المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : حكايه في موسم الزيتون


ابن المثلث
11-23-2008, 10:30 AM
السلام عليكم
أنا أخوكم رأفت من المثلثأم الفحم
عضو جديد في المنتدى وهذه أول مشاركه لي وأرجو أن تنال إعجابكم
إقرأوها وادعوا لي بالخير

حكايه في موسم الزيتون

انه الفجر ... قد لاح .. وطرد ليلا طويلا من تلك الليالي الهادئه ... ليالي الشتاء الصغير ... ما قبل الشتاء الكبير ... والشمس لا زالت نائمة خلف الجبال .. والضباب قد اثقل حمله على ما تبقى من أعشاب الصيف الماضي ... وبدأت العصافير أولى تسبيحاتها ... تعلن اقتراب بزوغ الشمس.. وتبعتها الديوك بنداءاتها .. تبشر بقدوم يوم جديد ... صباح جديد تستيقظ عليه تلك القرية الصغيره .. المحضونة بين تلال مرتفعه ..المزينة بكروم الزيتون واللوز وشجر التين والعنب وبعض الأحراج الطبيعية الخلابه .. والمطلة على سهول خصبة قد انتهى حصادها مع انتهاء الصيف ..
انه موسم الزيتون ... موسم البركه ... موسم اجتماع الأهل حول شجرة باركها الله تعالى..
خرج أهل القرية الى كرومهم فرحين مستبشرين بموسم طيب هذا العام ..
وكذلك خرج أبو محمود .. ولكنه كان أول المستنفرين الى ذاك الجهاد المبارك .. كعادته .. رجل قد أحب أرضه .. واعتنى بها كواحد من أولاده وخدمها كخدمة الإبن البار لأمه .. رغم كبر سنه .. إلا أنه أبى أن يترك كرم الزيتون الذى أحبه .. وغرس أشجاره بيديه الطيبتين.. فلو كان لك ان جلست على آخر تلك الطريق الضيقة الوعره .. الممتدة بين كروم الزيتون .. لرأيته قادما من بعيد .. والعزم يملأ قلبه .. وكله شوق للوصول الى بستانه الذى انتظره الليل بطوله ..
ها هو الحاج أبو محمود قد ظهر فى أول الطريق راكبا حماره لابسا عباءته القديمة المخصصة للعمل في الأرض ومعتمرا الحطة والعقال الذان يدلان على أصالة الشيخوخه وعمق التراث الأصيل , وقد تزود بالعدة اللازمة للعمل في قطف الزيتون , وفي منتصف الطريق تراه ناهرا حماره موجها اياه الى يمينه , ومرتفعا به الى دبة عالية يدخل عبرها الى بستانه الحبيب
يا له من شيخ قوي الإرادة , يباشر عمله بمفرده دون كلل أو تعب أو تذمر , لا يعنيه ما حصل وراءه أو قد يحصل , فكل همه أن يأخذ حقه وثمرة تعبه , وهو حق له بكل معنى الكلمه.
ويبدأ أهل القرية بالوصول الى كرومهم جماعات جماعات مارين بذاك العجوز محيين اياه باحترام وتقدير:
- عالعافيه يا أبو محمود ..
- الله يعافيك يا ابو حسن .. تفضل
- شو يا ابو محمود لحالك؟ وين الشباب؟
- الله يرضى عليهم كل واحد بشغله .. مش فاضيين ..
- بيعين الله ...
ويكمل كل طريقه تاركين الحاج أبو محمود لعمله فهو لا يحب التكاسل والتوقف عن العمل وكلهم يعرفون ذلك ...
نعم لوحده .. لماذا ؟ فهو شيخ هرم بالكاد يذكر متى ولد ..
له أربعة أولاد : أكبرهم وهو محمود, يعمل كادحا من الصباح حتى المساء كي يعيل بيته وأولاده ويوفر لهم لقمة العيش , وقد توجه اليه أبوه ذات مره ليخبره عن بدء موسم الزيتون :
- يابني يا محمود وينتا بدنا نروح عالزتون ؟ بدنا نموّن زيت قبل الشتويه ..
- والله يابا أنا بقدرش ادشر شغلي عشان الزتون , عندي ولاد بدي أطعمهم .. انتو اقطفو الزتون وأنا بعصره ..
- الله يرضى عليك يابنيّ .. يلا لما تفضا بتعاونا ...
الثاني من أولاده وهو خليل , مقاول يبحث عن كثرة العمل والربح وبالكاد عنده الوقت لأولاده , ويلتقي بأبيه فقط في آخر الأسبوع , وفي آخر لقاء له سأله أبوه:
- شو يا بني يا خليل بدكش تتريحلك اكمن يوم وتحوش مونتك من الزيت ؟
- والله يا حج شغلي بسمحليش مانتي بتعرف .. البركه فيكم .. اذا بفضا يوم بعاونكم واتا بعصرلكم اياهن...
- الله يوفقك يابا ويرضى عليك ...
ثالث أولاده وهو سعيد, فهويعمل معلما في احدى المدن البعيده ويسكن هناك مع عائلته ويأتي الى القريه في عطلة نهاية الأسبوع , ونستطيع أن نتعدى حدود كلامنا بخجل لنقول : "عذره معه "... فهذا ما قاله أيضا الحاج أبو محمود . وقد اعتذر سعيد بدوره قائلا :
- يابا لو انه في عطلة مدارس بقصرش , باجي أنا ومرتي ولولاد بنساعدكم .. بس بتعرف طبيعة شغلي .. عاكل حال بآخر الأسبوع بهونها الله ... مجرد كلام يهدىء به خاطر أبيه فهو طبعا لن يأتي الا بعد نهاية الموسم .
أما أصغرهم وهو أحمد, سافر للعمل في مدينة بعيده ويزور القرية مرة كل شهر أو شهرين أوثلاثه , حسب ظروف عمله , وهو أيضا كان قد سأله أبوه في آخر زياره له إذا كان باستطاعته المساعده , فتذرع هو الآخر بعمله وسفره وبعد اقامته وحتى أنه قال:
- أنا من عندي لا بدي زتون ولا زيت , ابعثو لي قنينه وحده بتكفيني .. وسافر دون أن يقول أو يعرف حتى هو موعد زيارته القادم

