجر، ولم تتوقف، وإن توقفت أنا لن أجروء أبداً على الركوب وسط الهجوم البشري، كأنهم يتأهبون للافلات من زلزال مهول أو هجوم نووي...‏

صمتت فجأة وهي ترد أنفاسها، كان التعب بادياً على وجهها المتلألأ بحبات العرق، تأملها جمال جيداً باختلاس نظرات خاطفة أثناء حديثها، ثم اقترح عليها البحث عن سلالم فارغة للجلوس وإبعاد التعب الجسدي، كان بدوره مرهقاً من الوقوف ولكن رغبة الاختلاء بشفيقة في مكان منعزل، بعيداً عن الأنظار الفضولية، هي التي أملت له الاقتراح، كان يشتاق المكوث معها في أمكنة غير مكتظة، كأن مجرد الوقوف بجانبها يعتبر فعلاً يجذب كل الأنظار المجاورة، لذلك يفضل اجتنابها بالاختلاء.. لم تكن علاقة جمال ابن مصطفى عمروش وشفيقة بنت السرجان حديثة العهد، تعود إلى سنوات الدراسة الابتدائية في المدرسة المختلطة بعين الفكرون، التحقا مقاعد الدراسة في سنة واحدة، وكانا يتناوبان على المكانة الأولى في تنافس صامت أول الأمر ثم كبر التنافس ومع التحدي الصامت أيضاً.‏

manal*****lolo
05-13-2009, 01:42 PM
جمال ، طفل خجول وذكي باعتراف المدرسين جميعهم، فيما اتسمت شفيقة بالاقدام وحب التفوق جهراً، تلميذة مشاكسة قليلاً، لكنها مجتهدة وتعلن دائماً لصديقاتها وأصدقائها في المدرسة إنها ستكون الأولى في الامتحان وذلك قبل توزيع النتائج، كانت تجلس في الطاولة الأولى أمام مكتب المعلم أوالمعلمة وتبتلع كل كلمات وعبارات الدرس، وإذا طرح سؤال ما، ارتفعت يدها قبل الآخرين مع الاصرار بـ" أنا سيدي.. أنا سيدي.." وعادة ما تقف في اندفاعها، بيدها المائلة تجاه المكتب حتى تكاد تلامس وجه المعلم.‏

كانت إجاباتها في غالب الأحيان صحيحة ولا تحتاج إلى الزيادة، لذلك كان بعض المعلمين يرتأون تجاهل الحاحها كي يمنحوا الفرصة لأخرين في المشاركة، وهي لا تمل ولا تيأس بل تبقى يدها مرتفعة وصوتها مدوياً حتى يطلب منها الاجابة، فيما كان جمال ينزوي في الطاولة الأخيرة قرب النافذة، فلا يحدث حركة أو صوتاً يجلب الانتباه نحوه، يكتفي بالصمت والاستماع، لم يكن يسمع صوته خلال الدرس وحينما يطرح المعلم سؤالاً، يجيب لنفسه لاغير.‏

في السنة الأولى، كان المعلم والتلاميذ قد رشحوا شفيقة إلى المرتبة الأولى دون منازع لما أبدته من حيوية ونشاط واهتمام واستعداد دائم للحفظ، وأول المندهشين هو المعلم ثم التلاميذ بعد توزيع كراريس الامتحان وتصنيف جمال في المرتبة الأولى، طلب منه المعلم الحضور إلى السبورة لأخذ دفتره، فتردد طويلاً قبل أن يغادر مقعده ويتجه نحو الجهة الأمامية للقسم، مطأطيء الرأس، خجولاً، لايعرف ماذا يفعل بيديه المتدليتين، أشبعه المعلم مدحاً واطراء وطلب منه المشاركة في اثراء الدروس مستقبلاً، انتفض قلب شفيقة وامتلأت عيناها بالدموع وهي تشاهد الطفل النحيل، الخجول يتقدم بخطى متعثرة لاستلام دفتره.‏

كيف حدث وانتزع منها المرتبة الأولى؟ من أين مرق كالجن؟ لم تنتبه لوجوده بتاتاً، بقيت تحدق في سحنته الهزيلة وسمرته القوية كأنها تشاهده لأول مرة، وفعلاً كانت تتفرس في وجهه، تحاول التذكر أن رأته قبل تلك الدقيقة، في ذلك الحين أقسمت في نفسها على التفوق عليه في الامتحان المقبل، ولكن لم يتم لها ذلك إلا في الامتحان الثالث والأخير حيث تساوت معه في مجموع النقاط واحتل الاثنان المرتبة الأولى.‏

كانت علاقة شفيقة بأبيها علاقة متينة وحميمة، إذ تروي له كل مساء ما حدث لها خلال اليوم في المدرسة أو خارجها.‏

manal*****lolo
05-13-2009, 01:42 PM
في السنة الأولى، كانت دائماً تخبره بأنها ستتفوق على جميع التلاميذ وحينما لم يتم ذلك عادت إلى البيت تكفكف دموعها وتشهق بصوت مرتفع، في البداية قهقه أبوها استخفافاً واستهزاء بالموقف، ثم حاول تهدئة حزنها قائلاً بأن المراتب العشرة الأولى كلها جيدة وتستحق التشجيع، فينبغي لها أن تفرح كثيراً، أخذها من يدها إلى حانوته وملأ ذراعيها بعلب الشكولاطة والحلوى والملبسات، ولكنه بعد أن عرف اسم المتفوق سكت عن الكلام والضحك واسترجع ذكريات شعر فيها بالاهانة واحتقار نفسه وتمتم بخفوت مرتبك.‏

"بعد الأب، ها هو الابن يهين أيضاً ابنتي ويظهر لها قوته وغروره.. لولا الدنيا بنت الكلب، لكان هذا الطفل ابني، ولافتخرت به مثلما يفتخر السلطان بولي عهده".‏

أصبح السرجان بعد ذلك يعير اهتماماً مبالغاً بدورس ابنته ويستقصي أخبار جمال باستمرار، يحرض شفيقة على المذاكرة والحفظ كي تتفوق على الجميع بمن فيهم جمال عمروش، وليدرك أهل القرية جميعهم أن السرجان ذكي وخلف طفلة ذكية ستصبح في يوم ما طبيبة، وسيفتح لها عيادة كبيرة قرب حانوته تفتح على الشارع الرئيسي، كان جمال هو البكر، فيما كانت شفيقة هي الصغرى والبنت الوحيدة وسط جيش من الذكور، لم يفلح أحدهم في اجتياز الشهادة الابتدائية، فالتحقوا بتجارة أبيهم المتنامية باستمرار.‏

عاشت شفيقة مدللة، يغمرها الجميع بحب قوي، والويل لمن تعدى عليها أو ضربها من بين الأولاد في المدرسة أو في الطريق؟ كان شعور أفراد عائلتها موحداً حولها، إلى أن نالت شهادة التعليم المتوسط وجمعت المعدل الكافي للانتقال إلى الثانوية الواقعة في مقر الولاية البعيدة من عين الفكرون بمسافة خمسين كليومتراً، فوقف أخوها الكبير ومعه بقية أخوته ضد انتسابها إلى القسم الداخلي للثانوية، متعللين بأسباب أخلاقية، منطلقين من الشائعات المتعددة التي خيمت على المنطقة منذ فتحت الثانوية المختلطة أبوابها، قاومت شفيقة هذا الرفض بعنف وشراسة واتهمت أخاها البكر بالجهل والتخلف، محمية من قبل أبيها الذي لا يرفض لها طلباً، والذي يغذي شعوراً مبطناً أن يراها في يوم ما حكيمة تداوي المرضى، زيادة على أنه علم بنجاح جمال وانتقاله إلى الثانوية فكيف يتابع جمال دراسته فيما تركن شفيقة في البيت تنتظر عريساً ينقذها من السأم والملل السجن؟ حسم الأمر بجد وأسكت أولاده الشجعان الذين يحافظون على شرف العائلة، قائلاً بأن شفيقة تربت أحسن تربية وهي التي تحافظ وتصون كرامتهم وشرفهم فستلتحق بالثانوية، وإذا صدر سلوك شاذ، حينئذ لهم الحق في الكلام.‏

manal*****lolo
05-13-2009, 01:43 PM
انتقطع الحبل الذي يربط رأي العائلة حول شفيقة فظهرت خصومات صامتة أحياناً، تحدي بالنظرات والابتعاد المتعمد، وبالمواجهة العنيفة أحياناً أخرى بين شفيقة وأخيها الكبير بعد عودتها في نهاية كل أسبوع من الثانوية ، تسلم على الجميع وتتبادل معهم الحديث، لكنها تتجاهل وجود الأخ الكبير الذي كاد يحرمها من الحلم الجميل الرائع إلاوهو الدراسة ومعها الحرية والعاصمة، أما جمال، فإنه عاش حياة عائلية هادئة، عرف منذ صغره بأنه يتيم الأم، عرف ذلك من جده لأمه الذي أخبره وهو لم ينه التعليم الابتدائي باستشهاد حورية أمه بين المجاهدين، وعليه أن يفتخر بها كثيراً، لقد ضحت بحياتها من أجل أن يعيش هو حراً طليقاً، يتذكر الصور الأولى الراسخة في عمق ذاكرته، تعيده إلى دار جده، في أحد الأيام حضر رجل بلباس المجاهدين وقال له جده بأن ذلك الرجل هو أبوه الذي هبط لتوه من الجبال، اكتفى جمال بالنظر إليه دون أن يتحرك، أصبح الرجل بعد ذلك اليوم يتردد على دار الجد ثم في صبيحة من الأصباح، غسلوا له جسمه بحفاوة كبيرة، ألبسوه ملابس جديدة وانتظر إلى أن حضر الأب وأخذه معه إلى دار جديدة بعد أن أفهمه بأنه سيقيم معه بصفة نهائية.‏

كان أبوه مصطفى عمروش حديث العهد بالزواج، فسكن في دار كبيرة، هجرها أحد المعمرين.‏

ترعرع جمال بين حنان الأب والزوجة الجديدة التي لم تبخل بالعطف والكرم والكلمات الطبية تجاهه، أصبح يحبها كثيراً ويناديها بأمي بصدق واعتزاز دون أن ينسلخ كلية عن دار جده، فكان يقضي فيه أوقاتاً طويلة يلعب مع أخواله الصغار الذين لا يكبرونه إلا بسنوات قليلة جداً.‏

في عمق عاطفته، كان يعتبر نفسه دخيلاً مزعجاً لحياة أبيه وزوجته، لذلك تعمد الابتعاد عن البيت طول الوقت، فكان ينزوي في ركن، فينشغل بلعب ما في صمت، يخال للحاظر أنه غائب عن الدار، لايظهر إلافي أوقات الأكل والنوم أو حينما تناديه زوجة أبيه لتطلب منه قضاء حاجة ما من السوق أو من عند أهلها، فيستجيب للطلب بأسرع ما يمكن، خائفاً من المماطلة أو الوقوع في خطأ ما، فلم يكن يكثر من الثرثرة وكان ينسحب بصمت وخفة حينما يشعر بأن الحديث الدائر بين أبيه وزوجته لا يخصه، بعد دخوله المدرسة، وجد ميداناً ثرياً لتحقيق صمته والهروب من الفراغ والانطواء الشاغر، فعكف على المطالعة والكتابة وحل التمارين الرياضية واللغوية كلها، حينما كان ينتظر شفيقة في الرواق الفسيح وعيناه تجولان فوق الخطوط السوداء التي لم ير منها إلا الرسم الخارجي الممتد عبر الخط المستقيم، استرجع اللحظة التي كلمته شفيقة بكبرياء واعتزاز لأول مرة، بعد ارجاع كراريس الاختبارات قائلة "سأتفوق عليك في المرة القادمة"، ثم وقفت سادة باب الخروج أمامه، فلم يعرف كيف يجيبها، لقد أخرسه خجله وبهره اقدامها، أراد أن يعترف لها بأنه لم يجتهد لأنه أراد المرتبة الأولى، بل كان يتقن الاجابة لفضوله في معرفة كل شيء عن الدروس المبرمجة، فلا يضع كراسه أو كتابه إلا بعد أن يستوعب كل الجزئيات ويحفظ كل الجمل والعبارات، وكان قبل أن يستغرق في النوم، يعيد بالذاكرة ما حفظه في تلك الأمسية، وإذا تعذر استرجاعها، ينهض لتوه من الفراش، ينير الشمعة أمامه ويراجع الدرس مراراً حتى يتأكد من حفظه جيداً دون تلعثم أو تردد ما، لم يكن يتطوع للاجابة عن أسئلة المعلم، ولكنه إذا سئل شخصياً، ينطق بها كاملة شافية، بسرعة ملحوظة، في خط واحد، ثم يسكت فجأة، وعادة ما كان المعلم يلجأ إليه حينما يعجز الجميع عن العثور على الاجابة الصحيحة، وخاصة في مادة الحساب والرياضيات فيما بعد.‏

manal*****lolo
05-13-2009, 01:43 PM
ولما أصرت على التفوق عليه في الامتحانات، ولم تستطع، أصبحت معجبة بقدرته وذكائه حتى اقتنعت بتفوقه الدائم، وعادت تلجأ إليه عندما يستعصي عليها حل مشكلة ما وخاصة في مادة الرياضيات، فرضيت بالمرتبة الثانية، دون أن تفقد الأمل في خلعه عن العرش في يوم ما، بدوره، أعجب جمال بها منذ الصغر دون أن يمنح لهذا الاعجاب معنى واضحاً بيناً.‏

طفق جمال يحقق ذاته ويعيش لحظات صفاء وسعادة تكاد تكون كلية، بعد اكتشافه لثراء الطبيعة المجاورة لقرية عين الفكرون من غابات ووديان، فانغمس في رغبة فضولية ضاغطة تحثه على معرفة أنواع النباتات وأسمائها، كان يلجأ إلى أبيه أو جده يطلب معرفة اسم النبات، وإذا اتضح جهلهما، يخترع للنبتة اسماً خيالياً ويقوم بنفس العملية مع أنواع الحشرات والأسماك، حتى اجتمعت لديه أسماء لا حصر لها، بعضها مخترع وبعضها حقيقي، كان يتشوق لوصول العطل الأسبوعية والموسمية كي يتفرغ لعمله الخاص العجيب، في البداية نهره الأب عن الغياب المتكرر في الغابة والوادي خوفاً على صحته، ولكنه بعد أن عرف اهتماماته واستمع إلى أسئلته الملحة، تركه لحاله ولم يعد يقلق نفسه عن سلوك ابنه الشاذ في قرية عين الفكرون.‏

تحولت علاقة التنافس بين جمال وشفيقة أيام المدرسة الابتدائية إلى صداقة متينة، أصبح الاثنان يتعاونان على حل المسائل الصعبة وتبادل الكتب والمجلات، وفي المرحلة الثانوية، في القسم الداخلي، كانا يبحثان سوياً عن حل مشكلات الجبر والهندسة والفيزياء والكيمياء، ولا يهميهما من المتفوق، بل الأهم هو أن يكونا معاً في المقدمة، في السنة النهائية، لم يفترقا خلال السنة كلها، كانا يلتقيان في قاعة الدوام للمطالعة معاً والمراجعة والحديث عن الماضي والمستقبل والأحلام، في اليوم الذي بدأت الاذاعة الوطنية الاعلان عن نتائج الباكالوريا، كانت شفيقة في البيت، جالسة مع أبيها وأمها وبعض أخوتها، كان السرجان مشتاقاً إلى سماع اسم ابنته ضمن أسماء الناجحين، كان قد وعدها بهدايا متعددة.‏

manal*****lolo
05-13-2009, 01:43 PM
بعد أن سمع اسم جمال عمروش على رأس قائمة لجنة 21، انفعل انفعالاً شديداً وخاف أكثر على رسوب ابنته، وغرق في تأملات بعيدة، حتى فاته سماع اسم ابنته التي أيقظته بصياحها وقفزاتها، فيما كان جمال قرب الوادي تحت شجرة مظللة وعلى أذنيه سماعة بلاستيكية بيضاء متصلة بخيط رقيق إلى مذياع صغير وضعه بجانبه على التراب، لم تكتمل فرحته إلا بعد اذاعة الاسمين، ولم يظهر فرحه الكبير بالصياح والقفز والنط، بل وقف ببطء وعادر الوادي تجاه مكتب أبيه في قسمة الحزب، ليعلن له الخبر السار، وهو يضطرم لهيباً وشوقاً للقاء شفيقة وتهنئتها، أين سيلقاها في هذه القرية التي تحرم لقاء شابين مهما كان الهدف نبيلاً وبريئاً، مرّ قرب منزلها ببطء ملحوظ، يختلس النظر إلى النوافذ والأبواب لعله يبصرها ويشاركها الفرحة العارمة، تخطى الشارع كاملاً إلى نهايته وقفل راجعاً، فوجدها متكأة على حافة نافذة مفتوحة على مصراعيها تنتظر قدومه، إذ أدركت بحدسها الأنثوي أنه سيحوم حول منزلها بعد الاعلان عن النتائج مباشرة، توقف يلتهمها بعينيه النافذتين ثم تبادلا التهاني وأخباراً أخرى عن الزملاء الذين نجحوا واللذين رسبوا، وفيما هما على تلك الحالة، إذ خرج السرجان من الدار وشاهد الشاب النيحل يحاور ابنته العزيزة، أراد التدخل لكنه أحجم عن ذلك و تابع سيره مفكراً بأن لحظةالفرح غالية عندها بعد سنين من الدراسة والمواظبة والمراجعة ثم أطلق العنان لخياله، فتصورهما طبيبين متزوجين، ثم تخيل مصطفى عمروش يطرق باب داره مع مجموعة من الأعيان يطلب المصاهرة.‏

يعترف كلاهما أن اللقاءات الحقيقية بينهما بدأت في الجامعة، إذ وجدا حرية الاختلاء بعيدين عن الأعين المتهمة، وأمكنة يثرثران فيها طوال النهار دون أن يزعجهما أحد أو يقلقهما بالنظرات الفضولية التي تبعث في نفسيهما الشعور بالذنب وبارتكاب الفعل المحرم، أفشت شفيقة بصدق عن مكنون عاطفتها الجياشة تجاه جمال الذي لام نفسه على عدم السبق إلى الاعلان عن حبه لها، حلف الخجل ألا يفارقه نهائياً حتى في اللحظات الشفافة، تعلمت شفيقة منذ صغرها التعبير عن كل أمالها ورغباتها جهراً وبصوت مرتفع، عكس جمال الذي تعلم الانطواء وكبت مشاعره خوفاً من الرفض والاهانة العلنية، منذ أول يوم دراسي في مدرجات معهد الطب لم يفترقا أثناء النهار الالماما ولفترات وجيزة، يجلسان على طاولة واحدة داخل المدرج والقاعات التطبيقية والمكتبة ويقصدان معاً المطعم الجامعي ثم أخيراً يسرحان طويلاً راجلين عبر شوارع العاصمة المكتظة بالناس، مسرورين كطفلين صغيرين تمكنا من الافلات من الرقابة الصارمة لأهل القرية وعاداتها المحافظة، فيطوفان شارعي ديدوش مراد والعربي بن مهيدي مرات عديدة، يفترسان الواجهات الزجاجية المتلألئة بالأنوار والملابس الفاخرة، دون اهتمام بين وسط الازدحام المتعب، ولكن غبطة الحرية والغفلة الكاتمة للأسرار والتيه المجهول، كفيلة بابعاد كل ما من شأنه تعكير جوهما الحالم الآمل وهما لا يكفان عن مقارنة حياة القرية المملة الرتيبة في مقابل حياة المدينة الحرة الطليقة، ويدركان جيداً بأن شهادة البكالوريا هي فعلاً مفتاح الحرية قبل أن تكون مفتاح ضمان العيش الرغيد، وتوفير المهنة المحترمة، ويشفقان على شباب القرى الذين يعرفون عن الحب الاقشورة، في تلك السنة أيضاً عرفا متعة القبلة ولذة المداعبة الجسدية في الدهاليز المعتمة للبنايات الشامخة وطفقت أحلامهما تكبر وتعلو حتى أضحت لا تختلف عن الواقع في ذهنيهما، فالتبس الحلم بالواقع إلى درجة الائتلاف الكلي، تعلما التردد إلى قاعات السينما وانتقاء الزوايا الهادئة واستغلال الظلام استغلالاً لذيذاً، ممتعاً، لا تزعجه إلا الانقطاعات المفاجئة للأشرطة المهترئة وإنارة القاعة مباشرة، فينتفض العشاق والمحبون في أماكنهم ويصلحون جلساتهم كأن شيئاً لم يكن، ولا يعرف هؤلاء التعساء المضطهدون أن هذه الانقطاعات يتعمدها التقنيون على توشيع الأفلام، القابعين في الغرفة الصغيرة بفتحتها المطلة على الصالة الفسيحة، فيتمتعون بالفرجة على الحركات المرتبكة الخائفة للازواج الهاربين من الضغط البشري الخارجي والعيون القاتلة المضطهدة، فيتعمدون ازعاجهم مقهقهين بملء أقواههم، وفي أحيان كثيرة، يرافق جمال حبيبته إلى غاية سياج الحي الجامعي للبنات، وينزوي معها في ركن حالك وسط مجموعة أخرى من العشاق، ويمكثان هناك، يتمتعان أحلامهما ويحترقان شبقاً وغلمة، ملتصقين الواحد مع الثاني، متحدين النسمات الباردة الواخزة للعظام ورذاذ المطر المتهاطل الذي لا تقدر المظلة الصغيرة المزركشة على ايقافه أو تحويل سيلانه، ثم في الليل المتأخر حينما تلتحق شفيقة بغرفتها داخل الحي، يتيه جمال بين الشوارع حالماً مستحضراً الذكريات الرائعة دون شعور بطول المسافة أو تعب المشي أو رغبة في التوقف أو ركوب الحافلة أو التمدد للنوم.‏

manal*****lolo
05-13-2009, 01:44 PM
في بداية كل عطلة صيفية، بعد انتهاء الامتحانات يشعر الحبيبان بالحزن والكآبة والحنين لأنهما سيفترقان عن بعضهما العبض لمدة شهرين كاملين افتراقاً كاملاً دون لقاء.‏

