المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : صيدلة الروح ....( الباب التاني )


blue-girl
12-15-2007, 06:05 PM
الباب الثاني


علاجات الرأس


التـشخيص

لقد أصبحنا معلّبين ضمن ملفات الفكر ومصنفاته.. معلّقين ومتعلقين بها.. وأصبح العقل حاكماً علينا بدل أن نكون نحن حكاماً عليه... نسينا أننا خليفة الله انطوت فينا الأبعاد والسماوات، فغرقنا في متاهات الأوهام والتخيّلات...
ولكن ما هو الفكر؟
إنه كمبيوتر حي... ولكن أنت لست الكمبيوتر، لستَ آلة بل آية، أنت المشاهد أنت الشاهد عليه، تستطيع إقفاله أينما وحيثما تريد...
عندما يولد الطفل يكون نقياً صافياً بريئاً، بلا أفكار، بلا أخبار، لا وجود للّغو أو الثرثرة في داخله، لأن هذه التقنية تحتاج ثلاث أو أربع سنوات حتى تبدأ بالعمل... وتتحدث البنات عادة قبل الأولاد، إنهن أكثر ثرثرة، ويمتلكن أفضل نوعية من هذا الكمبيوتر الحي أو "الفكر"... وإذا حاولتَ تذكّر حياتك الماضية ستصل إلى مكان ما وأنت بعمر أربع سنوات إذا كنت رجلاً، أو ثلاث سنوات إذا كنت امرأة ووراء ذلك العمر لا شيء سوى الفراغ المطلق.....
لكنك كنت هناك، والعديد من الأحداث قد مرت بك... لكن لا وجود لذكريات مسّجلة عنها... مع أنك تتذكر الماضي كله ابتداءً من سن الثالثة وبكل وضوح...
يقوم الفكر بجمع المعلومات من الأهل، المدرسة، الجيران، الأقارب، الأطفال الآخرين، المجتمع، الكنيسة، الجامع،...
فكل ما يحيط به هو مصدر للمعلومات....
إذا راقبنا طفلاً صغيراً وهو يبدأ بالكلام للمرة الأولى سنجده يعيد الكلمة ذاتها مراتٍ ومراتٍ، فهو سعيد مبتهج لأن تقنية جديدة، قد بدأت بالعمل لديه...
وعندما يبدأ بتركيب الجمل فانه يُكوّن جملاً مضحكة مبهجة.... يكررها مراراً... ثم يبدأ بطرح الأسئلة عن أي شيء، وكل شيء، دون أن يكون مهتماً بمعرفة الأجوبة عن تلك الأسئلة... فلا ضرورة لأن تعطيه جواباً علمياً مطولاً، لأنه سعيد بمقدرته على السؤال فحسب...
ثم يكتسب المزيد و المزيد من المعلومات شيئاً فشيئاً من خلال القراءة ولكنها ليست سوى تراكمات وتزاحمات مقتبسة مستعارة من الخارج وليست معرفة حقيقية داخلية، لأن باب مدينة العلم في الداخل، لا في المدارس والجامعات والشهادات... إنه في أشهد فحسب...
في العصر الحالي لم يعد العلم يطعم خبزاً، أما الكلمات فتقوم بذلك، وكلما كنت متحدثا جيداً كسبت أكثر...
ما هو الشيء الوحيد الذي يجمع بين القادة، رجال السياسة، الأساتذة، علماء الدين واللاهوت والفلاسفة؟؟؟
إنه الكلام البليغ الفصيح، إنهم يعرفون كيف يستخدمون كلمات رنانة طنّانة، متناغمة متناسقة، لذلك يستطيعون أن يؤثروا بالآخرين ويتركوا انطباعاً قوياً لديهم...
مجتمعنا كله مسيطر عليه من قبل الأشخاص المتحدثين ذوي الألفاظ الرنّانة، الذين يعرفون كيف يتلاعبون بالكلمات والعبارات وربما لا يعرفون أي شيء أبعد من ذلك...
إنها مجرد لعبة، وقد تعلموها جيداً، وهي تعود عليهم بالسلطة والمال والاحترام، في كل المجالات والمتاجرات...
ولهذا يحاول الجميع القيام بذلك، حتى غدا العقل محشواً بكم هائل من الأفكار والسخافات والترّهات...

يمكننا تشغيل أي كمبيوتر أو إغلاقه، ولكن لا يمكننا إيقاف التفكير، لأنه لا وجود لمفتاح للعقل... لذلك يعمل باستمرار من الصباح إلى المساء، ومن المساء إلى الصباح...
من الولادة وحتى الممات....
الحل والمفتاح هو بالتأمل، والطرق إلى الحق كثيرة عديدة بعدد أنفاس الخلق...
هناك بحث غريب جداً لدى علماء فيزيولوجيا الدماغ وهو:
إذا تم أخذ الدماغ من جمجمة إنسان حي واحتفظ به حياً بشكل اصطناعي فإنه سيستمر في الثرثرة واللغو بنفس الطريقة دون أن يعنيه مطلقاً أنه لم يعد متصلاً بذلك المسكين الذي كان يعاني بسببه.!.!.
ورغم اتصاله بالأجهزة الكهربائية الميتة سيبقى يتخيل ويتصور، ويحلم ويتوهم، يخاف ويأمل، يخطط ويحلل، يحاول أن يكون هذا أو ذاك....
يمكن الاحتفاظ بذلك الدماغ حياً لآلاف السنوات، مرتبطاً بالآلات الميكانيكية، وسيواصل اللغو ذاته، حول الأشياء ذاتها لأنه لم يعد باستطاعتنا تعليمه أموراً جديدة، ولكن بمجرد أن نزوده بأشياء جديدة فإنه سيقوم بإعادتها وتكرارها...
ولذلك يُعد موت أدمغة كبار العلماء مثل أينشتاين خسارة فادحة، فلو استطعنا إنقاذ ذلك الدماغ وزرعه في جسد إنسان ما فإنه سيواصل عمله ويتابعه سواء كان أينشتاين حياً أم لا، سيستمر بالتفكير بنظرية النسبية وبالنجوم وبعلوم الفيزياء.. وكما تتبرع الناس بدمها، وأعضائها، يمكنها أن تمنح أدمغتها أيضاً، إذا كانت أدمغة مميزة فريدة...!
وهكذا يمكن أن يتحول أي أحمق إلى أينشتاين دون أن يعرف أبداً، لأنه لا توجد حساسية مطلقاً داخل جمجمة الإنسان... وبمجرد أن يصبح الشخص فاقداً لوعيه يمكننا أن نغير أي شيء نريد تغييره داخل دماغه أو حتى تغييره كله... ليستيقظ المسكين بدماغ جديد.. وبثرثرة جديدة.. دون أن يرتاب مطلقاً بما حصل...

