القلب الطيب
08-26-2007, 02:00 AM
"فتح" و"حماس" بين الزواج الصعب والطلاق المستحيل ..... د. عبدالإله بلقزيز
ما كان أغنى محمود عباس وإسماعيل هنية، وحركتي “فتح” و”حماس” من ورائهما، عن الوصول بالعلاقات الداخلية إلى حد القطيعة الكاملة، وعن ترك حال التأزم السياسي تستفحل وتطلق ذيولها على مجمل العلاقات والمؤسسات شللاً وانشقاقاً وتكايداً. لن يفيء ذلك على أحد منهما مغنماً على ما قدَّر ذلك بعض من الفريقين وأساء التقدير. إنه في “أقل” أحواله شأن يحفظ النفوس، ولقد أحفظ نفوس الإخوة على بعضهم، وأخذهم إلى إعمال السلاح في أنفسهم والإيغال في دمائهم وإزهاق الأرواح بغير حق. وهو في أشد أحواله نداء إلى فتنة دائمة يذهب بها الوطن، والشعب، إلى حتفه ويصبح الطلب فيها شديداً على الاحتلال لإنقاذ ما بقي ممكناً إنقاذه من أمن وممتلكات وبشر أحياء! وحينها، ماذا يبقى من صورة مشرفة لحركة تحرر أخذت شعبها إلى الانتحار الذاتي (= حتى قبل أن تبلغ هدفها) ففتحت الباب أمام تسويغ الشرعية للاحتلال الذي يبدو، حينها، وكأنه مرادف للأمن؟
لست أشك، وأحسب أن ذلك شأن معظم المكلومين منا مما يجري في فلسطين، في أن السواد الأعظم من أبناء “فتح” و”حماس” يدركون على نحو حاد أنه ما من مصلحة وطنية، أو حتى سياسية، في حصول قطيعة بين الحركتين، فهما تظلان، حتى إشعار آخر، جناحي الحركة الوطنية الفلسطينية اللذين بهما تتحرك الأخيرة وليس لها عن أحد من الجناحين غَناء. ثم إنهم يدركون، على نحو ما يقوم عليه دليل من الواقع، أن القطيعة بين التنظيمين الكبيرين ليست تفضي بهما وبالشعب والأرض والقضية سوى إلى إنتاج القطيعة الجغرافية والسياسية بين الضفة الغربية وقطاع غزة. وهي التي سعى في سبيلها الاحتلال طويلاً فما أفلح بيده، ولكن غيره من أهل الأرض يسروا عليه ما تعسر فأنجزوا المهمة نيابة عنه ومكّنوه من متعة الفرجة على وطن تتمزق أبعاضه، بعد أن مزقت الصهيونية كله!
ولعله من تحصيل الحاصل، أن نستنتج من ذلك أن أقصر السبل إلى إسقاط حق تقرير المصير الوطني (الفلسطيني) هو تمكين تلك القطيعة الجغرافية السياسية (والنفسية) من النفاذ والرسوخ في الحياة الوطنية الفلسطينية. فالضفة لا تملك أن تقرر مصيرها بمعزل عن القطاع. وهي إن فعلت، تكون قد أخطأت معنى حق تقرير المصير، حتى لا نقول إنها خانت معناه العميق وطوَّحت بكل ميراث الثورة ومنظمة التحرير. والقطاع أعجز من أن يعيش بعيداً عن الضفة، فكيف بتقرير مصيره بمعزل عنها. وهو إن فعل، يكون قد أقفل على نفسه في غيتو يتسوره الحصار ويتهدده الاجتياح وتنهشه المجاعة.
ولا يتخيلن أحد من المنساقين وراء وهم تنفعة الضفة من محنة القطاع أو من حال الطلاق معه، أن “إسرائيل” في وارد تقديم ثمن مجز لذلك الطلاق. إنها تخاطب مخيال البعض بمفردات منفعة يسيل لها لعابه السياسي حين يستطيب طعم “الاستقلال” الآتي في ركاب التفاهم الجديد بين “إسرائيل” ورئاسة السلطة وحكومتها (غير المنبثقة عن البرلمان). غير أن معادلة “إسرائيل” المعلنة “الضفة مقابل القطاع” تضمر معادلة أخرى وهي الأكثر إفصاحاً عن جوهر السياسة الصهيونية، ومقتضاها: بعض الضفة مقابل إسقاط حق العودة واستعادة القدس (الشرقية). المساومة مع الضفة وحكامها في هذا الموضوع أيسر من المساومة مع الضفة والقطاع معاً، وأجزل عوائد على “إسرائيل”، إذ إن مصالح هذه تتأمن أكثر كلما أمكن إسقاط الوحدة الوطنية: أليس ذلك ما قالته تسيبي ليفني، وزيرة خارجية الكيان الصهيوني؟
ثم على أحد من المنساقين وراء الشعور بالانتشاء بطعم “الظفر” بالبغية في غزة ألا يظن بأن ما أتاه من فعل حسم عسكري هو مما ينتمي إلى الانتصار بأي معيار من المعايير: الوطنية أو السياسية أو الأخلاقية. النصر الوحيد الذي في مُكنِ “حماس” أن تفاخر به وتباهي هو الذي حققته في المنافسة الانتخابية على مقاعد المجلس التشريعي وعلى البلديات، وهو الذي كرس صورتها كحركة سياسية تتوسل بالخيار الديمقراطي وأدواته لكسب التأييد وتمثيل الشعب والتعبير عن إرادته. أما “نصر” غزة، فهزيمة قاسية لهذه الصورة وإساءة بالغة لكل التضحيات التي بذلتها “حماس” من أجل إقناع الجمهور بأنها أهل لصون الوحدة الوطنية وبناء المستقبل الديمقراطي، بما هما مكتسبان سياسيان للشعب والحركة الوطنية. وليس على أحد من المنتشين أولاء أن يماري في أن ذلك “النصر” يغرّم “حماس” كثيراً على الصعيد السياسي، بتوفيره أسباباً إضافية لضرب طوق العزلة عليها وعلى الغزاويين وتقييد يدها في الضفة، وتمكين خصومها في الداخل والخارج من فرصة مثالية لإخراجها من المشهد الفلسطيني. ثم بماذا تنتفع “حماس” لو ربحت غزة كلها وخسرت الوطن؟
ثمة حقائق يخطئ خطأ قاتلاً من يشيح عنها بوجهه أو لا يلقي بالاً لأمرها، في حمأة مراهنته غير المحسوبة على تفاهم سهل مع العدو على حساب نصف الوطن، أو في حمأة انتشائه الوهمي بالظفر ببغيته (الكانتون المعزول على حساب الوطن).