فيمكثان معظم الوقت صامتين، يتحسران على اضافة شهرين في قرية عين الفكرون، محتملين مع أهلها لسعات البعوض المتكاثر ولهيب الحرارة المرتفعة والفراغ القاتل بين أربعة جدران سميكة بالنسبة لشفيقة، التي لا يسمح لها بالخروج إلا نادراً لزيارة الأهل والأقارب وألف عين تحرسها من الانزلاق المحتمل وألف قدم تتبع خطاها خوفاً من الاختلاف إلى المواعيد المحرمة، أما جمال فيجر ملله وحنينه بين الأزقة الضيقة المغبرة المتربة أو على ضفاف الوادي الجاف الذي لا يحافظ في موسم الصيف إلا على خيط مائي ضعيف راكد، تتجمع فيه الأسماك والأحناش الذابلة، أما الضفادع فهي تخزن نفسها تحت الطين المبلل في نوم عميق منتظرة القطرات الأولى للمطر الخريفي.‏

عادت إليهما الكآبة في تلك الصبيحة لشعورهما باقتراب لحظة الافتراق، فانعزلا في آخر درجات السلم المركزي للبناية وجلسا صامتين، يفكران في العبارات المناسبة اللائقة لمثل هذه الحالات المحزنة، كان جمال مرتبكاً وقلقاً أكثر من اللازم لأنه يضمر في نفسه اقتراحاً مهما يخص مستقبلهما، طالما راوده في الشهور الأخيرة دون أن يعثر على الشجاعة الكافية ليبوح بسره إليها، وكم من مرة صعدت العبارة إلى غاية حلقه، في أهبة للافصاح دون جدوى حتى وصل به الأمر إلى التشكيك في جرأته، مما أدى به إلى القسم المطلق في ليلة البارحة حيث أصيب بأرق متعب، بأنه لن يتردد في الافشاء بحلمه في هذا اليوم قبل إعلان النتائج السنوية للامتحانات، وها هو الآن جالس بجانبها مطرق الرأس، يعيد في ذهنه العبارات المناسبة ومستغلاً الصمت السائد بينهما ليفكر في راحة واطمئنان، ورغم ذلك بقي يلوك اقتراحه، يبتلعه، يلفظه، ثم يعيد ابتلاعه بخفة قبل أن يصير صوتاً واضح المعالم، وفجأة ابتلع ريقه، تنحنح، اعتدل في جلسته، حتى ظنت شفيقة أنه يستعد لمغادرة المكان ثم لفظ في سيل متصل سريع بنبرات مرتعشة:‏

- شفيقة، ما رأيك لو أكلم أبي في هذه العطلة، وأجلب مخاطبة أبيك لطلب يدك رسمياً، كي نرمي عن أكتافنا السرية ونعلن حبنا جهراً، ونتخلص من التخفي والتصنع بالبراءة أمام أهل القرية، ونتمكن من الذهاب والاياب سوياً... آه... مارأيك.. أظنك لا تمانعين.. كان ذهنه يغلي بالأفكار والعبارات الجميلة التي طالما رددها وفي صيغ متنوعة، أراد اضافة أشياء لا حصر لها، لكنه عجز عن النطق وسكت فجأة ينتابه احساس بالمرارة، تنهد بصوت مرتفع كأنه توقف لتوه من العدو السريع، وغامره تعب وارتخاء في العضلات وشعر بجسمه ضعيفاً لا يقوى على تحريكه، لو طلبت منه شفيقة الآن القيام ومغادرة المكان لما استطاع تلبية الطلب المهين، لم تجبه في حينها، بل تمعنت لحظات في الاقتراح الذي لم يكن جديداً عليها، بل هي أيضاً فكرت في مثله مراراً، وبدت هذه الثواني لجمال قرناً حتى كاد يختنق من امساك تنفسه لسماع الرد.‏

manal*****lolo
05-13-2009, 01:44 PM
كيف تريدني أن أرفض أو أمانع على تحقيق حلمنا الجميل، حلم عاش معنا منذ المدرسة الابتدائية وما فتيء يكبر ويكبر إلى أن صار عملاقاً لا يقهر، حاول أن تقنع أباك، ومن جهتي سأكلم أبي بمجرد الوصول إلى البيت، لن يمانع أبي، فهو يحبني كثيراً ولا يرفض لي طلباً.. سنعلن الخطوبة ونتزوج بعد التخرج..‏

- طبعاً.. وهل نتزوج بالبَلّوط؟ بعد أن نأخذ الشهادة ونتوظف، سنفرض استقلالية زواجنا ونعتمد على أنفسنا في كل شيء... أنا شخصياً لا أريد ديناراً واحداً من أبي أو من أبيك.. كم سأكون سعيداً لو يقبل الطرفان... وان رفض أحدهما، ماذا نفعل؟‏

لم تخطر على جمال فكرة الرفض أبداً، كان يتخيل حلماً جميلاً تبتسم فيه كل الشفاه وتبارك وتولول كل الألسنة وتصفق كل الأيدي الكبيرة والصغيرة، أربكه السؤال واحتار في أي الأجوبة يخوض، فكر ملياً ثم قال بهدوء والابتسامة ترفرف على شفتيه، تنم عن ثقة مطلقة في المستقبل.‏

- اطمئني.. ولا تتحيري.. سنجعلهم يقبلون زواجنا بصدر رحب، سنقنعهم بالعقل والمنطق، وإن لم ينفعا، سنتحايل بشتى الوسائل، وإن لم يقتنعوا فسنبحث عن طريقة خاصة بنا وحدنا، نهتدي إلى وسيلة سينمائية مثل التي شاهدناها في ذلك الفيلم الايطالي.. المهم أن نحقق حلمنا الرائع، لأتهم الوسيلة، وإذا لم تنفع كل هذه الطرق سنجرب الطريقة الجزائرية، فنتائجها مضمونة مائة بالمائة.‏

قاطعته شفيقة باستغراب بين:‏

- وما هذا الانتاج الوطني؟ فهل يستحق التصدير؟‏

احمرت وجنتا جمال وابتسم بمكر واحتشام، ثم قال:‏

- ستعرفينه في الوقت المناسب... أما الآن مبروك علينا، هيا بنا إلى الرواق، تكون النتائج قد ظهرت... نهض بتثاقل ثم أمسكها من الذراع الأيمن وبدأ معاً هبوط السلالم، وهو يجرها وراه، اسعاد قوته بالخبر السار أراد التخلص من ضغط الأسقف الاسمنتيه ليجد نفسه مع حبيبته في لمح البصر وسط الفلاة الواسعة والفضاء الرحب يستنشقان الهواء النقي الخالي من التلوث الصناعي الجارف.‏

وسط الرواق تحاشر الطلبة في مجموعات متفرقة، مشرئبي الأعناق يطاردون القوائم المعلقة في سرعة جنونية، يبحث كل واحد منهم عن اسمه أولاً ثم أسماء أصدقائه ثانياً، تنشرح قسمات وجه الناجح ويتنفس الصعداء، يعيد قراءة اسمه كي يتحقق جيداً ويزيل الشك، ثم يبحث عن أسماء اصدقائه، وحينما ينتهي من ذلك، يتراجع إلى الخلف يتفرس الوجوه ليسترق لذة النجاح، فيما ينسحب الراسب خلسة من الجمع المتحاشر، لتجرع حزنه وندمه بعيداً عن النظرات الفخورة والقهقهات المتعالية للناجحين، ويحتج بعض الراسبين جهراً ويشتمون الأساتذة ويتهمونهم بالمحسوبية والحقد والتعصب لآرائهم تعصب المتخلفين، ويهددون بالانتقام ويحلفون بأنهم سيضربون عن الدروس مباشرة مع الدخول الجامعي الجديد.‏

manal*****lolo
05-13-2009, 01:44 PM
يوم الاعلان عن النتائج هو يوم تفيض فيه كل العواطف المفرحة والمحزنة معاً، تذرف بعض الطالبات الراسبات دموعاً مندفعة كسيل جارف، ويغضب البعض إلى حد البحث عن الخصم ومبارزته جسدياً، زيادة عن الشتم والسب والتهديد بالديزة المحلقة في الفضاء.‏

قبل أن يصل جمال وشفيقه إلى مكان المعلقات، تقدمت نحوهما فتاة تلبس بنطلوناً من نوع "الدلافي"، وشعرها قصير مثل شعر الذكور والنور يشيع من وجهها المورد ومن بريق عينيها الصغيرتين، قبلت شفيقة على خديها مرتين قائلة "مبروك.. نجاح وبتفوق.." ثم صافحت جمال وهي تضيف "أما أنت أيها العبقري العالم، فإنك عدو الرسوب، لذلك لا أقول لك مبروك حتى تكتشف دواء السرطان أومَرْهَما يحافظ على شباب البشرة وعدم تجعيدها ويمنع شيب الرأس..".‏

نظر إليها جمال بفضول كأنه لم يهضم ما تفوهت به ثم قال بهدوء المعتاد.‏

- وأنت هل تحصلت على كل المواد أم..؟‏

قاطعته بخفة‏

اطمئن ياباستور... سأسرق عبقريتك عن قريب، تصور أنني تخلصت من ديوني كلها ونجحت في كل مواد السداسي!‏

تدخلت شفيقة بحماس وغيرة.‏

- سيصبح أكبر من باستور، بل أكبر من داروين نفسه، لم لا؟ هذه الأرض عقيمة أم غضب عليها رب العالمين، إذا لم يجد الظروف الملائمة للبحث في هذا الخراب، يسافر إلى أوروبا أو إلى أمريكا، هناك يكتشف دواء ضد السرطان ويصبح مشهوراً وعظيماً.. ها.. ما رأيك يا جمال؟‏

كانت تتكلم باندفاع ظاهر وهي تنقل بصرها بين جمال والفتاة ذات الشعر القصير.‏

- دعنا من الأوهام ولنلقي نظرة عن نتائج الامتحانات.. إن هذه الأرض تمنح الحياة للشعراء كي يرثوا موتاها وموتها القريب، أما العلماء... ربما بعد ألف قرن... نحن طلبة علم لا نعثر على المراجع الأساسية والآلات الأولية البسيطة، فكيف للباحث الذي يحتاج إلى أحدث الكتب وأحدث الماكنات الألكترونية؟‏

ضحكة الفتاة بصوت مرتفع، صادق، وأسرعت خطاها تنادي صديقة لها، فيما اقترب جمال وشفيقة من الملصقات وفسحا لنفسيهما طريقاً بين الرؤوس المشرئبة والأجساد المتحاشرة وسمرا بصرهما على النقاط، يتأكدان من صحتها، دونت شفيقة نقاطهما معاً على كناش صغير وغادرا الرواق ثم بنايات الجامعة لا يعرفان مقصدهما بالضبط.‏

manal*****lolo
05-13-2009, 01:45 PM
أحس جمال بسكينة تغمره ليسبح في فراغ مريح، ويتخلص من التوتر الداخلي الذي يسبق إعلان النتائج وخاصة في الساعات الأخيرة، رغم أنه يجتهد في تحضير دروسه، والاستعداد الجيد للامتحانات إلا أن شعوراً طفيفاً بالمرارة يلاحقه حتى يتأكد من النجاح، في تلك اللحظة، يرتاح تماماً ويعيش أياماً من الخفة والسعادة ويهاجره التعب الأرق الليلي وقلق الانتظار، ما أحلى أن يشعر الانسان بسعادة مطلقة، ويكفي نفسه بنفسه مثل الله تماماً، لا يحتاج في ذلك إلى أي كان حياً أو جامداً، كان جمال يعيش مثل هذه الحالات الصوفية أيام اعتكافه في خلوة الطبيعة، ممداً تحت ظلال شجرة مورقة على الحشيش الأخضر، سارحاً في أحلام وتأملات يرفرف معها بكل كيانه حتى كأنه غادر المكان فعلاً وبجسده لا بخياله فقط، ويمكث على تلك الحالة ساعات طوالاً إلى أن يمزق الجوع أحشاءه أو تلفحه حرارة الشمس أو تلدغه نسمات البرد الثلجي، فيقوم ساخطاً، متمنياً استمرار الحلم إلى ما لانهاية، وقرأ لأحد الفلاسفة قوله أن السعادة الحقة هي حينما يصبح الانسان مثل الله، يكفي ذاته بذاته، فتوقف عندها وأعاد قراءتها مراراً وتكراراً حتى رسخت في ذاكرته، وهو يحاول مقارنتها باللحظات التي عاشها وحده منعزلاً وسط الطبيعة الحيّة، وهل الطبيعة هي مصدر هذا النوع من السعادة، وهل ينبغي اعتبارها رفيقة له، إذا لم يكن منفرداً بنفسه بل صاحبته الطبيعة بأصوتها الزاهية، ثم انغمس في تخيل الانسان الوحيد، المفرد الذي لا يحتاج إلى أي شيء فلم يتصوره الأوسط مجموعة أفراد يشبهونه أو راكضاً وسط أدغال يصطاد فريسة يطفىء بها مغص الجوع، هل يمكن للرجل أن يستغني عنها، وفجأة تداهمه صورة شفيقة، ويدرك بأن كل رجل على وجه الأرض إلا ويحتاج إلى وجود امرأة في حضنه، فأين السعادة التي تحدث عنها الفيلسوف، بمعزل عن الكل، ويسترسل جمال في تأملات عميقة، يقلب مجمل الاحتمالات المكنة، وعادة ما كان يصل إلى وجهين متناقضين يراهما منطقيين ومقنعيين معاً.‏

كلما اقترب جمال من قرية عين الفكرون عائداً من الثانوية ثم فيم بعد من الجامعة يغمره شعور من الحنين الجذاب إلى أماكنها الجميلة الأليفة التي يستحضر معها ومع كل شجرة وحجر فيها ذكريات طفولية تعمق الكآبة السوداوية والوعي الحقيقي باندثار تلك اللحظات إلى الأبد عبر الزجاج الشفاف للحافلة- وهو يصر دائماً على الجلوس في المكان المحاذي مباشرة للزجاج كي يسرح شارداً عبر المناظر الطبيعية المتتابعة- يطارد الأماكن الأليفة بعينين براقتين بلونهما الأسود الذي يضاعف من قوة الضوء الساطع المنبعث منهما، قالت له أستاذة الرياضيات في الثانوية أن ذكاءه مختزل في بريق عينيه النافذ- ويلهث خلف كل المواقف الجميلة ويطيل في معايشتها إلى أن يباغته مكان آخر بنقله فجأة دون لحظة أو تفكير إلى حادثة سابقة أو لاحقة، كلما اقتربت الحافلة من القرية وعبرت الجسر الفاصل بين السهل والمرتفعات التي تحتمي وسط روابيها وتلالها القرية، وظهر الطريق المثعبن بمنعرجاته المتعدة الباعثة للغثيان والقيء، سكت جمال نهائياً عن الكلام واستغرق في حوار نفسي ثري وسريع مجمداً بصره في الزجاج الشفاف دون أن يكترث بالركاب الثرثارين حوله ولا باندفاعات الحافلة كلما أدركتها دورة ضيقة وأرغمت السائق على الضغط على الفرامل بقوة وادارة المقود دورة كاملة كي تميل الحافلة الغاصة بالركاب وتتفادى التدحرج نحو الهاوية تجاه الوادي عبر المنحدر المغطى بالجنيبات البرية المتداخلة الأغصان من الشوك والنخيل القزم والضرو...‏

manal*****lolo
05-13-2009, 01:45 PM
أحبس يا "الشيفور" يرحم والديك رايح نتقيَّأ.‏

نظر السائق إلى المرآة المثبتة على الزجاج الأمامي للحافلة وتعرف على الصائح المستغيث الذي كان يلوح بيد في الفضاء، فيما كانت اليد الأخرى تمسك منديلاً مضغوطاً على الفم يمسح اللعاب الذي يسبق القيء معلناً عن قدومه الحتمي، ولكن السائق لم يكترث لاستغاثة المسافر ولم يقلل من سرعة الحافلة ولم يجبه حتى بحرف واحد أو همهمة حنجرية هامسة وتساءل عن المكان اللائق للوقوف بين هذه المنعرجات الضيقة واستنكر على الركاب الذين يأكلون حتى التخمة ثم يركبون للسفر مسافة طويلة، لو توقف لكل مسافر أصابه الغثيان لقضي النهار كله في السفر بين العاصمة وقرية عين الفكرون.‏

" ليفرغ ما بجوفه أمامه.. أن بطن الحافلة متسخ وعند الوصول سنغسله بالماء ليست المرة الأولى ولن تكون الأخيرة، لماذا لم يحضر معه كيساً نيلونياً يتقيأ داخله ثم يلفظه عبر النافذة، كم فكرت في احضار أكياس أبيعها للمحتاجين ولكنني دائماً أنسى في المرة المقبلة سأشتري بعضها وأخفيها في الصندوق ".‏

تماسك المسافر بعضاً من الوقت ثم أفرغ ما في بطنه فجأة محدثاً صوتاً مزعجاً منفراً يبعث هو الآخر الجالسين حوله مباشرة على الغثيان والذين يبصرون الحادث غير مبالين ولا عابثين به، وكان بائع التذاكر هو الآخر جالساً على المقعد الأمامي سارحاً في همومه فلم يستجب لنداء المسافر المريض، انتشرت رائحة الحموضة داخل الحافلة مما أدى بالكثيرين إلى فتح النوافذ الزجاجية على مصراعيها كي تتبخر في الهواء ولكنها مكثت تحوم حول الحافلة مما أدى بالكثيرين إلى فتح النوافذ الزجاجية على مصراعيها كي تتبخر في الهواء ولكنها مكثت تحوم حول المناخير المفتوحة المشمرة تثبت وجودها وإن كان وجوداً مقرفاً، أخرجت شفيقة الجالسة بجانب صديقة لها خلف جمال مباشرة منديلاً وأطبقته على أنفها الصغير ثم أزاحت زجاج النافذة إلى الخلف وأخرجت رأسها وجلبت بقوة ظاهرة وصوت مسموع كمية هواء تبعد عن نفسها الخناق سواء بعدم التنفس أو بشم الرائحة النتنة.‏

manal*****lolo
05-13-2009, 01:45 PM
كانت قلقة وتمنت لو أغمضت عينينها لحظة خاطفة لتجد نفسها تفتح باب غرفتها وتلقي بجسمها على السرير لتستغرق في نوم هاديء حالم لا تستيقظ إلا بعد أن يهجرها التعب نهائياً كي تقابل أباها والسرور يقطر من بشرتها والحلم الجميل يتلألأ في بريق عينيها السمراوين، أرهقت نفسها في التحضير للامتحانات كعادتها بمراجعة دروسها إلى ما بعد منتصف الليل ثم رغم الانهيار الجسدي لم تكن تعرف طعم النوم اللذيذ إلا بعد استيطان عميق في حبها وهي تلوك العبارات الجذابة التي ستفاجيء بها الحبيب في اللقاء المقبل وتستحضر اللحظات الممتعة التي قضتها برفقته، تراجع سلوكها وكلامها لعلها تكون قد أساءت إليه أو جرحت احساسه المرهف.‏

كانت متحمسة للقاء أبيها ومفاتحته في موضوع الخطبة وهي واثقة من قبوله، وأن عارض فلن تراجع بخطوة واحدة، بل ستطارده ليل نهار حتى تقنعه وترغمه على الموافقة لاستقبال الخطاب.‏

ستعلن خطوبتها جهراً أمام الغابة العائلية من الأعمام والأخوال والعمات والخالات والأقارب وكل سكان قرية عين الفكرون، حينئذ يمكنها رؤية حبيبها دون خجل أو خوف، يمكنها الجلوس بجانبه في الحافلة التي تنقلهم إلى العاصمة أو الوقوف معه في المحطة أمام الناس جيمعاً وسيرافقها إلى منزل أهلها راجلاً بمحاذاتها عبر شارع أول نوفمبر، الشارع الرئيسي للقرية، على عكس اليوم، حيث امتطت مقعداً خلفه بجانب صديقة لها، وبعد توقف الحافلة، سيفترقان بنظرة تحسّر وأمل دون أن يعثرا على الجرأة للنزول سوياً والمشي على الطريق الاسفلتي في حديث ذي شجون وابتسامات، بل وقهقهات مرتفعة غير مبالين بالنظرات الثاقبة المتهمة التي تحاصرهم من كل الجهات، من الرصيف والمقاهي والمحلات التجارية، كأنهما بصدد ارتكاب أشنع الجرائم التي تلطخ سمعة أهل القرية وشرفها، بعد أن تتوقف الحافلة في المحطة، سيتجاهل كل واحد منهما وجود صاحبه، وبالتأكيد سيغادر جمال المحطة بسرعة كعادته دائماً ويختفي عبر الشوارع الخلفية، فيما تتمهل هي قليلاً ثم تنطلق وحدها مطأطأة الرأس تماماً مثلما يحب أهل القرية للبنات الشريفات، غير آبهة بما يجري حولها من الأمور، لا تلتفت يميناً ولا شمالاً، بل ستصوب بصرها في اتجاه مستقيم أمام رجليها، كأنها واقعة تحت جاذبية حقل مغناطيسي لا يتلاشى إلا بعد ما يصل إلى منزلها، حينئذ فقط تتنفس الصعداء بحرية ويتسرح لسانها ويتحرر بصرها من المغناطيس، كانت شفيقة تتحدث مع صديقتها بصوت مرتفع كي تسمع جمال، الجالس قدامها، الغارق في صمت مطبق يسترجع الذكريات الطفولية اللذيذة، لم يلتفت خلفه رغم الرغبة القاتلة التي لو انساق وراءها لما فارق بصره وجهها المورد وابتسامتها الشفافة ودوران حدقة عينيها بغمزاته ولمزاته تجاهه كلما جمعهما المقام.‏

manal*****lolo
05-13-2009, 01:46 PM
لم يكن جمال يفكر كثيراً في موقف أبيه بعدما يخبره بنيته في طلب يد ابنة السرجان، لأنه لم يعثر في ثنايا ذاكرته عن أسباب مقنعة للرفض، انساق خلف الحلم اللذيذ متصوراً أن أباه سيطير فرحاً بعد أن يعرف رغبته في الزواج ولم يكن جمال يدري بالصراع الصامت الذي يزحف بين أبيه والسرجان، كما لم يكن يعرف حكاية أمّه حورية بالتفصيل ونية السرجان في الزواج بها وأنها صعدت إلى الجبال هروباً من هذا الزواج بالذات، امتنع جده وجدته لأمه عن رواية أحداث القصة إلا إذا سأل وهو لم يسأل ولم يتعود على الأخذ والرد في أطراف الحديث حول ماضي العائلة، كل ما يعرفه هو أن أمه استشهدت في الجبال دون أن يجتهد في البحث عن كيفية موتها، يتهرب من ذكرها كي لا يعمق حزنه وشعوره باليتم.‏

