المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : سئمت الحياة


faris
06-26-2008, 09:31 AM
سئمت الحياة




أتذكر جيدا كيف عدت من المطار بعد أن ودعت كرستينا ربما للمرة الأخيرة. أتذكر جيدا ان السماء كانت ممطرة في مساء يبدو عاديا لغيري. الشيء الوحيد الغريب في ذلك اليوم هو سفر كرستينا إلى اليونان، إلى رودس، إلى السواحل الاغريقية المشمسة.

كانت مثل أية مسافرة. كانت تبدو أكثر سرورا، مشعة، مبتهجة، لكن خبرتي الطويلة معها وبطقوسها الغريبة تجعلني لا أصدق هذا الاستعراض العلني للفرح لأنها تعودت على اخفاء مشاعرها الخاصة بعيدا عني كأشياء مقدسة غير قابلة للبوح، لأن الكلام يفسد مشاعر القلب السرية كما كانت تقول دائما.

عبر نوافذ صالة مطار بيرغن تلوح الجبال زرقاء ونائية ودافئة ومكسوة بالثلج. وكنت أخطو فوق الشارع، عائدا، تحت المطر مستذكرا تفاصيل منسية وأكثرها وضوحا سفر كرستينا المفاجئ.

قبل قرار السفر المباغت كانت مسرورة وطليقة كنهار اسكندنافي صريح. كانت تشرب وتمارس الحب بطريقة شخص يتوجع، شخص خائف أو مقبل على مغامرة. لذة الخروج عن المألوف والعادي. الشعور المسكر والعذب بمتعة قادمة. صرت أكثر حذرا وجهزت نفسي لسماع أنباء مثيرة. ببساطتها المعهودة قامت من الفراش لتقول لي وهي في الطريق إلى الحمام انها ستسافر قريبا إلى اليونان!

هكذا هي دائما تضع القرار في وجهي كاعصار أو حريق بكل بساطة وبلا مقدمات. بلا تخطيط. وتتركني اواجه نفسي وحيرتي وتذهب لتقوم بعمل ما من اعمال المنزل كأن هذا القرار لا يخص احدا غيرها. كان علي ان أتقبل هذه الصيغة الجديدة. أتقبل بالاحرى هذه الاستقلالية المخيفة التي تصل حد الوجع. ولا أدري بعد من منا على صواب ومنا على خطأ. لكن المؤكد انها تتخذ قراراتها بطريقة في غاية القسوة والطلاقة.

أذكر ان المطر كان منحرفا يضرب وجهي بقسوة. كان أكثر غموضا من مطر الأيام السابقة. تجولت طويلا بعد العودة من المطار. كنت أحاول انكار كل ما حصل. انكار السفر. اطوف في الشوارع بشهية اقرب الى شهوة الشراب أو الجنس أو البحث أو الهرب. اتجول بلا هدف في شوارع لم تعد مرئية. لم يكن تجوالا. كان هربا.

حين كنت اشعر بالضجر كانت تقول ببساطة مدهشة وهي تقرأ او تستحم أو تأكل:ـ لنذهب إلى البحر. لنسافر. لنذهب إلى الغابة اذا رغبت.

الآن لم تعد موجودة. كانت مثلا تضع اصبعها فوق شفتي محذرة فجاة لتوقف صور الماضي. بعدها تقول صائحة على غير توقع:ـ براري جديدة اكتشفتها لك.
وتضيف بنبرة طفولية آسرة: ـ كنت تقول دائما ان جبال النرويج تصيبك بالدوار وانك مشتاق الى افق. اليس كذلك؟

كل مرة تكتشف شيئا: براري شاسعة، ومرة اخرى أفقا أو زهرة صباحية ولدت توا. تقول مشاكسة: ـ أنت لم تعد ذلك الاسيوي المخصي. امس كنت رائعا. كنت لا تفعل شيئا حين تفعل أول الأمر.

لكنها سافرت.