إن هذا اللغو هو ثقافتنا وهي ثقافة ناقصة جاهلة، لأنها تُعلّمنا نصف العملية فحسب، إنها تعطينا القفل بلا مفتاح، أو البيت بلا باب، تعلمنا كيف نستعمل عقولنا، ولكنها لا تعلمنا كيف نجعلها ترتاح وتسترخي وتتوقف عن العمل...
العقل بحالة عمل متواصل متلاحق سبعين... ثمانين عاماً.. حتى وأنت نائم... إنه لا يعرف طعم الراحة حيث تتوالى أمواج الفكر متسابقة متدافعة باستمرار... لكن يمكننا إيجاد مفتاح للعقل وإغلاقه عندما لا نحتاج إليه بالتأمل... فالتأمل هو المفتاح إلى درب الصفاء والنقاء والأسرار...
إنه المصباح السحري الذي يضيء أمامنا ظلمة الطريق، ويرشدنا إلى الصراط المستقيم لنصل به إلى السكينة والسلام الداخلي لنعرف أنفسنا، ومن عرف نفسه، عرف ربه....
كما أنه يمنح العقل راحةً واسترخاءً وصفاءً فيغدو أكثر قدرة وكفاءة على إنجاز الأشياء بفعالية وذكاء أكثر... لتصبح أنت السلطان على عقلك وفكرك تستخدمه عند الحاجة فحسب، فيكون نشيطاً جديداً، ممتلئاً بالطاقة والحياة....
ويتحول كل ما تقوله من معلومات ميتة جامدة راكدة إلى شيء عميق أصيل مفعم بالطاقة والتجديد، بالثقة، والحقيقة، والإخلاص...
مع أن الكلمات قد تكون ذات الكلمات ولكنها أصبحت أبعد من حدود الحرف واللفظ موصولة بنبض الوجود لأنك فتحت باب قلبك لنبع الحياة اللامحدود فتبدد ضباب الفكر وانكسرت القيود...

إن ما يُعرف بالكاريزما "الحضور الساحر للشخص" ما هو ببساطة إلا ذلك العقل الذي يعرف كيف يرتاح ويتطهر من مستنقع الأفكار والمحاكمات... ليُشحن بالطاقة، وليتجدد بالحياة... لذلك عندما يتكلم يكون كلامه بمثابة شعر، أو غناء، صلة وصلاة... فيضٌ من عطر ونور وبركات...
لكن العقل الذي يعمل ليلاً نهار مُلزمٌ أن يصبح ضعيفاً، غبياً، كسولاً متخلفاً.. ولهذا يظل الملاييييين من الناس أشقياء، أغبياء، بلا دور وتأثير، مع أنه كان بإمكانهم أن يصبحوا من أصحاب الحضور والبركة والنور...

يمكننا أن نجعل الفكر يهدأ ويصمت لنستعمله عند الحاجة فحسب، ليعود بقوة فجائية سريعة، بعد أن يجني طاقة هائلة، لتذهب أية كلمة نلفظها من القلب إلى القلب مباشرة...
ولكن هذا لا يعني أن عقول الشخصيات ذات الحضور القوي تتمتع بقدرة تنويم مغناطيسية، وإنما هي عقول قوية، جبارة، متجددة، متطورة، تنبض حياة وتدفقاً باستمرار...

هذه فوائد التأمل من ناحية العقل، أما من ناحية النفس والروح، فإن السكينة تكشف أمامنا كوناً جديداً من الأبدية والخلود، ومضة مختلفة من الوعي الكوني الأزلي... من السلام والاستسلام التام لخالق الأكوان...
فلتغامر بكل شيء من أجل تلك الومضة.. وتلك اللمحة.. إلى أن تفنى حبة الرمل في الصحراء... ويموت الجزء في الكل.. وتذوب الذات في الروح... ولا يبقى إلا المعبود والمعشوق.... لا يبقى إلا الواحد الأحد... فالتأمل هو التدين الحقيقي الطبيعي... إنه روح الدين وجوهره...
وهو يمنحنا كلا العالمين معاً:
العالم الإلهي والعالم الدنيوي... الدين والدنيا... علم الأديان وعلم الأبدان... وهذا هو ميزان الإنسان والأكوان.... فتأمل ساعة خير من عبادة سبعين عام...
لن نكون فقراء أو تعساء.. بل سنجني ثروة هائلة.. لكن ليس من المال بل من الأنوار والأبعاد أولاً... ثروة داخلية من الوعي الكوني الصافي... فالثروة الحقيقية هي في الثورة الداخلية....في الانتفاضة الروحية.... في الصحوة الكونية... والغنيّ الحقيقي هو من استغنى عن الأكوان كلها في سبيل رب الأكوان... لا ترحل من كون إلى كون... بل ارحل من الأكوان إلى المكوّن...

بالتأمل تصبح غنياً روحياً وتكتشف نورك الداخلي، تعرف من أنت ولماذا أتيت... تلعب دورك على مسرح الحياة... وتحرر طاقاتك الفكرية في بحر من المواهب الإبداعية الخلاّقة...
إن كل شخص يولد ومعه موهبة مميزة، وإذا لم يعش هذه الموهبة لذروتها وحدها الأقصى، فإن شيئاً ما بداخله سيبقى ضائعاً ومفقوداً...
سيستمر بالشعور بطريقة أو بأخرى أنّ شيئاً ما ينقصه... لهذا امنح عقلك إجازة واستراحة فهو بحاجة إليها، والطريقة سهلة للغاية، كن شاهداً عليه فحسب... شاهداً للحق... والنور... وسيتعلم العقل رويداً رويداً أن يكون صامتاً.... عندما يدرك أنه سيغدو أكثر قوة وفعالية من خلال هذه السكينة وهذا الاستسلام الكلي... ولن تعود الكلمات التي ينطق بها مجرد كلمات تخرج من الفم ولا تتعدى الآذان، بل ستحمل معها الصدق والحقيقة والشفافية، مما يجعلها تنطلق مباشرة كالسهم لتخترق صميم الفؤاد...
فالكلمة الصادقة تنطلق من القلب إلى القلب مباشرة...
وبذلك يكون الدماغ خادماً أميناً مشحوناً بطاقة هائلة يشرف عليها الصمت، صمت السائل والمسؤول... صمت الزهور لا صمت القبور... وستكون أنت السيد، الذي يستطيع استخدام العقل، أو وضعه جانباً كما يشاء... أنت قبطان السفينة تستطيع أن تفتح شراع الفكر أو ترفعه عندما تريد لتبحر في البحر وفي السماء...




