القلب الطيب
10-01-2007, 11:51 PM
بيت لاهيا في مواجهة تل أبيب
اليوم هكذا أصبح حجم الصراع العربي - “الإسرائيلي”، وإلى هذا الحد جرى اختصاره. ومع ذلك فإن للبيتين: بيت لاهيا، وبيت حانون، مرارة مزمنة في الذاكرة الفلسطينية، لما لهما من علاقة بالجولات الأخيرة من القتال الذي جسّد النكبة في العام ،1948 وتم من خلالها تشكيل ما يعرف بقطاع غزة، هذا الذي تقض أخباره المؤلمة المضاجع.
عندما تماهى الخاص مع العام (وهذه شهادة للتاريخ لم يسبق لها ذكر في المراجع العربية)، فقد جعلني موشي دايان واحداً من بين مئات الآلاف من اللاجئين الفلسطينيين في تلك الأيام، حيث يقول دايان في مذكراته: “عندما استدعاني رئيس العمليات الميجر جنرال يغائيل يادين في 13/7/،1948 أمرني بالسير بكتيبتي إلى الجنوب، فقد كان علينا أن ننضم إلى لواء جيفاتي لاختراق خطوط العدو (الجيش المصري) للوصول إلى النقب، ففي ذلك الوقت كان المصريون يسيطرون على خط يمتد من الساحل غرباً ويتجه شرقاً ويتمركز على طريق المجدل - الفالوجة، والذي يقسم البلاد (فلسطين) إلى قسمين، النقب في الجنوب والمراكز السكانية في الشمال”.
عندما تحركت القوات “الإسرائيلية” من قاعدتها العسكرية في تل هاشومير، بقيادة الكولونيل موشي دايان، كان الهدف المحدد لها هو احتلال مفرق (دوار) كرتيا، الذي يتحكم في مفترق الطرق بين المجدل (غرباً) والفالوجة شرقاً، وفي الطريق الشمالي الجنوبي الذي يصل بين المستعمرات “الإسرائيلية” في الشمال ومثيلاتها جنوباً في النقب.
بدأ الهجوم “الإسرائيلي” انطلاقاً من قرية جسير المهجورة في الساعة العاشرة من مساء يوم 17/7/،1948 وفي الساعة السابعة من صباح اليوم التالي كانت القوات “الإسرائيلية” قد احتلت قريتي كرتيا وحتا، وكان لاحتلال مفرق كرتيا تداعيات خطيرة على نتائج الحرب الفلسطينية الأولى، تمثلت في انسحاب الجيش المصري بين أسدود والمجدل (مقر قيادته العامة) الى ما يعرف اليوم بقطاع غزة، واستولت “إسرائيل” على النقب الشمالي الذي يضم اسدود والمجدل ومحيط الفالوجة، والجنوبي الذي يضم بئر السبع والقرى وأهل البادية حتى الحدود المصرية. وهنا نأتي على ذكر بيت لاهيا، التي كانت قرية ساحلية تحيط بها الكثبان الرملية، وتشتهر ببساتين التفاح (اللهواني) الذي ينسب إليها. وكانت بيت لاهيا تشكل معبراً رئيسياً في شمال قطاع غزة للاجئين القادمين من الشمال.
ما دمنا نحدّق في الغرفة المظلمة من ثقب الباب، فلا بأس من الحديث عن بعض آخر من الذكريات المؤلمة، وفي هذه المرة يأتي حديث اللد والرملة، فقبل الهجوم على مواقع الجيش المصري في حتا وكرتيا وكوكبا كمعبر ل”الإسرائيليين” إلى النقب، كان اهتمام “الإسرائيليين” العسكري مركزاً على الاستيلاء على اللد والرملة اللتين كانتا تحت سيطرة الفيلق العربي (الجيش الأردني) بقيادة الجنرال البريطاني السير جون باغوت غلوب (غلوب باشا). وكانت المدينتان التوأمان على مسافة عشرة أميال إلى الجنوب الشرقي من تل أبيب، وكان مطار اللد هو المطار الوحيد في فلسطين.
وفي اليوم التاسع من يوليو/ تموز ،1948 قام يغال ألون على رأس لواءين من القوات “الإسرائيلية” بمهاجمة المدينتين، وفي 11/7/1948 احتل موشي دايان مدينة اللد ومطارها، وفي اليوم التالي احتل الرملة، وقد ألقى العرب باللوم على الملك عبدالله وقائد جيشه البريطاني في سقوط المدينتين، ولكن هزائم الجيشين المصري والأردني في فلسطين (1948) لم تمر دون عواقب، ففي 28/12/1948 اغتيل رئيس الوزراء المصري محمود فهمي النقراشي باشا، وفي 20/7/1951 اغتيل الملك عبدالله، ملك الأردن.
