همس السكون
12-29-2008, 02:22 PM
لعل التلفاز أكثر مجال لتعزيز العنف
لعل التلفزيون هو من أكثر وسائل الإعلام الذي يوجه إليه النقد في مجال تعزيز العنف لأسباب عديدة منها: القدرات التأثيرية للتلفزيون كوسيلة تجمع بين الصوت والصورة والحركة واللون وإمكانية نقل الصورة من أكثر الزوايا تأثيراً في المتلقي؛ بمعنى القدرة على نقل الواقع كما هو على الأقل من وجهة نظر المتلقي لا من دوافع المصدر الذي يمكنه تزييف ذلك الواقع لاعتبارات عديدة سنأتي على ذكرها لاحقاً، وهناك سبب آخر مهم وهو سهولة التعرض لتلك الوسيلة التي لا تحتاج إلى جهد كبير أو مهارات فنية من مستخدميها إلى استعمالها أو فك رسائلها، وبحكم الإتاحة التكنولوجية التي تمكنت من تنوع صناعته بأحجام متنوعة لا سيما ابتكارات (البلازما) حيث إن مستخدمي تلك الوسيلة هم في الغالب من الجمهور الواسع لا من النخب التي تتعرض للتلفزيون بعين الناقد والمتفحص والباحث عن قضايا بعينها لا للإلهاء أو شغل وقت الفراغ.
إن (تلفزة العنف) بمعنى توظيف قدرات هذه الوسيلة لنقل مشاهد العنف التي تحدث في الواقع، وعلى الرغم من كثرة المتغيرات والإشكاليات التي تتعلق بذلك كالجدل في مفهوم العنف مثلآ أو الخصائص المتعلقة بالمتلقي ورموز الرسالة (المضامين الإعلامية) وغيرها جعلت من التلفاز موضع انتقاد كونه يلهث وراء الأخبار المثيرة كالصراعات السياسية بين الدول والحروب والتفجيرات والاغتيالات السياسية وأخبار الجريمة وحوادث الطرق وغيرها ويعرضها بطريقة تظهر أجساد الضحايا وهي ممزقة أو محترقة، بالإضافة إلى مشاهد الدماء المراقة في الشوارع التي تنقلها كاميرا التلفاز من مختلف الزوايا وبعيون باردة، إضافة إلى ما ينقله التلفاز من أفلام العنف التي تركز على قضايا الجريمة وما يتخللها من عنف ومطاردات قد تدفع المتلقي إلى تقمص دور الضحية وبذلك تتعزز لديه مشاعر الخوف والقلق والتي تصل أحياناً إلى مرحلة الفزع وبخاصة لدى الأطفال أو كبار السن من الضعفاء لتخيلهم أن ما يشاهدونه هو حقيقي وأنهم قد يتعرضون لمثل ما يشاهدون، أو قد تدفع مشاهد العنف بالمتلقي إلى تقمص دور من يقوم بالعنف لا سيما إذا كان من يجسد ذلك هو النجم التلفزيوني أو السينمائي الذي يحبه كنموذج للسلوك فتتعزز لديه رغبة التقليد وهذا ما قد يحدث لدى الأطفال والمراهقين. ولو دققنا النظر في النظريات والفرضيات العلمية التي تصدت للعلاقة بين التلفاز والعنف ومع صعوبة حصر المتغيرات وإشكاليات تداخلها لوجدنا أنها قد استندت إلى تفسيرات تتعلق بقضايا سايكولوجية منها أن كثيراً من الناس لديهم إحباطات كثيرة في حياتهم اليومية، وأن تلك الإحباطات تساعد على تغليب الروح العدوانية أو ميل الفرد للعنف، وأن ما يعرضه التلفاز من مشاهد للعنف تدفع المتلقي إلى أن يتطهر من مشاعره العدوانية من خلال العنف البديل لدى الآخرين أو من خلال استثارة التعاطف مع الضحية، حيث إن الآلام والصور المحزنة يمكن لها أن تضعف النوازع العدوانية للمتلقي.. وكانت نظرية الغرس أو التعزيز قد ركزت على قضايا مهمة وهي بالإضافة إلى دور وسائل الإعلام في التنشئة أو في غرس أو تعميق الاتجاهات أو تغيرها فإن تلك الوسائل وبخاصة التلفاز قد تدفع المتلقي الذي يمتلك الاستعدادات النفسية للعنف إلى ان يتحفز لذلك، وقد أشارت هذه النظرية إلى أن الأطفال والمراهقين وبخاصة أولئك الذين يعيشون وضعاً أسرياً سيئاً هم أكثر تأثراً بالعنف المتلفز من أقرانهم الذين يعيشون أوضاعاً طبيعية، حيث تدربوا على كيفية التخلص من النوازع العدوانية من خلال الرعاية الأسرية وتلبية الحاجات العاطفية في ممارسة الرياضة أو الصيد أو الرقص وغيرها من الفعاليات التحويلية.
