المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : قبل الانفجار ... بقلم رشيد ثابت


سامي الروسي
04-15-2008, 01:26 PM
الذاكرة الجمعية للأمة لا يمكن لها أن تخطيء بالمجمل. صحيح أن تراث الأمة في الحكمة والمثل تسربت له بعض "الإسرائيليات" الخُلُقِيَّة في بعض لحظات الضعف والتراجع والهوان (مثلاً استحضروا معي المثل الشعبي الرديء الذي يقول:"اللي بيتزوج أمي بقوله يا عمي" أو التأويل الرديء للمثل الشعبي الآخر القائل "على قد لحافك مد رجليك"؛ والذي لطالما استخدمته الحكومات العربية في تبرير فضيلة وحتمية تعايش فقراء الأمة مع وضعهم الاقتصادي المنهار بفعل فساد الطبقة السياسية السَّرَّاقة!) إلا أن المتن العام لميراث حكمة الأمة صحيح: صحيحٌ عقلاً لفهمنا للآلية المعقدة التي أنتجت هذه الحكمة بتراخٍ زمنيٍّ واسعٍ عبر الأجيال؛ وصحيحٌ نقلاً أيضًا – إن شتئم – في تأويلٍ للنص المأثور "لا تجمع أمتي على ضلالة"؛ والله تعالى أعلم!



والمثل الذي يفرض اليوم نفسه بحضورٍ قويٍّ هو قول العرب المشهور: "قد أعذر من أنذر". فمنذ أيام وأسابيع وشهور وحماس تحذر وتنذر أن صبرها وصبر شعبها تجاه الحصار والقهر والقتل المنهجي المستمر آخذٌ بالنفاذ؛ وحسب حكمة المثل أعلاه فلن تكون حماس ملومةً مهما كان الإجراء الذي تتخذه لكسر قيود غزة بعد أن أشهدت العالم على معاناة شعبها.



لكنَّ فتح والنظام المصري لا يفهمان تحذيرات حماس ولا يقبلان حججها وتقديمها لنفسها لأنهما مجتثَّان من قرار ضمير الأمة ووعيها وحكمتها؛ ويُسقَيَان بماءٍ معجونٍ بصهينة "ليفني" ومُعَمَّدٍ بأمركة "كوندي". فقد صار سقف الإبداع عند النظام المصري أن يعمل كرسولٍ مُفوَّضٍ من الكيان لنقل الإملاءات إلى حماس. أما فتح فتكتفي بدور الرسول إلى الرسول أو الوسيط إلى الوسيط؛ وأنا حقيقةً لا أدري ما قيمة أن يخرج عباس أو المالكي ليطالبا مصر بالسعي للتوصل إلى "تهدئة جزئية" في غزة فقط – رفضتها حماس بحزم – ويكررا ترديد ما يطلبه النظام المصري نفسه من وقفٍ للصواريخ (صواريخ حماس بطبيعة الحال) وإنعكاسًا لرغبات الكيان؟ هو إذًا إصرارٌ على الحضور بأي ثمن؛ وتحت هذا العنوان تجيء أيضًا التصريحات "الوقحة" عن "القلق على حدود مصر" من التهديد باجتياحها! هذا مع العلم أن صاحب التصريح لا يشعر بجرح في الكرامة وعربات الجيش الإسرائيلي تمرق كل ليلة ويوم من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله ومن فوقه ومن تحته! كيف يمكن لا أقول لرئيس وطني بل لإنسان غير خائن ولا جبان أن يقبل أن يجوع شعبه ويموت؛ ويدافع هو عن هذه المذبحة بإدعاء الحرص على سلامة حدود مصر؟ أليس الوطني الحق يرى وطنه وشعبه فوق كل شيء ويعتبر العالم كله حفنة تراب قياسًا بالوطن؟!



لكن هؤلاء مجرد مرتزقة يسكنون في مصالحهم وامتيازاتهم ومظلة الانتفاع المضمون بالنسبة لهم وهي المفاوضات؛ وشعارهم المعلن هو:

مفاوضاتي لو شغلت بالخلد عنها * * * نازعتني إلى جلساتها في الخلد نفسي! (ومع الاعتذار من شوقي ومن الخليل)



وهم الآن يشنون غارة استبسال تفاوضي خارق ويخوضون حمى تنافس حاد بين أوسلو جديدة ينضجها قريع مع "ليفني" أو صفقة ضبابية كلامية مبهمة غامضة بين عباس و"أولمرت" يُعلن عنها بين يدي زيارة "بوش" للكيان للاحتفال بعيد ميلاده الستين. ترى من بين الزعيمين الكبيرين في فتح سيمحو ذكراك السيئة يا "أبا غبشان"؟ (هذا الأعرابي يُضرَبُ به المثل في الصفقات الخاسرة؛ إذ أن أبا غبشان هذا باع مفاتيح الكعبة لقصي بن كلاب بزق خمر واحد. هذا ونحن لا نؤكد ولا ننفي وجود صلة قرابة يين "أبي غبشان" وياسر عبدربه!)