الاستمتاع بالأفكار
إن الفكر جزء طبيعي جداً من وجودنا وحياتنا، لأننا وحدة متكاملة متناغمة، جسد، وفكر، وروح... ولا ضرورة لتحطيمه أو تعطيله وإلا سنصاب بالجنون والهذيان...
كيف يمكن للشجرة أن تتنكر لأوراقها وهي منها!!
كيف يمكن للسماء أن تتبرأ من غيومها، وللبحر أن يتخلى عن أمواجه؟..
لا يمكن ذلك... لهذا فالأمر الأول هو عدم محاولة إيقاف التفكير، أما الثاني فهو أن نستمتع بالأفكار، نرحب بها، نلعب، ونرقص، ونقفز معها موجة إثر موجة من هنا لهناك، وسنصبح بذلك أكثر وعياً وانتباهاً لها.. ولكن بشكل غير مباشر... دون جهد أو عناء...
لكنك إذا حاولتَ أن تكون واعياً بإرادتك فإن الفكر سيُلهيك ويشغلك.. فتغضب وتنفعل وتشعر بأنه فكر قبيح سخيف.. يلغو ويثرثر باستمرار... أنت تنشد الصمت والسكينة وهو لا يتيح لك ذلك... مما يجعلك منفصلاً.. منقسماً.. مشتتاً.. أنت وفكرك اثنين لا واحد، فلا تعود إنساناً كاملاً على صورة الله ومثاله، ويبدأ مسلسل الصراع والخلاف والنزاع...
وما هذا إلا نوع من أنواع الانتحار... لأنه سيكون لطاقتك محطماً... ولسعادتك مدمراً.... ونحن لا نملك كماً كبيراً من الطاقة حتى نهدرها هباءً منثوراً في التقاتل والتشاجر مع أنفسنا، بل يمكننا استخدام تلك الطاقة ذاتها في الفرح والمرح، في الابتهاج والاحتفال مع الطبيعة والوجود، في البناء والعمار، بدلاً من الخراب والدمار...

لنستمتع بأفكارنا... ولنراقب تلك الفواصل الدقيقة بينها، ولنلاحظ التغيرات والتحولات التي تطرأ عليها، وكيف تقود فكرة ما لأخرى، وكيف تتداخل هذه الأفكار وتتشابك مع بعضها بعضاً، كلوحة متداخلة الخطوط والألوان.. إذا تمعّنتَ فيها.. لن تجد أي ترابط فيما بينها إنها معجزة حقاً!!!..
العب.. وامرح مع أفكارك.. اجعلها مجرد لعبة تلعبها باستمتاع وابتهاج... وستندهش... ففي بعض الأحيان عندما تحط الرحال عند موقف جميل، ستسمع فجأة نباح كلب يقطع عليك سيل الأفكار ويجعلها تتوارى كلها وتتلاشى في دائرة النسيان... سيواصل الكلب نباحه... وستستمر أنت بالإنصات والإصغاء دون أية أفكار أو آراء... ستظهر لك فواصل جميلة مشرقة صافية.. تأتي وتذهب من تلقاء نفسها، دون أن تُحدث شيئاً ولكن ابتداءً من تلك الفواصل ستكون شاهداً فحسب...
ستزورك الأفكار من جديد، استمتع بها، واسبح معها موجة إثر موجةٍ، بكل تناغم وانسجام، كن شاهداً عليها، أنت السماء، أنت الفضاء، والأفكار هي الغيوم... لا تبالي بأمرها، ولا تتعلق بها، بل دعها تعبر هذا الممر بسلام، راقبها وهي قادمة، ذاهبة، صاخبة، عاتية، دون أن تترك أي أثر على السماء الزرقاء...
وهكذا... بشكل غير مباشر، ستصبح شيئاً فشيئاً أكثر وعياً لما خلف الأفكار... للسماء الداخلية اللامتناهية اللامحدودة المخفية وراء الستار...
الاستمتاع بالأفكار، ومراقبتها وهي تتحول وتتغير أمر ساحر خلاب، لا يضاهيه جمالاً وروعةً إلا رؤية المحيط بأمواجه المتلاطمة المتداخلة... وأنت هو المحيط... أنت الروح الساكنة الخالدة الصافية... والأفكار ما هي إلا أمواج ذلك المحيط، فابتهج بها...


تغيير الفكر
إذا كنت تعاني من إحدى العادات السيئة: كذب ـ طمع ـ حقد ـ حسد.. وتحاول جاهداً التخلص منها، يمكنك ذلك ببساطة دون جهد أو عناء، وما عليك سوى أن تغير طريقة تنفّسك فحسب، لأن كل عاداتنا القديمة مرتبطة بصورة أو بأخرى بأسلوب تنفسنا... وعندما نغير نمط التنفس سيتغير تفكيرنا مباشرة...
كلما رأيت نفسك تقع فريسة عادة قديمة.. ازفر مباشرة بعمق، وكأنك تطرح تلك الفكرة بأكملها مع الزفير.. ثم خذ شهيقاً عميقاً مرتين لثلاث مرات فتشعر بحالةٍ من الانتعاش والنقاء، وعندها لن تستطيع تلك العادة أن تستولي عليك بعد ذلك... وهذا هو العلاج الشافي الكافي..
عندما تريد التخلص من أمر ما عليك بالزفير، أما عندما تريد استقبال شيء معين عليك بالشهيق...
وراقب كيف سيتغير فكرك مباشرة لينساب فيك وعي جديد.. وتتخلص من ذلك الروتين القديم.
يمكنك أن تطبق هذا في كل العادات، فإذا كنت مدخناً وانتابك دافع للتدخين دون أن ترغب به حقيقةً.. فازفر بعمق مباشرة، وارمِ تلك الفكرة خارجاً، ثم خذ نفساً عميقاً عذباً... وسيختفي ذلك الدافع حالاً... وهكذا فإن نسيماً جديداً سيحررك من عادتك القديمة ولن تعود إليها مجدداً.....
ستصبح هذه الطريقة وسيلة هامة في عملية التغير والتحويل الداخلي لتتحول وتتطور... وتعود طبيعياً كالطير والزهر والشجر...




ترنيمة أوم

أجسامنا ميتة الإحساس، أفكارنا بركان يوشك على الانفجار... أرواحنا في غرفة الإنعاش... نحن ضائعين... تائهين... لا نعرف ماذا نريد، ولا إلى أين ذاهبين، في اضطراب وتشتت دائمين... فلا ضياع بعد هذا الضياع... ولا شقاء أكبر من هذا الشقاء... لكن لدينا الخيار أن نبقى في النار أو نتبع النور فالسر في قلوبنا ولكننا انشغلنا بالخارج ونسينا الجهاد الأكبر، جهاد النفس...