لقد أدى اغتيال النقراشي باشا والملك عبدالله إلى إثارة حساسية بالغة لدى الزعماء الفلسطينيين والحكام العرب في شأن التعامل السياسي لتحقيق حل سلمي للقضية الفلسطينية، وقد استثمرت “إسرائيل” هذا الموقف إلى أبعد الحدود، فعلى الصعيد العسكري تمسكت ب”الأمر الواقع”، وعلى الصعيد الدبلوماسي، تمسكت بشرط المحادثات العلنية المباشرة وهي تعلم أن أحداً من المسؤولين العرب لن يغامر بحياته لتحقيق هذا الشرط. ولما فعلها السادات بعد أكثر من ثلاثين عاماً، فإنه عرّض نفسه للاغتيال في 6/10/،1981 ولم تشفع له 6/10/،1973 أما على الصعيد الفلسطيني، فإن كلاً من الحاج أمين الحسيني وياسر عرفات قد استوعبا الدرس جيداً، فقد كانت جعبة اللاءات درعهما الواقي من التعرض لرصاصة فلسطينية، ولم يكن الموت وحده يخيفهما، بل وصمة الخيانة الملتصقة به.
وبعد كل هذه السنوات الطوال التي تسلسلت فيها الهزائم العسكرية وتراكم فيها الفشل السياسي، فإن بيت لاهيا تقف وحيدة في مواجهة تل أبيب، فإن أطفال بيت لاهيا قد مزقت أجسادهم الأسلحة التدميرية للجيش “الإسرائيلي” انتقاماً لأطفال سديروت الذين أزعجتهم فرقعة أصوات الصواريخ البدائية. وبيت لاهيا مهددة بالموت والدمار في حالة الحرب، وفي السكون مهددة برغيف الخبز، وجرعة الماء، وزجاجة الدواء، وبصيص الكهرباء.
في الشعب الفلسطيني والأمة العربية.. من منهما ينتشل الآخر؟
اليوم هكذا أصبح حجم الصراع العربي - “الإسرائيلي”، وإلى هذا الحد جرى اختصاره. ومع ذلك فإن للبيتين: بيت لاهيا، وبيت حانون، مرارة مزمنة في الذاكرة الفلسطينية، لما لهما من علاقة بالجولات الأخيرة من القتال الذي جسّد النكبة في العام ،1948 وتم من خلالها تشكيل ما يعرف بقطاع غزة، هذا الذي تقض أخباره المؤلمة المضاجع.
عندما تماهى الخاص مع العام (وهذه شهادة للتاريخ لم يسبق لها ذكر في المراجع العربية)، فقد جعلني موشي دايان واحداً من بين مئات الآلاف من اللاجئين الفلسطينيين في تلك الأيام، حيث يقول دايان في مذكراته: “عندما استدعاني رئيس العمليات الميجر جنرال يغائيل يادين في 13/7/،1948 أمرني بالسير بكتيبتي إلى الجنوب، فقد كان علينا أن ننضم إلى لواء جيفاتي لاختراق خطوط العدو (الجيش المصري) للوصول إلى النقب، ففي ذلك الوقت كان المصريون يسيطرون على خط يمتد من الساحل غرباً ويتجه شرقاً ويتمركز على طريق المجدل - الفالوجة، والذي يقسم البلاد (فلسطين) إلى قسمين، النقب في الجنوب والمراكز السكانية في الشمال”.
عندما تحركت القوات “الإسرائيلية” من قاعدتها العسكرية في تل هاشومير، بقيادة الكولونيل موشي دايان، كان الهدف المحدد لها هو احتلال مفرق (دوار) كرتيا، الذي يتحكم في مفترق الطرق بين المجدل (غرباً) والفالوجة شرقاً، وفي الطريق الشمالي الجنوبي الذي يصل بين المستعمرات “الإسرائيلية” في الشمال ومثيلاتها جنوباً في النقب.
