blue-girl
06-12-2008, 09:00 PM
::: فيرجيل الشاعر الروماني القديم :::
http://files.shabab.ps/vb/images_cash/up6/080612190054n8mN.jpg
:sh41:
اتصف الشاعر الروماني القديم فيرجيل (70-19) Virgil ق. م. بطبيعة أخلاقية مكتملة، واتصفت مؤلفاته بمضامينها السيكولوجية الأخلاقية الطوباوية، وهو الشاعر الذي عاصر الحروب الأهلية الدامية في موطنه إيطاليا، والتي انتهت بتتويج أغسطس قيصر إمبراطورا على البلاد، بعد انتصاره في معركة أكتيوم الفاصلة، على خصمه اللدود ماركوس أنطونيوس، مما أدى إلى انتهاء الحروب والقلاقل، وإلى شيوع السلام، وازدهار العلوم والفنون، على أن تلك الأحداث الدامية تركت آثارها الباقية على الشاعر الرقيق فيرجيل، ودفعته إلى رفض الصراعات الدموية اللامجدية، رفضا قلبيا تاما، وإلى إيمانه العميق بفلسفة أخلاقية، هادفة إلى كف التنازع والتناحر، وإلى إحلال السلم، وهو إيمان ما يزال قائما في هذا الأوان، فالطبيعة البشرية الأخلاقية تهدف على الدوام، إلى إحلال السلم إحلالا دائما. وأولئك الذين خبروا النتائج اللاأخلاقية للحروب، يميلون أكثر من غيرهم، إلى رفض الصراعات اللامجدية في مؤلفاتهم، وإلى دعوة الأمم والدول إلى إقامة علاقات ودية فيما بينها، فالكاتب الألماني بيرتولت بريخت (1956-1898) Bertolt Brecht يدعو على غرار الشاعر الروماني فيرجيل، إلى وقف الحروب الدامية، وهو الذي خبر مآسي الحربين العالميتين الأولى والثانية. وما يميز الميل البشري الأخلاقي هو طوباويته الواضحة، فالهدف النهائي هو إحلال السلام الدائم، وكف الطموحات السياسية والعسكرية، وإنهاء ظاهرة العنف. وبيرتولت بريخت الذي صور البؤس والحماقات الناتجة عن الحروب، انتقد انتقادا لاذعا الرأسمالية بوصفها مقدمة لنتيجة، هي التصارع والتنازع، وعبر عن إيمانه بالواقعية الاشتراكية، إيمانا عميقا. وبالطبع فإن أميال الشاعر الروماني فيرجيل تتفق مع هذه الأميال الواقعية الاشتراكية، فالميل الطوباوي الرومانتيكي ليس على تناقض مع الميل الواقعي الاشتراكي، وفي (الإنياذة The Aeneid) يصف فيرجيل المآتي الحمقاء للصراع الدموي اللامجدي، التي تتضمن أعمال التعذيب والوحشية، وتهديم البيوت، والحرائق، وقتل الزوجات والأبناء :
رجل يقف وسط مدينة/ تحف بها ألسنة اللهب/ ويراقب موت ملكها/ الوقت ليل وقد استيقظ من سبات عميق/ ليكتشف أن قوات العدو قد اقتحمت أسوار المدينة/ وبدأت تمارس أعمال التعذيب والوحشية/ لقد هدموا بيته ولم يعد يستطيع العثور على زوجته وابنه/ ربما قتلا...
واللافت أن للمواقف المتعارضة والمتقابلة من يمثلها على الدوام، فالموقف الهادف إلى إحلال السلم في العالم له من يمثله، كفيرجيل وبيرتولت بريخت، وطائفة من الرومانتيكيين، وذوي الأميال الصوفية العميقة، كجبران خليل جبران وأندريه جيد. والموقف الميال إلى استخدام العنف، والدخول في صراع مرير من أجل الوصول إلى المطامح الإرادية الأنانية الذاتية، له من يمثله كذلك الأمر، فالملك ماكبث في مسرحية (ماكبث) للكاتب الإنكليزي وليم شكسبير (1616-1564) William Shakespeare، ينجرف انجرافا تاما وراء إرادته الشوبنهاورية العمياء، ويقترف الجرائم بحق القادة الفضلاء، ويستولي على السلطة، مدفوعا بمطامحه التي لا تقف عند أية حدود، ويفرض على الرعية ضروبا من الطغيان العنيف، الذي يؤدي إلى تخلف بلده أسكوتلندة، وإلى زوال الأنشطة الحضارية، التي تزدهر عادة في أوقات السلم وشيوع الأمن. واللافت لدى الشاعر الروماني فيرجيل، امتداحه العميق للفلاح الطيب، وهو ما يعني أنه النموذج البشري المثالي الغائي، والظاهرة في جوهرها طوباوية رومانتيكية. وهناك من يعبر عن هذه الرؤية تعبيرا مباشرا في هذا الأوان، فالرومانتيكيون من الأدباء والشعراء والفنانون الأخلاقيون، يمجدون الفلاح الطيب على طريقة فيرجيل، وهم يمجدون أيضا الأعمال الزراعية، التي مجدها هذا الشاعر الروماني القديم، وأشاد بها إشادة عظيمة في ديوانه الذي حمل عنوان (قصائد ريفية The Eclogues):
بالتأكيد سيأتي اليوم/ الذي يجد فيه فلاح يشق بمحراثه تربة حقله/ رماحا وسيوفا قديمة علاها الصدأ/ وسيقلب سلاح محراثه خوذات لمحاربين قدماء/ وسيقف هذا الفلاح الطيب وقد ملأت نفسه الحيرة/ أمام العظام المفتتة لأبطال المعارك التي خلدها التاريخ...