كلما شعرت باضطراب أو ضياع تستطيع أن تنشد أوم... هذه الكلمة من ثلاث أحرف فيها سر كبير... وذات الحروف في كلمة القيوم... طاقتها قريبة من طاقة "الرحيم" و "أ ل م"...
اجلس بصمت بشكل مريح، بعينين نصف مغمضتين، نظرك للأسفل، وتنفس ببطء، دون أن تتحرك، وأنشد أوم داخلياً بشفتين مطبقتين، كرر قول أوم بسرعة: أوم أوم أوم... بشكل عالٍ لكن داخلياً...
إن كل كلمة أوم ستلامس وجدانك، وتسكن وعيك، وتغرق في سكونك وسكينتك، لتشعر بطيف من الذبذبات يغمرك من أخمص قدميك وحتى قمة رأسك ليحيط بجسمك كله، كما عندما ترمي حصاة صغيرة في بركة ماء فيتعكر صفاء البحيرة وسكونها بظهور الموجات التي تتوسع وتتوسع حتى تبلغ أقصاها...
ستكون هناك لحظات نقاء وصفاء، لا تردد فيها شيئاً، وهذه هي أكثر اللحظات جمالاً وبهاءً، إنها لحظات الأسرار والأنوار الأبعد من حدود الأوهام والأفكار...
استمتع بها.... وإذا جاءت الأفكار لتقرع بابك، عُد من جديد للإنشاد والترنيم... يمكنك القيام بهذا التمرين لمدة عشرين دقيقة صباحاً ومساءً... ولكن قبل ذهابك للنوم بساعتين على الأقل، لأن هذا التمرين سيمنحك نشاطاً وانتعاشاً شديداً لم تشعر به من قبل.


احذر من لا..!

وظيفة الفكر هي الشك والظن والرفض... أن يقول لا.. فالفكر يقطع ويفصل... يقسم ويشتت.. أما القلب فيجمع ويّوحد... يلم ويضم... لتعد إلى قلبك بحنين طير مشتاق إلى وطنه... فالقلب هو المرشد والدليل، وكل الدروب تؤدي إلى الحقيقة إذا كانت القلوب متعطشة متشوقة للفناء واللقاء...
لنراقب أنفسنا كم مرة نقول "لا" في اليوم، ولنحاول إنقاصها، وسنرى رويداً رويداً تغييراً في درجات الـ "نعم" والـ "لا" لتتغير شخصيتنا جوهرياً..
نحن نندفع بتسرّع ونقول لا، دون أن يكون هناك داعٍ لقولها، مع أننا كنا نستطيع قول نعم...
"نعم" هي موت الأنا والاستكبار والتكبّر، موت التعاظم والتفاخر.. أما "لا" فهي للأنا غذاء وسماد وماء.... فلنتحرر من سجون الأنا المظلمة الموحشة إلى فضاءات الروح الفسيحة وأنوارها المضيئة...
أكثر من نصف أمراضنا تنتج من الاستكبار والحل هو بالتحول من هذا الاستكبار إلى الاستغفار، الاستغفار من كل شيء... من الحجر والشجر، من الطير والبشر...

عندما تقول: "لا.. لا.. لا!" تظهر أنا متعالية متعاظمة في داخلك...
اذهب لمحطة القطار، وتوجّه للنافذة لشراء بطاقة، ولكن لن يتم الأمر كما تتوقع، حيث ستنتظر وتنتظر دون أن يعيرك البائع اهتماماً.. فهو مشغول بأمر آخر، مع أنه لا وجود لأحد آخر... إنه يحاول أن يقول لك "لا"... وسيعطيه هذا شعوراً هائلاً بالقوة والسلطة، بأنه ليس مجرد بائع عادي، بل هو قادر على جعل أي شخص ينتظر... وينتظر...
إن قول "لا" هو أول شيء يخطر في بالنا، أما قول نعم فصعب للغاية.. لا نلجأ إليه إلا في حالات الضعف والعجز...
يمكننا أن نغيّر ذلك ببساطة، بأن نراقب أنفسنا ونكون شهداء عليها، ونقول نعم بكل أصوات الطبيعة.... لتموت فينا الأنا والأنانية، وليموت فينا الجهل والغرور...
لتذوب الأنا الفانية في الأنا الباقية الخالدة.. موتوا قبل أن تموتوا... وبموت الأنا أعرف من أنا.. وعندها تزهر في قلوبنا الِنعمُ والبركات...




رحلة الحج من العقل إلى القلب

العقل مشغول باستمرار، يحلل ويحرّم... يحسب ويحاسب.. يناقش... يجادل... آن الأوان لكي يستريح قليلاً... ارجع إلى قلبك منبع النور والعطاء... ثق به، واتصل معه، فالقلب له طريقه الخاص، طريق الحب والحق، إنه يتحدث بلغة المشاعر والإحساس، أما العقل فيتحدث بلغه الكلمات والأفكار...
الإحساس هو الحياة الحقيقية الطبيعية.. أما التفكير فهو الحياة الزائفة الكاذبة... لأن التفكير هو حول الأشياء دائماً، وليس جوهرها الحقيقي، فمثلاً يمكنك أن تفكر بالماء بقدر ما تريد، ولكن لن تروي عطشك بهذا التفكير أبداً... عليك شرب الماء والإحساس به... التفكير نشاط خادع واهم، لأنه يمنحنا إحساساً كاذباً بحدوث شيء ما، ولكن لا شيء يحدث أبداً...
الأفكار ما هي إلا سراب، دخان متصاعد يعمي البصر والبصيرة، لكن عندما يتبدد هذا الدخان ويتلاشى لن يبقى إلا النور الأبدي الأزلي..
فودّع سجن الأفكار الضيق المظلم، وحلّق في آفاق قلبك بلا حدود، بلا سدود... إلى حيث تنطوي كل السماوات والأسرار...

الحج الحقيقي هو من عالم العقل والأفكار إلى عالم القلب والإحساس، وأفضل طريقة لذلك هي التنفس من القلب:
خذ نفساً عميقاً، اشعر به وهو يتغلغل وسط الصدر وكأن الوجود والحياة، الطبيعة والألوهية كلها تنصب وتنهمر في داخلك متوحدة مع نبض القلب وحنايا الوجدان... الوجود كله قلب واحد، نَفَس ونبضٌ واحد... إنها وحدة الأكوان والمكوّن... ثم ازفر بعمق من القلب أيضاً، وكأنك تُعيد كل ما مُنح لك من محبة وكرم وعطاء من جديد، للوجود، للحياة، للرحمن...
يمكنك القيام بذلك عدة مرات خلال النهار، شرط أن تأخذ خمسة أنفاس عميقة متتالية على الأقل في كل مرة...
سيساعدنا هذا على الانتقال من الفكر إلى القلب لنصبح أكثر إحساساً وحساسية، أكثر وعياً وإدراكاً لعدة أمور لم نكن نُعيرها أي اهتمام في السابق... سنشم، نتذوق، نلمس، نرى، نسمع، بحساسية مرهفة أكثر... سيكون إحساسنا بالحياة والطبيعة والوجود بلا حدود، ليغدو للحب في قلوبنا مساحات شاسعة واسعة لا نهاية لها ولا بداية...
هذه هي حجّة السلام، حجّة الصفاء، من الخارج إلى الداخل، من عالم الحرب إلى عالم الحب، ومن الظلمات إلى النور...