في مقهى الأوبرا التقيت بجيوش الفارين. تعرفت على سيامك الايراني الذي هرب الى العراق مشيا على الاقدام حين كنت انا في الطريق الى ايران. تبادلنا المواقع. كان يقول دائما: ـ عندكم بلد جميل. واقول له نفس الجملة كعزاء وحيد ومجرد من القوة:ـ ايران مدهشة.

العمارة التي اسكنها ملخص لعالم القمع. جاري على اليمين صومالي فالت بمعجزة من مجزرة. جاري على اليسار اثيوبي اسمه ايالو اندفع كغيره من الهاربين نحو الجنس بشراهة. صار ملاذا وتعويضا. كثيرا ما يطرق الباب بعد منتصف الليل ـ يعرف طباع العربي ـ ويسألني عن بيرة( واحدة بنت حرام تريد بيرة!) يقولها بالعربية ضاحكا. أقول: ـ تفضل أيها الكابتن.
ـ أرجوك دع حكاية الكابتن هذه ( ايالو درس في كلية حربية في الإتحاد السوفيتي في زمن منغستو لكنه من بعد اشترك في محاولة اغتياله وهرب). كل نهار يجلس ايالو يخطط لانقلاب مزعوم لكنه في الليل لا يفعل شيئا عدا الصيد في المياه الاسكندنافية الدافئة( سولجنستين يقول: الحداثة الاسكندنافية افرطت في تطرفها!) أجده بعد منتصف الليل في محطة الباصات أو محطة القطارات جالسا على المصاطب. أساله: ـ تبحث عن شرموطة؟! يريد علي بالنرويجية: ـ اصطاد في الماء العكر .لا تمر ليلة ينام فيها صاحيا لأن هذا قسمه بعد أن ترك السياسة لأبناء العاهرات، يقول ضاحكا، وراح يسكر ويمارس الحب حد الاغماء أو النوم.

كانت كرستينا تقول: ـ أمر لا يخلو من غرابة ان كل الذين التقيت بهم يعانون من لعنة شخص ما تطاردهم: انت، زوجي البرتغالي( انتحر من بعد) السابق الذي كانت تطارده لعنة سالازار، وصديقي الاسباني الذي كان لا يستطيع ان يفعل شيئا حين يتذكر فرانكو.

الطابق الثالث، تحت، مشحون بالفيتناميين وأغانيهم التي لا تهدأ. كان ايالو يقول منزعجا، مشيرا تحت، بأن هؤلاء أولاد زنا ومن ذرية قحاب سايكون ومن مخلفات الجيش الأمريكي. فوقي مباشرة صومالية غليظة أقسم ايالو انها تقضي الوقت في علاج توسع المهبل. ويضيف ضاحكا: ـ ضاقت بنا الأرض، لكن فرجها يتوسع.

(كتب الطاهر بن جلون في رواية: غزالة وتنتهي العزلة.
عند مدخل البناية قدموا لنا القانون.:
ـ ممنوع تحضير الطعام في الغرف" هناك مطبخ في نهاية الممر".
ـ ممنوع استقبال النساء" يوجد ماخور غير بعيد من هنا اسمه مارييل".
ـ منوع الاستماع للراديو ابتداء من التاسعة.
ـ ممنوع الغناء ليلا.
ـ ممنوع ذبح الخرفان داخل البناية.
ـ ممنوع الاستمناء داخل الغرف " افعلوا ذلك في المراحيض".
ـ ممنوع ممارسة اليوغا في الممرات.
ـ ممنوع صبغ الجدران،استعمال الاثاث، تكسير الزجاج،تغيير المصابيح،معاناة المرض،الاصابة بالاسهال، الاهتمام بالسياسة،نسيان الذهاب الى العمل، التفكير في استحضار العائلة، انجاب اطفال، مغازلة الفتيات في الكنائس، الخروج الى الشارع بالمنامة، التذمر من الشروط الموضوعية والذاتية للحياة، التعاطف مع المنظمات اليسارية، قراءة أو كتابة شعارات القذف على الجدران، التخاصم والتقاتل واستعمال السكاكين والانتقام.
ـ ممنوع تسلق الأشجار.
ـ ممنوع صبغ الجسد بالأزرق والأخضر والبنفسجي.
ـ ممنوع ركوب الدراجات داخل الغرف، ولعب الورق، وشرب الخمر" ما عدا الشمبانيا".
ـ ممنوع أيضا التنكر بلباس غريب أو نهج طريق آخر للعودة الى الغرف بعد العمل).