:sh41:
أي أن الحروب وفق رؤية فيرجيل، حوادث مؤقتة وليست أبدية، ولا بد من انتصار إرادة الفلاح الطيب في وقت من الأوقات، ولا بد أيضا من وقوعه في حيرة وارتباك أكيدين، فالحروب التي توقفت وانتهت وزالت من الوجود، تحولت إلى تراث إنساني غير مرغوب فيه، وغير مفهوم، أو مبرر عقلانيا، وفق رؤية الفلاح الطيب، الذي انتصرت إرادته الأخلاقية المتعالية والمتسامية، في نهاية المطاف، على كل المعوقات التي تعرقل تعاليها وتساميها الأخلاقي المثالي، أي أن الإرادة البشرية الأخلاقية الطيبة قد ابتعدت عن الميل العدواني، ابتعادها التام، ولم تعد تخطط لشن الحروب، أو تفكر بالاعتداء على الآخر، وهو ما يجعلها غير قادرة على فهم ظاهرة الحرب، وما هذه الظاهرة الآن غير خبرة بشرية قديمة، والخبرة المسالمة الطوباوية غير قادرة على إدراكها، إلا بوصفها خبرة غريبة عنها تماما. وما من شك في أن الحروب الدامية التي خبرها فيرجيل عن كثب، قد أدت به إلى اتخاذه موقفه المسالم هذا، الذي يفيض بالتفاؤل، وبالتطلع الواثق إلى المستقبل الموعود، على خلاف موقف الشاعر الإيطالي دانتي أليجييري (1321-1265) Dante Alighieri، الذي خبر أوضاعا دامية وعنيفة، كالتي خبرها سلفه فيرجيل، مما أدى به إلى ابتكار (الكوميديا الإلهية)، وإلى إظهار ميله الطوباوي، ورجائه الهادف إلى إحلال الفضيلة والسلم في أنشودته (الفردوس)، وهو الشاعر الذي لم يشهد في حياته كلها، أوضاعا مستقرة في موطنه إيطاليا، فالحروب والصراعات بقيت قائمة طوال حياته، ولم تنعم المدن الإيطالية بالسلام والأمن، وبازدهار العلوم والفنون، ازدهارا موصولا وعاكفا على نفسه، وهو ما يفسر الميل التشاؤمي لديه، بالمقارنة مع فيرجيل، الذي شهد إحلال السلام في الإمبراطورية الرومانية، بعد انتصار أغسطس قيصر على كافة أعدائه، واستتباب الأحوال واستقرارها، وتمهيد السبيل مع ازدهار الحياة العامة، وكافة تجلياتها الأدبية والفنية والعلمية.
:sh41:
وكدانتي فإن الكاتب الألماني بيرتولت بريخت لم يهنأ بالعيش الآمن، بل قضى حياته منفيا يتنقل من بلد إلى بلد، إلى أن انتهى به تجواله في ألمانيا الشرقية، غير أن معاينته للمثال السوفياتي الواقعي الاشتراكي، أدت إلى انهيار آماله انهيارا تاما، وإلى وقوعه فريسة لتشاؤم مرير، من النوع الذي أصاب دانتي. ومن الطبيعي أن يتحول الأدباء الأخلاقيون، الداعون إلى كف التنازع والتناحر، إلى أمثلة أخلاقية رفيعة، وإلى نماذج تحتذى من معاصريهم، ومن القادة السياسيين والعسكريين، في الوقت الذي تكون فيه الصراعات على أشدها، فالنماذج البشرية الموصوفة راغبة في السلام، وراغبة عن أي ميل ذاتي يقودها إلى الاشتراك في المنازعات والخصومات، وهو الأمر الذي لم يستطع دانتي تجنبه، فأحداث حياته تتضمن انخراطه في الحياة السياسية، وفي المنازعات الدامية، وهو يعترف في مطلع أنشودته (الجحيم) بضلاله الأخلاقي على عدة مستويات، وبنشدانه للتطهر، ورجائه في معاينة الذات الإلهية في نهاية المطاف. غير أن هذه المنوالية ترافقت مع إحساسه الأليم بالبؤس، ومع فشله المتكرر، لدى محاولته التعامل بنجاح مع الواقع القائم، وبالتالي مع ميله التشاؤمي، ورغبته الحارة في الانتقام من خصومه.