وهكذا يصدر الحكم على هذا العجوز الهرم , ويقع تحت الأمر الواقع , ويقرر التنازل لهم والنزول عند رغباتهم متقبلا أعذارهم على مضض ويباشر العمل منفردا بأرضه التي ستكون يوما لهم وهو الأمر الذي لا ينكره , فهو يحب أولاده ودائما يسأل لهم رضى الله.
وتمر الأيام مسرعة وأبو محمود في سباق مع الزمن , يريد أن يضمن دوره في معصرة الزيتون التي بدأت تكتظ بالفلاحين المطالبين بدورهم أيضا , وهذا أمر طبيعي ولا جدال فيه في موسم وفير , مليء بالزيت والبركه.
يعمل أبو محمود بجد من طلوع الشمس الى غروبها, تاركا عجوزه , أم محمود , التي لا تقوى على هذا العمل, في بيتها , داعية له بالعافية وطول العمر , وكل ما تستطيع تقديمه له هو ارسال الطعام له مع أحفاده , حتى يقوى على اتمام مهمته على أكمل وجه, وتستقبله بابتسامة العجوز المليئة بالخير كل مساء :
- الله يعطيك العافيه يا ابو محمود .. انشا الله ما تعبت اليوم .. والله لو بقدر أمشي كان للحقك كل يوم ... بس شو بدنا نعمل ...
- لا تغلبيش حالك يا ختياره .. صحتك عا قدها .. انشا الله يومين والثالث وبعصر الزتونات وبنتريح ...
ويصدق الحاج أبو محمود في تقديره ويمر يومان , وبانتصاف اليوم الثالث .. ينهي آخر شجرة زيتون كانت قد استعصت عليه .. فهي شجرة هرمة لا يعرف هو من زرعها من أجداده , كان يحبها منذ صغره , فتمردت عليه في كبره .. ولكنه يهزمها بحكم خبرة السنين ...
وهكذا يتوجه أبو محمود بغلته الوفيره , الى معصرة القريه , منتصرا حامدا ربه , وطبعا هو لم يحمل الغلة على حماره لكثرتها , بل نقلها له أحد المزارعين على عربة الجرار , وساعده بعض شباب القريه في تنزيل حمله في باب المعصره , فكلهم يحترمه ويقدره , وكعادته ينطق بكلام الختيار السموح :
- الله يرضى عليكم ويوفقكم
وهنا تبدأ معركته الثانيه , التي اعتاد خوضها كل عام , وقد عرف بأن سلا حه فيها هو الصبر وطول النفس تارة, والإنتباه واليقظة تارة أخرى , يدخل الى المعصرة ناظرا الى أكياس الزيتون المتراكمة في كل زاوية , وبعض الأكوام قد ارتفعت لتصل السقف , فيبتسم أبو محمود ابتسامة الرضا لما تراه عيناه من خير أغرق الناس هذا العام ,ولكنه يوقن أيضا أنه وصل متأخرا هذه المره, ولكن لا حول ولا , ويلتقي ببعض أتربائه من شيوخ القرية فيسلم عليهم , ويجلس بجانب صديق عمره " أبو خالد" الذي يحييه بحرارة , ويدور حديث عن الموسم وخيره , وازدحام المعصرة بأهل القرية والقرى المجاوره , واقتراب دور فلان , وتأخر فلان في المجيء , فيبادره أبو خالد سائلا :
- شو مالك يا ابو محمود متأخر السنه , كل سنه مثل هسا تبقى عاصر زتوناتك ومقسم الغله ؟
- مانت بتعرف يا ابو خالد , السنه ظليت لحالي , تا الله قدرني وخلصت , والحمد لله عملنا اللي علينا والباقي على الله ...
- ناوي تبيع زيت السنه ؟
- لا السنه بنقسمهن عا لولاد بنعطي كل واحد حصته , وبنودي للبنات حصتهن , وان ظل شوي بنفرقه عاالولايا...
ويدور حديث لساعات , يتخلله شرب القهوة والشاي وتدخين التبغ العربي , ويذهب ناس ويأتي غيرهم يبحثون عن دور في وسط الزحام , ويتأخر الليل ويقترب الفجر , ولكن هذا لا يثني أبو محمود عن إصراره على الإنتظار , فقد اقترب دوره , ويغادر أصحابه المعصرة بعد أن أنهوا كل دوره , وينتظر أبو محمود رغم التعب والنعاس , ولكن يجب أن يبقى يقظا حتى لا يخسر دوره , فبعضهم قد نفذ صبره ولا يريد الإنتظار. وأخيرا يحل الموعد , وينادي عامل المعصرة على الحاج أبو محمود , فيقوم مسرعا , ويبدأ بافراغ الأكيا س داخل الحوض وتبدأ العملية التي انتظرها ساعات طويله, وما ان يتم إفراغ الأكياس , حتى يتنفس الصعداء, متكئا على كرسيه , فقد اطمأن الآن على حصاده .
ويستسلم أبو محمود للنوم , وفي هذه الأثناء تتم عملية العصر , ومع حلول موعد الفجر , يبدأ الزيت بالتدفق , فيقوم عامل المعصرة بملىء الزيت من باب الشفقة على هذا الشيخ المتعب المستسلم لنومه , وهو يقول :
- ما شاء الله , زيتات عمي أبو محمود فيهن بركه , خليه نايم تا نعبيله اياهن كلهن ...
وأبو محمود ما زال نائما
وينتهي عامل المعصرة من ملىء الزيت ويضعه على الميزان .. وأبو محمود لا يزال نائما .. فيتوجه صوبه لإيقاظه :
- يا عمي أبو محمود زيتاتك جاهزات .. إصحى يا حج .. أبو محمود خلص دورك والزيت معبا ... أبو محمود ...
ولكن أبو محمود يبقى على نومه .. ماذا جرى .. ألهذه الدرجه أخذ التعب منه , أم أنه لا يصدق أن الدور انتهى ...