في مرقص البومة Ugle تعرفت على كرستينا: طويلة شقراء رشيقة كشفق. بدت تائهة أول الأمر كشفق صحراوي. تشرب وتدخن وترقص بعصبية حتى نظرتها العادية تبدو شرسة مما جعلها تبدو أكثر جمالا. لكنها وهذا أمر مدهش، وضعت راسها ببساطة على صدري. شربت كثيرا. فدهشت من هذه البساطة انا الخارج من ليل الرصاص والجثث والقصدية. حمامة تتكئ فوق دغل كثيف يختبئ تحته ثعبان صحراوي لم يشرب ماءً منذ قرون.

في مقهى الأوبرا تعرفت على بوريس الجندي الروسي الهارب من حرب افغانستان، وصديقته البولونية اليانا بقامتها الشبيهة في رهافتها كنائس وارشو. كنت استمتع بالمطر والشراب والثلج بصحبة كرستينا. الآن لا أريد الذهاب إلى شقتي في شارع نورداركس كاته 4، لأنني لا أريد مواجهة عزلتي. كنت خائفا.كنت اريد أن أتجول أو أبحث: نوع من التيه الذي يشبه الذهول أو الهروب أو البحث. قال بوريس: ـ الليلة حفلة للرقص الاسباني في كازينو ومطعم كراند كوفيه. سنكون هناك الليلة.

مسرح الكازينو ضاج بالرقص الايقاعي المتوازن كطبول آتية من الغابة. لمحت قاسم شريف في قلب الحشد، ضائعا، مستفزا، كحجل جبلي مذعور. كان صورة من ذاكرتي. كان جرحا ناعما سريا في الكراند كوفيه. كان خدشا في هذه الموسيقى. اقترب مني: ـ تحرك يا حفنة الرماد.

كنت أفكر بسفر كرستينا. جلس قليلا وعاد إلى حلبة الرقص.عاد وهمس في الصخب : ـ أقول لك أفق يا حفنة الرماد.

حين وضعت كرستينا اصابعها الشبيهة بأغصان سرو في نهار ماطر فوق يدي، اكتشفتُ اصابعي الميتة. جدول ماء يتكئ على خشب يابس. بلا توتر قذفت ملابسها الى ارضية الغرفة واستلقت ساهمة كوعل ذاهل وآمن وريان ومتوهج ومحترق فوق الفراش الذي بدا كسهل آسيوي صيفي مشتعل. سمعت صوتها قادما من غابة عريقة في القدم(هل انت خائف؟!). وكما يحدث للأشجار الهرمة، سقطت في هاوية دغل ملتهب حتى أفقت في الصباح، مسحوقا، فوقع نظري ، مندهشا، على امراة تشرب القهوة وتدخن وتقرأ جريدة ببساطة جميلة وعفوية. شعرت تلك اللحظة، منذ هروبي من الحرب، ان السلام مصنوع من البساطة: امراة وقهوة وجريدة وضوء ناعم.

كان الثلج يهطل عبر النافذة ويعطي أحاسيسي هوية اخرى. شعرت ان القلب البشري الذي احمله لم يتحطم بعد وانني مازلت قادرا على الحياة وهذا هو الشيء المبهر في وجودها معي تلك الليالي الثلجية التى اسمع دويها حتى اليوم في اعماق العواصف الموحشة والعزلة الجليدية. العزلة تجعل الأصوات والصور القديمة أكثر سطوعا لذلك أفهم، تقول سيمون دي بوفوار، جيدا لغة أولئك الذين يكتبون من أعماق وحدتهم لأنهم يكتبون لنا.