:sh41:
ومما يهدف إليه فيرجيل في ديوانه (قصائد ريفية)، دعوة الجميع إلى الانسجام مع الطبيعة، والاقتراب أكثر فأكثر من الأرض، قصد إقامة علاقة حميمية مع الكون كله، وهي الدعوة الموجودة لدى أدباء وشعراء رومانتيكيين كثر، كإيليا أبي ماضي وأبي القاسم الشابي. والكمال الأخلاقي الذي يتصف به فيرجيل، له تمظهره في مؤلفاته، التي تتصف اتصافا تاما بالإتقان الفني، وبالمثل فإن (الكوميديا الإلهية) لدانتي، تتصف بإتقانها الفني، وهو الشاعر الذي ينطوي انطواءا أكيدا على كماله الأخلاقي، بالرغم من الظروف الحياتية القاسية التي أوقعته في الضلالة مرارا وتكرارا. وللميل الطوباوي لدى فيرجيل خصوصيته الموجودة لدى الأدباء والشعراء الآخرين، فالشاعر يتحدث عن مملكة النحل، بطريقة توحي بأنها مملكة نموذجية مكتملة، فهناك كبار السن المسؤولون عن حماية المملكة، وبناء الأسوار حول أقراص الشهد، وهناك صغار السن من العاملين النشطاء، الذين يكدحون من أجل بناء الخلية بناء مكتملا:
إن كبار السن هم حراس المدينة/ الذين يقيمون الأسوار حول أقراص الشهد/ أما الصغار فإنهم يعودون كل مساء متعبين/ بعد أن أنهكت قواهم رحلة النهار/ متنقلين بين الأزهار/ إنهم يعودون وأرجلهم مثقلة بالرحيق الذي جمعوه/ تبدأ رحلتهم هذه كل صباح/ وعندما يبزغ نجم السماء/ يعودون إلى خليتهم الهادئة للنوم...
:sh41:
والتوصيف الذي يقدمه فيرجيل، توصيف طوباوي يمتدح الغريزة المعصومة عن الخطأ، ويجعلها تنطوي على الأخلاقية الرفيعة، وهو يمتدح العمل والكدح امتداحا تاما، ويربطهما بالفضائل الأخلاقية، ربطا غير قابل للانفصام. على أن المؤلف الأهم الذي تركه للأجيال اللاحقة، هو مؤلفه الذائع الصيت، الذي حمل عنوان (الإنياذة)، والذي يعبر فيه عن آمال وطموحات أمة بأكملها، فالبطل القومي إينياس يقود الطرواديين اللاجئين، الذين طردهم اليونانيون من مدينتهم طروادة، إلى أرضهم الموعودة إيطاليا، عبر سلسلة من المغامرات، في حوض البحر الأبيض المتوسط، إلى أن يتمكنوا بعد معاناة كبيرة، من الوصول إلى أرضهم الموعودة، وتأسيس دولتهم، التي توطدت أركانها، وعم السلام فيها، وازدهرت العلوم والفنون في ربوعها، وفي هذا إشارة جلية إلى الإمبراطور أغسطس قيصر، الذي انتصر على خصومه، ووفر الأمن والسلام في موطنه، بعد قرون طويلة من الاقتتال الدموي العنيف.