نداء الوجود

لا تهتم ولا تنهمّ بالعالم الخارجي، بل عش العوالم التي فيك وهذا يكفيك... أصغِ إلى نداءات الوجود التي تتعالى في أعماقك، ففي داخل كل منا أصوات سعيدة باستمرار وما علينا سوى أن نصمت وننصت إليها...
لكن الرأس ممتلئ بضجيج الأفكار وطنينها، بالأخبار والآراء والأحكام... التي تحجب عنا صوت القلب الهادئ الساكن.. صوت الصلاة والصلة بيننا وبين الوجود... بيننا وبين الواحد الأحد، صلة الذاكر والمذكور... عندما نسمعه سنغوص فيه لنذوب في الوجود، ونتحد ونتوحد معه... لأن صوت القلب هو الدرب إلى الرب...
عندما تصبح أنت السيد يستسلم الفكر ويعود إلى مكانه الطبيعي لتنعم بالصفاء والهناء، وتختفي كل تلك الثرثرات والمناقشات... فيبقى همس القلب فحسب... وعندما نكتشف فينا هذه الفطرة ونقويها سوف نستطيع المضي قدماً بسماعه حتى لو كنا بين الناس في السوق، في الشارع، في المكتب... حالما نُحسّ بوجوده وحضوره لن يكون من الصعب سماعه، ولن يحول بيننا وبينه ضجيج العالم بأسره..... المشكلة هي في سماعه للمرة الأولى، لأننا لا نعرف ما هو، ولا أين هو.. لكن عندما نسمعه ونبحر فيه سنحظى بنفحة من نفحات النعيم الأبدي السرمدي لنولد من جديد مرة إثر مرة إلى أن نفنى في الملكوت.. ونموت في المعشوق.. كما تموت الفراشات في قلب الزهور...

لذلك كلما سنح لك الوقت اجلس بصمت لمدة ساعة واحدة كل يوم... وأنصت للأصوات من حولك دون أية غاية، دون أن تحاول تفسير معنى تلك الأصوات أو مغزاها... استمع وأصغ فحسب دون أي سبب على الإطلاق... وسيصبح الفكر تدريجياً صامتاً ساكناً كبحيرة صافية زرقاء، كوردة بيضاء... ستسمع الأصوات الخارجية لكن الفكر لن يحاول تفسيرها أو تحليلها بعد الآن... فجأة ستحدث التغيرات وتسمع صوت جديد قادم من الأعماق، من الداخل، صوت مفعم بعبق الزهور، وصدى أصوات الحقول... وحالما تسمعه سيكون المفتاح بيدك، تستطيع الغوص به عميقاً عميقاً...
لتصل إلى منبع وجودك وحياتك... إلى بيت الحكمة والأسرار المتصل بالحكيم الأكبر...
وعندما تتعلم ذلك ستحيا في عالم مختلف كلياً في بعد آخر ما وراء حدود هذا العالم المحدود...





غيّر الاتجاه أيها القبطان
هل تعلم لماذا يتم تغيير الحصص الدراسية في المدارس والجامعات كل أربعين دقيقة؟
لأن الدماغ مؤلف من عدة مراكز.. وكل مركز منه يستطيع العمل لمدة أربعين دقيقة، ومن ثم يتسلل التعب والملل إليه، ويحتاج للراحة...
وأفضل راحة هي تغير نوع العمل لتبدأ أقسام أخرى من الدماغ بالعمل، لهذا علينا تغيير نشاطاتنا وممارساتنا باستمرار.. فإذا كنت تدرس الرياضيات مثلاً، فإن جزءً معيناً من دماغك يعمل، أما الأجزاء الأخرى فترتاح... وإذا قرأت الشعر بعد ذلك فإن الجزء الدماغي الذي كان يعمل بالرياضيات يرتاح ويبدأ قسم آخر بالعمل...
فالتغيير نظام ثابت.. إنه يطوّرنا ويجددنا باستمرار... عندما تقوم بشيء ما استمتع به، استغرق فيه.. وانهمك به كلياً من كل قلبك، وبكل جوارحك وأحاسيسك.... لأن كل عمل عبادة وصلاة وتأمل... لكن حاول أن تبقى الرّبان السلطان على العقل والجسد والقلب... فأنت نور الله على الأرض... أنت الشاهد على كل شيء.. وإلا ستصبح عبداً مستعبداً... والعبودية ضارة سيئة حتى في مجال التأمل.. هناك فرق كبير بين العبادة والعبودية... بين التفاني والتمادي... بين الانهماك والانقياد...
الانهماك بالعمل من صميم قلبك يجعلك مبدعاً خلاقاً، أما الانقياد له يحولك لعبد تابع خاضع... فإذا لم تستطع إيقاف العمل في أمر ما، أو إذا كنت توقفه مرغماً مجبراً... هذا يعني أنك لم تعد حراً، لم تعد سيد نفسك... بل أصبحت عبداً مستكيناً منقاداً لهذا العمل، ولم تعد قادراً على الانتقال إلى مجال آخر...
لذلك عد إلى ذاتك... واتخذ أنت القرار... وأوقف مباشرة ذلك العمل... وازفر بعمق قدر المستطاع لمدة خمس دقائق..
إذا كنت تتأمل مثلاً ورغبت في قراءة الشعر، أوقف التأمل وازفر بعمق لخمس دقائق... وكأنك ترمي بعيداً كل الأشياء التي كانت تستولي على فكرك وجسمك... لتتطهر منها وتتحرر من كل آثارها... ثم استنشق الهواء بكل ذرة من ذرات جسمك... بكل خلية من خلاياك ... وباشر بقراءة الشعر وستشعر مباشرة بالتغيير... المهم أن نمنح أنفسنا راحة واستراحة لمدة خمس دقائق... لا نقوم فيها بأي عمل... بل نتنفس بعمق وسكون، ونصغي لذاتنا وسكينتنا، ونستلم دفة القيادة...
وسوف نستطيع شيئاً فشيئاً اختصار تلك المدة الزمنية إلى أربع دقائق بعد شهر، وثلاث دقائق بعد شهرين... إلى أن نصل لمرحلة يكون فيها زفير واحد كافياً وافياً لننهي ما نقوم به، ونغلق ملفه.. لنباشر بعمل آخر جديد...