فحاول أن يحب زوجة أبيه تماماً مثلما يحب الأطفال أمهاتهم، وهي بدورها لم تشعره يوماً بأنها ليست أمه، ولم تذكر أمامه شيئاً يوحي بذكرى أمه أو غيابها، عاملته كبقية أبنائها، كان جمال يتسلل خلسة إلى غرفة أبيه ويقف أمام الصورة المعلقة على الحائط ويتأمل وجه أمه بلباسها العسكري ويتخيل صوتها ومشيها، ولكنه سرعان ما يغادرها خوفاً من إزعاج زوجة أبيه التي تنبهت بدورها إلى هذه الزيارات السرية دون أن تشعره بذلك، وأضحت كلما رأته يحوم حول الغرف دون اهتمام إلا وغادرت الغرفة تاركة بابها مفتوحاً ومكثت في المطبخ أو في الساحة العريضة كي تسمح له بالوقوف لحظة تأمل وحنين إلى أمه في حرية كاملة وهدوء تام. لا يعرف عن أمه إلا هذه الصورة التي حافظ أبوه عليها بعز وكبرياء مثلما يحافظ البطل الرياضي على الكأس التي فاز بها في منافسة دولية.‏

تخلصت الحافلة من المنعرجات الصاعدة لتشرف مباشرة على البناية الأولى للقرية، بناية مستطيلة الشكل بثلاثة طوابق وحديقة يحيطها سياج، تحتوي على مكاتب فرقة الدرك الوطني ومساكنهم.‏

خفف السائق من سرعة الحافلة وهو على أهبة الاستعداد للتوقف والاتجاه صوباً إلى المقهى الكبير في الشارع الرئيسي لارتشاف قهوة حالكة مضغوطة وساخنة، يتصاعد بخارها بقوة، يرتشفها ببطء مع سيجارة "الهُقّار" وهو واقف أمام المصرف، كي يلفظ الصداع وروائح البنزين والحموضة، استيقظ المسافرون من سباتهم وشرودهم وطفقوا يجمعون أمتعتهم في هرج ومرج وضوضاء، وقف بعضهم في الرواق الطويل الذي يتوسط الكراسي وتقدموا إلى الأمام، مستعجلين لحظة النزول والتخلص من الروائح المنفرة في الفضاء الداخلي للحافلة.‏

كانت المحطة تقع في شارع خلفي، تنعطف الحافلة نحوه بمحاذاة القهوة الفسيحة الواقعة في الركن، حيث استولت على بداية شارعين، ما أن اقتربت الحافلة من الانعطاف حتى شاهد جمال حشداً من الناس يركضون تجاه المقهى مذعورين، ثم احتشدوا على الرصيف قرب الباب العريض المفتوح على مصراعيه، فجأة بدأ الزبائن يغادرون الصالة بسرعة وعيونهم مصوبة إلى الداخل مشدوهين، مغزوعين، تصور جمال أن عراكاً جسدياً قد وقع بين شابين قويين، فذلك من الأمور العادية والناس يتحاشرون لأتفه الأسباب، في خضم هذا الموقف، انطلق دوي رصاصة داخل المقهى ثم تلته رصاصة ثانية فهرب الناس في كل الاتجاهات، توقفت الحافلة بعنف، وانفتحت الأبواب الأمامية والخلفية، وركض السائق ومساعده تجاه المقهى يغمرهم الفضول لمعرفة تفاصيل الحادث الذي لا يستبعد أن تكون جريمة وحشية.‏

manal*****lolo
05-13-2009, 01:46 PM
اندهش جمال والتفت إلى شفيقة وصديقتها، متسائلاً بعينيه دون امكانية التعبير ما يحدث في قريتهم الهادئة وعن معنى هذا الاستقبال الغريب، وهو لم يدرك الكارثة الحقيقية التي ستلاحقه طوال حياته.‏

manal*****lolo
05-13-2009, 01:46 PM
الفصل الخامس‏

رع الدركي بصره من على الأوراق المتراكمة أمام عينيه فوق المكتب واسترق السمع جيداً، قاطعاً أنفاسه لثوان، للضجيج والأصوات المرتفعة في الشارع، قرب البناية مباشرة، فوقف بخفة ونظر عبر الزجاج الشفاف، ليحط بصره على رهط من الرجال الواقفين أمام السياج الحديدي يرفعون حناجرهم ويستعدون للدخول وهم يتشاورون فيما بينهم بحركات حادة ومهددة، أسرع الدركي خطاه ليتحقق من هدف هذا التجمع، دون أن ينسى وضع القبعة على رأسه بخفة، في الرواق التقى بدركي ثان خرج من مكتب مجاور بعد أن سمع الأصوات والصخب، على الرصيف تجمع مجموعة من الرجال من مختلف الأعمار يتطاير الشرر من أعينهم، علامة الحقد وثأر العصبية العشائرية، يتكلمون بصوت مرتفع إلى درجة الصياح، كانت ذقونهم شعثاء، مغبرة وعيونهم شزراً، لم تعرف النوم منذ مدة.‏

كان يتوسطهم رجل أنيق الملبس طويل القامة وممتليء البنية، حينما وقف الدركي أمامهم خطبه الرجل الأنيق بصوت آمر وغليظ:‏

- نريد القاتل.. ونريده الآن..‏

أنبهر الدركي ولم يجد الجواب المناسب في تلك اللحظة، أخرصه الطلب الغريب والمفاجيء تدخل صديقه وقال بحزم بلهجة أرادها تبدو حاسمة مخيفة ومقنعة.‏

- اسمع ياسي.. "وهو يحدق في وجه الرجل الأنيق" أطلب من جماعتك مغادرة المكان فوراً وإلا..- نريد القاتل لنثأر بأنفسنا لكي نقدر رفع أنوفنا أمام الناس..‏

- القاتل بين يدي العدالة، وهي وحدها تملك حق الثأر والعقاب... الآن انصرفوا واتركونا نقوم بعملنا..‏

ارتفع اللغط ونطق ثلاثة رجال في وقت واحد بنرفزة ملحوظة، كانوا مصممين على الوصول إلى القاتل، اقترح أحدهم الدخول إلى غرفة الحجز والقضاء على المجرم وهو يرفع دبزته فوق رؤوس الجميع، محرضاً بحماس ظاهر، تراجع الدركي الأول إلى الخلف واختفى وراء الباب الخشبي الضخم، ثم ظهر بعد لحظة وجيزة وبين يديه رشاش وقف على عتبة الباب مستعداً لصد الهجوم المحتمل، تنبه الدركي الثاني إلى الخطورة فاقترح على الرجل الأنيق الدخول إلى المكتب والتفاهم معاً، تردد هذا الأخير برهة من الزمن ثم تشجع وتقدم نحو الداخل قائلاً للواقفين بأن لا يغادروا المكان إلى حين رجوعه.‏

manal*****lolo
05-13-2009, 01:46 PM
داخل المكتب أجلسه الدركي قبالته، قدم له سيجارة ثم خاطبه قائلاً:‏

- أنت ابن المرحوم سي أحمد، أليس كذلك؟‏

أومأ الثاني برأسه دون أن ينبس بكلمة، أضاف الدركي.‏

- أتريد القضاء على عائلتك شاء القدر أن يموت الأب، فلماذا تضيف ألماً جديداً للعائلة بالقضاء، على نفسك، هل تدرك بوضوح بأن الثأر سيقضي على حياتك نهائياً بالسجن المؤبد أو بالاعدام.‏

أجاب الرجل بنبرة بائسة، وصوت منهار:‏

- لاتهمني حياتي الآن.. كيف يُقتل أبي أمام أهل القرية جميعاً وأبقى ساكتاً، مكتوف اليدين.‏

- نحن نتولى عقاب المجرم، ولا يأخذ كل قاتل إلا جزاءه حسب القانون، هل نحن في أفلام الوسترن ينتقم كل شخص لنفسه أولأفراد عائلته.. أعقل ياسي محمد وعد إلى أهلك، تساندهم في محنتهم ولا تشعل النار من جديد.. كل فرد وموته مكتوب على جبينه، هذه هي مشيئة الله، أصبر واترك العدالة تتولى أمر القاتل.‏

لمي جب الابن بكلمة واحدة بل تنهد بقوة وأطرق رأسه يفكر، شادر الذهن، خيم الصمت بين الرجلين فاسحا المجال لدخان السيجارتين يتصاعد ملولباً نحو السقف، يحلق في الفضاء الضيق، وقف الدركي، ربت على كتف الرجل المنهار من الحزن والآسى ثم خاطبه بلطف.‏

- أيَّا- ارجع إلى أهلك والعن الشيطان الرجيم، وروح اترحم على قبر أبيك.. هيا اتكل على الله.‏

manal*****lolo
05-13-2009, 01:47 PM
وقف الرجل هو أيضاً، وضع عقب السيجارة داخل منفضة بلاستيكية مهملة في زاوية على المكتب قرب التليفون العتيق، ثم غادر الغرفة في صمت مطبق، في الخارج استقبله أفراد العائلة متسائلين بأعينهم وبحركات أيديهم، نظر إليهم ملياً ثم طلب منهم الانصراف وعدم ركوب رؤوسهم، لأن الرجل بين يدي الدرك ولا يسلمونه مهما كانت الظروف.‏

فهل يحاربون الجيش؟! ارتفعت احتجاجات متعّددة بين الرجال إلى أن غادر الرهط المكان، يتقاسمهم شعور متناقض من الاعتزاز والشهامة ومن الاهانة والضعف والعجز عن الانتقام وعادة الاعتبار إلى شرفهم المدنس بطلقة رصاص غاضبة، دخل الدركي المسلح ووضع الرشاش في مكانه داخل الخزانة الحديدية وقال لصاحبه متعجباً:‏

- كأننا مازلنا في العصر الجاهلي! منذ التحاقي بالدرك لم أشاهد مثل العصبية القبلية، رغم انتقالي عبر خمس مناطق نائية وفقيرة وجبلية.‏

- ما زلت صغير السن ولم تشاهد حوادث كثيرة، سيأتي الوقت المناسب وأحكي لك عن أشياء لا يصدقها العقل.‏

عشرون سنة من الخدمة وأنا أتقاذف من نقطة إلى نقطة، كل واحدة تنسيك في السابقة.. كان المقتول قوياً ومتجبراً، تصور أنه سيخلد بماله، ولم يكن يتصور يوماً أن هناك من يواجهه أو يتصدى له، ولكن الدنيا لا تدوم لأحد مهما تَفَرعَنّ في رأيي إننا نطلب نقل المجرم إلى المقر الولائي، تفادياً لما قد يخطر في ذهن هؤلاء الناس...‏

manal*****lolo
05-13-2009, 01:47 PM
الفصل السادس‏

ينبغي القضاء، على الخونة والحَرْكَة في كل الأزمان وفي كل بلدان العالم، لا يختلف الأمس عن اليوم، لا طعم للحياة إلا إذا تدحرجت في الهوية السحيقة كل الأقزام وكل القردة وابتلعتها البراكين وحولتها إلى رماد مسحوق يردم في الربع الخالي بعيداً عن كل العيون الحاقدة وكل الأقدام الوسخة كي لا تتلوث أكثر ويتضاعف الشر الأبدي، هكذا تموت الكلاب التي ليس لها ضمير ولا مبدأ في الحياة، جثة هامدة أمام الناس في وضع النهار تتخبط في الدم الأصفر، الدم الأجرب، دم السل، دم الأسنان المتعفنة التي حطمتها المشروبات الكحولية الرديئة.‏

سال الدم متأخراً جداً وروح الشهيد تتقلب في دجي القبر، لا تريد سكوناً ولا راحة إلا بعد الانفجار الأحمر، كانت تتعذب، منتظرة، لكن طال الإنتظار حتى كاد أن يخلد ومعه خلود القلق والكآبة الروحية، حيثما يخيّم الظلام الحالك على المقبرة، في تلك الليالي المتخاصمة مع القمر، ينبعث أنين خفيف يقطع الكبد، وينتشر في أرجاء الرموس المعشوشية، يتصاعد من تحت قبر يكاد ترابه يستوي مع الأرض بشاهد واحد فقط، مغطى بالحشائش الوحشية والأشواك، مهملاً، يزوره أحد، وصاحبه مجهول الهوية أيضاً- سيندثر بالتأكيد بعد أعوام قليلة حينما يبحث أحد الفقراء عن شاهد يثبته لقبر حديث العهد، فيستولي على الشاهد الوحيد المتبقى، حينئذ، سيرتفع الأنين ويسافر بعيداً مع الرياح البحرية، تبحث عن مستقر لها في جزيرة من جزر الواق واق، لكنني وضعت حداً لهذا الأنين الليلي، الحاد، المخيف، الآن فقط، ستنام روحك يا أخي في اطمئنان وسكون وراحة أبدية إلى أن ينفخ الرب في البوق معلناً عن يوم القيامة، عشرون سنة الروح تتقلب في عذاب لا يطاق، ينبعثُ الأنين، متأوهاً رغم المقامرين أنفسهم على عدم وطء. أرض المقبرة في مثل تلك الليالي السوداء، لقد أرغمهم مرات عديدة على مغادرة المكان ركضاً تاركين "الكرطة" والقطع النقدية والأحذية الموحلة والشموع المشتعلة حيث يستأنس الصوت بالشعلة ويقضي بقية الليلة حائماً حولها، هامساً تارة ونادياً وصائحاً تارة أخرى.‏

اسكني الآن يا روح ونامي في سكينة أبدية، أرحت ضميري لأنني قمت بما أن أقوم به منذ ذلك الوقت الذي كنا نتسلل ليلاً ونقطع الرقاب المشحمة في السكون المطبق، لنغادرها تتخبط في الدم المتفجر الساخن، كنا نحرس ألا تلطخ أحذيتنا العسكرية بذلك الدم الأصفر المتعفن الأجرب المسلول.‏

أينك يا زمان.. أينك لو تعود في رمشة عين فقط، لتتمكن من تصفية قطيع ضخم من تلك النعاج المبعبعة الراقصة، لن ينجو أحد، وكلما حفي السكين شحذته من جديد وجعلته يقطع رقبة بقرة هولندية بضربة واحدة لا غير.‏

أينك يا عمروش، أنت البطل الوحيد عبر كل الحروب والثورات، حينما اشتممت الروائح النتنة، اتخذت القرار الحاسم لتصفية الأجواء وإبخارها بعيداً عن الهواء، النقي للجبال.‏

manal*****lolo
05-13-2009, 01:47 PM
أينك يا ليلة ملوزا، تلك الليلة المباركة.. حاصرنا القرية مدججين بالسلاح ومصممين على ذبح كل الخونة، كنت في الفصيلة السادسة والأخيرة، حاولوا المقاومة والدفاع عن النفس ولكنا كنا الأسود وكانوا الذئاب، نطق الرصاص جل جلاله ثم انسلت السكاكين البوسعاديه وارتفعت الأصوات المتوسلة وبكاء الأطفال وعويل النساء ولكننا لم نسمع شيئاً بل قضينا على كل الرجال المسلحين، ثلاث مائة وخمسة عشر جثة هامدة، درس لمن يعتبر، هكذا الثورة وإلا لا.. بعدها أصبح الناس يخافون من الانضمام إلى الجيش الفرنسي.. يخافون من الذبح، اللغة الوحيدة الممكنة مع الخونة، لماذا تحاكم الإنسانية مجرمي حرب الألمان ولا تحاكم مجرمي حرب الجزائر، فتشوا عنهم في كل الأماكن الممكنة التي تعب هؤلاء المجرمين في العثور عليها للإختفاء، ولكنها تتبعت آثارهم وأوقفتهم رغم تغيير الإسم وملامح الوجه بالجراحة التجميلية، أما نحن فنعرفهم ويعيشون بيننا، ونملك صوراً عنهم وهم فوق دبابات الأعداء يجوبون الشوارع، ولكننا لم نفعل شيئاً بل نقلد لهم الأوسمة ونُنَصّبهم في مسؤوليات مهمة، ونضع المكروفون أمامهم لينسجوا لنا حكايات نضالهم المتَخّيلة للتمويه، وبعد كل هذا الخبث، يصرُّ السرجان على أخذ البطاقة.‏

أعطيته البطاقة الحقيقية التي يستحقها، بطاقة حاسمة تدخله سعيراً مضطرماً من بابه الواسع المفتوح دوماً.. خلق الإنسان ليكون خيراً، ولد الخير والحب مع الإنسان ولكن حب الغير لا يعني الضعف والتسامح مع الأغوال، الغول يبقى غولاً حتى إن تقمص شخصية "أمحند البغل" الطيب الساذج الذي لم يقم بفعل شر أبداً طوال حياته، روحه كلها تسامح وتضحية وعطاء مطلق لا نهاية له، رغم ذلك تغلب على الغول الشرس الماكر الطاغي، بنيته الملأى بالحب والخير.‏

manal*****lolo
05-13-2009, 01:48 PM
زدي إحكي لي يا عمتي خديجة.. مْحَاجِبَة واحدة فقط.. لا.. لا.. قصي علينا حكاية الربيب الفرطاس.. لا.. لا.. نقولك.. حكاية لونجا الغنجا... ما زال الحال يا عمتي و"النافخ" ما زال فيه الفحم، إذا غلبك البرد، نغطيك بالحايك ونزيد لك "هيدورة" فوق كتافك.. إحكي لي يا عمتي إحكي..‏

نستمع إلى زمهرير الرياح المثلجة، تجوب التلال والروابي، وتجرد الأشجار وتعريها وتتركها تتألم وتتأوه وتتمايل ضعفاً، الصمت المريب ومخيف ومطبق، نتكور حول المدفأة الفخارية نتلذذ بطقطقات الفحم المشتعل وأيدينا ممدة فوق الشعلة الباهتة، نتصيد الحرارة التي تساعد، على السهر للاستمتاع بحكايات عمتي خديجة الضريرة، لا تنقطع عن الروي، تنقلنا من مكان إلى مكان ومن زمان إلى زمان، وتحبب لنا الربيب الفرطاس وامحند الأبله الساذج الطيب "أر، أر، كلنا نسبان السلطان" وتجعلنا نحقد على الغول ونتمنى له الموت دائماً بأبشع الطرق، إنها منبع لا ينضب من الحكايات الشعبية، نحاصرها دوماً بعد العشاء، ننتظر بفارغ الصبر أن تكمل الصلاة ونهجم عليها، نلح ونلح متوسلين، لم نكن نعبأ بتعبها أو مرضها، المحاجية في النهار لها نتائج وخيمة، ستنجبون أولاداً فراطيس، لا يملكون شعرة واحدة فوق رؤوسهم بل ستخلفون البنات فقط وبدون شعر...‏

يا للمصيبة... بنات وبدون شعر... أعوذ بالله.. لا.. لا.. يا عمتي..‏

سننتظر الليل، ننتظر، ننتظر... ثم ننام في منتصف الحكاية ونكملها في الحلم أو الكابوس، نتمدد على الحصائر و"الهيادر" وننطلق في سبات عميق لذيذ، نكمل السفر الممتع وهي تروي، تروي وسط الدجى وطقطقات الفحم والشعلة الباهتة، وفجأة حينما تشعر بالصمت المخيم، تتوقف وتسترق السمع ممددة رأسها، ثم بعد أن تتأكد من نوم الجميع، تنهض بتثاقل ملحوظ، ترفع النافخ لتضعه قرب الحائط في زاوية آمنة، تتلمس الأجساد الممددة في أشكال متداخلة بعضها البعض، تسوي الأغطية الصوفية عليها، ثم تلتحق بالزاوية اليمنى وتصعد فوق سريرها الخشبي لترتاح من تعب وشقاء النهار، أصابها مرض الجدري وهي صغيرة، لم تتعلم الركض بعد وأطفأ نور عينيها إلى الأبد، فعاشت في أحضان جدي ثم أبي، كانت ذاكرتها قوية تفوق مسجلات العصر، تحفظ الأغاني والمدائح الدينية والحكايات بأعداد لا تعد، في موسم الصيف، يتخاطفها السكان من بيت إلى بيت، كنت أرافقها مراراً، أسبق كالرجل الشجاع وهي حاطة يدها اليمنى على كتفي وتتبعني، وعلى عاتقي سرد كل كبيرة وصغيرة أراها في الطريق، أسماء الناس وملابسهم وحيواناتهم، وكانت لها قدرة عجيبة في التعرف على صاحب الصوت من الكلمة الأولى، حتى إن سمعته مرة واحدة فقط، تخزن في ذاكرتها كل النبرات وكل النغمات وكل الايقاعات التي وصلت إلى سمعها.‏

manal*****lolo
05-13-2009, 01:48 PM
وكنت لاأرفض لها طلباً خوفاً من انتقامها علي بالامتناع عن الحكي.‏