ويتجمع الناس من حوله كل يريد أن يوقظه ويبشره بغلته الوفيره :
- يا أبو محمود اصحى ...
- قوم يا حج شوف زيتاتك ...
- يلا يا ابو محمود الدور لغيرك....
وفجأة يصمت الجميع , ويبقى صوت الآلة يهدر , وأبو محمود وسطهم لا يزال نائما , لم يستيقظ , ولن يستيقظ أبدا, ولن يسمعهم , ولن يرى حصاد تعبه , ولن يأخذ منه شيئا , فهو ليس بحاجة اليه , لقد أنهى مهمته ولا ينتظر الثمن , لقد انتهى من موسم الزيتون ولا يريد شيئا قط ..
- لا حول ولا قوة إلا بالله ..
- إنا لله وإنا إليه راجعون ..
- رحمة الله عليك يا ابو محمود .. قطف ودرس وما شاف الزيت ...
- ... ...

روان فلسطين
11-23-2008, 03:49 PM
قصه رائعه رائعه رائعه لابعد الحدود
يعطيك الف الف عافيه خيي
واهلا ومليووووون سهلا بك
نجما يتلئلئ في سماء منتدانا
حياك الباري اخي _ابن المثلث _

"الزعيم"
11-26-2008, 05:45 PM
مشكور كتير اخي الكريم

بس بصراحة حاسس حالي بطلت اشوف لانه الخط صغير

تسلم اخي الكريم وارجو ان تبقى وتستمر معنا في هذا المنتدى الرائع