:sh41:
وبالطبع فإن البطل إينياس كظاهرة سيكولوجية أخلاقية مكتملة، ما يزال له حضوره القوي في العالم، والانتشار الكبير الذي ظفرت به رواية (الخيميائي The Alchemist) للكاتب البرازيلي باولو كويلهو دليل على ذلك، فالبطل سانتياغو في هذه الرواية الثيوصوفية الطوباوية، يتبع حلمه بإخلاص تام، وهو الحلم الذي يقوده إلى كنزه المدفون قرب الأهرامات في مصر، إلى أن يصل إليه في نهاية رحلة شاقة، يقطع خلالها الصحراء الكبرى، من أسبانيا حتى مصر، وبالطبع فإن الاكتمال الأخلاقي لدى البطل سانتياغو، والإيمان اللامتناهي بإمكانية تحول الحلم إلى حقيقة واقعة، يكفل له النجاح، بالرغم من تردده في اتخاذ القرارات، وعدوله عن هذه التردد، وإقدامه على اتخاذها، وهي الظاهرة الموجود لدى البطل إينياس، في (الإنياذة) لفيرجيل. وثمة ظواهر أخرى مشتركة، فالبطلان رجلان عاديان، بالرغم من إنجازهما العظيم، والكاتبان الروماني القديم والبرازيلي المعاصر، يعتمدان التركيز والتكثيف في أسلوبهما، بالإضافة إلى البساطة والوضوح. ومن الطبيعي أن يتوقف الذهن أمام الخصوصية التي ينطوي عليها الميل الطوباوي، المتعالي والمتسامي، وذلك لدى التمعن في ظاهرة الحلم، وفي الهدف الأخلاقي، المثالي الغائي، الذي يقود البطلين إينياس وسانتياغو، إلى إتمام رحلتهما الشاقة، من أجل الوصول إلى الأرض الموعودة، أو إلى الكنز المدفون، وهو ما يعني الدفاع عن السيكولوجية الأخلاقية في العالم دفاعا مستميتا، عن طريق أسطرتها أسطرة مظفرة.
:sh41:
وإنه لمن الغريب أن يطلب فيرجيل إحراق مخطوطة (الإنياذة) قبل وفاته، وهو الطلب الذي رفضه الإمبراطور أغسطس قيصر، وأصدر أمرا بحفظها، وطبعها فيما بعد. والغرابة تتأتى من حقيقة شيوع السلام وازدهار الفنون، بعد عقود من الاضطرابات والمعارك الدموية، وليس من المعقول أن يتقدم الشاعر بهذا الطلب، لمجرد أن الفرصة لم تتح له كي يعدلها وينقحها، ولربما أمكن تفسير الظاهرة انطلاقا من حقيقة كونه أخلاقية مكتملة، فالسيكولوجية الأخلاقية التي تحققت على المستوى الفردي، يصعب تعميمها، وهو ما يعني انهيار مشروعها في نظر ذاتها، وإن كانت السيكولوجية الأخلاقية تنظره على الدوام بوصفه مشروعا واقعيا، بالرغم من طوباويته. لكن إقدام كتاب آخرين على إحراق كتبهم، أو على التفكير بإحراقها، يظل أمرا مفهوما، عندما يطلع المرء اطلاعا كافيا، على الأحوال السيئة التي تحوطتهم، وهكذا فإن القارئ الباحث يتعاطف بطريقة أو بأخرى، مع أبي حيان التوحيدي، الذي أقدم على إحراق كتبه، مدفوعا بيأسه من إصلاح الأحوال في عصره، إصلاحا أخلاقيا مكتملا، وهو الكاتب الكبير الذي يمتلك سيكولوجياه الأخلاقية المكتملة والمقتدرة.
:sh41:
ومن ناحية أخرى، فإن ما يقال عن مطامح فيرجيل الهادفة إلى هجر الشعر ودراسة الفلسفة، أمر يتصف بالغرابة، فالشعر الذي خلفه هذا الشاعر الروماني القديم، ينطوي على فلسفة طوباوية، تحاول باندفاع وإصرار، الانتقال من المحسوس إلى المعقول، وهي فلسفة تنتهي بالماورائيات في نهاية مطافها، بالرغم من انتمائه إلى الحقبة الوثنية، ثم إنه الشاعر الذي اطلع على المعارف المتراكمة في عصره، وهي المعارف التي تتضمن الفلسفة بطبيعة الحال. والشاعر الإيطالي دانتي أليجييري يعتبره أعظم الشعراء الوثنيين، انطلاقا من حقيقة انطوائه على المبادئ الأخلاقية، التي أقرتها الفلسفة الأخلاقية القديمة، وأكثر من كل هذا، فإنه يتخلى عن تطرفه المعهود، ويجعل من الشاعر الوثني، منقذا ومعلما ومرشدا، في الأنشودتين الأولى والثانية من مؤلفه (الكوميديا الإلهية)، وهما أنشودة (الجحيم) وأنشودة (المطهر)، وفي هذا دليل آخر على اكتمال فيرجيل من الناحية الأخلاقية، على أن المفارقة تظل قائمة، فالشاعر دانتي الذي يعترف بفضل فيرجيل عليه، وبتفوقه من الناحية الأخلاقية، يجعله دليله ومعلمه في (الجحيم) و(المطهر)، ويخلفه وراءه لدى وصوله إلى (الفردوس)، مما يعني التزامه التقليدي الحرفي، بالمبادئ اللاهوتية التي شاعت في القرون الوسطى.