بدأ الهجوم “الإسرائيلي” انطلاقاً من قرية جسير المهجورة في الساعة العاشرة من مساء يوم 17/7/،1948 وفي الساعة السابعة من صباح اليوم التالي كانت القوات “الإسرائيلية” قد احتلت قريتي كرتيا وحتا، وكان لاحتلال مفرق كرتيا تداعيات خطيرة على نتائج الحرب الفلسطينية الأولى، تمثلت في انسحاب الجيش المصري بين أسدود والمجدل (مقر قيادته العامة) الى ما يعرف اليوم بقطاع غزة، واستولت “إسرائيل” على النقب الشمالي الذي يضم اسدود والمجدل ومحيط الفالوجة، والجنوبي الذي يضم بئر السبع والقرى وأهل البادية حتى الحدود المصرية. وهنا نأتي على ذكر بيت لاهيا، التي كانت قرية ساحلية تحيط بها الكثبان الرملية، وتشتهر ببساتين التفاح (اللهواني) الذي ينسب إليها. وكانت بيت لاهيا تشكل معبراً رئيسياً في شمال قطاع غزة للاجئين القادمين من الشمال.
ما دمنا نحدّق في الغرفة المظلمة من ثقب الباب، فلا بأس من الحديث عن بعض آخر من الذكريات المؤلمة، وفي هذه المرة يأتي حديث اللد والرملة، فقبل الهجوم على مواقع الجيش المصري في حتا وكرتيا وكوكبا كمعبر ل”الإسرائيليين” إلى النقب، كان اهتمام “الإسرائيليين” العسكري مركزاً على الاستيلاء على اللد والرملة اللتين كانتا تحت سيطرة الفيلق العربي (الجيش الأردني) بقيادة الجنرال البريطاني السير جون باغوت غلوب (غلوب باشا). وكانت المدينتان التوأمان على مسافة عشرة أميال إلى الجنوب الشرقي من تل أبيب، وكان مطار اللد هو المطار الوحيد في فلسطين.
وفي اليوم التاسع من يوليو/ تموز ،1948 قام يغال ألون على رأس لواءين من القوات “الإسرائيلية” بمهاجمة المدينتين، وفي 11/7/1948 احتل موشي دايان مدينة اللد ومطارها، وفي اليوم التالي احتل الرملة، وقد ألقى العرب باللوم على الملك عبدالله وقائد جيشه البريطاني في سقوط المدينتين، ولكن هزائم الجيشين المصري والأردني في فلسطين (1948) لم تمر دون عواقب، ففي 28/12/1948 اغتيل رئيس الوزراء المصري محمود فهمي النقراشي باشا، وفي 20/7/1951 اغتيل الملك عبدالله، ملك الأردن.
لقد أدى اغتيال النقراشي باشا والملك عبدالله إلى إثارة حساسية بالغة لدى الزعماء الفلسطينيين والحكام العرب في شأن التعامل السياسي لتحقيق حل سلمي للقضية الفلسطينية، وقد استثمرت “إسرائيل” هذا الموقف إلى أبعد الحدود، فعلى الصعيد العسكري تمسكت ب”الأمر الواقع”، وعلى الصعيد الدبلوماسي، تمسكت بشرط المحادثات العلنية المباشرة وهي تعلم أن أحداً من المسؤولين العرب لن يغامر بحياته لتحقيق هذا الشرط. ولما فعلها السادات بعد أكثر من ثلاثين عاماً، فإنه عرّض نفسه للاغتيال في 6/10/،1981 ولم تشفع له 6/10/،1973 أما على الصعيد الفلسطيني، فإن كلاً من الحاج أمين الحسيني وياسر عرفات قد استوعبا الدرس جيداً، فقد كانت جعبة اللاءات درعهما الواقي من التعرض لرصاصة فلسطينية، ولم يكن الموت وحده يخيفهما، بل وصمة الخيانة الملتصقة به.
وبعد كل هذه السنوات الطوال التي تسلسلت فيها الهزائم العسكرية وتراكم فيها الفشل السياسي، فإن بيت لاهيا تقف وحيدة في مواجهة تل أبيب، فإن أطفال بيت لاهيا قد مزقت أجسادهم الأسلحة التدميرية للجيش “الإسرائيلي” انتقاماً لأطفال سديروت الذين أزعجتهم فرقعة أصوات الصواريخ البدائية. وبيت لاهيا مهددة بالموت والدمار في حالة الحرب، وفي السكون مهددة برغيف الخبز، وجرعة الماء، وزجاجة الدواء، وبصيص الكهرباء.
في الشعب الفلسطيني والأمة العربية.. من منهما ينتشل الآخر؟