هي الآن مسافرة والثلج يتساقط في الخارج. صدى موسيقى الكراند كوفيه ليلة أمس يعصف في رأسي. في الطريق الى مقهى الأوبرا صادفت بوريس يركض خلف اليانا. حياني باسما وهو يعدو خلف الغزال البولوني النافر. قاسم شريف في المقهى يجلس وحيدا في ركن منعزل كعادته دائما. لم يتبدل إلا قليلا منذ التقيت به ثانية، مصادفة، في مقهى نادري في طهران سنة88. يومها كان يتحدث عن مشروعه الكبير في الهرب الى الباكستان: ـ الطريق من زاهدان ـ آخر المدن الايرانية الكبيرة ـ الى باكستان وعر وجبلي. من المهم تجنب الكوميتة ـ الشرطة السرية ـ السلاح ضروري لكن الماء مهم أيضا.

بعد ذلك صرنا نلتقي كثيرا. نطوف في شوارع طهران حتى الباص الأخير والعودة إلى مخيم" كرج" الاسم الملون للسجن. قال مرة ونحن في طريق العودة: ـ لنفترض اننا غامرنا بكل شيء وخسرنا دفعة واحدة. ماذا نفعل؟
ـ لم الافتراض؟ نحن كذلك بالفعل.
سمعته يعزي نفسه: ـ هذا درب الأميرة شمس.
وسألني فجأة: ـ ماذا تفعل لو كنت مكان الشاه الهارب؟
ـ أفعل ما فعله: أموت.

في مقهى الأوبرا كان وجهه منهكا ذلك الانهاك الناجم من انتظار طويل، ومحرق، ومعذب. كان يحدق عبر زجاج المقهى ذاهلا. سألني:ـ ماذا فعلت بسيرتك الروائية الأعزل؟
ـ لم أجد ناشرا.
ـ هل تحدثت عني؟
ـ نعم.
ـ هل قلت كل شيء؟ كل شيء؟
ـ من يستطيع أن يقول كل شيء؟ الحرب، السجن، الهروب، كتبت عن تشردنا في طهران، مقهى نادري، التصعلك، درب الأميرة شمس، الخيبة، نزولك من الجبل بعد فشل الوهم، الرقص والفاشية والجنس وزنزانة سجن كويتة وسقوط الأحلام.

بدا غائبا ومنسحبا: ـ هل تعتقد أننا عشنا؟
قلت : ـ حاولنا.

تقع بناية مسرح بيرغن قبالة تمثال هنريك ابسن قرب مقهى الاوبرا. في المقهى تجري اكثر العروض المسرحية غرابة ومأساوية وتحت الأقنعة الأفريقية المعلقة على الجدران التي تسيل منها موسيقى ناعمة هادئة ـ اختيار النادلة نورينا ـ يتحرك عالم سري من المخدرات والجوازات المزورة والسلع، وخلف الواجهة الزجاجية تنبثق مخلوقات بشرية كأنها تنبع من حكايات ناتالي ساروت، على وقع انهمار المطر فوق الدروب الحجرية القديمة.

كرستينا سافرت وهذا هو المهم. الشيء الوحيد الذي فعلته هو انها ايقظت الجسد المهمل والمرمي كجورب عتيق. فكت الحرائق من الأسر وصحا الجسد على رغباته الصدئة المنسية المنزوية وحررت صهيل القلب الملغي.

أقول لها ساخرا أحيانا بلغة مشوشة:ـ هل سمعت بصاحبة الحانة البابلية؟ قلت لك مرارا ان اباك ضبطوه يتبول في ميدان عام في ستوكهولم. هل تعرفين كلكامش؟
ـ سمعت به وارجوك أن تكف عن هذا الهراء.
ـ اعترفي بأنه فعلها وسأكف.
ـ هذا غير صحيح. انت تمزح أليس كذلك؟
ـ أنا لا أمزح ولست دبا نرويجيا وفوق ذلك لا أعرف المزاح.
تقول غاضبة: ـ لكن ما صلة كلكامش بالأمر؟
ـ انت تبحثين عن اسباب منطقية لكل شيء.
تقول مبهورة: ـ هذا كلام غريب. وهل هناك غير هذه الأسباب؟
ـ لو كان هناك منطق، ياكرستينا، لما عبرت ثلاثة حدود على قدمي لنتحدث عن بولة أبيك.