من العقل إلى القلب، ومنه إلى صلة الأرحام

إن معرفة العقل تسمى معرفة، ومعرفة القلب تسمى محبة... أما معرفة الإنسان لنفسه فهي تأمل وتفكر...
هناك ثلاثة مراكز: العقل مركز التفكير، والقلب مركز الإحساس، و"صِلة الأرحام" أو السرة مركز الطاقة والحياة....
فإذا كنت تقوم بعملك بعقلك وفكرك فحسب، سوف تمضي قدماً في نسج المزيد والمزيد من الأفكار وهي أفكار فارغة واهمة، وأحلام واهية، كثيرة العدد لكنها لا تقدم شيئاً... الفكر مخادع كبير، ماكر وخبيث، لأنه يملك قدرات هائلة ليضللك ويخدعك عن طريق التخيل والتصور...
باستطاعته منحك أمنيات ورغبات عظيمة عن مدن مثالية فاضلة... وكلها كلمات فاضية...
سيقول لك: "غداً سيحدث ذلك" ولكنه لن يحدث أبداً... لا يمكن لأي شيء أن يحدث عن طريق الفكر... كل ما يمكن أن تراه، يجب أن تراه في قلبك أولاً.. وإلا فلن تراه ولن تسمعه أبداً...
التجربة الأساسية هي في الداخل، في القلب المحب المعطاء، هنا عرش الله.... ادخل إليه، واستفتيه.... القلب مركز الحب والأسرار، فيه نكون على مقربة من البيت، لكننا لسنا في البيت بعد...

عندما نفسح المجال لأحاسيسنا ومشاعرنا نصبح أكثر ثقة وعفوية وطبيعية... لكن الحقيقة ليست في القلب بعد... إنها أبعد من حدوده، وأعمق من إحساسه... إنها في السرة... صلة الأرحام.. هنا مركز الوجود والحياة وهنا تتجلى آيات الرحمن ويكون العابد موصولاً بالمعبود...
عندما يصبح الرأس مثقلاً بزخم الأفكار وضجيجها نفقد صلتنا مع القلب... لهذا لا تتشاجر مع الفكر لأن النزاع معه سيولد أفكاراً تلو أفكار... إذا ربحتَ لن يكون الرابح سوى الفكر، وإذا هُزمت فأنت الخاسر المحزون... ستخسر في كلتا الحالتين فلا جدوى من ذلك، وبدلاً من التشاجر مع الأفكار لننظر للعالم من منظار القلب لا العقل، ولنوجّه طاقاتنا أكثر فأكثر إلى عالم الإحساس والإبداع لا إلى عالم الأخبار والمحاكمات... لأنه كلما كان إحساسنا أكثر قلَّ تفكيرنا وتعقيدنا...
غنِّ بدل أن تفكر... ارقص بدل أن تحلل... أحب بدل أن تتفلسف!... اقرأ الشعر بدلاً من النثر... ارسم، اعزف... عُد إلى الطبيعة، إلى أمك الأرض... تأملها بجبالها وصخورها وأنهارها... بطيورها وأزهارها... اتحد معها... شاركها فرحها، ورقصها، وصفاءها...

إذا قمت بأي شيء قم به من صميم فؤادك، بخشوع وتأمل وصلاة، فكل عمل عبادة... إذا لمستَ شخصاً ما المسه من أعماق قلبك بكل عاطفة وإحساس لتهتز كل ذرة من كيانك... وإذا نظرتَ لشخص ما لا تنظر إليه بعنين جامدتين باردتين كالحجر، بل دع محبتك كلها، وطاقتك كلها، وحنانك كله يتدفق من خلال عينيك ويشع منهما.. لتورق في قلبك شجرة محبة وعطاء وارفة الظلال فوّاحة الأزهار....
القلب مركز منسيّ ومهمل... لكن حالما تعود إليه وتهتم به سيباشر عمله... فتنساب الطاقة من العقل إلى القلب تلقائياً... وبما أن القلب أقرب إلى مركز صلة الأرحام فإن تدفق الطاقة إليه -إلى القلب- سيكون أكثر سهولة من تدفقها إلى العقل... الخطوة الأولى هي الهجرة من العقل إلى القلب.. من التفكير إلى اللاتفكير... من الوهم إلى الوجد... من المحدود إلى اللامحدود.. والتأمل هو المفتاح.. وما أن نخطو تلك الخطوة حتى تغدو الثانية أكثر سهولة... لأن التأمل يضعنا في حال الوصل مع الوجود مع الواحد الأحد... الرحلة ليست من كون إلى كون بل من الأكوان إلى المكون...
في مركز السرة صلة الرحم نكون روحاً صافية بلا تفكير... بلا مشاعر وعواطف.. بلا حركة على الإطلاق... بل سكينة لا متناهية تنطوي فيها الحقيقة الصافية الواحدة الموحدة.... التي لا قبلها ولا بعدها حقيقة.. تُسمى السرة مركز الإعصار... لأن كل شيء يتحرك ماعداها.
الرأس، والقلب.. والجسم كله في تغير وتحول مستديم، فقط مركز السرة، مركز الحياة والوجود ثابت لا يتحرك.. السرة هي عرش الإرادة.. فيها تنطوي كل الأسرار والأنوار... إنها تُغير ولا تتغير... تُنير ولا تُنار... ومنها نتصل بطاقة الأكوان... هذه هي الرحلة من الحياة إلى الفناء بالبقاء... من جنين في رحم الأم إلى رحم أمنا الأرض، ومن رحم أمنا الأرض إلى رحم الرحمن..