يرحمك الله يا عمتي العزيزة برحمته اللامتناهية، كان الخير دائماً هو المنتصر على لسانك ينتصر على الشر مهما تجبر الطغاة وتفرعنوا، الغَلَبة للضعفاء، والفقراء رمز الخير والتضحية والفداء، نحزن ونبكي على مصير الأبطال الضعفاء المظلومين ولكننا ندرك في قرارة أنفسنا أن النهاية ستكون سعيدة، سينتقمون لأنفسهم أو ينتقم لهم سلطان عادل أو يتدخل الناس جميعاً.. هكذا الدنيا..‏

لماذا لم نذبح بدورنا الصاعدين في 19 مارس، الذين لم يتخذوا القرار إلا بعد أن تأكدوا من ضمان الاستقلال وضمان حياتهم بعد الاعلان عن توقف كل المعارك العسكرية، هكذا بكل بساطة أصبحوا مجاهدين ونزحوا من الجبال مع الأبطال الحقيقيين، ثم استولوا على امتيازات كثيرة دون أن يقدموا شيئاً للثورة، ونسوا أرامل الشهداء وأبناءهم يتخطبون في وحل الحياة الشاقة، أسكرتنا نشوة الاستقلال وتسامحنا معهم وفتحنا لهم أذرعنا على مصراعيها، آه على الدنيا الغدارة... لماذا لم ألفظ أنفاسي تحت طلقة رصاص دافئة، وسط روائح الغابة العطرة، لحظة واحدة لا غير ويتلاشى كل شيء ويندثر ليصبح فراغاً يتبخر مع الهواء، لو قدر وحدت ذلك، لأخدت الحلم الجميل والعظيم معي، ألفظ أنفاسي تحت طلقة رصاص الأخيرة وفي بريق عيني ذلك الحلم الذي لازمني طوال تلك السنين وتبخر مع السنوات الأولى للإستقلال، ثانية واحدة فقط لاغير.. لو كنت أعرف ماذا سيجري، لقابلت صدري لرصاص العدو وارتحت، كدت أفعله بعد موت حورية، تلك الوردة الطاهرة الندية، الشجاعة، التي ضحت بحياة هادئة وفضلت الحلم الممتع وطاردته بروحها وعينها السوداوين الواسعين، الفوسفوريتين ، يقاومان بشراسة وتحد، أضحت في ذاكرتي طيفاً ممتعاً ،حنيناً يجتاحني في لحظات اليأس والهزيمة يجدد طاقتي وشجاعتي، ويمنح بصيصاً من النور المشع، وهدفاً لشقائنا الذي لم يكن يبدو أنه سينتهي يوماً، كانت تلك العيون مغناطيساً يسحرني ويجذبني دوماً ويدفعني إلى التلاحم الكلي، فتنبت حول ذراعي أجنحة ريشية بيضاء ساطعة، وتحثني فجأة في رمشة عين إلى الطيران، في فضاء رحب شاسع مناخه دافىء لا يعرف البرد القارس ولا الحرارة القائظة الصحراوية، أخلد هناك في ذلك الطيران الناعس المخدر، تهزني ريح خفيفة، صعوداً وهبوطاً، وأنا أبحث عن العيون السوداء، الواسعة، فم فجأة يتلبد ذلك الصفاء الشفاف وينطلق دوي الرصاص في صخب يوقظ الأموات من تحت القبور، وتتعالى صيحات المصابين والأوامر الصارمة النافذة إلى الأعصاب كي تزداد شراسة وتصعف فينا عواطف الرحمة والشفقة والخوف إلى أن تختفي كلية وتطغى الرجولة بشلاغمها الكثة الملتوية الشديدة السواد وتنادينا بالصوت الجهوري الرنان، حينئذ فقط تتحول أجسامنا إلى رخام متين وسميك لا يأبه بالجروح ولا بالتعب ولا بالعرق ولا حتى بالرصاص المتلهب الذي يرتطم ويعوج على سطح الأسمنت المسلح، ويفر هارباً منتكس الرأس يتدحرج متعثراً ساقطاً، واقفاً إلى أن يبتلعه الأفق المظلم ونحن نصعد فوق الأحجار الضخمة والتلال والأشجار البلوطية الباسقة ونرفع أذرعنا في ذلك الفضاء الدافىء ما سكين البنادق بعزيمة فولاذية صائحين بملء حناجرنا "يحيا استقلال الجزائر، يحيا استقلال الجزائر.." وشلاغمنا ترقص فرحاً وغبطة على نغم النشيد ثم تلامس بعضها البعض لتكون جداراً يصمد للقنابل الذرية نفسها، أطلت من خلف الشجر الكثيف الأغصان والأوراق مبتسمة ابتسامتها الخجولة المعهودة، حطت بصرها حياء وانقصت من سرعة خطاها ثم توقفت تنتظر بين الخوف والرجاء، كانت خائفة وفرحة في وقت واحد ولم تتمكن من اخفاء ذلك الشعور المتناقض، لم أذق طعم النوم في تلك الليلة، تقلبت فوق الحصيرة وقتاً قصيراً، وحينما أصرت أهدابي على عدم التصالح والالتقاء في التحام لذيذ، انتفضت واقفاً وغادرت المغارة إلى حجرة مسطحة مطلة على الغابة والوادي وجلست أسترق السمع إلى أية خشخسة تحدثها الحيوانات في تنقلاتها الليلية، منتظراً بفارغ الصبر، كم سنوات مضت عن آخر لقاء خاطف قبل الهجرة إلى أحضان هذه الجبال المباركة؟ وكيف تكون الآن؟‏

manal*****lolo
05-13-2009, 01:48 PM
وتهت وسط أحلام وتأملات إلى أن انثالت على أشعة الشمس الدافئة، كان ذلك اليوم جميلاً جمال وجوه الملائكة بالاخضرار العائم كل شبر من تلك المساحات الشاسعة وزغرودة الطيور المرفرفة من غصن إلى غصن لاقامة الأوكار وخرير مياه الوادي المثعبن، وسط التلال والغابات الصنوبرية الشاسعة، وظهر الوجه الملائكي، البريء، ليشع أنواره على قلبي "أما زلت تذكرني بعد كل هذه السنين؟" هل ما زلت أذكرك؟ أنا لم أنساك لحظة واحدة حتى أتذكرك، ولكن لماذا الثرثرة الفارغة؟ أنت هنا، وأنا في انتظارك طوال الليل، خفت أن تصلي وتجديني نائماً في سبع نومات كأن الدنيا بخير، ذكية ومتحمسة لأن تقوم بأية مهمة تسند إليها، أصبحت ممرضة تداوي بيديها وعينيها ولسانها معاً، لطيفة، ودودة، أحبها الجميع، خفيفة ومستعدة حتى أثناء النوم، دخلت على قائد الكتيبة وباغتته باصرار، بعد أن التحق بنا مجاهد وزوجته المجاهدة أيضاً "أريد أن أتزوج حورية قبل أن أموت شهيداً في احدى المعارك" تفرسني القائد بنظرة باردة، صارمة وقال "لماذا تفكر في الموت؟ الأعمار بيد الله.. فكر في الحرية، في الاستقلال أحسن.‏

سندرس طلبك ونجيبك فيما بعد كان العرس رائعاً، ذبحنا خروفاً وحضرنا الكسكسي والشربة وكدنا نطلق الرصاص احتفاء به، لولا الأوامر المحددة التي لا يجوز اختراقها إلا في حالة الدفاع عن النفس، وبمواجهة الجيش الاستعماري، شيدوا لناعشة صغيرة بالقصب والديس قرب المركز ومنحونا عطلة أسبوع كامل، قضيناها بين العشة والوادي سبعة أيام بلياليها ونحن في العسل نسبح، كأننا ولدنا من جديد، ولكننا كنا نتردد يومياً على المركز للمساعدة والقيام بأعمال شتى، انتهى الأسبوع وعدنا طواعية إلى حياتنا العادية، عادت حورية إلى النوم في الغرفة المخصصة للنساء الممرضات، وعدت أنا إلى مكاني القديم، ولم نكن نلتقي إلا مرات نادرة في الأسبوع حينما نفرغ من أعمالنا لنختلي نحن الاثنين بعيداً عن الأعين الفضولية، في العشة أو في منبسط اكتشفناه قرب الوادي، بمحاذاة الماء العذب، بعد أقل من ثلاثة أشهر، سافرت إلى الحدود الشرقية لمرافقة وحراسة قائد الولاية مع مجموعة قليلة من المجاهدين الأقوياء، القادرين على تحمل مشقة السفر مشياً، وسط الغابات والأودية والجبال والهضاب، وحينما عدنا بعد خمسة أشهر كاملة، صدمت بالخبر المفجع، ونحن في طريق العودة، وصلتنا أخبار انتقال المركز إلى مكان آخر، لأن الجيش الفرنسي اكتشف المقر الأول وقنبله بالطائرات الحربية.‏

manal*****lolo
05-13-2009, 01:49 PM
كان الخبر خاماً بدون تفصيل، قلقنا وتساءلنا بعيوننا قبل أصواتنا، ولكن القائد طمأننا فأمسكني من ذراعي بلطف غير عادي وانزوى بي بعيداً تحت شجرة بلوط ضخمة وسَوَّطني بالفاجعة بعد مقدمة طويلة في الشجاعة والايمان بالله والتضحية في سبيل الوطن، ظننت أنه سيكلفني مرة أخرى بمهمة عسكرية صعبة، يكون احتمال العودة منها ضئيلاً، ولم يتبادر إلى حلمي الجميل أن حورية ستفارق الحياة هكذا بكل بساطة، دون أن أتمكن من رؤيتها مرة أخرى، كنت أتصور أننا سننجو من جحيم الحرب لنرى معاً نور الاستقلال، لنتمتع إلى الأبد، كان حلمنا كبيراً لأحد له وطويلاً لا نهاية له، لم نكن ندرك حتى بحواسنا ما معنى النهاية، كانت حاملاً وكتمت عني السر، كي لا أحمل معي هما أضافياً، لربما كانت تحلم أن عودتي ستزامن ولادتها وستلاقيني بأجمل هدية يمكن أن تقدمها زوجة لزوجها ولي العهد، فارس شجاع سيحمل الراية بعدي، بعد مغادرة المقر بسرعة خاطفة مع ظهور أسراب الطائرات المقنبلة للتلال المجاورة كلها، ووصول أخبار مفادها أن فصائل متعددة من المظليين تتقدم بسرعة نحو المركز، أصيبت حورية بمخاض شديد اثر الركض والخوف وحمل المتاع الثمينة من الأسلحة والوثائق ومساعدة الجرحى على السير، أبعث الولادة المبكرة، شعرت بألم حاد بعد أول توقف لاستعادة النفس فأخذتها ممرضة إلى مغارة قريبة ومكثت معها، على أن يبعث المجاهدون من يأخذهم بعد هدوء الجو وانسحاب الطائرات والمظليين، كانت الولادة عسيرة وقاهرة في منتصف الليل، ليلة خريفية عاصفة وممطرة، أنجبت طفلاً وسيماً، ارتفع صياحه في الدجى واختلط بعواء الذئاب وزمهيرير الرياح الباردة التي تنفذ إلى العظام وتمتص رحيقها، فأصرت حسب ما روت لي الممرضة فيما بعد، على تسميته جمال تقليداً لاسم بطل الوحدة العربية الذي كانت تعتز به وتستمع دوماً إلى خطبة في اذاعة المركز، نامت قليلاً بعد الولادة ولكن في الصباح أصابها نزيف قوي فقدت دماً كثيراً، ولم تقدر الممرضة على انقاذها رغم محاولتها المستميتة في ايقاف سيلان الدم، فلفضت حورية أنفاسها الأخيرة مع ظهور الأشعة الأولى للشمس الشاحبة بين الغيوم الرمادية، ماذا تفعل الممرضة المسكينة والرضيع طفق يبكي من الجوع وهي لا تملك حليباً لا في صدرها ولا في المعلبات.‏

manal*****lolo
05-13-2009, 01:49 PM
مددت الجسم الهامد بخشوع وغطته بالرداء الوحيد ثم احتضنت المولود الطري بحنان وعيناها غاصة بالدموع، فأنطلقت راكضة تبحث عن أول منزل يمنحها الحليب لإنقاذه من الهلاك المحتمل، في السهل، دخلت أول منزل عثرت عليه قرب الغابة فشرب الرضيع من حليب الماعز ثم بعثت صاحبة البيت ابنها الغير لطلب ابنتها المتزوجة التي ولدت طفلاً منذ شهر فقط كي ترضعه، وهناك في ذلك المنزل، وجدته أحمر الخدين بعد شهرين ونصف من ولادته ثم قرأت الفاتحة على قبر حورية داخل المغارة، الممرضة هي التي طلبت من صاحب البيت أن يرافقها مع ابنيه لدفن المجاهدة الشهيدة في نفس المكان الذي توفيت فيه، وهناك ستظل نائمة في سكينة تامة وسط الروائح الغابية العطرة وزغردة الطيور المتنقلة بين الأغصان المورقة، محمية من الأمطار والثلوج والحرارة.‏

في تلك المغارة راودها آخر حلم وآخر أمنية، فلماذا نزعجها، طُلب مني إحضار رفاتها كي يشيد لها ضريح ضخم بين رفاة الشهداء، الأخرين، ليجتمعوا في الموت مثلما كانوا مجتمعين في الحياة، لكنني رفضت بعنف واصرار وحذرتهم من ذكر الموضوع أمامي، إنها زوجتي على سنة الله ورسوله، وأنا الوكيل الشرعي عنها، أريد أن تبقى في ذلك المكان المنعزل الجميل مثل عينيها الفوسفورتين، لماذا انقطعت عن زيارتها في السنوات الأخيرة، ماذا أصابني هل نسيتك يا حورية أعوذ بالله.. أي معصية ارتكبت ،أول فعل أقوم به بعد خروجي من هذا القفص، هو زيارتها مهما كان الجو، ممطراً أو عاصفاً أو قائظا لا يهم.. ينبغي الوقوف على قبرها وتلاوة القرآن كاملاً، ترحماً على روحها، كم استغرق من الوقت حتى أفرغ من الترتيل الخاشع الكلي ليس مهما الوقت، بل المهم هو القراءة المتواصلة، ستكون في شهر رمضان، سأعتكف في المغارة شهراً بأسره أصوم لي ولها، أصلي لي ولها، سأكلم روحها الطاهرة، سيصاحبني جمال ليعرف قبر أمه والمكان الذي رأى فيه النور لأول مرة، يا للمسكين لم يشاهد إلا الظلام الدامس ولم يسمع الازمهيرير الرياح وعويل الذئاب الجائعة، لذلك كان طبعه حزيناً يميل إلى الانطواء والصمت، قابلته الدنيا بوجهها المخيف وضمته بلحنها الكئيب، لم يسأل يوماً عن قبر أمه وعن ظروف ولادته، كأنه كان يعلم بالسر المريع الذي لا يظهر إلا في الكوابيس، معكراً النوم الهادي، يذكرنا بوجودها، بأحلامها، وبالفاجعة الموشمة، كان يدرك بشاعة الموقف، فزاحة جانباً، وردمه في أعماق البحار، كي يتفرغ للدنيا، ويبتسم لها بملء شدقيه، ويفتح لها صدره برحابة وابتهاج الدنيا للاحياء فقط.. "الحاضر أعطيه، الراقد غطيه، والغائب خليه" هكذا كانت عمتي خديجة تقول لنا دوماً، ولكن حورية لن تموت ستبقى حاضرة إلى الأبد، تطارد نومنا، لولا السرجان الطماع، أكلته نيران السعير الملتهب الذي أصر على الزواج بها لكانت حية ترزق ولتزوجتها في فرح الاستقلال، ولأقمنا عرساً فريداً من نوعه يدوم سبعة أيام بليالها.. عرساً يليق ببنات السلاطين ولظهرت كأميرة حكايات عمتي، يتعجب من جمالها كل الحاضرين، ولدعوت كل المجاهدين الذين أعرفهم، الجنود والضباط معاً، بذلك يكتمل فرح الحرية الحقيقي... الدنيا الغدارة، تأخذ ولا تعطي، والموت ظالم لا يرحم، لا يعرف الشفقة، ولا يفرق بين الطيب والشرير، بين الشيطان والملك.‏

manal*****lolo
05-13-2009, 01:49 PM
الفصل السابع‏

- لماذا قتلته يا أبي.. لماذا؟‏

تثبت جمال بأصابعه المرتعشة في الشباك الحديدي الصديء.. محملقاً في وجه أبيه الكئيب، وفي العيون الذابلة، المتعبة، علامة السهر والسهاد الطويلين، والذقن الأشعث الذي نسي طعم موس الحلاقة، لم يبق في الوجه الطويل إلا بريق العينين المتلألىء، وحركة الحدقتين الخاطفة من اليمين إلى اليسار، كأنها تعبر عن انتصار عظيم، لا يحدث إلا مرة كل سبعة قرون، كان الضوء خافتاً في القاعة التي تفتقر إلى النوافذ المطلة على الضوء الساطع في الخارج، وقف الأب وفقة مترنح لا يقوى على الوقوف على رجليه طويلاً، لم يكن يريد رؤية أحد من أفراد العائلة أو الأصدقاء، لأنه يمقت كلمات العتاب والنظرات المتهمة، حينما جاء الحارس وأخبره بالزيارة تساءل عن هوية الزائر، فلم ينهض من مكانه إلا بعد أن سمع اسم "جمال"، حينئذ فقط انتعل البلغة المطاطية، البنية اللون، السميكة، وجرجر قديمه تجاه ردهة اللقاء، خلف الحارس الضخم.‏

- أنت أيضاً تعاتبني يا ولدي.. ألم تدرك بأنني تأخرت، كثيراً في اراحة عذاب الأرواح البريئة، الطاهرة.. كان ينبغي أن أفعل ذلك منذ زمن بعيد، ولكن الحروف المقدسة المسطرة على الجبين، لا تمحي أبداً.. أبداً..‏

كان الأب يفيض بالأسرار التي يريد البوح بها إلى ابنه، تراكمت في ذهنه واختلطت وتسابقت للتعبير عن نفسها، وتعثرت على عتبة الشفتين، وأجهضت في الرحم قبل الإكتمال.‏

- أنت تجهل مكان قبر أمك حورية.. لنذهب سوياً إلى زيارته والترحم على روحها الطاهرة، وأثناء الطريق سأروي لك الحكاية الجميلة التي لم تسمع مثلها أبداً..‏

من الضروري أن تسمعها وتحفظها وترويها لأبنائك، ينبغي أن تفتخر بأمك وتروي قصتها في كل مكان حتى يعرفها الناس جميعاً، كبيراً وصغيراً، رجالاً ونساء.‏

لم يجد جمال القدرة ، جف حلقه وتصاعد البكاء إلى عينيه، حاول منع الدموع من أن تطفح دون جدوى، فاضت وانهمرت على الخدين، تردد قليلاً، ثم أخرج منديله ومسح الدموع جيداً، تنفس الصعداء وتشجع وقال في نبرة مرتبكة:‏

- لماذا انتظرت كل هذه المدة إذن/؟ لماذا لم تحقق انتقامك أيام الثورة/؟ كان الأمور سهلة أنذاك، وكان ذبح الخونة فعلاً مشروعاً وحميداً، أما اليوم، فبعد عشرين سنة من الاستقلال، لا يقبله أحد.. أصبحت مجرماً في نظر الناس والقانون../ قاطعه الأب منتفضاً:‏

- لا.. لا تردد هذه الكلمة أمامي، أبوك مجرم!!! هراء، هذيان، من قال لك هذا؟ إن قتل الخونة نضال، بل عبادة.. أنا أخلصت القرية من الجرثومة المسوسة، أنت صغير يا ولدي ولا تفهم مثل هذه الأمور.. لو عشت حياة الذئاب المشردة التي عشناها نحن وسط هذه الجبال طوال تلك السنين، لما تسامحت مع أدنى فعل للخيانة، ولأصبحت قاسياً لا تعرف الرحمة والشفقة تجاه أولئك الذين تنعموا بالأمس وتداعبوا مع الاستعمار وما زالوا ينعمون اليوم آمنين مطمئنين ثم يتعنترون علينا بقوة الجاه والعلاقات الشخصية مع السلطة الحاكمة.. أنا لم أتسامح أبداً معهم لو كنت أملك زمام السلطة في هذه البلاد لنفيتهم إلى أقاصي الصحراء ولأجبرتهم على الاقامة هناك في الفلاة الشاسعة ولشيدت حولهم جداراً سميكاً ودائرياً مثل جدار الصين يصدهم عن الخروج، ولرميت عليهم كل الجراثيم المعدية كي تعشعش في أجسامهم الأوبئة القاتلة مثل الكوليرا والسل والجذام، ويتفتت لحمهم وعظامهم ويتساقط على التراب، وهم يهيمون بوجوههم في حركات حلزونية على الرمل الساخنة مثل الفولاذ المذوب، وعلى رؤوسهم تنشال أشعة الشمس المضطربمة كأطنان الضغط مثل الذي يسود في أعماق البحار.. ولكن العين بصيرة واليد قصيرة.. لا تقدر على شيء من هذا كله..‏

manal*****lolo
05-13-2009, 01:50 PM
إندهش جمال من كلام أبيه الحماسي ومن عاطفة الحقد والكراهية تجاه الثورة بالأمس القريب، التي تسكنه وتمكن من اخفائها وعدم الجهر بها، لم يسمع جمال أباه يتكلم بهذه الكيفية من قبل "صحيح أنه لم يكن يفاتحه في مثل هذه الموضوعات الحساسة، ولكنه كان يستمع إليه مراراً، وهو يروي بعض ما حدث له في سنوات الحرب لزوجته أو لصهره، أين كانت كل هذه الشحنة كامنة؟ هل صدق فرويد في قوله أن الانسان يطرد العواطف والأفكار الكريهة غير المحببة من طرف الوسط الاجتماعي إلى منطقة اللاشعور ولا يجهر بها إلا في الأحلام أو في الأزمات النفسية والانهيار العصبي القوي.‏