كنتم مع ::
حجــــ زرقا ـــــه
من ورائ المكتبهـ الثكافيهـ ^,^
http://files.shabab.ps/vb/images_cash/up6/080612190054n8mN.jpg
:sh41:
اتصف الشاعر الروماني القديم فيرجيل (70-19) Virgil ق. م. بطبيعة أخلاقية مكتملة، واتصفت مؤلفاته بمضامينها السيكولوجية الأخلاقية الطوباوية، وهو الشاعر الذي عاصر الحروب الأهلية الدامية في موطنه إيطاليا، والتي انتهت بتتويج أغسطس قيصر إمبراطورا على البلاد، بعد انتصاره في معركة أكتيوم الفاصلة، على خصمه اللدود ماركوس أنطونيوس، مما أدى إلى انتهاء الحروب والقلاقل، وإلى شيوع السلام، وازدهار العلوم والفنون، على أن تلك الأحداث الدامية تركت آثارها الباقية على الشاعر الرقيق فيرجيل، ودفعته إلى رفض الصراعات الدموية اللامجدية، رفضا قلبيا تاما، وإلى إيمانه العميق بفلسفة أخلاقية، هادفة إلى كف التنازع والتناحر، وإلى إحلال السلم، وهو إيمان ما يزال قائما في هذا الأوان، فالطبيعة البشرية الأخلاقية تهدف على الدوام، إلى إحلال السلم إحلالا دائما. وأولئك الذين خبروا النتائج اللاأخلاقية للحروب، يميلون أكثر من غيرهم، إلى رفض الصراعات اللامجدية في مؤلفاتهم، وإلى دعوة الأمم والدول إلى إقامة علاقات ودية فيما بينها، فالكاتب الألماني بيرتولت بريخت (1956-1898) Bertolt Brecht يدعو على غرار الشاعر الروماني فيرجيل، إلى وقف الحروب الدامية، وهو الذي خبر مآسي الحربين العالميتين الأولى والثانية. وما يميز الميل البشري الأخلاقي هو طوباويته الواضحة، فالهدف النهائي هو إحلال السلام الدائم، وكف الطموحات السياسية والعسكرية، وإنهاء ظاهرة العنف. وبيرتولت بريخت الذي صور البؤس والحماقات الناتجة عن الحروب، انتقد انتقادا لاذعا الرأسمالية بوصفها مقدمة لنتيجة، هي التصارع والتنازع، وعبر عن إيمانه بالواقعية الاشتراكية، إيمانا عميقا. وبالطبع فإن أميال الشاعر الروماني فيرجيل تتفق مع هذه الأميال الواقعية الاشتراكية، فالميل الطوباوي الرومانتيكي ليس على تناقض مع الميل الواقعي الاشتراكي، وفي (الإنياذة The Aeneid) يصف فيرجيل المآتي الحمقاء للصراع الدموي اللامجدي، التي تتضمن أعمال التعذيب والوحشية، وتهديم البيوت، والحرائق، وقتل الزوجات والأبناء :
رجل يقف وسط مدينة/ تحف بها ألسنة اللهب/ ويراقب موت ملكها/ الوقت ليل وقد استيقظ من سبات عميق/ ليكتشف أن قوات العدو قد اقتحمت أسوار المدينة/ وبدأت تمارس أعمال التعذيب والوحشية/ لقد هدموا بيته ولم يعد يستطيع العثور على زوجته وابنه/ ربما قتلا...
واللافت أن للمواقف المتعارضة والمتقابلة من يمثلها على الدوام، فالموقف الهادف إلى إحلال السلم في العالم له من يمثله، كفيرجيل وبيرتولت بريخت، وطائفة من الرومانتيكيين، وذوي الأميال الصوفية العميقة، كجبران خليل جبران وأندريه جيد. والموقف الميال إلى استخدام العنف، والدخول في صراع مرير من أجل الوصول إلى المطامح الإرادية الأنانية الذاتية، له من يمثله كذلك الأمر، فالملك ماكبث في مسرحية (ماكبث) للكاتب الإنكليزي وليم شكسبير (1616-1564) William Shakespeare، ينجرف انجرافا تاما وراء إرادته الشوبنهاورية العمياء، ويقترف الجرائم بحق القادة الفضلاء، ويستولي على السلطة، مدفوعا بمطامحه التي لا تقف عند أية حدود، ويفرض على الرعية ضروبا من الطغيان العنيف، الذي يؤدي إلى تخلف بلده أسكوتلندة، وإلى زوال الأنشطة الحضارية، التي تزدهر عادة في أوقات السلم وشيوع الأمن. واللافت لدى الشاعر الروماني فيرجيل، امتداحه العميق للفلاح الطيب، وهو ما يعني أنه النموذج البشري المثالي الغائي، والظاهرة في جوهرها طوباوية رومانتيكية. وهناك من يعبر عن هذه الرؤية تعبيرا مباشرا في هذا الأوان، فالرومانتيكيون من الأدباء والشعراء والفنانون الأخلاقيون، يمجدون الفلاح الطيب على طريقة فيرجيل، وهم يمجدون أيضا الأعمال الزراعية، التي مجدها هذا الشاعر الروماني القديم، وأشاد بها إشادة عظيمة في ديوانه الذي حمل عنوان (قصائد ريفية The Eclogues):
بالتأكيد سيأتي اليوم/ الذي يجد فيه فلاح يشق بمحراثه تربة حقله/ رماحا وسيوفا قديمة علاها الصدأ/ وسيقلب سلاح محراثه خوذات لمحاربين قدماء/ وسيقف هذا الفلاح الطيب وقد ملأت نفسه الحيرة/ أمام العظام المفتتة لأبطال المعارك التي خلدها التاريخ...