استراحة وإشراقة

توجّه للطبيعة، لضفة النهر، أو للحديقة أو لأي مكان لا وجود فيه لأحد يزعجك ويعكر صفو مزاجك... اجلس صامتاً كالطبيعة، كالأشجار، كالأزهار... لمدة ساعة على الأقل..
استرخي.. وقل للعقل بعينين مغمضتين:
"اذهب الآن وقم بكل ما تريده!! أنا سأكون شاهداً عليك فحسب.."
سوف تتفاجأ لأن العقل لن يعمل على الإطلاق لفترة وجيزة لا تتجاوز بضع لحظات... ولكن ضمن هذه الاستراحة ستكون في غفلة عن الزمان والمكان، لا قبل ولا بعد هذه اللحظة، بل هنا والآن فحسب.. في هذه اللحظة الحاضرة يكمن سر الحياة، وسر الوجود...
الأمس حلم مضى وانتهى، والغد طيف وخيال، وهذه اللحظة هي الحقيقة الوحيدة ومن ثم سيعود العقل للعمل من جديد، فتتدفق الأفكار ويمر شريط الصور والتخيلات، ولكن لن تكون واعياً لها إلا بعد مرور بضع دقائق، وستدرك عندها أن العقل قد عاد للعمل، وأنك قد ضللتَ عن صفاء الفكر وسكينة القلب.. لذلك استرجع انتباهك من جديد واهمس للعقل:
"اذهب الآن! وسأكون شاهداً مشاهداً لك"... سيتوقف العقل لثانية مرة أخرى..
تلك الثواني هامة جداً لأنها اللحظات الأولى للتجلّي والمعرفة، والومضات الخاطفة للحق والحقيقة والنور.. إنها النوافذ الأولى على عالم الحرية المطلق اللامحدود... لكنها صغيرة جداً.. مجرد ومضات بسيطة تأتي وتذهب، تظهر وتختفي... لكن ضمنها ستصبح في حال الوصال.. في جلوة بعد الخلوة... وسترى رويداً رويداً أن تلك الفسحات ستصبح أكبر فأكبر... لكنها لن تظهر إلا عندما تكون واعياً متيقظاً متعطشاً بدرجة كبيرة... النبع موجود إذا كنتَ حاضراً توّاقاً، عندما تنفتح على نفسك وتغوص في أعماقها، وترمي كل تلك الشعائر والشعارات، عندما تتبدد الأفكار وتتلاشى الكلمات...
عندما تفتح قلبك للأكوان والحياة مثلما تتفتح الزهور للضياء حينها يسطع النور وتختفي العتمة... وتعثر على درب الحقيقة دون تعثّر أو عثرات...
عندما تكون حاضراً شاهداً يكون الفكر غائباً.. صامتاً.. صافياً.. وعندما تكون غائباً غافلاً يضج الفكر.. صاخباً.. عاصفاً.. فهل أنت حاضر أم مُحْتَضِر...؟؟؟؟؟




التحرر من الفوضى

كن شاهداً ومراقباً على كل شيء.. على عقلك وجسدك، قلبك.. ونفسك..
لا تحاول تصنيف الأشياء أو تفسيرها وتحليلها... بل راقبها كما هي، لا كما تريدها أن تكون... دون تدخّل أو مداخلة... دون حُكم أو محاكمة: هذا جيد وهذا سيء...
اجلس كل ليلة في السرير بوضعية مريحة.. أغمض عينيك واسترخي.. وسواء مالَ جسدك للأمام قليلاً، أو انحنى بكامله كما في وضعية الجنين في رحم أمه.. فاتركه كما هو...
وابدأ بالإنَصات والإصغاء إلى نَفَسك فحسب.. لا إلى أي شيء آخر...
أصغي إليه وهو يدخل ويخرج بتواصل دائم... اشعر بهذا النَفَس وهو ينساب في داخلك ويتغلغل باعثاً فيك الحياة والنشاط..... كذلك تحسّسه وهو يغادر خارجاً آخذاً معه الفوضى والشكوى... وكل الهموم والسموم... ليتولد لديك صمت وسكون هائل يحملك معه إلى فضاءات الروح اللامتناهية.... لتحظى بالصفاء والإشراق ورؤية الآيات في الآفاق... ولتكون شاهداً على الحق... شاهداً على اللحظة... على الآن...
ستجري الأمور بكل عفوية وانسيابية، وستعرف أنك لستَ الفاعل لها... فأنت أبعد من حدود الفكر والعِلم... أنت لا شيء.. مجرد وسيلة أو أداة بيد الرحمن... فاستقبل هذه الآن بكل ابتهاج وامتنان...
يمكننا القيام بهذا التمرين كل ليلة قبل النوم.. لمدة تتراوح ما بين عشر دقائق وعشرين دقيقة.





إطلاق العنان للحوار الداخلي

لماذا نغرق في بعض الأحيان في حالة من الحوار الذاتي الداخلي؟؟
لأن هنالك شيء ما في أعماقنا يريد أن يظهر، يريد أن يعبّر عن نفسه... لكننا لا نصغي إليه.. ولا نُبدي له اهتماماً ولا انتباهاً بل نتنازع ونتصارع معه باستمرار... معتقدين أنه ضربٌ من الجنون فنحاول إيقافه أو تغييره لأمر آخر بشتى الوسائل... ولكن التغيير بكافة أشكاله هو نوع من أنواع الكبت والقمع... وبذلك تقطع خيوط الاتصال الأولى بينك وبين نفسك...
الحل بسيط: كن واعياً مراقباً منتبهاً لما يريد قوله لك، اسمح له بالمرور والعبور... كن شاهداً عليه فحسب، ودَعْه يعبر بسلام واستسلام كالسحب التي تسبح في الفضاء.. انظر للأسباب، للجذور والأصول.. وتعرّف عليها.. واعرف نفسك.. وستتلاشى هذه الحالة نهائياً...

اجلس كل ليلة قبل خلودك للنوم بمواجهة الحائط.. أطفئ النور.. وابدأ بمحادثة الحائط ومخاطبته بشكل فعلي وبصوت عالٍ، عِش هذا الاختبار واستغرق به كلياً... بكل خلية من خلاياك... استمتع به... إذا شعرتَ برغبة في الصراخ والصياح والغضب فافعل ذلك... بانفعال واندفاع عميقين... من صميم قلبك وبكامل إحساسك ومشاعرك... لا من خلال أفكارك وآرائك، وإلا فإنك ستردد الكلمات بإحساس ميت جامد.. راكد.. كالآلات.. دون أن ترى اللآلئ التي في الأعماق..
لهذا تحدّث بإحساس عميق وحماس شديد، معبّراً بنبرة صوتك... وحركات يديك.. وكأن شخصاً آخر حاضر أمامك...
إذا لاحظتَ أن هنالك صوتين بدلاً من واحد فقم بالتحدث بكليهما.. اطرح سؤالاً من جهة ما... ثم أجب على السؤال من الجهة الأخرى.. وستخلق بذلك حوارات جميلة بديعة.. لا تتلاعب بهذا الأمر.. ولا تقاومه أو تقاطعه.. فأنت لا تقوله لأحد آخر.. انطلق معه مجتازاً كل حواجز الفكر وموانعه بحرية واطمئنان.. كما تطير الفراشات متناغمة مع النسائم المتهادية.... وإذا وجدتَه يمضي بك إلى حد الجنون.. فامضي معه.. لا تحاول قطع أو حذف أي شيء منه، وإلا ستفقد الغاية الأساسية كلها...
بعد حوالي خمس وعشرين دقيقة ستغدو أكثر حماساً، وستكون الربع ساعة الأخيرة من التمرين جميلة وممتعة جداً...
حاول القيام بهذا الاختبار لمدة عشرة أيام على الأقل، ولمدة أربعين دقيقة كل مرة، واضعاً كل طاقتك وانفعالك فيه...
ستظهر لك خلال تلك الأيام وبكل وضوح وصفاء إشارة وبشارة من الأعماق تخبرك عن أمر تعرفه لكنك لم تنصت إليه ولم تهتم به مسبقاً، وعليك الآن الاستماع إليه والإصغاء له جيداً... بمحبة ووعي شديدين.. سوف ينتهي ذلك الحوار الداخلي تدريجياً.. لتصبح أكثر معرفة بنفسك.. ومن عرف نفسه عرف ربه....