مرة اصطحبت معها رجلا عجوزا قائلة: ـ يرغب في التعرف عليك. ورحبت به في منزلي. قال انه عراقي يهودي واسمه شاؤول. قال انه خرج من العراق قبل خمسين سنة. قلت بسرور: ـ انت ضيفي الليلة ياشاؤول.

اغرورقت عيناه بالدموع. سألني بحضور كرستينا الذاهلة الصامتة: ـ أتذكر أشجارا قرب سينما النصر القديمة. هل موجودة اليوم؟
قلت: أزيلت وصارت فندق المرديان والشيراتون.
ـ ومقهى البرلمان؟
ـ أزيلت.
ـ ومحمد القبانجي؟
ـ مات.
ـ ويوسف عمر؟
ـ مات في الحصار.
ـ ومقهى حسن عجمي؟
ـ غادرها الشعراء إلى الأردن وتبعهم المخبرون واللصوص.
ـ وصديقة الملاية؟
ـ ماتت ياشاؤول.
ـ وحديقة غازي ـ الأمة؟
ـ صارت مأوى للبغايا.
ـ وزكي خيري؟
ـ مات في السويد؟
ـ وغائب طعمة فرمان؟
ـ مات في موسكو.
ـ والجواهري؟
ـ مات في دمشق.
ـ وبلند الحيدري؟
ـ مات في لندن.
ـ وعبد الوهاب البياتي؟
ـ مات في دمشق.

شربنا كثيرا وشاؤول يبكي.قال برجاء وتوسل: ـ أرجوك غن.

تلك الليلة غنيت كما لو لم أغن من قبل ولا من بعد. كنت أنوح كناقة ضائعة على حافة هذا الليل القطبي، كطيور قطا وجدت تائهة على ضفاف البلطيق:ـ (لا حظت برجيله، ولا خذت سيد علي).

أقف على حافة الأطلنطي، على صدر كرستينا، متأملا النهار الفار وزرقة البحر. حين تركض على الساحل، كطائر بودلير الأسطوري الذي يمنعه جناحه الضخم من الطيران، يخيل الي انها تنبثق من الرمل والزمن والماء، وانها ستطير وتختفي مثل كل الحكايات القديمة. هذه حرية جسد طليق من الداخل. أما نحن فنعيش بجسد فأر: كل شيء محسوب، ومخطط له، حتى الشخير. قالت لي مرة واحدة وأخيرة: ـ لنذهب للتزحلق على الجليد.
ضحكت ملء فمي. قالت مستغربة: لم تضحك؟
ـ عندي الكثير من الأسباب للضحك. كيف يمكن لجسد مقموع ان يطير فوق الجليد كما يفعل ابناء جلدتك؟هذا الطيران ياكرستينا لا يمكن أن يقوم به إلا الجسد المتحرر الذي لم تتعفن رغباته بعد. لم يصدأ. نحن نتصادم في الطرق الواسعة. كيف أطير فوق الثلج؟ أقول لك فأر. هل فهمت؟!
ـ عن أي شيء تتحدث؟
ـ عن جسد الفأر.
تمد لسانها سخرية: ـ هذيان.
تضيف مسرعة : ـ سأذهب لشراء فودكا فنلندي. لن أتأخر.

الثلج يهطل في الخارج الان. الغرفة دافئة وحضورها المشع يملأ المكان. أشعلتُ الموقد. جاءت مسرعة وهي تقول: ـ فكرت في أنك هربت.
ـ إلى أين وهذه هي الحدود الأخيرة في المكان والذل والأمل؟ اغلقي النافذة أرجوك.
ـ دع الهواء يدخل قليلا.
ـ قلت لك اغلقي النافذة قبل أن أتحدث عن واقعة ستوكهولم.
ـ كم تبدو جميلا حين لا تكون بذيئا.
ـ الثلج يتنافر مع جسدك الملكي.