:sh41:
أي أن الحروب وفق رؤية فيرجيل، حوادث مؤقتة وليست أبدية، ولا بد من انتصار إرادة الفلاح الطيب في وقت من الأوقات، ولا بد أيضا من وقوعه في حيرة وارتباك أكيدين، فالحروب التي توقفت وانتهت وزالت من الوجود، تحولت إلى تراث إنساني غير مرغوب فيه، وغير مفهوم، أو مبرر عقلانيا، وفق رؤية الفلاح الطيب، الذي انتصرت إرادته الأخلاقية المتعالية والمتسامية، في نهاية المطاف، على كل المعوقات التي تعرقل تعاليها وتساميها الأخلاقي المثالي، أي أن الإرادة البشرية الأخلاقية الطيبة قد ابتعدت عن الميل العدواني، ابتعادها التام، ولم تعد تخطط لشن الحروب، أو تفكر بالاعتداء على الآخر، وهو ما يجعلها غير قادرة على فهم ظاهرة الحرب، وما هذه الظاهرة الآن غير خبرة بشرية قديمة، والخبرة المسالمة الطوباوية غير قادرة على إدراكها، إلا بوصفها خبرة غريبة عنها تماما. وما من شك في أن الحروب الدامية التي خبرها فيرجيل عن كثب، قد أدت به إلى اتخاذه موقفه المسالم هذا، الذي يفيض بالتفاؤل، وبالتطلع الواثق إلى المستقبل الموعود، على خلاف موقف الشاعر الإيطالي دانتي أليجييري (1321-1265) Dante Alighieri، الذي خبر أوضاعا دامية وعنيفة، كالتي خبرها سلفه فيرجيل، مما أدى به إلى ابتكار (الكوميديا الإلهية)، وإلى إظهار ميله الطوباوي، ورجائه الهادف إلى إحلال الفضيلة والسلم في أنشودته (الفردوس)، وهو الشاعر الذي لم يشهد في حياته كلها، أوضاعا مستقرة في موطنه إيطاليا، فالحروب والصراعات بقيت قائمة طوال حياته، ولم تنعم المدن الإيطالية بالسلام والأمن، وبازدهار العلوم والفنون، ازدهارا موصولا وعاكفا على نفسه، وهو ما يفسر الميل التشاؤمي لديه، بالمقارنة مع فيرجيل، الذي شهد إحلال السلام في الإمبراطورية الرومانية، بعد انتصار أغسطس قيصر على كافة أعدائه، واستتباب الأحوال واستقرارها، وتمهيد السبيل مع ازدهار الحياة العامة، وكافة تجلياتها الأدبية والفنية والعلمية.
:sh41:
وكدانتي فإن الكاتب الألماني بيرتولت بريخت لم يهنأ بالعيش الآمن، بل قضى حياته منفيا يتنقل من بلد إلى بلد، إلى أن انتهى به تجواله في ألمانيا الشرقية، غير أن معاينته للمثال السوفياتي الواقعي الاشتراكي، أدت إلى انهيار آماله انهيارا تاما، وإلى وقوعه فريسة لتشاؤم مرير، من النوع الذي أصاب دانتي. ومن الطبيعي أن يتحول الأدباء الأخلاقيون، الداعون إلى كف التنازع والتناحر، إلى أمثلة أخلاقية رفيعة، وإلى نماذج تحتذى من معاصريهم، ومن القادة السياسيين والعسكريين، في الوقت الذي تكون فيه الصراعات على أشدها، فالنماذج البشرية الموصوفة راغبة في السلام، وراغبة عن أي ميل ذاتي يقودها إلى الاشتراك في المنازعات والخصومات، وهو الأمر الذي لم يستطع دانتي تجنبه، فأحداث حياته تتضمن انخراطه في الحياة السياسية، وفي المنازعات الدامية، وهو يعترف في مطلع أنشودته (الجحيم) بضلاله الأخلاقي على عدة مستويات، وبنشدانه للتطهر، ورجائه في معاينة الذات الإلهية في نهاية المطاف. غير أن هذه المنوالية ترافقت مع إحساسه الأليم بالبؤس، ومع فشله المتكرر، لدى محاولته التعامل بنجاح مع الواقع القائم، وبالتالي مع ميله التشاؤمي، ورغبته الحارة في الانتقام من خصومه.
