المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أنا أفاوض، إذن أنا موجود!


القلب الطيب
09-23-2007, 03:26 AM
أنا أفاوض، إذن أنا موجود!

بقلم: زكريا محمد


أمريكا تدير المشكلة الفلسطينية، ولا تبحث عن حل لها. وإدارة المشكلة تقتضي أن لا يحصل فراغ. لأن الفراغ يهدد بالانفجار. فكما أن الفراغ في الطبيعة خطر، ويملأ فورا، كذلك الأمر في السياسة.

لذا يجب إطلاق مبادرة جديدة، كلما بدا أن المبادرة التي قبلها حرقت.

مبادرة وراء مبادرة. هذه إدارة الصراع، إدارة المشكلة. والمبادرة الجديدة سوف تجد من يرى أنها يمكن أن تكون مفيدة. وسوف يكون هناك أناس تقتضي مصالحهم أن يروا أنها مفيدة.

هكذا ندخل في دوامة أخرى.

من يستطيع أن يعدد المبادرات التي طرحت خلال السنوات السبع السابقة؟ من يتذكر أسماءها؟ خطة زيني، خارطة الطريق، خطة الانفصال، خطة دايتون، اللقاء الدولي... إلخ.

إنها لعبة الإيحاء بأن هناك شيئا ما يتحرك، حتى لا يتكون فراغ.

الفراغ هو الكارثة.

وحين يكون الأمر كذلك، فكشف هذه المبادرات، كشف مغزاها، يجب أن يكون هدفنا. يجب أن نظهر لمن يمكن أن تأخذهم الأوهام أن هذه المبادرات لا تهدف إلى الوصول إلى الحل، وإنما إلى إدارة المشكلة وجعلها تطول إلى ما لانهاية. يعني: يجب أن يظل الفراغ ملقيا بثقله فوق الصدور. فهذا هو التهديد الوحيد الذي قد ينتقل بنا من إدارة المشكلة إلى إيجاد حلول لها.

هم يسعون إلى تغطية الفراغ، ونحن نسعى إلى كشفه وتوضيحه. هذه هي السياسة المنطقية الوحيدة. وهي سياسة لا ترفض المبادرات، بل تحاول توضيحها وكشف مغزاها. سياسة رفض المبادرات تؤدي إلى العزلة. أما سياسة توضيحها وكشفها فتؤدي إلى فضح من يريد إدارة الأزمة.

مثلا، مبادرة اللقاء الدولي. كان يجب أن نفاوض واشنطن حولها، لا ان ترمينا هي إلى اولمرت. نقول لها: نريد توضيحا لهذه المبادرة: توقيتها، أطرافها، هدفها. وقبل ذلك كله نريد موقفا أمريكا واضحا يلغي رسالة الضمانات لإسرائيل. هذه الرسالة التي خرقت الشرعية الدولية واحتقرتها. لا نستطيع أن نذهب قبل حل هذا الأمر.

طبعا، نحن لم نقل ذلك. قبلنا بفكرة اللقاء الدولي من دون أن توضح الولايات المتحدة موقفها من الحل. قالت لنا: اذهبوا إلى اولمرت واتفقوا معه. أي اتفقوا معه حول حدود حزيران. وذهبنا. وكان يجب ان لا نذهب قبل أن تحسم قضية حدود حزيران، وان تحسم علنا وبوضوح من قبل أمريكا. ولا سنتيمتر واحد اقل من حدود حزيران. لا نريد تبديلا ولا غيره. هكذا كان يفترض أن نقول. لكننا وافقنا على الذهاب.

الأغرب أننا بعد ان وافقنا بدأنا نتساءل عن المشاركين والتوقيت وجدول الأعمال. صح النوم! كان هذا يجب ان يحدث قبل الموافقة.

المشكلة لا تكمن فقط في انعدام الذكاء، بل في انعدام الخيارات. السلطة تضع نفسها في وضع من لا خيار له. أكثر من ذلك: السلطة تخشى الفراغ أكثر مما تخشاه أمريكا. الفراغ يهددها. هكذا أقنعت نفسها. لذا فأمريكا، جزئيا، لا تخدعها، بل هي من يطلب من أمريكا ان تخدعها. هي من يطلب المبادرات حين تموت المبادرات السابقة. هي من يطلب الحركة حين يحصل ركود وانسداد.

والمنطقي أن لا يخيفنا التوقف والانسداد والتأزم والركود. فهذه هي أدوات الضغط الوحيدة بأيدينا، خاصة في ظل تورط أمريكا في العراق وأفغانستان.

الوهم واحد من وسائل السلطة للتماسك. من دون هذا الوهم لا تستطيع أن تستمر. سينفض الناس عنها. لذا فهي تغذي الوهم، ولا تحاربه. الوهم في أساس وجودها. من دونه لا تستطيع أن تعيش. يجب ان يكون هناك أمل بان ثمة حلا ما. يجب ان تكون هناك مبادرة وكبير مفاوضين، وإلا انهار كل شيء. ذلك أن عدم وجود حركة ومفاوضات يعني نسف أساس التحليل: حين تفشل المفاوضات فالحل بمزيد من المفاوضات.

المفاوضات هي قانون السلطة. ليس "القانون الأساسي" هو من جذرها، ولا الانتخابات أساسها. جذرها هو المفاوضات، وأساسها هو المفاوضات.

العدل أساس الملك. هكذا قيل قديما. المفاوضات أساس الملك هنا. لذا يمكن مثلا الاستغناء عن المجلس التشريعي، وتجميد القانون الأساسي، لكن لا يمكن الاستغناء عن المفاوضات. انا أفاوض إذن انا موجود. هذا يقول ديكارت السلطة الفلسطينية. أنا لا أفاوض إذن انا ميت. عليه، يجب البدء بالمفاوضات. أنا شريك سلام ففاوضوني. هذا هو النداء الدائم.

المفاوضات أساس الملك. المفاوضات أساس السلطة. لذا فصائب عريقات أهم من المجلس التشريعي. لذا فكبير المفاوضين هو الدليل على أنها هناك، وعلى انها حية. إنه حجة وجودها. أنا أفأوض إذن انا موجود. لدي كبير مفاوضين إذن أنا موجود.

وسلطة تجد جذرها في التفاوض لن يكون امامها سوى طلب المبادرات. كل مبادرة حقنة غلوكوز في ذراعها.
سوف تموت من دون مفاوضات.
لذا سيذهبون إلى اللقاء الدولي، وإلى لقاء أولمرت.
لن يتوقفوا عن اللقاءات أبدا....

* كاتب وروائي فلسطيني يقيم في مدينة رام الله. zak_cyclamen@yahoo.com