هكذا تساءل جمال مع نفسه قبل أن يقول في هدوء تام:‏

- الحروب دائماً قاسية يا أبي ومرعبة، ولكن الناس تنسى وتتأقلم مع واقع السلم الجديد، يجب أن نطوي الصفحة القاتمة وندير وجوهنا نحو المستقبل، نحو الحياة..‏

- كيف تريدني أن أنسى وهم يذكروننا دائماً بالماضي، إنهم يعيشون معنا يومياً وعبرهم تقفز إلى الماضي الشفاف، لو تابوا.. لو تواضعوا.. لنسينا بدورنا، أما وهم على هذه الشاكلة، يستحيل التخلص من الماضي، كلما كنت أرى السرجان، تحاصرني وجوه عزيزة إلى قلبي وتطلب مني الثأر لها، كي ترتاح في قبورها، وأنا أمكث هائجاً، قلقاً، ممزقاً بين النسيان والعفو، بين الانتقام والثأر، يصيبني الأرق، أريد الانفلات من جلدي والهروب بعيداً، بعيداً لعلي أنسى.. ولكنني لم أنس، بل أصبحت تلك الوجوه تشرف على رأسي بعد النوم مباشرة، وتقضي الليل معي نتخاصم ثم نتصالح، نجتمع في نفس الأماكن الماضية ثم نفترق وأبقى دائماً وحيداً في بلاد غريبة لاأعرفها، لا حنين ولا رفيق، أماكن صخرية، تنبعث منها أصوات الأموات، يقشعر منها البدن، ثم ينزل عليَّ حزن رهيب، يكاد يقتلني غماً وخنقاً، وألقى بنفسي في الهاوية أطلق صرخة للرب الذي خلقني ولكن الصرخة تنتحر في حلقي وتخرس فجأة، أحرك ذراعي في الفضاء، أبحث عن شيء صلب أتشبث به، لكنني لا أجد إلا الفراغ ثم الفراغ ومعه الظلمة الساحقة، لا بصيص نور في الأفق، وأنا على هذه الصورة ولم يمض من الوقت إلا ساعة أو ساعتين ففقط، ألعن الشيطان وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ثم أقرأ الفاتحة وبعدها سورة الناس مرات متتالية، وبصوت مرتفع ليرجع إليّ النوم الهادىء، ولكن كل ذلك دون جدوى، وأقضي بقية الليل أتقلب في الفراش، يقظاً أشد ما تكون اليقظة أعمل على مطاردة الوجوه وهي تحاصرني من جديد في يقظتي إلى أن يطلع الفجر وأقوم للصلاة يتكرر مثل هذا مرات عديدة في الشهر الواحد، زرت كثيراً من الأولياء، ولم ينفع فيهم واحد.‏

بعد كل هذا كيف تريدني أن أنسى أن أطوي الصفحة، أنتم جيل الاستقلال يمكنكم النسيان والعيش بدون ثقل الماضي، لأنكم لم تعرفوا هذا الماضي إلا عبر التلفزة والسينما والصحف، الثورة التحريرية بالنسبة إليكم تشبه كثيراً أفلام الوسترن وأفلام المافيا.‏

manal*****lolo
05-13-2009, 01:50 PM
هي حقيقة في خيالكم فقط.. أما نحن..‏

سكت الأب عن الكلام فجأة، شعر بالتعب يسري في جسمه، ترنح قليلاً، رجع إلى الوراء التفت حوله، يمسح الغرفة ببصره، باحثاً عن كرسي يستريح عليه قليلاً، فلما لم يجد أتكأ براحة يديه على الحائط، وهو يتنهد بصعوبة فائقة، كانت الغرفة مستطيلة الشكل وفارغة تماماً من أي أثاث منزلي يذكر، أهلكت الرطوبة السقف الذي تخللته قطع صغيرة من الدهن وبقيت متدلية آهلة للسقوط في أية لحظة، ومن يحدق النظر جيداً في الزوايا، يشاهد خيوط العنكبوت المتشابكة، وقطرات من الماء تتلألأ كلما أنبعث الضوء الخافت من الحبابة الكهربائية المغبرة المثبتة وسط السقف، بجانب جمال، وقفت امرأة عجوز، تنصح شاباً لم يتجاوز عمره العشرين، ربما كان ابنها، وهو صامت مطرق الرأس يكتفي بالسمع وهز جبهته وجبينه، تتكلم المرأة الملحقة بالحايك، بصوت خافت، تعاتب ابنها لأنه لم يستمع إلى نصائحها مما أوصله إلى السجن، لو كان أبوه- أي زوجها- على قيد الحياة لعرف كيف يؤدبه وينقذه من مخالطة الأشرار.‏

خاف جمال على صحة أبيه حينما شاهده يتمايل تعبا، وتخوف أكثر على أعصابه بعد الذي سمعه في حماس قوي، عن تلك الوجوه الغريبة التي تطارده دوماً عبر الأحلام واليقظة، تعكر نومه وتجلب له الأرق والقلق والكآبة، لم يتعود جمال على مناقشة أبيه في آرائه، بل لم يتعود على المناقشة معه أصلاً، فكان دائماً يكتفي بالسماع والموافقة وإذا صدر من الأب شيء يخالفه، يعلق عليه سراً دون الجرأة على الجهر به، هل يبوح له بأن الجريمة التي أراحت ضميره أبعدت الوجوه المحاصرة، فإنها حطمت كل أحلامه هو، أين حورية تلك الفتاة التي أحبها أبوه بعنف في شبابه وما زال يحبها دون شك رغم مرور سنوات طويلة على موتها، انهارت أحلام جمال وتبخرت كل المشاريع التي شيدها برفقة شفيقة، أيعقل أن ترغب شفيقة في رؤيته بعد الذي حدث؟‏

وكيف يكون موقفه هو إذاً رآها في بداية السنة الدراسية المقبلة؟ تأكد يقينا أنهما لن يتقابلا أبداً، وسيتحول الحب المتين إلى حقد متين أيضاً، كان يتصور أن جراح الثورة قد التأمت وأن النفوس قد شفت وأن طول السنين قد محى الآلام وغطت الورود المتفتحة الأشواك المسننة، ولكن أباه استحضر الماضي كله حتى كاد يصبح حاضراً فعلاً.‏

manal*****lolo
05-13-2009, 01:50 PM
في نادي الحي الجامعي، حينما كانت التلفزة الوطنية تخصص حصصاً كاملة لذكريات الثورة وتمجيد الشهداء واحياء البطولات والمعارك الكبرى، كان القرف بادياً على معظم الوجوه بحيث يغادر الحاضرون القاعة شاتمين، غاضبين على فكرة تخليد الماضي والاستماتة في استحضاره في كل مناسبة وما أكثر المناسبات، كان جمال وأصدقاؤه يفضلون العودة إلى الغرفة وملء الفراغ بالحديث العلمي أو الرياضي أو لعب الورق أو المطالعة بتصفح المجلات الأروبية الملونة، أفضل من متابعة هذه الحصص حول الرصاص والموت والخطب الرنانة المعسولة، كان الرأي الغالب أن الثورة التحريرية انتهت من زمان، فالافضل الاهتمام بالمستقبل الاقتصادي للبلاد، ومحاولة الالتحاق بالركب الحضاري للغرب.‏

ويسترسل بعض من سافر إلى أوروبا في مقارنة البذخ الظاهر على هذه البلدان، وامكانياتها التكنولوجية الرائدة والفقر البادي للعيان في بلدان العالم الثالث، حيث لا يعيش الناس الا وسط المشاكل والأزمات المتنوعة في كل لحظة من حياتهم، لذلك لم يهتم جمال بتاريخ الثورة، ولم يقرأ كتاباً واحداً عنها مهما كان صغيراً، كل ما يعرفه من أسماء وحوادث، التقطها سمعاً من هنا وهناك، دون أن يركز انتباهه في الالمام بتفاصيلها، ساد الصمت بين الأب والابن، وانقاذ كل واحد منهما خلف تأملاته، شارد الذهن يبحث عن التعبير اللائق المناسب في مثل هذا المقام، فيما كانت المرأة العجوز مسترسلة في نصائحها وعتابها تلوك في الكلام ولا تمل التكرار والشاب واقف قبالتها لم ينبس ببنت شفة غائب عنها ينتظر بفارغ الصبر نهاية الوقت المخصص للزيارة فيراه الحارس الضخم، يصفق براحة يديه الواسعتين لينقذه من الوابل الذي ما فتئت أمه تمطره به منذ وصولها دون أن تدري هل هذه النصائح هي، الأليق والأنسب والأفيد في مثل هذا الظرف، وفجأة دون مقدمات انتقلت إلى ارشادات الأكل، واصفة بدقة المؤونة التي أحضرتها في قفة ضخمة تكفي لأسبوع كامل، فوصفت المأكولات التي ينبغي البدء بها قبل أن يلحقها التعفن فهي تكفيه لبداية الأسبوع والمأكولات التي تحافظ على صحتها الغذائية كي يؤخرها لنهاية الأسبوع بفضل هذه القفة لا يحتاج إلى أكل السجن لأنها ستزوره في الأسبوع المقبل وستجلب له قفة أخرى مملوءة أنواعاً وأصنافاً من المأكولات اللذيذة، ارتبك جمال حائراً، لم يعرف أي سلوك يتبع، أقلقه الصمت المبالغ الذي طال بينهما، فكر في انهاء الزيارة قبل موعدها، لكنه تراجع وسأل أباه بصوت مبحوح.‏

manal*****lolo
05-13-2009, 01:51 PM
هل تحتاج شيئاً من البيت أو من السوق؟ لقد أحضرت معي قليلاً من الأكل ولوازم الغسيل والحلاقة..‏

كان الأب غائباً، شادر الفكر لم يستمع جيداً إلى حديث ابنه، كان غارقاً في هذيان داخلي مستمر يحيي الماضي الذي أدركه التلف والنسيان، حملق في وجه جمال بعينين غائبتين ثم استرسل في الحديث كأنه لم يتوقف قط عن الكلام.‏

- سأحكي لك لماذا أنهيت حياة ذلك الكلب، استمع جيداً أنت الوحيد الذي لا أريد أن يعاتبني ويتهمني زوراً وبهتاناً.. صمت قليلاً من الوقت كأنه يبحث عن الحدث أو العبارة التي سيبدأ بها هذا الاعتراف القسري، ثم أنطلق في اسهال كلامي مقضب، سريع كأنه أن الوقت قصير لا يتسع للحكاية بأسرها، انتبه الشاب الواقف بجانبه إلى القصة فأظهر اهتمامه للاستماع، أدار وجهه نحو الأب، ترك أمه تلوك نصائحها للوقاية من البرد وسوء التغذية، تحمس مصطفى عمروش للرواية، نسى التعب والانهيار الجسدي والنفسي، في اللحظة التي توقفت الأم عن الثرثرة منتبهة إلى الحكاية المروية بحماس، دخل الحارس الضخم يجر جبال الشحم المكدس على جسمه بصعوبة، تنحنح ثم صفق معلناً نهاية الزيارة.‏

سكت الأب عن الكلام ونظر تجاه الحارس بفضول زائد ثم قال:‏

- في الزيارة المقبلة، أحكي لك القصة بكل تفاصيلها، سلّم على جميع أفراد العائلة، وقل لهم بأنني في صحة جيدة ولا أريد أن تقلقوا عليّ..‏

أنسحب بخطى متثاقلة متبوعاً بالشاب الذي ما زالت أمه تمطره بالنصائح تلو النصائح، أنتظر جمال دخول الحارس المتمايل تحت وزن شحمه المتدفق من كل الجهات إلى بهوهم، ناوله القفة المغطية بمنديل مزركش، وغادر السجن بأسرع ما يمكن بعد أن تخلص من الأسئلة الملحاحة للأم، التي بادرته بالكلام دون استئذان، وهما يجتازان عتبة البهو الذي يفتح على الساحة الكبيرة المبلطة ببلاطات مربعة رمادية اللون، نظيفة وخالية من العباد والأشجار، مشت بجانبه ردحاً من الزمن، وهي تحكي قصة ابنها الذي لم يسمع نصائحها واختلط بمجموعة من اللصوص وأصبح يشاركهم سرقاتهم الليلية، إلى أن وقع في قفص الشرطة مؤكدة بأن ابنها طيب القلب، فلولا أولئك الأشرار الذين أغروه بالمال واللباس الفاخر المستورد، لما كان الآن داخل السجن، شاركهم مرتين فقط، وحينما أراد الانسحاب، هددوه بالقتل، وهو يتيم ليس له أب يدافع عنه ولا أخ كبير، لعنت الحظ الذي رزقها بتسع بنات كلهن معتكفات في البيت دون زواج ولا عمل.‏

manal*****lolo
05-13-2009, 01:51 PM
روت الأم كل ذلك وهما لم يجتازا السياج الخارجي، كأنها أمام القاضي تستعطفه وتتوسل إليه بالافراج عن ابنها البريء.‏

كان جمال حزيناً وكئيباً وأفكاره مبلبلة، ذهنه مشتت، لا يقدر على التركيز، أقلقته الأم المسكينة بحكاياتها وأحتار كيف يفلت منها دون أن يجرح عواطفها، فاغتنم فرصة قطع الطريق إلى الرصيف المقابل لسياج السجن، حيث تأخرت قليلاً، تنتظر مرور شاحنة محملة بالبضائع فأسرع خطاه دون أن يلتفت وراءه، قاصداً محطة الحافلات للعودة إلى قرية عين الفكرون، كان حزيناً لأن أباه سيقضي بقية حياته في السجن، جريمة قتل تعاقب بسنوات كثيرة مهما كانت دوافعها مشروعة نفسياً واجتماعياً، كان كئيباً لأنه سيفقد شفيقة، التي أحبها منذ الطفولة نهائياً، منذ اللحظة التي شاهد فيها الجثة الهامدة الملطخة بالدماء، ممددة وسط المقهى، وهو يتساءل بمرارة عن الفائدة التي جناها أبوه من وراء هذه الجريمة الجنونية في محاولة بائسة لإقناع نفسه بأن سلوك أبيه كان على حق.‏

حوافز منطقية! أحب أباه منذ الطفولة المبكرة واعتبره رجلاً كاملاً ولم يكن يتصور أن هذا الأب الطيب البشوش الهاديء، سيحمل البندقية في لحظة جنون ويطلق عياراً كاملاً على انسان، لم تخطر الفكرة على ذهنه بتاتاً، كان البندقية في الرواق المنزلي محكمة بحزام جلدي سميك لا يمسها أحد، حتى أضحت تحفة عادية تزين البهو كباقي التحف الزخرفية التي تعتني بها زوجة أبيه بعناية فائقة بازالة الغبار عنها وتنظيفها دوماً بقطعة قماش أبيض ناصع، وكم من مرة شاهدها وهي تزيل البندقية من مكانها وتجلس على البلاط وسط البهو لتنظيف الأجزاء المختلفة ابتداء من الأخمس مروراً بيد التعمير وعلبة المغلاق وقنطرة الزناد وصولاً إلى الماسورة ذات الثقبين، دون أن تجرأ على تفكيكها خوفاً من عدم معرفة تركيبها أو لأنها تتصور أن البندقية قطعة واحدة ملتحمة لأتفك، ثم ببطء ملحوظ كأنها تحمل صحناً من البيض، ترجعها إلى مكانها وتثبتها بإحكام، حينما كان جمال صغيراً كان يشاهد‏

أباه يحملها على كتفه الأيمن باعتزاز جلي، ويغادر البيت في الصباح الباكر ولا يعود إلا مع غروب الشمس، وفي حمالته الجلدية بعض الأرانب أو الطيور التي قضى اليوم كاملاً في ملاحقتها عبر التلال المجاورة للقرية، كان يخصص نهاية كل أسبوع للصيد البري، ثم بعد سنوات انقطع نهائياً عن هوايته، فأصبحت البندقية لا تبرح مكانها إلا للتنظيف، تساءل جمال مراراً لماذا لا يبيعها أبوه وينتفع بمالها حيث أنه لا يحتاج إليها، ولكن بعد التفكير وجد بأنها تحفة حربية يعزز بها ماضيه كلما تقدمت به السن مثلما يفعل الرياضيون بالكؤوس والميداليات التي تعلق على صدورهم في أيام العز والنجاح، في السنوات الأخيرة لم يعد يعير أي اهتمام لتلك البندقية المعلقة باحكام، لقد أضحت جزءً لا ينفصل عن أثاث البيت، لو كان يعرف مصيرها لاختطفها في دجى الليل ولدفنها في مكان قفر، لا يصل إليه الشيطان نفسه، ولكن هل هناك من يتنبأ بمصيره؟‏

manal*****lolo
05-13-2009, 01:51 PM
الفصل الثامن‏

غصت القاعة الواسعة بالمجاهدين الذين لم ينقطعوا عن الحديث الحار، بل أصر معظمهم على استحضار حوادث الأمس وروايتها بحماس مفرط مع اسناد الدور البطولي الأول لأنفسهم بكل تواضع واعتزاز مع اشراك الحاضرين كمشاهدين صادقين آمنين على أقوالهم، تبعثروا عبر ارجاء الصالة الواسعة مثنى وثلاثى ثم اختاروا لأنفسهم الأماكن الملائمة ومكثوا ينتظرون الافتتاح الرسمي للاجتماع، كان مكتب المنصة مرتفعاً قليلاً عن بقية الكراسي ومغطى بمقاش سميك أزرق اللون، وخلف المنصة على الجدار، بمسافة أقرب إلى السقف منه إلى البلاط علق اطار خشبي بداخله صورة شمسية لوجه جاد وصارم، يفرض الهيبة ويبعث في نفوس المحدقين إليه طويلاً شعوراً يمتزج فيه الخوف والاحترام إلى درجة التقديس، بصر نافذ، وشلاغم كثة سوداء، احتلت نصف الوجه، كانت الصورة بالأبيض والأسود ويبدو على الاطار الخشبي مسحة من الغبار تراكم عليه سنوات، ربما لم تنظف الصورة منذ تعليقها أول مرة، كأن الخادم لم يجد الجرأة الكافية لمواجهة البصر الثاقب المتحدي والاقتراب منها لإزالة الغبار المتراكم عبر الأيام والشهور، تأخر مصطفى عمروش قليلاً في مكتبه منشغلاً بجمع الوثائق لاحضارها إلى قاعة الاجتماع وفيما كان يستعد للخروج، دخل عليه رئيس البلدية وصافحه بحرارة غير اعتيادية وابتسامة عريضة نفعية، رجل في مقتل العمر، قوي البنية وأصلع الرأس، اشتغل "مُسَبِّلاً" أيام الثورة وساعد كثيراً من الشبان على الالتحاق بصفوف الجبهة وجمع الاشتراكات الشهرية من السكان بطريقة ذكية جعلته يقدم كمية مالية مرتفعة في نهايةكل شهر إلى المسؤول المكلف بايصالها إلى الأخوة في الجبال، ذاق مرارة السجون والتعذيب بعد وشاية مجهولة ومكث زهاء سنتين إلى أن أخرج في غمرة أفراح الاستقلال حينما فتحت أبواب السجون على مصراعيها ولفظت من بداخلها قبل أن يتعفَّن، خاض معركة انتخابات المجلس الشعبي البلدي مراراً فكان عضواً عادياً في الفرة الانتخابية الأولى ثم أصبح نائب رئيس البلدية في الفترة الانتخابية الثانية إلى أن تقلد أعلى منصب في قرية عين الفكرون في الانتخابات الأخيرة وبمساعدة كبيرة وجلية من السرجان الذي كان يرافقه دوماً في الحملة الانتخابية ولم يكن يتوقف أو يمل من مدحه وذكر خصاله كرجل صالح للخدمة العامة، وكن السرجان سخياً في توزيع أمواله على الذين يشك في كسب أصواتهم، مما أدى به إلى الاعلان قبل أسبوع أن تقديم المشروبات الساخنة والباردة سيقدم مجاناً في مقهاه يوم الانتخابات، الناس تشرب وتزيد بلا حساب، خزينة السرجان هي التي تدفع وإذا انتخب صديقه رئيساً للبلدية سيقيم حفلاً باذخاً لجميع أهل القرية بلا تفريق بين الأصدقاء والأعداء وسيكون المشوي هو سيد المأكولات وكل المصاريف هدية من السرجان إلى قرية عين الفكرون، في تلك الأيام كان المرشح بصحبة السرجان يعرض كل المشاريع الاقتصادية والاجتماعية التي ستنقل نهائياً القرية من التخلف والعزلة، وذلك بمساعدة مقاولات السرجان الذي أخذته غيرة لا حد لها على قريته الفقيرة، فأراد أن يعمل لإخراجها من الوحل لتكون في مستوى استقبال أكبر المسؤولين في الحكومة دون خجل، لم يكن مصطفى عميروش ينتظر مجيئه، ولم تكن تربطه علاقة متينة كالتي تربط بين صديقين حميمين يتمتعان بثقة متبادلة ويملكان ماضياً مشتركاً يجمعهما، أو يقرب شعورهما بالألفة والطمأنينة، تعرف عليه بعد الاستقلال في اجتماعات المجاهدين، فأصبحا يلتقيان مراراً للنظر في بعض القضايا المشتركة، ولم يكن مصطفى عمروش يجهل صداقته بالسرجان، ابتسم في داخله ساخراً ومستهزئاً لقد أدرك بحكم التجربة قصده من هذه الزيارة الخفيفة، " ها قد جاء "المير" ليرد جميله إلى الذي أوصله إلى الكرسي الوثير، جاء الكلب يدافع عن سيده ويصد عنه الأعداء، اشترى السرجان بماله نصف رجال القرية وأوصلهم إلى مناصب لم يكونوا يحلمون بها وها هم اليوم يظهرون مخالبهم للذوذ عنه واعطائه حقاً لا يستحقه مثلما أعطى لهم مالاً ومناصب لا يستحقونها، سخاء متبادل لكنهم لا يعرفون مصطفى عمروش، رأسه صلب كالاسمنت المسلح، إذا تماسك لا يكسره أحد وناشف كالصحراء القاحلة، تحفر ألف كيلومتر بالبلدوزر الروسي ولا تعثر على قطرة ما، وإن كانت لا تصلح حتى لشرب البقرة سأمرغ أنوفهم في الوحل وأمسح بهم غبار الشوارع ليدركوا أن الرجال رجال وان دارت الدنيا على قفاها يصمدون أمام الرعود والبروق والزلازل والفيضانات الهوجاء والرياح العاصفة التي تكنس في طريقها أشجار الكاليتوس والصفصاف مثما تكنس البعوض والفراشات.. دعهم ينبحون إلى غاية البحة ثم البكم.. قالوا ناس زمان "القافلة تمر والكلاب تنبح، خليهم ينبحوا".. صباح الخير سي مصطفى.. تبدو حيوياً ونشيطاً هذا الصباح "ادن، ادهن، لا يفيد معي لا دهان ولا عسل.. ابصق ما بجوفك ودعنا نستريح.." علق مصطفى عمروش في صمت على تحية الزائر ثم رد التحية بصوت هادىء أزاح الكرسي وألصقه مع المكتب وخطا خطوات قليلة يريد الالتحاق بقاعة الاجتماعات، لكن رئيس البلدية الأصلع أوقفه بلطف ممعناً فيه النظر ثم قال بلهجة متوسلة مستعطفة: كن رحيماً ومتسامحاً يا سي مصطفى، الدنيا لا تدوم لأحد، رجل مسن ترحمه في أيامه الأخيرة، نزوة شيخ هرم أراد بطاقة يتصور أنها تدخله الجنة تماماً مثل الطفل الصغير الذي يصرخ ويتمرغ على الأرض من أجل لعبة يتلهى بها ساعة ثم يرميها ليبحث عن أخرى، الشيخ الهرم مثل الطفل والحزب لا يخسر شيئاً، ومعظم المجاهدين موافقون على منحه بطاقة النضال رغم أنهم يعرفون أنه لم يناضل ولم يشارك في الثورة، ولكن الأيام تمر والناس تنسى وهو رجل يساعد القرية ببعض الانجازات الضرورية لتطورها...‏