:sh41:
ومما يهدف إليه فيرجيل في ديوانه (قصائد ريفية)، دعوة الجميع إلى الانسجام مع الطبيعة، والاقتراب أكثر فأكثر من الأرض، قصد إقامة علاقة حميمية مع الكون كله، وهي الدعوة الموجودة لدى أدباء وشعراء رومانتيكيين كثر، كإيليا أبي ماضي وأبي القاسم الشابي. والكمال الأخلاقي الذي يتصف به فيرجيل، له تمظهره في مؤلفاته، التي تتصف اتصافا تاما بالإتقان الفني، وبالمثل فإن (الكوميديا الإلهية) لدانتي، تتصف بإتقانها الفني، وهو الشاعر الذي ينطوي انطواءا أكيدا على كماله الأخلاقي، بالرغم من الظروف الحياتية القاسية التي أوقعته في الضلالة مرارا وتكرارا. وللميل الطوباوي لدى فيرجيل خصوصيته الموجودة لدى الأدباء والشعراء الآخرين، فالشاعر يتحدث عن مملكة النحل، بطريقة توحي بأنها مملكة نموذجية مكتملة، فهناك كبار السن المسؤولون عن حماية المملكة، وبناء الأسوار حول أقراص الشهد، وهناك صغار السن من العاملين النشطاء، الذين يكدحون من أجل بناء الخلية بناء مكتملا:
إن كبار السن هم حراس المدينة/ الذين يقيمون الأسوار حول أقراص الشهد/ أما الصغار فإنهم يعودون كل مساء متعبين/ بعد أن أنهكت قواهم رحلة النهار/ متنقلين بين الأزهار/ إنهم يعودون وأرجلهم مثقلة بالرحيق الذي جمعوه/ تبدأ رحلتهم هذه كل صباح/ وعندما يبزغ نجم السماء/ يعودون إلى خليتهم الهادئة للنوم...
:sh41:
والتوصيف الذي يقدمه فيرجيل، توصيف طوباوي يمتدح الغريزة المعصومة عن الخطأ، ويجعلها تنطوي على الأخلاقية الرفيعة، وهو يمتدح العمل والكدح امتداحا تاما، ويربطهما بالفضائل الأخلاقية، ربطا غير قابل للانفصام. على أن المؤلف الأهم الذي تركه للأجيال اللاحقة، هو مؤلفه الذائع الصيت، الذي حمل عنوان (الإنياذة)، والذي يعبر فيه عن آمال وطموحات أمة بأكملها، فالبطل القومي إينياس يقود الطرواديين اللاجئين، الذين طردهم اليونانيون من مدينتهم طروادة، إلى أرضهم الموعودة إيطاليا، عبر سلسلة من المغامرات، في حوض البحر الأبيض المتوسط، إلى أن يتمكنوا بعد معاناة كبيرة، من الوصول إلى أرضهم الموعودة، وتأسيس دولتهم، التي توطدت أركانها، وعم السلام فيها، وازدهرت العلوم والفنون في ربوعها، وفي هذا إشارة جلية إلى الإمبراطور أغسطس قيصر، الذي انتصر على خصومه، ووفر الأمن والسلام في موطنه، بعد قرون طويلة من الاقتتال الدموي العنيف.