أغلقت النافذة صامتة عادتها حين تغضب. وجلست هادئة. لوحة على الجدار لخيول عربية تنهب الصحراء راكضة في براري فسيحة. قلت:ـ كنت أريد أن اقول لك شيئا لكني نسيت.
ـ هذا أحسن. دع حكاية ابي أرجوك.
ـ لكن لماذا فعلها حقا؟
ـ لم يفعلها. سأخرج اذن.
ـ لا. خيولكم غليظة.
قالت مسرورة لهذا التحول : ـ خيولكم جميلة.هل عندكم خنازير؟
ـ نعم كرستينا، عندنا أكثر من أي شعب في العالم، وبعضها جاء خلفنا. تصوري خنازيركم يلعب معها الأطفال وخنازيرنا شرسة قاتلة. أدهشتني وداعة كلابكم. لا شيء عندنا لا يلدغ أو يعض ابدا. حتى عصافيرنا ماكرة فهي من فوق الاسلاك والحيطان تستدير معنا بدهاء هرم لأنها لو لم تفعل ذلك ستقتل. هل حدثك المرحوم عن قضية ستوكهولم؟

فكرت فجاة في انني تقبلت كرستينا كوجود نظيف بلا مساءلة. كان جسدها قد فرض شروطه. شعرت بأظافرها في ظهري وخيول الجدران تلهث وعواصف الغبار تندلع في صحراء سحيقة. اليوم لم تعد موجودة والخيول هامدة. أكتب هذه الرسالة التي لم تصل إلى امراة في العراق ضاعت مني في زمن الحرب:

عزيزتي يسرى
أعزل ووحيد لم يزرني أحد منذ ايام. تشتد العاصفة الثلجية في الخارج. جربت أن أطرق الباب على نفسي. لم يتدخل احد لفتح الباب إلا أصابعي والمفتاح وقائمة الهاتف والفراغ. كئيب ظلي على الجدران كآبة أسد في قفص. مثله أحلم بالغابات المطيرة. تركت الباب مفتوحا في انتظار ان يزورني احد ولو كان وحشا أو جلادا أو جنازة. لم يأت احد. التقط بقاياك من الهواء بأصابعي. أستدعي الليل شاهدا على غيابك. في أعماق الظلام فرحت لعواء قادم من الغابة المجاورة. لم يكن ذئبا، يا للأسف!.كانت الريح تعوي. غضبت. طردت شقتي وسكنت عطرك.

صباح يوم السفر أفقت مبكرا. كانت كرستينا نائمة. نزلت الى المحل المجاور قرب محطة القطار لشراء صحيفة وباقة زهور في محاولة للامساك بسلام هارب. كنت خائفا عليها. خفت أن لا أجدها. كانت تعد القهوة والثلج يهطل خارج النافذة يروي هو الآخر هذه الحكاية. قلت بصوت مهجور: ـ اقتربي أرجوك!

كانت حارة وصغيرة وشهية. سمعتها تنشج .اندفعت نحو النافذة لتسدل الستارة على آخر المشاهد. قبل أن تصعد سلم الطائرة بلحظات صار الصمت حجرا بيننا. فجأة سمعت صرختها كصرخة حيوان مجروح:
ـ قل لي بحق السماء ما هو أسمك الحقيقي أخيرا؟
ـ حمزة!

عازفة الاحزان
06-26-2008, 11:53 AM
كلمات رووووووووووووووعه
الموضوع جميل والعنوان رااااائع
هكذا هي الحياة
مشكووووووور على مجهودك
تحياتي وتقديري لك ولقلمك:icon31:
بانتظار المزيد
دمت بود:s (43):

عيون الفتح الحزينة
06-26-2008, 12:33 PM
مرحبا بس الموضوع مش موجود عندي ما بعرف ليش ما ظهر