manal*****lolo
05-13-2009, 01:51 PM
البطاقة ليست عادية أو تافهة لا تساوي شيئاً، إنها ليست ورقة بيضاء وعليها الصورة الشمسية فقط، بل هي رمز الثورة، إعادة اعتبار لرجال ونساء لبوا نداء جبهة التحرير الوطني ويدركون تمام الادراك أن نسبة النجاة بأرواحهم ضئيلة جداً، ومعظمهم دفع الثمن بحياته وترك أرملة ويتامى لم يملأ وأعينهم من ملامح وجوههم بعد أن مات معظمهم وهو مشتاق إلى وجه أمه الحنون أو نظرة زوجته الحزينة وهو يودعها أو صياح أطفاله المرحين، إن حمل هذه البطاقة شرف، لا يناله الخونة والحَرْكية، كانوا يُذبحون من الرقبة كالخرقان "بالبوسعاني" الصديء والذين نجوا من الذبح رغم أدلة الخيانة القاطعة ضدهم ينبغي أن يأكلوا الخبز ويغلقوا أفواههم ولا ينبشوا كثيراً لربما يطلع الزبل رأس مجاهد ما..‏

انقطع عن الكلام برهة من الزمن، تردد في إكمال الفكرة ثم فضل السكوت والانسحاب من الغرفة مباغتاً رئيس البلدية الذي لم يعثر على حجة يطيل بها الحديث والبقاء وحيدين داخل المكتب.‏

في الصالة الكبيرة ما زالت الأحاديث الثنائية والثلاثية مستمرة في صخب وحماس ظاهرين، صعد مصطفى عمروش إلى المنصة متبوعً برجلين، جلس الثلاثة ينتظرون أن يخيم الصمت للشروع في العمل، تنحنح مصطفى ودق على الطاولة دقات خفيفة بأصابعه وحينما التفت جميع الحاضرين نحو المنصة، بسمل طويلاً للاستعداد النفسي ثم "حَزْيلَ " مردداً العبارات العادية الجاهزرة التي ما فتيء يرددها في كل اجتماع منذ أصبح مسؤولاً على فرع منظمة المجاهدين بقرية عين الفكرون مصراً على تحسينها واضافة كلمة مناسبة رنانة سمعها من أفواه المسؤولين الحزبيين في الاجاعات العديدة في المحافظة أو العاصمة ثم باشر الموضوع بجد ورزانة.‏

نجتمع اليوم في جلسة استثنائية فريدة من نوعها، لم يحدث مثلها منذ الاستقلال في قريتنا ولا أظنه يحدث في أماكن أخرى من الوطن، قضية تبدو غريبة، خارجة عن المألوف، ولكننا لا ينبغي أن نستغرب من أي شيء في هذا الزمن، الذي فقدت فيه القيم معانيها النبيلة، وأصبح كل واحد يخيط لها قميصاً مثلما يليق به هو دون غيره، يلفظ القميص المتين جانباً ويلبسها قميصاً رثاً ممزقاً، لا يصمد أمام أول نسمة من البرد الخريفي المثلج، أطلب من الجميع إلا يجهروا بأرائهم إلا بعد تمحيص القضية جيداً، ويصارحوا ضمائرهم ويستحضورا أمامهم تلك الوجوه المشعة بالارادة والشجاعة والايمان المطلق بتحرير الوطن، هذه الوجوه التي عاشت معنا أياماً وشهوراً وسنوات، حينما كنا لا نشبع نوماً ولا خبزاً، ونتذكر تلك الوعود التي تلفظنا بها أمام أرواحهم المحتضرة قبل أن ندفنهم بسرعة البرق بين معركتين ملتهبتين، أن نتذكر تلك السهرات على ضوء القمر، نحلم بمثل هذا اليوم، وتلك الأناشيد المتعالية وسط الظلام، والتي كانت تبعث الدموع إلى العيون المتعبة الناعسة لتضاعف العزيمة والصبر ومواصلة الكفاح إلى أن ينسحب آخر عسكري فرنسي من هذه الأرض الطيبة، المسقية بدم الشهداء الطاهر...‏

تعالت عبر القاعة غمغمات وتمتمات تترحم على أرواح إخوة السلاح، اغتنم مصطفى عمروش الفرصة وسكت ملياً، ينظر إلى الأوراق المبعثرة أمام عينيه، كأنه يستنجد بها لاكمال خطابه، وحينما شعر بوخز النظرات المصوبة تجاهه، وبالصمت الذي حاصره أكمل قائلاً- إن جميعكم يعرف الهدف من هذا اللقاء، ولكنني سألخص المشكلة، كي تتضح الأمور ويرتفع اللبس، تقدم السيد تكوش أحمد الملقب بالسرجان بطلب إلى منظمة المجاهدين، يريد أخذ بطاقة نضال تشهد أنه شارك في صفوف المنظمة المدنية للجبهة، ولحد الآن الملف متوقف تنقصه شهادتان يدلي بهما مجاهدان معروفان بمشاركتهما الواسعة أيام الثورة، وبسلوكهما النزيه أيام الاستقلال ولحد الأن الملف بدون امضاء، لأن المعني بالأمر لا يعرف عنه مشاركته مع الجبهة، بل بالعكس، فإن سلوكه في تلك الأيام كان مشكوكاً في وطنينته وسمعنا أقوالاً كثيرة لا نذكرها إلا عند الضرورة، والآن النقاش مفتوح لمن له رأي في القضية.‏

manal*****lolo
05-13-2009, 01:52 PM
عاد الصمت من جديد يغطي الأجواء ويختلط بدخان السجائر المتكاثر السابح في الفضاء المتصاعد نحو السقف ومعه الأفكار المزدحمة التي تغلي داخل رؤوس متعددة، تريد المروق من سجنها لتسبح بدورها في الفضاء الرحب ، ممتزجة بالدخان والصمت، ولكنها تأبى الانعتاق.‏

تعمق من الانزعاج والقلق السائدين في تلك اللحظات، لحظات انتظار من سيفتح باب النقاش ويكسر الصمت وينقذ الجالسين من الانبهار والتيه والحيرة، تبودلت نظرات متسائلة مترددة لثوان عديدة، كأنه دهر بوزنه الثقيل، تحرك رئيس البلدية في مكانه، منزعجاً قليلاً، طاف ببصره حول القاعة ثم عدل من جلسته وقال بصوت مرتفع كي يسمع الجميع..‏

- أظن بأن سي أحمد، لو لم يكن متيقناً من مساعدته للثورة لما تقدم لطلب بطاقة النضال، صرح لي منذ فترة بأنه أعطى مائة ألف فرنك ضربة واحدة فيما كانت الناس لاتمنح إلا أربعين دورو في الشهر، أعطاها لجيلالي بن علي "المَسّبل" الذي ألقي عليه القبض فيما بعد وأعدم، كما كشف له بعض الأسرار الخاصة بالثكنة ويكون قد أوصلها إلى الأخوة بدون شك زيادة على كميات المؤونة التي أعدها لإيصالها إلى المركز، عبأ له ثلاثة أحمرة في ليلة واحدة، والجيلالي بن علي رحمه الله استشهد قبل الاستقلال بشهور قليلة، لذلك لم يتمكن السرجان من الاتصال بالمجاهدين ثانية.‏

"دافع عن سيدك أيها القواد.. لم لا يكون هو الذي باع الجيلالي إلى السلطات الفرنسية وقدمه إلى المقصلة، اختفى الجيلالي المسكين في ظروف غامضة وأعدمه الجيش الفرنسي بعد شهر فقط من ايقافه بعد تعذيب وحشي... أما سي مصطفى فهو على دراية بأمور كثيرة.. سأفجرها على رؤوسكم بعد قليل.." ثم رأيي أن بطاقةى النضال اليوم لا تفيد ولا تضر وهو كبير السن، فلا أمانع من أعطائها له وننهي هذه المشكلة الهامشية التي تخصص لها اجتماعاً بأكمله عوضاً عن دراسة بعض القضايا المصيرية..‏

وقبل أن يستوي رئيس البلدية في جلوسه، واضعاً رجلاً على رجل، راضياً بتدخله ودفاعه عن صديقه، انتفض شيخ مسن، نحيل بعمامة بيضاء، لف بها رأسه رغم الحرارة المرتفعة، كان منزوياً في آخر الصالة فوقف بثبات بظهره المقوس قليلاً وصاح بانفعال:‏

- يحسدوننا حتى على البطاقات التي نحملها في جيوبنا، نتلمسها من حين لآخر، كي نشعر برجولتنا التي نخاف أن تتبخر في هذا الزمن المقلوب سفيراً على عفير، أنا لا أعرف بأن السرجان شارك في الثورة ولا أعطى مالاً ولا مؤونة، كنت أعرف الجيلالي معرفة جيدة ولم يحدثني يوماً عنه، كيف تريدون له أن يتبرع بالأموال وهو الذي كان يرفض البيع ديناً للفقراء، بل كان يرفض البيع لأهالي المجاهدين ويغلق حانوته في جوههم.‏

واليوم تريدون ادخاله بيننا كمجاهد وربي.. ورأس كل الشهداء.. لو دخل المنظمة، لن تروا وجهي بعد اليوم في هذا المقر.. اذهبوا وابحثوا عن كل الخونة والحركية وعلقوا لهم الأوسمة وامنحوهم بطاقات العضوية في الثورة.. واطردونا نحن لأننا فقراء، لا نبرد ولا نسخن، استولى على كل شيء في القرية، ما بقي له إلا أن يأتي هنا ويهبط لنا سراويلناو.لم يقعد الشيخ في مكانه بل رفع خيزرانه واتجه نحو الباب لمغادرة القاعة، يرتعش جسمه من الغضب والانفعال الشديد، ألح عليه مصطفى عمروش بالبقاء الحاحاً متواصلاً، وقبل أن يصل إلى وسط القاعة، كان محاطاً برجلين يلطفانه ويطلبان منه الجلوس وابعاد النرفزة، انصاع لرغبة الأصوات الصادرة من كل مكان بين صفوف الكراسي وعاد إلى مكانه الأول رغم إلحاج مجاهد لإجلاسه بجانبه..‏

manal*****lolo
05-13-2009, 01:52 PM
هدّأ الجوّ وتناول الكلمة مصطفى عمروش من جديد ولفظ الحياء جانباً وبصق كل ما بجعبته من أسرار خبأها لسنوات أثقلت كاهله وخاف أن يلحقه الموت صدفة ويدفن السر معه.‏

فروى قصة الخيانة بتفاصيلها مثلما سمعها عن الخادمة العجوز بهدوء في البداية ثم تصاعد الحقد والندم على عدم معرفة الخبر في حينه، فانفعل وعلا صوته وضرب ضربات قوية على الطاولة، ويطلق من عينيه بريقاً مضيئاً، خيّم صمت جنائزي على الحاضرين أجمعين وانبهروا للخبر المفاجيء الصاعق، وجد بعضهم حجة دامغة ونهائية لرفض اعطاء البطاقة للسرجان وشملتهم غبطة داخلية واطمئنان للعثور على القرينة التي طالما بحثوا عنها في ذاكرتهم المبلبلة بتقديم العمر وتباعد السنوات، فيما صعق الآخرون وفقدوا أصواتهم كأن اعصاراً غزيراً باغتهم في عرس وهم يرتدون البذل الأنيقة المخصصة لمثل تلك الحفلات وهم ممددون على الحصائر والزرابي في عرصة الدار، تحت أشجار التين واللوزو الرمان، فينزل عليهم دفعة واحدة في سيل عارم ليأخذوا دوشاً بارداً دونما رغبة أو استعداد، فبعد أن اطمأنوا ليلة البارحة، في قصر السرجان على أن الاجتماع سيكون شكلياً فقط، وأنهم يمثلون الأغلبية الساحقة وستجهز البطاقة مباشرة بعد الاختتام ليوصلوها بأنفسهم إلى صاحبها، الذي سيرقص رقصة "هدّاوية" للتعبير عن قوته المطلقة وسطلته الكليانية على قرية عين الفكرون.‏

نخرهم القلق والخجل من جديد وشاهدوا الهزيمة والفضيحة مجسدتين أمام أعينهم، بأقدام ضخمة ثابتة، ومخالب مرعبة.‏

ولكن لحظة الدهشة المباغتة لم تدم طويلاً، إذ وقف رجل وسط القاعة دون استئذان من رئيس الجلسة مثلما تجري العادة في كل التجمعات الرسمية، ووجه أصابعه نحو المنصة مهدداً ومنذراً.‏

- إنها تهمة خطيرة يا سي مصطفى.. وستتحمل مسؤوليتك وحدك.. وسنطلب احضار هذه المرأة لتدلي بشهادتها أمام الجميع...‏

قاطعه مصطفى عمروش بعنف صائحاً:‏

- أنك تشكك في قولي كأنني مجرم أخاف من الحبس.. سأتحمل مسؤولية الاعتراف، وأنا مستعد لأشهد حتى أمام عزرائيل.. للأسف الشديد.. ماتت العجوز قبل أقل من سنة، لذلك أبقى أنا الشاهد الوحيد على قيد الحياة أو لنبحث عن "مسيو غوميز" لعله ينفي قولي هذا، وندون شهادته عوضاً عن شهادتي.. وأنا مقتنع بأن اعتراف العجوز صحيح مائة بالمائة، لأنها لم تبحث عني أوعن غيري لتعلن الخبر، بل التقيت بها صدفة، وعرفت الخبر صدفة أيضاً ثم أنها لم تقصد من اعترافها شيئاً، لافائدة مادية ولا معنوية، عاشت فقيرة خادمة وماتت معدومة.. مات ابنها شهيداً إنه سي عبد القادر بن حليمة الله يرحمه برحمته الواسعة وتاه ابنها الثاني في مصانع أو مناجم فرنسا، لماذا نشك في شهادتها؟ هل هناك ما يناقضها؟ السرجان كان صديق "مسيو غوميز" هاذ خبر شائع يعرفه الجميع، ثم أن العجوز كانت خادمة عند ذاك القَاوري، كل المعلومات تدعم خبر الخيانة، لم يكن السرجان حتى متعاطفاً مع الثورة، كان يحتمي عن الفرنسيين للحفاظ على حانوته ولإثراء جيوبه، شاركت بنفسي مع دورية من المجاهدين، اقتحمت منزله ليلاً لنحذره من غلق حانوته في وجه عائلات المجاهدين وسي حميد كان حاضراً معنا...‏

أيّا أتكلم ياسي حميد.. أوقف.. أوقف.‏

manal*****lolo
05-13-2009, 01:52 PM
التفتت الخزرات كلها نحو الرجل النحيل السن، الذي انتفض وافقاً، مؤيداً كلام مصطفى عمروش وروى ببطء وقائع تلك الليلة بتفاصيلها مع التأكيد على جميع الأقوال الواردة كأن لم يمر على الوقائع الا شهورٌ قليلة، ما زالت ذاكرته حية ومنقوشة نقشاً عميقاً ومتيناً.‏

- في أي سنة، حدثت هذه الزيارة الليلة؟ تلعثم سي حميد وتلكأ لمدة ثوان ثم أجاب، محركاً يده اليمنى في حركة دائرية تابعة لنبرات صوته المترددة.‏

- الله أعلم.. إن لم تخني ذاكرتي كان ذلك في سنة 1959...‏

ولم ينتظر السائل اكمال الجواب فوقف، وعلق قائلاً:‏

- أربع سنوات قبل الاستقلال.. الله نفسه يقبل التوبة حتى في فراش الموت، فكيف للجبهة أن لا تقبلها؟ هل فعل السرجان بعد ذلك، شيئاً يخالف أوامر الجبهة؟ هناك في المجاهدين من كان في الجيش الفرنسي موجهاً الرشاش ضد "الخاوة" ثم التحق بالثورة قبل سنة من الاستقلال ومع ذلك فهو اليوم مجاهد وثوري ومسؤول في أجهزة السلطة، فكيف تُقبل توبة البعض ونُرفض توبة البعض الأمر والسرجان على كل حال لم يحمل السلاح ولم يقتل أحداً خلافاً للبعض.. وأضم صوتي لصوت شيخ البلدية لأقول أن البطاقة بالنسبة لسي أحمد، لا تنفعه، لا تضره كما أنها لا تضر منظمة المجاهدين.. والقرية تستفيد من ثروته وتنهي مشكلة من المفروض أن لا تظهر أصلاً.‏

ساد ضجيج وسط القاعة لأن ثلاثة رجال وقفوا دفعة واحدة ونطقوا معاً غاضبين ورافضين الاقتراح، كل واحد منهم أصرّ وألح على أن يتكلم قبل الآخرين مما اضطر أمين الفرع لأن يتدخل ويفرض الانضباط ثم منح الكلمة لأكبرهم سنا ، تدخل وأفاض في الحديث ناقماً على الخونة والتجار الجشعين السارقين الذين لا يخافون الله وأن صلاتهم وصيامهم باطل ووصل به الغضب إلى شتم السرجان ونعته بأرذل الصفات.‏

تحمل رئيس البلدية قليلاً ثم رفع صوته لأن يوقف هيستريا الرجل، فلازمته في ذلك بعض الأصوات المؤيدة مما خلق جواً مشحوناً واتهامات ثنائية متبادلة بصوت مرتفع أجش، إلى أن وصل الأمر برجلين إلى التعارك الجسدي، فتدخل الآخرون لتهدئة الجوّ.‏

وبعد ذلك غادر القاعة بعض العصبيين من الناقمين على السرجان، رغم الحاح مصطفى بألا يفعلوا، كثر الهرج والمرج واختلط الحابل بالنابل وارتفعت أصوات جهورية في فوضى متشابكة، يصرخ الجميع ويهدد ولا أحد يستمع صخب يتعالى وضجيج مزعج مما أضطر مصطفى بعد استشارة الرجلين إلى الإعلان عن اختتام الاجتماع على أن يعقد في يوم لاحق سيحدد فيما بعد.‏

manal*****lolo
05-13-2009, 01:53 PM
الفصل الأخير‏

انخفضت الحرارة قليلاً، ومالت الشمس بجلال نحو المغيب، وطفق سكان قرية عين الفكرون يغادرون أوكارهم حيث كانوا مختفين من الأشعة المنثالة المسببة للرعن والصداع المزمن نائمين في اغفاءة قصيرة، خفيفة، ينتظرون برودة الجو، كي يبرزوا أنوفهم عبر الشوارع والأزقة الضيقة تماماً مثل الحلازن التي تغادر ثقابها وتلطل إلى الخلاء براداراتها، بعد سقوط الأمطار الخريفية الأولى غير آبهة بالأيدي الصغيرة التي تلتقطها بخفة وحماس وتلفظها داخل دلو أو كيس نيلوني، ويا للعاب السائل على الأفواه كلما ترائى للعين الصحن المملوء باللحم الحلزوني المطبوخ في الثوم والبطاطا والمرق الأحمر المفلفل.‏