:sh41:
وبالطبع فإن البطل إينياس كظاهرة سيكولوجية أخلاقية مكتملة، ما يزال له حضوره القوي في العالم، والانتشار الكبير الذي ظفرت به رواية (الخيميائي The Alchemist) للكاتب البرازيلي باولو كويلهو دليل على ذلك، فالبطل سانتياغو في هذه الرواية الثيوصوفية الطوباوية، يتبع حلمه بإخلاص تام، وهو الحلم الذي يقوده إلى كنزه المدفون قرب الأهرامات في مصر، إلى أن يصل إليه في نهاية رحلة شاقة، يقطع خلالها الصحراء الكبرى، من أسبانيا حتى مصر، وبالطبع فإن الاكتمال الأخلاقي لدى البطل سانتياغو، والإيمان اللامتناهي بإمكانية تحول الحلم إلى حقيقة واقعة، يكفل له النجاح، بالرغم من تردده في اتخاذ القرارات، وعدوله عن هذه التردد، وإقدامه على اتخاذها، وهي الظاهرة الموجود لدى البطل إينياس، في (الإنياذة) لفيرجيل. وثمة ظواهر أخرى مشتركة، فالبطلان رجلان عاديان، بالرغم من إنجازهما العظيم، والكاتبان الروماني القديم والبرازيلي المعاصر، يعتمدان التركيز والتكثيف في أسلوبهما، بالإضافة إلى البساطة والوضوح. ومن الطبيعي أن يتوقف الذهن أمام الخصوصية التي ينطوي عليها الميل الطوباوي، المتعالي والمتسامي، وذلك لدى التمعن في ظاهرة الحلم، وفي الهدف الأخلاقي، المثالي الغائي، الذي يقود البطلين إينياس وسانتياغو، إلى إتمام رحلتهما الشاقة، من أجل الوصول إلى الأرض الموعودة، أو إلى الكنز المدفون، وهو ما يعني الدفاع عن السيكولوجية الأخلاقية في العالم دفاعا مستميتا، عن طريق أسطرتها أسطرة مظفرة.
:sh41:
وإنه لمن الغريب أن يطلب فيرجيل إحراق مخطوطة (الإنياذة) قبل وفاته، وهو الطلب الذي رفضه الإمبراطور أغسطس قيصر، وأصدر أمرا بحفظها، وطبعها فيما بعد. والغرابة تتأتى من حقيقة شيوع السلام وازدهار الفنون، بعد عقود من الاضطرابات والمعارك الدموية، وليس من المعقول أن يتقدم الشاعر بهذا الطلب، لمجرد أن الفرصة لم تتح له كي يعدلها وينقحها، ولربما أمكن تفسير الظاهرة انطلاقا من حقيقة كونه أخلاقية مكتملة، فالسيكولوجية الأخلاقية التي تحققت على المستوى الفردي، يصعب تعميمها، وهو ما يعني انهيار مشروعها في نظر ذاتها، وإن كانت السيكولوجية الأخلاقية تنظره على الدوام بوصفه مشروعا واقعيا، بالرغم من طوباويته. لكن إقدام كتاب آخرين على إحراق كتبهم، أو على التفكير بإحراقها، يظل أمرا مفهوما، عندما يطلع المرء اطلاعا كافيا، على الأحوال السيئة التي تحوطتهم، وهكذا فإن القارئ الباحث يتعاطف بطريقة أو بأخرى، مع أبي حيان التوحيدي، الذي أقدم على إحراق كتبه، مدفوعا بيأسه من إصلاح الأحوال في عصره، إصلاحا أخلاقيا مكتملا، وهو الكاتب الكبير الذي يمتلك سيكولوجياه الأخلاقية المكتملة والمقتدرة.
:sh41:
ومن ناحية أخرى، فإن ما يقال عن مطامح فيرجيل الهادفة إلى هجر الشعر ودراسة الفلسفة، أمر يتصف بالغرابة، فالشعر الذي خلفه هذا الشاعر الروماني القديم، ينطوي على فلسفة طوباوية، تحاول باندفاع وإصرار، الانتقال من المحسوس إلى المعقول، وهي فلسفة تنتهي بالماورائيات في نهاية مطافها، بالرغم من انتمائه إلى الحقبة الوثنية، ثم إنه الشاعر الذي اطلع على المعارف المتراكمة في عصره، وهي المعارف التي تتضمن الفلسفة بطبيعة الحال. والشاعر الإيطالي دانتي أليجييري يعتبره أعظم الشعراء الوثنيين، انطلاقا من حقيقة انطوائه على المبادئ الأخلاقية، التي أقرتها الفلسفة الأخلاقية القديمة، وأكثر من كل هذا، فإنه يتخلى عن تطرفه المعهود، ويجعل من الشاعر الوثني، منقذا ومعلما ومرشدا، في الأنشودتين الأولى والثانية من مؤلفه (الكوميديا الإلهية)، وهما أنشودة (الجحيم) وأنشودة (المطهر)، وفي هذا دليل آخر على اكتمال فيرجيل من الناحية الأخلاقية، على أن المفارقة تظل قائمة، فالشاعر دانتي الذي يعترف بفضل فيرجيل عليه، وبتفوقه من الناحية الأخلاقية، يجعله دليله ومعلمه في (الجحيم) و(المطهر)، ويخلفه وراءه لدى وصوله إلى (الفردوس)، مما يعني التزامه التقليدي الحرفي، بالمبادئ اللاهوتية التي شاعت في القرون الوسطى.
كنتم مع ::
حجــــ زرقا ـــــه
من ورائ المكتبهـ الثكافيهـ ^,^