إن مشاهد العنف في التلفاز تثير الكثير من الجدل والخلاف في النظرة إلى العنف.. كتعبير سلوكي وانعكاس للبيئة الاجتماعية التي ينشأ فيها الفرد، حيث تهيىء الظروف الاقتصادية والسياسية والمحيط الأسري فرصة تعلم السلوك العدواني؛ بمعنى آخر إن العنف هو سلوك مكتسب وهنا يدخل التلفاز كوسيلة للتعلم والتنشئة الاجتماعية، وهناك من يرى أن الدوافع العدوانية للفرد هي نتاج للاستعدادات الوراثية الجينية وتفاعلاتها مع البيئة الاجتماعية المحيطة، وهي كامنة حتى تجري عملية تحفيزها وهي تحليلات (فرويدية) تنظر في إمكانية التأثير في الفرد من خلال التعرف إلى غرائزه، حيث يستحث الشعور من خلال تحريك اللاشعور أو اللاوعي، وهنا أيضاً لا يستبعد دور التلفاز في تعزيز الاتجاهات. إن كل ذلك لا يمنع من وضع عدد من الحقائق في العلاقة بين العنف والتلفاز من جهة وبين المتلقي للعنف من خلال برامج التلفاز من جهة أخرى وهو أن تلك العلاقة ليست شفافة في الغالب، حيث إن دوافع المصدر الإعلامي في الحصول على الأخبار الساخنة والسبق الصحفي قد تدفعه إلى عرض مشاهد العنف حتى قبل أن تغطى الضحية وقبل أن تهرع سيارات الإسعاف لنقل الضحايا، ناهيك عن حرص المصدر على الإمساك بالجمهور الذي يمثل له مصدراً مالياً مهماً من الناحية الإعلانية من جهة أو في (بيع) انتباه الجمهور إلى المعلنين من جهة أخرى، وعلى الرغم من أن أخلاقيات مهنة الصحافة تشدد على مراعاة مشاعر الناس من مستقبلي الرسائل الإعلامية إلا أن وسائل الإعلام لم تعد تراعي ذلك، وتعمد إلى نقل العنف كأحداث ساخنة لا كقضايا ملحة. بمعنى آخر إن تغطية أخبار العنف كأحداث ميدانية يجري تناولها بسرعة وفورية وبث حي يفوق عشرات المرات تناول العنف كقضية سياسية تحتاج إلى نقاشات معمقة وتحليلية. وتشير دراسة أمريكية إلى أن ما نسبته (74 في المائة) من التقارير التي تناولت الإرهاب بين عامي 1981 -1986 والتي بلغ عددها ما يقارب الألفين قد اعتمدت على بث حي لحادث إرهابي بعينه أو لمجموعة إرهابية ما أو لضحية ما، في حين بلغت نسبة التقارير التي تناولت الإرهاب كمشكلة سياسية عامة (26 في المائة) فقط، وهذا يعطي الانطباع بأن التلفاز لا يهمه البحث في خلفيات القضايا والتي هي مرحلة مهمة تعين الجمهور في تحديد المسؤولية إزاء ما يحدث وبخاصة أولئك الذين حصلوا على الأصوات ليجلسوا على سدة السلطة. من جانبه لم يعد الجمهور (عجينة طيعة) في إمكانية التأثير فيه بسهولة لسببين: أولاً لكثرة البدائل المتاحة من وسائل الإعلام والخيارات المتعددة. وثانياً، إن عولمة وسائل الإعلام جعلت المتلقي يشاهد ما يحدث حوله من مآس ومشكلات وعنف في أبعد نقطة من العالم فيرضى بما عنده، كما أن تكرار مشاهد العنف