إن الحرارة المضطرمة السائدة في بداية هذه الصائفة غير عادية مما أدى بالكثير من الشيوخ إلى التشاؤم والتطير من المستقبل القريب، فأكثروا الدعاء وأطالوا في أداء الصلوات، وكانوا يغلسون إلى المسجد كل مساء بعد العشاء، ويمكثون داخله متحملين الحرارة إلى حد الاختناق والروائح الكريهة المنبعثة من الجوارب المهترئة والأحذية المطاطية الشتوية التي ما زالت ترافقهم، ليذكروا الله طالبين منه ابعاد الكوارث عن عباده المؤمنين، في الساعات القليلة التي تلي الظهيرة مباشرة، تفرغ شوارع القرية من الراجلين والواقفين الشاردين، وتبدو كقرية شبحية، هاجرها أهلها لسبب ما، الكلاب بدورها تنزوي في أماكن مظللة بمحاذاة بعض الأسوار أو تحت كراسي الساحة العمومية التي تتوسط المباني وتقابل مقر البلدية العتيق الذي شيدته الادارة الفرنسية في بداية القرن لإرساء أول احصاء كامل لسكان المنطقة قصد المراقبة ثم التجنيد الاجباري في حروب بعيدة، وسمع مصطفى عمروش عمته خديجة تروي عن سلوك الموظفين الفرنسيين يسبقهم القايد بقنوره الصاعد كالمئذنة نحو السماء وبَرْنوسه الصوفي الساطع وأسئلتهم الغريبة، يدونون الاجابات التقريبية للسكان دون أن يتحققوا منها جيداً، ثم يعطون لكل صاحب أسرة ورقة بيضاء، خربشوا عليها علامات لا يفهمها أحد حتى أولئك "الطلبة" الذين يحفظون القرآن ذهاباً وإياباً، لم يتمكنوا من فك رموزها رغم تثبيت أبصارهم عليها لدقائق طويلة وتقليبها مرات عديدة ثم يعيدونها إلى أصحابها قائلين: "هذه لغة الكفار، ونحن لا حاجة لنا بها" وفي النهاية استغربت الكثير من العائلات من تلك الأسماء الغريبة المستهترة من بومَعْزة وبومعيزة وبوحْمَارة وبوبَقرْة بوفَرْد وبوعنزة وبوجَحْش ودْمَاغ العتروس وبوجاجة وبوالفول وبوشلاغم وبورَجْلة إلى آخر القائمة التي لاحد لها، فصبر الناس وتعودوا على هذه الألقاب، ولكن مجرد مرور فرحة الاستقلال، تهاطلوا على البلدية يريدون تغيير تلك الألقاب الحيوانية، ولما أحيلوا إلى المحكمة، تراجع الكثير منهم لأن في أذهانهم ، دخول المحكمة يعني الخروج منها إلى السجن غير أقصر طريق ممكن . لم يتنبه مصطفى عمروش إلى هذه الظاهرة إلا بعد أن تقلد منصبه في قسمة عين الفكرون وبدأت تمر قوائم المجاهدين والمناضلين والمترشحين إلى المجلس الشعبي البلدي وقوائم المنتخبين وأعضاء الاتحادات الجماهيرية، فاستغرب من شاكلة بعض الألقاب وتساءل كيف اقتنع بها أصحابها وأصبحت تلازمهم كظلهم، حينئذ تذكر حكايات عمته خديجة وتفاصيلها الكثيرة حول أول عملية احصاء سكاني عرفتها المنطقة.‏

manal*****lolo
05-13-2009, 01:53 PM
يغلق التجار أيضاً أبواب محلاتهم أثناء القائظة ويتلحقون بمنازلهم ليتيهوا في حسابات حانوتية يوجهدون أنفسهم في البحث عن أقصر وأربح طريق لجمع أكبر كمية ممكنة من النقود، ومع أذان العصر، يتشجع الشيوخ لاختراق تلك الحرارة التي تكون قد انخفضت، ليلتحقوا بالمسجد، وبعد انتهاء الصلاة، يتجرأ المدمنون على لعب الدومينو لمغادرة برودة البيت، وحجز طاولة وكراسي في المقهى المعتاد منتظرين وصول بقية أعضاء الفرقة المتأخرين، ومع الضربات القوية المدوية للقطع المستطيلة البيضاء على الطاولات المتجاورة التي تكاد تتلامس فيما بينها، يتبخر الصمت مع الحرارة، لفسح المجال واسعاً للضجيج والصخب والصياح وكلاكسون السيارات الحاد وركض الأطفال عبر الأزقة الضيقة، أثناء فترة القيلولة، كان مصطفى عمروش في منزله، ممداً فوق السرير، حائراً في أمره وأمر السرجان الذي يصر على أخذ البطاقة، تائهاً في ذكريات الماضي البعيد، وساخطاً على كثير من رفاقه لأنهم وقفوا مع مناصرة السرجان في اجتماع الصباح، أما السرجان فقد خرج من بيته قلقاً، غاضباً في بداية الظهيرة بجلابية صحراوية، بعد أن حاول التمدد والنوم دون جدوى، لقد أخبره أحد أصدقائه من المجاهدين الذين حضروا الاجتماع الصباحي، أنهم لم يتوصلوا إلى اتفاق في شأن ملفه، وأن مصطفى عمروش أجهر أمام الجميع متهماً إياه بخيانة الشهيد سعيد ستوح الجريح الذي كان مختفياً عند العجوز لالة فطومة، كان السرجان يتناول غذاءه حينما رن جرس الهاتف، وأخبره الصديق بتفاصيل الاجتماع، أخرسه الخبر وانقطعت شهيته، وأصبح قصره ضيقاً، يريد أن ينفجر داخله، لذلك غادره راجلاً قاصداً وسط القرية بالضبط إلى مقهاه لعله يصادف بعض معارفه، ليزيل الهم والغم بمرافقتهم، كانت صالة المقهى الواسعة فارغة من الزبائن في مثل تلك الساعة من النهار، ركض الخادم نحوه بمجرد أن لمست رجلاه العتبة الخارجية، ورحب به مهللاً ثم خيره بين أحسن الأماكن التي يفضل شرب قهوته فيها، غمغم السرجان كلاماً بين شفتيه واتجه صوباً إلى المصرف الخشبي الطويل، اتكأ عليه بمرفقه، وطب كأس ماء بارد يلفظ به العطش جانباً وقهوة ثقيلة، ثم رفع ذراعه الأيسر ومسح العرق المتلألأ على جبينه بكم الجلابية، مرّر النادل قطعة قماش بالية، مثقوبة على مساحة المصرف الفوقية، أمام السرجان الذي رفع مرفقيه بتثاقل وامتعاض ظاهرين، ثم قدم له القهوة مع السكرية البلاستيكية التي يحوم حولها الذباب، بعد ذلك فتح الثلاجة الكبيرة وأخرج زجاجة ماء تتصبب عرقاً، وانتقى كأساً نظيفاً من صندوق الأواني الموضوع قرب آلة القهوة العصرية التي غزت المقاهي الجزائرية في السنوات الأخيرة، مما أجبر الزبائن على استحداث مصطلح جد جديد يتلفظونه بالضغط على الشفتين كأن الكلمة وحدها لا تكفي للتعبير عن المعنى المراد، فيضيفون لها حركة الشفتين المضمومتين بقوّة ظاهرة مع ضغظ اللسان مع أعلى الحنك "قهوة بريس، يرحم والديك" فحطها أمام السرجان الشارد الذهن، كان يحدق في سحنته عبر المرآة المربعة، الكبيرة المثبتة أمامه على الجدار المقابل للشارع الرئيسي للقرية، شرب السرجان من الزجاجة مباشرة، في جرعة واحدة متواصلة حتى استوفى نصفها ثم حطها بقوة على المصرف وتنفس الصعداء، وقرب الفنجان إلى شفتيه ورشف القهوة بصوت مسموع كعادته دائماً، أدرك الخادم أن السرجان في حالة نفسية متوترة دون أن يحدد جوهرها مابين الغضب والحزن والارهاق النفسي، لذلك فضل الصمت والانشغال بغسل الكؤوس والفناجين والملاعق وترتيبها على اللوحات الخشبية المتراصفة أمامه.‏

manal*****lolo
05-13-2009, 01:53 PM
مكث السرجان على تلك الحالة، متكئاً على المصرف، شادر الفكر، سارحاً في خيالات شتى متناسياً القهوة، مدة من الزمن، حتى أيقظه رجل يدلف من الباب بصوته الرنان الطاغي على الصمت المخيم والجوّ المختنق، تصافح الصديقان وتبادلا التحيات بحرارة، سر السرجان لرؤية صديقه القديم بومالح عبد المالك الذي وصل القرية في نهاية الصبيحة، قادماً من العاصمة لزيارة عائلية، احتضنه السرجان بقوة كالغريق الذي يتشبث بقطعة خشبية لعلها توصله إلى الشاطىء قائلاً.‏

- بعثك الله إلي في هذا اليوم الملعون، لتنفذني من تعنت بعض الرعاة، لماذا لم تضرب لي تليفوناً من العاصمة، لانتظرتك.‏

- خير إن شاء الله.. لا تقلق يا سي أحمد.. الدنيا مليئة بالرجال، كلمتك في البيت منذ ربع ساعة وقيل لي بأنك خرجت راجلاً، فقلت إنك لا تكون إلا في المقهى، أو عند بعض زملائك.. الحمد لله أنني وجدتك، هكذا تكون لدينا فترة أطول للمناقشة، وسأبذل قصارى جهدي لمساعدتك..هيا بنا نبحث عن مكان بارد خارج القرية تحت الأشجار.. الجو مختنق في المقهى.. لا يطاق..‏

- اشرب حاجة باردة أولاً ثم..‏

قاطعه بومالح عبد المالك برفض مأدب ولكن السرجان أصرّ وألح وطلب له ليمونادة، فأسرع النادل وحطها أمامه بارتباك بعد ذلك غادر الرجلان المقهى يتجاذبان أطراف الحديث، متوجهين إلى سيارة بيجو 504، رمادية اللون ممعدنة، تعكس أشعة الشمس المنثالة بلا شفقة، إلى درجة يصعب النظر إليها ببصر ثاتب لمدة طويلة، كانت متوقفة في الشارع الرئيسي مقابل المقهى مباشرة، لاحظ السرجان أن السيارة جديدة، وصلت لتوه من ميناء مرسيليا، ما زال النيلون يغطي المقاعد الداخلية، فبارك لصاحبه الاقتناء اللامع والباذخ، وسأله عن ثمنها ودون انتظار استرسل صاحبه في سرد تفاصيل متعددة عن كيفية الشراء وتدبير العملة الصعبة بنسبة منخفضة، وكيف أنه توصل إلى التحصل على رخصة لاستيراد السيارات الخاصة من وزارة المجاهدين، رغم أنه اقد استفاد من رخصة أولى قبل قبل سنوات واشترى بها سيارة أيضاً، مما أعفاه من دفع ضريبة الحمركة، وكيف أخرجها من الميناء في يوم وصولها وهي معبأة بالبضائع المتنوعة من جهاز الفيديو والزرابي وقطع غيار والملابس الفاخرة وصندوق موز من النوع الرفيع دون أن يدفع ديناراً واحداً، لكونه يعرف صديقاً قديماً يشتغل جمركياً برتبة نقيب، انتظره عند النزول من الباخرة وساعده على العبور فوراً حارقاً طابور السيارات التي ينتظر أصحابها منذ يوم أو يومين، متذمرين خائفين ومستعدين للتنازل عن لباس أو خرطوشة من السيجارة الامريكية الفاخرة، أو زجاجة ويسكي، كي يتخلصوا من الطابور الممل والتفتيش والمستفز، الذي يمتد نصف نهار كامل إذا كانت السيارة التجارية معبأة إلى حد الفيضان، انطلقت السيارة الفاخرة، المكيفة عبر الشارع العريض وقبل أن تجتاز البناية الأخيرة انعطفت إلى اليمين وسلكت طريقاً ترابياً، مخلفة وراءها غباراً متطايراً، لم يزعج الرجلين لأن النوافذ الزجاجية المدخّنة السوداء مقفولة، وأنغام الموسيقى تنطلق من الراديو كاسيت المثبت في الوسط أسفل لوحة القيادة.‏

manal*****lolo
05-13-2009, 01:54 PM
بدأ السرجان يفقد كآبته وقلقه ببطء، وهو يستمع إلى حديث صديقه الذي ينتقل من موضوع إلى موضوع، وهو يقهقه بملء شدقيه، هذه القهقهة الدالة على أن الرجل في حالة نفسية يحسد عليها، وأنه لا يشكو من وجع دماغ أو ألم في البطن وحالته المادية ميسورة، ابتعدت عن الأزمات منذ دهر بعيد، اكتفى السرجان بالاستماع وطرح بعض الأسئلة للاستفسار منتظراً الوقت المناسب لاخبار صديقه بما جرى هذا الصباح في الاجتماع، تدحرجت البيحو قليلاً واهتز الجسمان بداخلها بعد عبورها على حفرة عميقة وواسعة تكاد تشق عرض الطريق كله، ثم توقفت تحت ظل مجموعة كبيرة من أشجار الكاليتوس الشامخة وسط القارعة، دون أن تترك فسحة لمرور سيارة ثانية، المكان منعزل، لا يختلف إليه أحد في مثل هذا الوقت من النهار وتحت هذه الحرارة الملتهبة.‏

استمع بومالح عبد المالك إلى شكوى السرجان بأذان صاغية، رغم أنه كان قد استمع إليه قبل ذلك في تلك الليلة التي زاره فيها هذا الأخير في بيته في العاصمة، ومما زاد من حيرته إصرار صديقه الغبي على أخذ البطاقة مهما كان ثمنها غالياً ومن قسمة عين الفكرون بالذات، حاول بلباقة أن يقنعه بأن البطاقة اليوم لاقيمة له عند جميع الناس وأن فترة الثورة التحريرية مضت وكادت تصبح في طي النسيان والأرشيف، ولا يتذكرها الناس إلا في المناسبات التي ستقل سنة بعد سنة حتى يصبح الاحتفال بها لا يقام إلا مرة واحدة كل عشر سنوات، إن ماله الكثير يغنيه عن كل بطاقات الدنيا، وينفذ به إلى عين الشيطان إذا أراد، كان يتكلم بهدوء ويختار العبارات المناسبة كي لا يجرح صديقه ويوصله إلى التراجع عن مشروعه الجنوني، ولكن السرجان مثل مسمار جحا تماماً، لم يقتنع بالحجج والأدلة التي قدمها له بومالح، بل لم يكن يستمع إليه بوعي تام لأنه كان يفكر في الكيفية التي يرغم بها مصطفى عمروش على الامضاء على الملف المقدم منذ فترة، النائم في أدراج مكتب من مكاتب قسمة المجاهدين، انفعل بجد على صديقه وعاتبه على محاولة اقناعه على التراجع عوضاً عن مساعدته في الحصول عليها، قال له بأن مكانته عنده كبيرة وهو يقدّره ويحترمه منذ اليوم الذي بحث عنه في بيته ليبيع له المواد التموينية من الفرينة والزيت، في ذلك اليوم عرفه رجلاً يمكن العول عليه في الأوقات الصعبة، وأضاف أن المسألة بالنسبة إليه الآن هي مسألة كرامة وشرف قبل كل شيء آخر، خاصة بعد أن اتهمه مصطفى عمروش بالخيانة علانية وفي اجتماع رسمي، وهو لا يملك دليلاً مادياً ولا شاهداً واحداً حياً، وأنه سمع الخبر بعد الاستقلال بسنوات من عجوز، شاخت وبدأت تخرف، هي اليوم تحت التراب، لا يمكنها الادلاء بشهادتها، وقال السرجان أيضاً بأن مصطفى عمروش هو الذي اختلق الحدث من خياله للاساءة إليه لأنه أراد الزواج من حورية التي كانت متعلقة به، في الوقت الذي كان هو في الجبال، أكد السرجان بأن حكاية الزواج بحورية هي التي بقيت تسيطر على نفسية عمروش، فبقي حاقداً عليه إلى حد الآن، فأقسم أنه لو كان على علم بتلك العلاقة العاطفية بينهما، لتراجع نهائياً عن الخطوبة، وتساءل لماذا لم تصارحه حورية بذلك، لكان شهماً ولتصرف تصرفاً عاقلاً، ولاعتذر بسهولة عن الاقدام على الزواج، خاصة أنه كان يملك زوجة وأولاداً، فمن السهل العثور على أسباب الرفض.‏

manal*****lolo
05-13-2009, 01:54 PM
تكلم السرجان كثيراً وبحماس ملحوظ حتى أزبد فمه ونشف حلقه وصديقه يستمع بامعان، يحفر في مخه لعله يصادف حلاً ينقذ به الموقف الحساس، وبعد مدة اقترح بومالح تكوين وفد من المجاهدين والاختلاء بعمروش في مكتبه في مقر القسمة، في صباح الغد، ومحاولة اقناعه بالامضاء والكف عن الاتهامات الباطلة، لم يستبشر السرجان خيراً بهذه المبادرة التي اعتبرها ضعفاً وتوسلا إلى رجل لا يستحق كل هذه المكانة، بل طلب من بومالح استعمال نفوذه القوي في الجهاز المركزي للحزب واحالته على التقاعد أو نقله إلى مكان بعيد، كي يهدأ ويعود إلى مكانته الحقيقية ويتخلى عن دور البطل الذي يتقمصه منذ مدة، وافقه صديقه بشرط تكوين الوفد أولاً ربما سيقبل الوساطة وتنتهي المشكلة في أمان وسلام، طال النقاش واحتدّ بين الصديقين، ولم يشعرا بالظل الذي أنزاح بعيداً عن السيارة حتى أصبح نصفها الخلفي كله تحت أشعة الشمس القائظ، فانسلت الحرارة إلى الداخل مجلبة معها العرق وصعوبة التنفس.‏

تنبه بو مالح إلى تغير الجوّ، فأرخى رباطة عنقه، ثم نظر إلى الساعة أمامه على لوحة القيادة واقترح على صديقه مغادرة المكان والعودة إلى المقهى، انخفضت الحرارة قليلاً وبدأ نسيم خفيف مننعش يرفرف في الفضاء مبشراً بقدوم ليلة طرية تساعد على السهر والنوم في ارتياح وانتعاش.‏

اتجهت السيارة إلى قصر السرجان وتوقفت قرب المسبح الذي أبهر بومالح وتضاعفت حيرته حول السبب الذي من أجله يلح السرجان على طلب البطاقة وهي لا تنفعه في شيء.‏

- لاتقلق يا سي عبد المالك، خمس دقائق أغير هذه الجلابية وأرجع..‏

- خذ راحتك..‏

بعد مدة وجيزة، انفتح الباب الخشبي المزخرف وظهر السرجان أنيقاً ببذلة صيفية خفيفة، لونها أزرق سماوي وقميص شفاف، أبيض اللون ورباطة عنق، وحذاء أسود لماع، ركب البيجو بجانب صديقه وانطلقت السيارة متدحرجة، لا تحدث أي صوت كأنها بدون محرك، قاصدة القرية.‏

manal*****lolo
05-13-2009, 01:54 PM
دخلا المقهى الذي بدأ يكتظ برواد الكرطة وضجيجهم المتعالي، اتجه السرجان صوبا نحو الهاتف واتصل ببعض زملائه يطلب منهم الالتحاق به في المهقى للترحيب بالضيف، التقى الأصدقاء حول فناجين القهوة، زجاجات الليمون المثلجة وانبسطوا في استحضار ذكرياتهم المشتركة، يلطقون ضحكات مرتفعة، بدون تردد ولا خجل، اللاحق الأخير هو طبيب القرية الوحيد الذي يملك عيادة طبية، بعد أن اشتغل في المستوصف مدة سنين طويلة، بمجرد أن تلقى المكاملة الهاتفية، تصرف بذكاء في إبعاد المرضى القلائل تاركاً الحرية للممرض المساعد الذي يقوم بوظيفة البواب أيضاً، في البحث عن عذر مقبول لاقناعهم بمنطقية غيابه، كانوا جميعاً واقفين في الركن الداخلي للمصرف، يحتسون القهوة المجانية التي يفتخر السرجان بتقديمها لأصدقائه المقربين، أكمل الطبيب العدد السابع بعد التحاق كل من رئيس البلدية ومحاسب صندوق الضمان الاجتماعي وتاجرين، واحد في الخضر والفواكة والثاني في مواد البناء والأواني المنزلية، جميعهم تربطهم بالسرجان علاقة صداقة ومصالح مشتركة، لم يتول رئيس البلدية هذه المسؤولية الحساسة في القرية إلا بمساعدة السرجان بماله ونفوذه والعيادة التي يشتغل بها الطبيب هي ملك للسرجان باعها له بغير ثمنها الحقيقي، وأصبح بذلك طبيب العائلة يكشف عن أفرادها في بيوتهم، أما التاجران فهما أيضاً يساعدهما دائماً على ايجاد السلع المفقودة أينما كانت، أما المحاسب، فلولا السرجان لكان الآن يقبع في السجن يلوك ندمه وحسرته لضياع سنوات طويلة من عمره، كان يزاول مهنتين معاً، الأولى رسمية في الضمان الاجتماعي والثانية سرية كمحاسب خاص لأملاك السرجان، وكثيراً ما كان يختلس أموالاً من صندوق المؤسسة إلى أن اكتشف أمره مدير شاب عين حديثاً في القرية، فهرع المحاسب شاكياً وباكياً إلى السرجان الذي تفضل بسد الفراغ المالي وانقاذه من السجن المؤكد والضغط على المدير الشاب كي لا يفصله من منصبه، ومن تلك الحادثة، والمحاسب كالكلب الذليل أمام سيده، يدير له أملاكه مجاناً إلى غاية استرجاع المبلغ المسدد كاملاً.‏