هؤلاء مصرون على إنقاذ الكيان؛ ويفاوضون ليحصلوا على دولة تحمي "إسرائيل" أو كما يقول "أولمرت" أثناء جولته الأخيرة في الخليل: "توجد أهمية كبيرة للوصول الى دولتين للشعبين، وإلا فإننا قد نتدهور أسرع مما نظن الى واقع لا يطاق من دولة ثنائية القومية". وهم حريصون على بقاء الاحتلال وبقاء اقتصاد القطاع وطعامه ووقوده رهنا بالقرار الصهيوني؛ حتى إذا ما قرر الكيان مرة أن يترك القطاع أصروا على بقائه جزئيٍّا من خلال اتفاقية خيانية لإدارة معبر رفح. وحين حدث الكيان نفسه مرة أخرى بترك غزة نهائيًّا وبعد أن دكت جموع الغزيين جداره الخانق رد الطرفان – مصر وفتح ومن معهما من عرب أمريكا – بتصريحات تحذر المحتل من التخلي عن مسؤولياته؟! هل سمعتم عن ذبيحة تحذر الجزار من التخلي عن مسؤوليته التاريخية في قتلها وسلخها وجرمها وفرمها؟!



لكن "إسرائيل" تَصْدُقُ نفسها ولذلك لا تبيع نفسها أية أوهام من طراز ما يزينه شريكاها في كره الإسلاميين؛ ويتحسب الكيان لحماس وخطط حماس يومًا بيوم؛ ويرصد مؤخرًا أن الحركة " تواصل جمع كميات هائلة من الوسائل القتالية المتطورة، بما فيها صواريخ محسنة مداها يصل الى ما وراء عسقلان؛ وصواريخ متطورة مضادة للدبابات من طراز "كونكورس" من التي استخدمها حزب الله في حرب لبنان الثانية وعبوات ناسفة شديدة الانفجار. كما يتبين أيضًا أنه منذ استيلاء حماس على الحكم في قطاع غزة، في حزيران 2007، هربت المنظمة الى القطاع نحو 80 طن من المادة المتفجرة"



وتواصل "إسرائيل" تحذير نفسها من تأخر إطلاق "شاليط" أو احتمال انضمام زملاء جدد له وأثر هذا الهاجس على معنويات جنود الاحتلال؛ فيُذَكِّر "عاموس هارئيل" في "هآرتس" أن الصحفيين الذين رافقوا رئيس هيئة الأركان الأسبق "شاؤول موفاز" في "المناطق" في بداية الانتفاضة الثانية لاحظوا وجود ظاهرة هامة؛ ففي كل مرة كان "موفاز" يلتقي فيها مع الجنود كانوا يطرحون سؤالين فقط: ما هو مصير الجنود الثلاثه الذين اختطفوا في أكتوبر 2000 في لبنان ولماذا ترك الضابط "مدحت يوسف" (درزي) وهو ينزف حتى الموت في قبر يوسف في نابلس؟



"إسرائيل" ترى الخطر القادم؛ وتحسب حساب انفجارٍ ما تجاهها وربما تجاه مصر أيضا؛ وتشكر الحظ الطيب الذي أنقذ جنودها من الأسر المحقق في عملية "ناحل عوز" الأخيرة. ونحن لا ننقل عن مصادر الكيان لنتقوى بها؛ فثقتنا بالله عز وجل أولاً ثم بجنود القسام والمقاومة أكبر من الكيان وممن هم خلف الكيان وممن هم دونه من حلفاءه بطبيعة الحال؛ لكن يطيب لنا في هذا المقام فقط أن نسجل عرضًا لحال مختلف الأطراف قبل الانفجار القادم لا محالة؛ وقبل أن تقع الواقعة التي ستخلط الأوراق وتغير قواعد اللعبة؛ ليكون هذا الرصد حجة عليهم فيما نعتقد أنه سيعقبه نصرٌ كبيرٌ للمقاومة وخزيٌ للصهاينة والمنافقين معهم! وتذكروا حينها أن حماس أنذرت فأعذرت؛ وأرسلت خليل الحية وخالد مشعل وأيمن طه وسامي أبو زهري ومشير المصري رسلاً يحذرون من الانفجار القادم!

رشيد ثابت

كاتب فلسطيني في السويد