قد أوجد نتائج عكسية.. فبدلاً من التعاطف مع ضحايا العنف يعمل المتلقي على إلهاء نفسه بمشاهد مسلية في قنوات أخرى لأن عواطفه لم تحتمل ذلك، فضلاً عن إمكانية إيجاد روح اللامبالاة لدى المتلقي بسبب تكرار المشاهد؛ وهنا تتكرس وتتعمق اللامبالاة، والتساؤل الذي يفرض نفسه هنا هو هل إن حالة اللامبالاة من مشاهدة العنف هي نبذ للعنف استطاعت وسائل الإعلام أن تخلقه؟ أم أنها حالة من تجميد المشاعر استطاع جمهور وسائل الإعلام أن يحيط نفسه بها؟ في مقابل وظيفة الأخبار التي تعمل في جانبها السلبي على (التعمية) بسبب الانتقائية والتحيز أو القهر للرأي الآخر في تقديمها للتفسيرات الجاهزة والمنتقاة. ومن ناحية علمية صرفة فإن الإجابة القاطعة تتطلب دراسات تجريبية بين مجموعة ضابطة وأخرى تتعرض لمشاهد العنف، بمعنى دراسة مدى التأثير الذي أحدثه العنف في مخيلة المتعرض لتلك المشاهد بالقياس إلى المجموعة الضابطة غير المتعرضة. وهذه المسألة بحد ذاتها تواجة انتقادات كثيرة، لكن الثابت أن الأثر الذي يتركه التلفزيون بات من المسلمات لا سيما لدى النشء الجديد بحكم حداثة التلقي من جهة وفاعلية التلقي المكتسب لديهم وكلما تدنت المرتبة العمرية ازداد الأثر المتحقق لا سيما لدى الأطفال. أما الكبار فإنهم على اختلاف مستوياتهم الإدراكية فإن المرجعيات التعليمية والثقافية تكون في حالة الاستنفار الدائم للتفسير الاستباقي لما يحدث على شاشة التلفاز.
إن هذه العملية المضادة لمشاهدة العنف المتلفز توجد حالة من اللامبالاة إزاء مشاهد العنف الذي يبثه التلفاز لدى البعض وحالة التعاطف لدى آخرين وهم الأغلبية كون مشاهدي التلفاز هم من الجمهور الواسع الذي يتسم بثقافة عامة غير تخصصية وهو هدف وسائل الإعلام في كل مكان
والسلام عليكم.
لعل التلفزيون هو من أكثر وسائل الإعلام الذي يوجه إليه النقد في مجال تعزيز العنف لأسباب عديدة منها: القدرات التأثيرية للتلفزيون كوسيلة تجمع بين الصوت والصورة والحركة واللون وإمكانية نقل الصورة من أكثر الزوايا تأثيراً في المتلقي؛ بمعنى القدرة على نقل الواقع كما هو على الأقل من وجهة نظر المتلقي لا من دوافع المصدر الذي يمكنه تزييف ذلك الواقع لاعتبارات عديدة سنأتي على ذكرها لاحقاً، وهناك سبب آخر مهم وهو سهولة التعرض لتلك الوسيلة التي لا تحتاج إلى جهد كبير أو مهارات فنية من مستخدميها إلى استعمالها أو فك رسائلها، وبحكم الإتاحة التكنولوجية التي تمكنت من تنوع صناعته بأحجام متنوعة لا سيما ابتكارات (البلازما) حيث إن مستخدمي تلك الوسيلة هم في الغالب من الجمهور الواسع لا من النخب التي تتعرض للتلفزيون بعين الناقد والمتفحص والباحث عن قضايا بعينها لا للإلهاء أو شغل وقت الفراغ.