قرار من بحر الأسرار

عندما يكون قرارك نابعاً من القلب، من الروح، من الوجود العميق فيك الموصول بالأصول، من كل حال وكل مقام... يكون قراراً ناجحاً بنّاء.. لكن عندما يصدر من العقل والفكر فحسب... سيكون وبالاً وعقاباً، ولن يكون قراراً حاسماً بل نزاعاً وصراعاً متواصلاً.... وستبقى عندها كل الخيارات مفتوحة، معروضة للبحث والمباحثة، للنظر والمناظرة، ليواصل الفكر مسيرته منطلقاً من هنا إلى هناك.. مُحدثاً الخلاف والشجار..
الجسد يعيش اللحظة ذاتها باستمرار... لكنَّ الفكر ليس كذلك، وهذا هو الخلاف الأساسي...
إننا نتنفّس هنا والآن، ولا نستطيع أن نتنفس في الغد، أو في البارحة.. بل نتنفس اللحظة الحالية التي نحياها، لكننا نستطيع التفكير بالغد، ونستطيع التفكير بالبارحة.
لهذا الجسد يعيش الحاضر دوماً... أما الفكر فيمضي قافزاً بين الماضي والمستقبل فيخسر الحاضر كله!.. مما يولّد انقساماً وانفصالاً بين الجسد والفكر.. فنغرق في بحر من القلق والتوتر.. من التعاسة والتذمّر...
علينا إعادة الفكر إلى الحاضر والحضور في النور، إلى الآن... لا وجود لوقت آخر... إذا لم يكن الآن فمتى؟؟ وإذا لم نكن نحن فمن غيرنا؟؟..

لا نملك سوى هذه اللحظة وهي أغلى نعمة ورحمة.. فلنعشها بوعي مهما حملت لنا من مخاطر ومصاعب، من أحزان وأفراح، من خلاف ووئام... والمفتاح هو التأمل... حتى نعود إلى سكينتنا.. إلى ذاتنا... ونلملم بعضنا لنتوحد من جديد.. الخلاص بيدنا لأنه إذا لم نتوحد مع أنفسنا أولاً لن نستطيع أن نتوحد مع الكون والأكوان من حولنا....

لذلك كلما بدأتَ بالتفكير بالماضي أو المستقبل بشكل كبير، استرخي لمدة ساعة على الأقل بوضع مريح، أغمض عينيك وركّز على التنفس.. راقب تنفسك فحسب، دون أن تغيّر أي شيء فيه، وبمراقبتك له سيصبح أبطأ فأبطأ تدريجياً...
إذا كنتَ تتنفس ثماني مرات بالدقيقة الواحدة في الحالة العادية ستبدأ بالتنفس ست مرات، ثم خمس، أربع، ثلاث، ثم مرتين بالدقيقة الواحدة. وخلال أسبوعين لثلاثة أسابيع ستأخذ نفساً عميقاً واحداً في الدقيقة، وعندها سيصبح الفكر قريباً من الجسد..
وسيأتي وقت يتوقف فيه التنفس لعدة دقائق، حيث ستنقضي ثلاث أو أربع دقائق ومن ثم ستأخذ نفساً واحداً، عندها ستغدو متناغماً مع جسدك.. متآلفاً معه.. ستدرك أهمية اللحظة وروعتها... وستتذوق طعم الحاضر والحضرة لأول مرة...
من دون هذا سيبقى الحاضر مجرد كلمة غير معروفة.. غير ملموسة لم يختبرها الفكر ولم يعشها بعد... سيبقى أمراً غريباً.. مجهولاً بين الماضي والمستقبل....
لذلك استرخي و تنفّس، دع هذا التنفس يتواصل من تلقاء ذاته.. ستتشكل رويداً رويداً فواصل زمنية، ضمنها ستختبر الحاضر للمرة الأولى... حاول ذلك على مدار أربعة وعشرين يوماً ولمدة ساعة واحدة كل يوم... ويوماً ما سيتجلّى لك القرار فجأة... النتيجة التي يتوصل إليها ذلك القرار غير مهمة.. وإنما الأمر الأكثر أهمية هو من أين جاء.. ومن أي جهة صدر... فإذا كان القرار صادراً من العقل فإنه سيجلب معه البؤس والشقاء وسيكون وهماً وسراباً.. حُكماً جائراً ظالماً، لا قراراً عادلاً راحماً... أما إذا كان نابعاً من أعماقك.. من ذاتك الكلية.. فلن تندم ولن تأسف أبداً.

إن الإنسان الذي يعيش الحاضر بكل كيانه، بكل نبض وكل نفس، لا يعرف معنى الندم، لا ينظر إلى الوراء ولا يهتم به، لا يغيّر ماضيه.. ولا ذكرياته.. ولا يخطط لمستقبله..
بل يعيش الآن.. يعيش اللحظة ذاتها.. فالماضي مضى، والمستقبل غيب غريب... وهذه اللحظة هي كل ما لدينا.. الرحلة هي من "قبل" ومن "بعد" إلى "الآن"... من مكان ومكان إلى هنا وفي هذه اللحظة من الزمان.
الحُكم والأحكام والمحاكمات سُحب تحجب عنا نور الحقيقة وتباعد بيننا وبينه... وهذا ما يقوم به الفكر باستمرار.. إنه يقطع علينا الدرب المؤدي للحقيقة السامية الخالدة ويشغلنا عنها.. بضجيج الأفكار وصخب الكلمات والخطط والذكريات...
لنرحل من صحراء العقل إلى واحة القلب....... من وطن الشك والظن إلى وطن الصدق والثقة...... لأن الحقيقة في صمت القلوب لا في لغو العقول.... في بيت الحب والأسرار لا في دنيا الجدال والشجار...

طولت انا عارفه :b:
انتظروني في الباب التالت
:icon31:
Blue Girl