أنقذه السرجان لأنه كان يتصور أن سرقة أموال الحكومة مسموح به مادام كل المسؤولين يتصرفون في هذه الأموال كأنه رزقهم الحلال في بناء الفيلات وشراء السيارات واستخدام عمال المؤسسات العمومية في خدمات خاصة.‏

أعاد بومالح عبد المالك سرد قصة شراء سيارته الفاخرة أمام مسامع الأصدقاء، وهو يتحاشى ذكر بعض المعلومات التي تسيء إلى شخصيته، فتشعب الحديث حول أسعار السيارات بالدينار والعملة الحرة وقيمة الفرنك الفرنسي في السوق السوداء، والتفضيل بين أنواع السيارات إلى أن وصل الحديث إلى موضوع اجتماع تلك الصبيحة، انصبت العيون نحو رئيس البلدية، تنتظر التفاصيل، فارتبك قليلاً واكتفى بتصريح بخيل ملتفتاً حوله، خائفاً من الآذان الصناعية التي تلتقط الخبر وتوصله مباشرة إلى القسمة فمثل ذلك الكلام لايجهر به في المقهى بل في جلسة سرية بعيدة عن الفضوليين.‏

- لم نتخذ قراراً نهائياً بعد.. سنعقد اجتماعاً ثانياً في الأسبوع المقبل.‏

manal*****lolo
05-13-2009, 01:55 PM
ثم نظر إلى وجه السرجان بجد، يريد طمأنته.‏

- لاتقلق ياسي أحمد.. لا يضيع حقك ما دمنا موجودين .‏

تبحر فلاحة وسط صخب ضربات الدومينو وصيحات اللاعبين المتكرره‏

عادت الكآبة إلى نفس السرجان بعد أن تذكر من جديد مشكلته التي جلبت له الغضب والأرق في كل أيام الشهرين الماضيين، شعر بالأمان أمام أصدقائه، وأراد أن يظهر لهم أنه الأقوى دائماً وأبداً، فقال في غضب حماسي.‏

- حينما يحط السرجان عينيه على شيء ما، مهما كان بعيداً، سيناله وإن طال الزمن، القبطان "فرانسوا موريس" وما أدراك ما "فرانسوا موريس" لم يثبت ضدي تهمة مادية رغم أنني كنت أهرب من الثكنة كل ليلة وألتحق بحانة مدام جَرْمان، لأسهر مع بعض الأصدقاء ونشرب حتى نصبح مثل اللوحة، ثم نعود إلى الثكنة بعد منتصف الليل عبر الجدار المرتفع، لم يقبضوا عليَّ أبداً ولو مرة احدة، في احدى الليالي، كنت قاصداً الحانة، فإذا بفرانسوا موريس يمر علي بسيارته الخاصة مع زوجته، نظر إليَّ بغضب وشراسة، لم يتوقف ولم يقل شيئاً، أدركت أنه سيطلب الثكنة ليرسلوا دورية عسكرية للقبض علي، فعدت أدارجي بسرعة الريح، ودخلت غرفتي فيما كانت الدورية تبحث عني مفتشة كل حانات المدينة، وفي الغد استدعاني القبطان وشكرني بنفسه وقال لي "أنت عسكري حقيقي، سنعتمد عليك في تحقيق بعض المهمات الصعبة" ولو أروي لكم مغامراتي في الجيش الفرنسي لقضينا الليلة بكاملها ولا نأتي حتى على نصفها، واليوم بعد أن شاب رأسي من محن الدنيا، أصادف نملة تعترض طريقي، ولا أستطيع عفسها والمرور بسلام حينما جندت في الجيش، مصطفى هذا كله يرضع أصبعه ويفعلها في سراويله وقالوا ناس زمان "لي فاتك بليلة، قاتك بحيلة"، سأجعله يبحث عني ويتوسل إلي كي أشفع فيه، وأنقذه من المصيبة التي ستنزل على رأسه الناشف مثل رأس البغل، وحينئذ أذكره بتعنته وأتفرج عليه، يحقد علي لأنني أردت الزواج بحورية، لو كانت بنت عائلة محترمة لاستمعت إلى أبيها وعملت بأوامره، ربما تكون فقدت عذريتها معه قبل صعوده إلى الجبال، فخافت من الفضيحة والتحقت به، سلوك ساقطة تمنح بكارتها للرجل ثم تركض وراءه لعله يتزوجها، وهل كانت زوجته وحده فقط وسط رجال انقطعوا عن مضاجعة النساء منذ سنوات، فهل تتبختر بينهم كالحمامة ولا توقظ شهواتهم المكبوتة ربما كانت الجبهة تنظم ماخوراً سرياً متنقلاً مثلما فعلت أمريكا في حرب فيتنام، لرفع همة جيوشها، وكانت حورية واحدة من الساقطات ، يتهافت عليها الرجال ويزدحمون في طابور طويل..‏

- احتشم على عرضك يا سي أحمد، وخلي الطفلة ترتاح في قبرها..‏

التفت السرجان، إلى الرجل المسن الذي قاطعه بنبرة حادة، أراد منها النهي والتهديد معاً، كان واقفاً يتابع لعب الدومينو على طاولة قريبة من المصرف، ويستمع خلسة إلى حيدث السرجان وأصدقائه، كان يعرف عائلة بوزهير وحكاية حورية من أولها إلى آخرها، فاستنكر افتراءات السرجان وشتائمه المجانية، لم يتحمل سماعها وتدخل لايقاف الهذيان، وقبل أن يجيبه السرجان فكر بو مالح في تغيير مجرى النقاش بوضع حد للجلسة ومغادرة المقهى، لأن مثل هذا الكلام سينتشر كالبرق وسيصل آذان عمروش مصطفى دون ريب، استنفر هو الآخر من التهم الفاحشة التي تمس حورية كشهيدة الثورة وسمعة الجبهة والمجاهدين أنفسهم، كان يعرف جيداً حورية أيام كانت ممرضة ولم يسمع عنها مثل هذه التهم، تردد في ايقافه، مراعياً حاتله النفسية المتدهورة، محاولاً اقناع نفسه بأن مثل هذا الهراء لا يتلفظ به هو في حالة نفسية طبيعية.‏

manal*****lolo
05-13-2009, 01:55 PM
انقطع السرجان فجأة عن الكلام بعد أن فاجأه الشيخ المسن بهذا التحدي الواضح، فغمغم عبارات مبهمة بين شفتيه ثم قال مزمجراً، وأصابعه الماسكة زجاجة ليمون مبللة ترتجف بوضوح.‏

- واش دخلك ياسي.. أختك.. أمك.. زوجتك.. هذا المقهى ملكي أنا، وأنا حر أتلفظ بالكلام الذي يعجبني، ويريحني، وإذا لم يرضيك، روح اشتكي لربك.. أخرج من هذا المقهى وإلا جرجرتك كالكلب الأجرب.. هيا أعط الريح لرجليك..‏

تكلم السرجان بصوت مرتفع، انتبه له الزبائن، وصمتوا ملتفتين كلهم نحوه، الجالسون والوافقون، الداخلون والخارجون، تحجرت قطع الدومينو وأوراق الكرطة بين أصابع اللاعبين، وساد الهدوء داخل الصالة الواسعة، ابتلع الشيخ المسن الشتم بمرارة، حدق في وجه السرجان برهة من الزمن، بتلك النظرة الحاقدة التي تنطلق منها شرارة الغضب والعجز معاً، ثم بصق على الأرض بقوة وانطلق نحو الباب مغادراً المقهى، اشتاط السرجان غيظاً وعطرسة، أراد اللحاق به، لكن أصدقاءه أمسكوا ذراعيه وهدأوه بعبارات المجاملة والمدح، فاكتفى بالشتم البذيء والتهديد، وهو يحرك جسمه الممتلىء المسجون بين أذرع عديدة قوية وثابتة، سكن الجو قليلاً، وعاد اللاعبون إلى حسابهم وصياحهم وارتفع الضجيج من جديد، فيما حاول بو مالح عبد المالك ابعاد الغضب والتوتر عن صديقه بتغيير مجرى الحديث الذي شارك فيه بقية أفراد المجموعة مدركين القصد من ذلك، عاد الجو إلى ما كان عليه، ولكن السرجان لم يهدأ بعد، كان دمه يغلي وقلبه يخفق بقوة مزعجة، وذهنه مبلبل، شادر، يمنعه من المشاركة في الحديث.‏

- "أصبح الرعاة المقملين يجهرون بأوامرهم تجاهي بكل برودة دم، ولا يخافون ولا يستحون من روائحهم النتنة التي تتبعهم إلى غاية القبر، غلطتي أنا الذي فتحت المقهى لكل من هب ودب، يدخلون إليها حاملين معهم روائح البقر، والماعز والزبل والقمل والبرغوث والقراد، ويلطخون البلاط بأحذيتهم المطاطية الموحلة، ويتركون الجراثيم المسممة بشفاههم، على الفناجين والكؤوس، سأغير طبيعة هذا المقهى من الغد، أغلقه لمدة أيام وأفتحه بعد ذلك صالون شاي بأثمان مضاعفة وأمنع الكرطة والدومينو واستورد طاولة البريج، ليصبح مكاناً محترماً لا يدخله إلا كبار القرية، يجدون فيه راحتهم ويتناقشون في التجارة والمال بكل هدوء لا يزعجهم كلب بن كلب أو حلوف بري متوحش، لا يهم إن كان دخله بسيطاً، المهم هو سمعة الصالون وصده للحثالة المقملين، هذا هو ثمن طبيتي مع الناس، سأغير طريقة معاملتي معهم، بما فيهم مصطفى الذي يحسب نفسه الوحيد الذي ناضل لتحرير البلاد، كأن الثورة بدأت وانتهت به، إنه نكرة لا يعرفه أحد، ست سنوات في الجبال ولم يتجاوز رتبة جندي بسيط، لو كنت مكانه لأصبحت على الأقل رائداً، إن لم أكن عقيداً، أجلس في الطاولة مع ديغول، أتفاوض معه عن مصير الجزائر. آه... لماذا لم ألتحق بالثورة في حينها، لكنت اليوم وزيراً أو ضابطاً سامياً أحل واربط، سلطة المال مغرية ولكن السلطة السياسية أغرى وأقوى، هل التي تتحكم وتوجه كل السلطات الأخرى من سلطة المال والعلم. آه.. لو كنت أعرف لما فاتتني الفرصة/ كيف غابت عني وأنا صاحب ذكاء وحيل، ألتقطها في السماء قبل أن تهبط الأرض، كيف فاتتك يا سرجان، وأنت لا تفوتك الفرص الرابحة أبداً، تشم روائحها على بعد كيلومترات، وتخطط لها في رمشة عين، أردت أن أربح الطرفين، أن أكون مع الفائز دائماً، ومع الأقوى، لماذا لم أصعد حينما سمعت بمفاوضات أفيان، خاصة بعد هروب مسيو غوميز، الذي أدرك النييجة المحتومة، وراح يدبر أموره هناك في فرنسا قبل فوات الأوان، أريد أن آكل نفسي من الندم حينما أتذكر.. كنت غبياً حقاً وإلا لما فاتتني تلك الفرصة الذهبية، وتجعلني اليوم ألهث خلف بطاقة مزيفة، أنا أول من يدرك بأنها لا تنفعني بتاتاً، خاصة وأنا تجاوزت الستين، ورغم تفاهتها سآخذها بالمليح أو القبيح لا يمكنني التخلي عنها الآن بالذات والرجوع إلى الوراء بعد ما حدث هذا الصباح.‏

manal*****lolo
05-13-2009, 01:56 PM
سأدافع عن براءتي، وأختلق شهوداً يشهدون بأنني ساعدت الثورة، أعطيت المال والمؤونة مرات عديدة، وأنقذت أهل القرية من الجوع، كنت أبيع للفقراء ديناً، ومات بعضهم دون أن يسدد قسطه من المال، صحيح أنني أخبرت مسيو غوميز عن مكان اختفاء الجريح، ولكنني فعلت ذلك للضرورة، ولم أكن أتوقع أنه سيلفظ أنفاسه تحت التعذيب، كنت أتصور أنهم يستجوبونه أياماً ثم يودعونه السجن، وبتلك الكيفية أنال رضى مسيوغميز، وتزداد ثقته بي ولكن.. أخطأت التوقع ومات الاثنان معاً، الجريح والعجوز التي أخفته في بيتها، حظك سعيد يا السرجان، لقد ماتت الخادمة التي استمعت إلى حديثنا، من باب المطبخ، الشاهدة الوحيدة.. اطمئن ياسي أحمد ولا تقلق نفسك.. في تلك السن، كان مصطفى في الجبال بعيداً عن القرية، فكيف يشهد ضدي/ إن شهادته باطلة لا تؤخذ بعين الاعتبار عند أحد، سيرفضها كل المجاهدين.."‏

تاه السرجان في ذكريات متشعبة ولم يتابع حديث أصدقائه الذين نسوا الحادثة وانغمسوا في قهقهات متعالية وسرد ملح ونكت لتلطيف الجو والترفيه عن أنفسهم، تفطن بومالح إلى شرود السرجان وعبوسه، هزه من كتفه مستغرباً كيف لا يضحك للنكتة، فطلب من الطبيب اعادة روابتها كي يتمتع بها ويرمي من على كتفيه الأحزان ويضحك بطلاقة، ولكن السرجان لم يستسغ النكتة واكتفى بالابتسامة الصفراء لا غير.‏

في هذه اللحظة، نزل الصمت على القاعة الواسعة كالصاعقة، جمد الزبائن في أماكنهم لا يحركون ساكناً ولا ينطقون حرفاً، بعد التحقق من هوية القادم نحو المقهى، انتفض الجميع في صخب فوضوي، بازاحة الطاولات واطاحة الكراسي على البلاط قاصدين جميعاً الباب الخارجي لمغادرة القاعة قبل وصول الزائر الخطير، كان مصطفى عمروش يتقدم في الشارع الرئيسي بخطى ثاتبة وقسمات صارمة معولة على فعل رهيب، مصوباً بصره الحاقد الذي تنطلق منه شرارات لامعة تختلط مع الضوء الساطع المنعكس على مأسوأأ ببببأاأسورة البندقية، اللامعة، كان يضغط على أسنانه بقوة مرمرية، تلك القوة الحازمة التي تسربت إلى كل شبر من جسمه النحيل، خاصة في اليدين الذين يمسكان البندقية مصوبة إلى الأمام بثبات الصخر، تصنّم الناس في أماكنهم عبر الشارع الكبير، فاغرين أفواههم من الدهشة والحيرة القاتلة، وتوقفت سيارة صغيرة، غادرت أنظار سائقها قارعة الطريق لتتثبت على البندقية اللامعة تحت الأشعة الشمسية المنثالة بقوة في نهاية هذه الظهيرة، تسارع الناس داخل المقهى في فوضى عارمة، وانسحبوا بخفة تاركين السرجان وجماعته واجمين مبهورين قرب المصرف الخشبي العتيق، كاتمين أنفاسهم، مضربين عن الثرثرة التي أطربتهم طوال الظهيرة، توقف الدم في عروق السرجان بعدما تعرف على القادم وتحقق من البندقية المصوبة تجاهه، وأصبح لو وجهه مصفر كليمنونة ذابلة، ممتقع، أدرك في لمح البصر أن ساعته قد دقت بأجراس فولاذية ضخمة، لما يعرف من جدّ القادم والذي لا يمزح بمثل هذه السلوكات السيركية، بحركات غير ارادية، ابتعد الأصدقاء عن السرجان، بعدما أدركوا بدورهم القصد المهول، وخافوا أن يشملهم الانتقام وتصيبهم الرصاصات الملتهبة، تاركينه مصنماً، جامداً، تائهاً لا يقدر على اتخاذ أي قرار، أو التلفظ بأي حرف، وقف مصطفى عمروش على العتبة، ودون أن يغيّر من حركة البندقية التي استواها قرب حزامه، لفظ السرجان بنظرة شزراء، حاقدة، وقال بنبرة حادة.‏

- أصبحت حورية الشهيدة عندك ساقطة هل أنت الذي افتض بكارتها، يا واحد الحلوف.. جيفة.. كان من المفروض أن تذبح من الرقبة قبل الاستقلال كي تستريح روح سي السعيد ولالة فطومة.. اعترف بأنك خائن وحركي..‏

أراد أن يقول كلاماً كثيراً، تزاحم في ذهنه، ولكنه سكت فجأة، خاف أن يضعف ويتراجع عن قراره، الكلام الكثير مجلبة للشفقة والعطف، ينبغي أن لا يلين.‏

حرك فكه الأسفل، ضاغطاً على أسنانه حتى بانت عروق خديه، فيما كان السرجان واجماً مسنداً ظهره على المصرف، يريد الدفاع عن نفسه بالرد واقناع قاتله المؤكد ببراءته، فغمغم عبارات لم تتجاوز شفتيه، ورفع ذراعيه على مستوى وجهه كأنه يردّ بها ضربة أو صفعة، حينئذ، تحركت سبابة اليد اليمنى لمصطفى، ضاغطة على الزناد بدون شفقة، فانطلقت الرصاصة الأولى مدوية واستقرت في صدر السرجان الذي أطلق صيحة حادة، وارتكز على ركبتيه، فأضاف له المنتقم رصاصة ثانية في الرقبة حيث انفجر الدم المتوقف فوق البلاط المغطى بالغبار بحركة خفيفة، طوى عمروش مصطفى البندقية وأخرج الخرطوشين المدخنين، وملاء غرفة النار بخرطوشين جديدين، بلونهما الأحمر مثل لون الدم السائل على البلاط، ثم رفع بصره من البندقية وصوّبه على الجثة التي ما زالت أطرافها- الذارعين والرجلين- تتخبط وسط الدم، أصدرت شخيراً بطيئاً ضاعف من الحركة العشوائية، ثم فجأة همدت وانقطعت عن الحركة.‏

تسمرت عينا مصطفى عمروش على الجثة لثواني ثم أبعد بصره ومسح به القاعة تجاه بومالح الذي انكمش في زاوية تحت الطاولة، ينتظر خائفاً مرتجفاً، خاصة بعد أن شاهد بعينيه المذعورتين انفجار الدم من الرقبة الهامدة على الأرض، اقترب مصطفى خطوات تجاهه وقف وخاطبه بغضب متدفق من نبراته:‏

- انهض يا واحد الكلب.. يدنس دم الشهداء أمامك وأنت تسمع كالطحان.. مجاهد تاع قلاوية.. واش رأيك لو نفرغ فيك هذه المكحلة.. أتكلم..‏

كاد يضغط على الزناد، ولكنه ترددّ في آخر ثانية، لقد تخلص من الخائن الحقيقي ولم يرد أن يتحول إلى مجرم يقتل بدون سبب، التفت كلية تجاه الشارع تاركاً بومالح بين الحياة والموت، خائفاً، يشعر بسائل ساخن ينهمر مع رجليه، يكاد دمه يتوقف عن الجريان، وقلبه ينفلت من صدره.‏

في الشارع، توقفت الحركة وتحاشر الناس مبحلقين، مذعورين، لا يعرفون ماذا يفعلون بأجسامهم الساكنة على الرصيفين والقارعة، ينتظرون دون أن يجرأ أحدهم عن الكلام أو حتى عن القيام بحركة يد خفيفة، توقف مصطفى عمروش على العتبة، يتفرس هذه الوجوه المجهولة وهذه العيون الحائرة المتسائلة عن سبب هذه الجريمة، والبندقية في قبضة يده اليمنى تتدلى في ارتخاء كامل، وشعر بالنظرات المتهمة المعاتبة، فجمع أنفاسه، أراد أن يخبرهم بالسبب الذي دفعه إلى قتل السرجان، ترددّ، وفكر مع نفسه أنهم يعرفون بدون شك ومنذ زمن بعيد، الناس تعرف كل شيء وتتكلم في الخفاء وتشير بأصابع اتهامية في الخفاء والعلانية، في مثل قرية عين الفكرون، الكل يعرف الكلّ عن الكل، شعر بتعب مباغت وبجسمه ينهار كأن حملاً ثقيلاً تسلط على كتفيه، ومن بين الوجوه الكثيرة الحائرة تعرف على ابنه جمال بجانب وجه صغير، جميل كوجه طفلة بريئة، لم يصدق عينيه، أرجع ذلك إلى التعب، أغمض عينيه، فتحهما، مازال وجه جمال يحدقه، يعاتبه متسائلاً عن هوية المقتول، حائراً وخائفاً، يدير وجهه في صمت بين حبيبته وبين العيون المذعورة المحلقة حولهما، شعر مصطفى عمروش بالبندقية تنفصل من يده وصوت غليظ يأمره بالمشي تنبه إلى رجال الدرك الذين يحيطونه بحذر، ابتسم ابتسامة انتصار ولا مبالاة واستسلم دون مقاومة.‏