إن (تلفزة العنف) بمعنى توظيف قدرات هذه الوسيلة لنقل مشاهد العنف التي تحدث في الواقع، وعلى الرغم من كثرة المتغيرات والإشكاليات التي تتعلق بذلك كالجدل في مفهوم العنف مثلآ أو الخصائص المتعلقة بالمتلقي ورموز الرسالة (المضامين الإعلامية) وغيرها جعلت من التلفاز موضع انتقاد كونه يلهث وراء الأخبار المثيرة كالصراعات السياسية بين الدول والحروب والتفجيرات والاغتيالات السياسية وأخبار الجريمة وحوادث الطرق وغيرها ويعرضها بطريقة تظهر أجساد الضحايا وهي ممزقة أو محترقة، بالإضافة إلى مشاهد الدماء المراقة في الشوارع التي تنقلها كاميرا التلفاز من مختلف الزوايا وبعيون باردة، إضافة إلى ما ينقله التلفاز من أفلام العنف التي تركز على قضايا الجريمة وما يتخللها من عنف ومطاردات قد تدفع المتلقي إلى تقمص دور الضحية وبذلك تتعزز لديه مشاعر الخوف والقلق والتي تصل أحياناً إلى مرحلة الفزع وبخاصة لدى الأطفال أو كبار السن من الضعفاء لتخيلهم أن ما يشاهدونه هو حقيقي وأنهم قد يتعرضون لمثل ما يشاهدون، أو قد تدفع مشاهد العنف بالمتلقي إلى تقمص دور من يقوم بالعنف لا سيما إذا كان من يجسد ذلك هو النجم التلفزيوني أو السينمائي الذي يحبه كنموذج للسلوك فتتعزز لديه رغبة التقليد وهذا ما قد يحدث لدى الأطفال والمراهقين. ولو دققنا النظر في النظريات والفرضيات العلمية التي تصدت للعلاقة بين التلفاز والعنف ومع صعوبة حصر المتغيرات وإشكاليات تداخلها لوجدنا أنها قد استندت إلى تفسيرات تتعلق بقضايا سايكولوجية منها أن كثيراً من الناس لديهم إحباطات كثيرة في حياتهم اليومية، وأن تلك الإحباطات تساعد على تغليب الروح العدوانية أو ميل الفرد للعنف، وأن ما يعرضه التلفاز من مشاهد للعنف تدفع المتلقي إلى أن يتطهر من مشاعره العدوانية من خلال العنف البديل لدى الآخرين أو من خلال استثارة التعاطف مع الضحية، حيث إن الآلام والصور المحزنة يمكن لها أن تضعف النوازع العدوانية للمتلقي.. وكانت نظرية الغرس أو التعزيز قد ركزت على قضايا مهمة وهي بالإضافة إلى دور وسائل الإعلام في التنشئة أو في غرس أو تعميق الاتجاهات أو تغيرها فإن تلك الوسائل وبخاصة التلفاز قد تدفع المتلقي الذي يمتلك الاستعدادات النفسية للعنف إلى ان يتحفز لذلك، وقد أشارت هذه النظرية إلى أن الأطفال والمراهقين وبخاصة أولئك الذين يعيشون وضعاً أسرياً سيئاً هم أكثر تأثراً بالعنف المتلفز من أقرانهم الذين يعيشون أوضاعاً طبيعية، حيث تدربوا على كيفية التخلص من النوازع العدوانية من خلال الرعاية الأسرية وتلبية الحاجات العاطفية في ممارسة الرياضة أو الصيد أو الرقص وغيرها من الفعاليات التحويلية.
إن مشاهد العنف في التلفاز تثير الكثير من الجدل والخلاف في النظرة إلى العنف.. كتعبير سلوكي وانعكاس للبيئة الاجتماعية التي ينشأ فيها الفرد، حيث تهيىء الظروف الاقتصادية والسياسية والمحيط الأسري فرصة تعلم السلوك العدواني؛ بمعنى آخر إن العنف هو سلوك مكتسب وهنا يدخل التلفاز كوسيلة للتعلم والتنشئة الاجتماعية، وهناك من يرى أن الدوافع العدوانية للفرد هي نتاج للاستعدادات الوراثية الجينية وتفاعلاتها مع البيئة الاجتماعية المحيطة، وهي كامنة حتى تجري عملية تحفيزها وهي تحليلات (فرويدية) تنظر في إمكانية التأثير في الفرد من خلال التعرف إلى غرائزه، حيث يستحث الشعور من خلال تحريك اللاشعور أو اللاوعي، وهنا أيضاً لا يستبعد دور التلفاز في تعزيز الاتجاهات. إن كل ذلك لا يمنع من وضع عدد من الحقائق في العلاقة بين العنف والتلفاز من جهة وبين المتلقي للعنف من خلال برامج التلفاز من جهة أخرى وهو أن تلك العلاقة ليست شفافة في الغالب، حيث إن دوافع المصدر الإعلامي في الحصول على الأخبار الساخنة والسبق الصحفي قد تدفعه إلى عرض مشاهد العنف حتى قبل أن تغطى الضحية وقبل أن تهرع سيارات الإسعاف لنقل الضحايا، ناهيك عن حرص المصدر على الإمساك بالجمهور الذي يمثل له مصدراً مالياً مهماً من الناحية الإعلانية من جهة أو في (بيع) انتباه الجمهور إلى المعلنين من جهة أخرى، وعلى الرغم من أن أخلاقيات مهنة الصحافة تشدد على مراعاة مشاعر الناس من مستقبلي الرسائل الإعلامية إلا أن وسائل الإعلام لم تعد تراعي ذلك، وتعمد إلى نقل العنف كأحداث ساخنة لا كقضايا ملحة. بمعنى آخر إن تغطية أخبار العنف كأحداث ميدانية يجري تناولها بسرعة وفورية وبث حي يفوق عشرات المرات تناول العنف كقضية سياسية تحتاج إلى نقاشات معمقة وتحليلية. وتشير دراسة أمريكية إلى أن ما نسبته (74 في المائة) من التقارير التي تناولت الإرهاب بين عامي 1981 -1986 والتي بلغ عددها ما يقارب الألفين قد اعتمدت على بث حي لحادث إرهابي بعينه أو لمجموعة إرهابية ما أو لضحية ما، في حين بلغت نسبة التقارير التي تناولت الإرهاب كمشكلة سياسية عامة (26 في المائة) فقط، وهذا يعطي الانطباع بأن التلفاز لا يهمه البحث في خلفيات القضايا والتي هي مرحلة مهمة تعين الجمهور في تحديد المسؤولية إزاء ما يحدث وبخاصة أولئك الذين حصلوا على الأصوات ليجلسوا على سدة السلطة. من جانبه لم يعد الجمهور (عجينة طيعة) في إمكانية التأثير فيه بسهولة لسببين: أولاً لكثرة البدائل المتاحة من وسائل الإعلام والخيارات المتعددة. وثانياً، إن عولمة وسائل الإعلام جعلت المتلقي يشاهد ما يحدث حوله من مآس ومشكلات وعنف في أبعد نقطة من العالم فيرضى بما عنده، كما أن تكرار مشاهد العنف قد أوجد نتائج عكسية.. فبدلاً من التعاطف مع ضحايا العنف يعمل المتلقي على إلهاء نفسه بمشاهد مسلية في قنوات أخرى لأن عواطفه لم تحتمل ذلك، فضلاً عن إمكانية إيجاد روح اللامبالاة لدى المتلقي بسبب تكرار المشاهد؛ وهنا تتكرس وتتعمق اللامبالاة، والتساؤل الذي يفرض نفسه هنا هو هل إن حالة اللامبالاة من مشاهدة العنف هي نبذ للعنف استطاعت وسائل الإعلام أن تخلقه؟ أم أنها حالة من تجميد المشاعر استطاع جمهور وسائل الإعلام أن يحيط نفسه بها؟ في مقابل وظيفة الأخبار التي تعمل في جانبها السلبي على (التعمية) بسبب الانتقائية والتحيز أو القهر للرأي الآخر في تقديمها للتفسيرات الجاهزة والمنتقاة. ومن ناحية علمية صرفة فإن الإجابة القاطعة تتطلب دراسات تجريبية بين مجموعة ضابطة وأخرى تتعرض لمشاهد العنف، بمعنى دراسة مدى التأثير الذي أحدثه العنف في مخيلة المتعرض لتلك المشاهد بالقياس إلى المجموعة الضابطة غير المتعرضة. وهذه المسألة بحد ذاتها تواجة انتقادات كثيرة، لكن الثابت أن الأثر الذي يتركه التلفزيون بات من المسلمات لا سيما لدى النشء الجديد بحكم حداثة التلقي من جهة وفاعلية التلقي المكتسب لديهم وكلما تدنت المرتبة العمرية ازداد الأثر المتحقق لا سيما لدى الأطفال. أما الكبار فإنهم على اختلاف مستوياتهم الإدراكية فإن المرجعيات التعليمية والثقافية تكون في حالة الاستنفار الدائم للتفسير الاستباقي لما يحدث على شاشة التلفاز.
إن هذه العملية المضادة لمشاهدة العنف المتلفز توجد حالة من اللامبالاة إزاء مشاهد العنف الذي يبثه التلفاز لدى البعض وحالة التعاطف لدى آخرين وهم الأغلبية كون مشاهدي التلفاز هم من الجمهور الواسع الذي يتسم بثقافة عامة غير تخصصية وهو هدف وسائل الإعلام في كل مكان
والسلام عليكم.