أولى تلك الحقائق أن فلسطين مازالت، حتى إشعار آخر، في مرحلة التحرر الوطني، وأن كل ما ابتني من مؤسسات فيها منذ العام ،1993 لا ينتمي إلى مشروع الاستقلال الوطني. وثانية تلك الحقائق أن التحرر الوطني لا يخاض في أي مجتمع ولا تكسب معركته إلا بالسلاح الأمضى عند كل شعب: الوحدة الوطنية في مواجهة العدو. وثالثتها أن الإطار الطبيعي والتنظيمي لوحدة الحركة الوطنية (الفلسطينية) هو منظمة التحرير وليس مؤسسات السلطة. ورابعتها أن المكان الطبيعي لتحقيق النظام التمثيلي والديمقراطي للمجتمع الفلسطيني في مرحلة التحرر الوطني هو منظمة التحرير وليس سلطة أوسلو.. وعاشرتها أن الاقتتال على سلطة وهمية هو أقصر الطرق إلى إسقاط القضية الوطنية الفلسطينية. ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
ما كان أغنى محمود عباس وإسماعيل هنية، وحركتي “فتح” و”حماس” من ورائهما، عن الوصول بالعلاقات الداخلية إلى حد القطيعة الكاملة، وعن ترك حال التأزم السياسي تستفحل وتطلق ذيولها على مجمل العلاقات والمؤسسات شللاً وانشقاقاً وتكايداً. لن يفيء ذلك على أحد منهما مغنماً على ما قدَّر ذلك بعض من الفريقين وأساء التقدير. إنه في “أقل” أحواله شأن يحفظ النفوس، ولقد أحفظ نفوس الإخوة على بعضهم، وأخذهم إلى إعمال السلاح في أنفسهم والإيغال في دمائهم وإزهاق الأرواح بغير حق. وهو في أشد أحواله نداء إلى فتنة دائمة يذهب بها الوطن، والشعب، إلى حتفه ويصبح الطلب فيها شديداً على الاحتلال لإنقاذ ما بقي ممكناً إنقاذه من أمن وممتلكات وبشر أحياء! وحينها، ماذا يبقى من صورة مشرفة لحركة تحرر أخذت شعبها إلى الانتحار الذاتي (= حتى قبل أن تبلغ هدفها) ففتحت الباب أمام تسويغ الشرعية للاحتلال الذي يبدو، حينها، وكأنه مرادف للأمن؟
لست أشك، وأحسب أن ذلك شأن معظم المكلومين منا مما يجري في فلسطين، في أن السواد الأعظم من أبناء “فتح” و”حماس” يدركون على نحو حاد أنه ما من مصلحة وطنية، أو حتى سياسية، في حصول قطيعة بين الحركتين، فهما تظلان، حتى إشعار آخر، جناحي الحركة الوطنية الفلسطينية اللذين بهما تتحرك الأخيرة وليس لها عن أحد من الجناحين غَناء. ثم إنهم يدركون، على نحو ما يقوم عليه دليل من الواقع، أن القطيعة بين التنظيمين الكبيرين ليست تفضي بهما وبالشعب والأرض والقضية سوى إلى إنتاج القطيعة الجغرافية والسياسية بين الضفة الغربية وقطاع غزة. وهي التي سعى في سبيلها الاحتلال طويلاً فما أفلح بيده، ولكن غيره من أهل الأرض يسروا عليه ما تعسر فأنجزوا المهمة نيابة عنه ومكّنوه من متعة الفرجة على وطن تتمزق أبعاضه، بعد أن مزقت الصهيونية كله!
ولعله من تحصيل الحاصل، أن نستنتج من ذلك أن أقصر السبل إلى إسقاط حق تقرير المصير الوطني (الفلسطيني) هو تمكين تلك القطيعة الجغرافية السياسية (والنفسية) من النفاذ والرسوخ في الحياة الوطنية الفلسطينية. فالضفة لا تملك أن تقرر مصيرها بمعزل عن القطاع. وهي إن فعلت، تكون قد أخطأت معنى حق تقرير المصير، حتى لا نقول إنها خانت معناه العميق وطوَّحت بكل ميراث الثورة ومنظمة التحرير. والقطاع أعجز من أن يعيش بعيداً عن الضفة، فكيف بتقرير مصيره بمعزل عنها. وهو إن فعل، يكون قد أقفل على نفسه في غيتو يتسوره الحصار ويتهدده الاجتياح وتنهشه المجاعة.
ولا يتخيلن أحد من المنساقين وراء وهم تنفعة الضفة من محنة القطاع أو من حال الطلاق معه، أن “إسرائيل” في وارد تقديم ثمن مجز لذلك الطلاق. إنها تخاطب مخيال البعض بمفردات منفعة يسيل لها لعابه السياسي حين يستطيب طعم “الاستقلال” الآتي في ركاب التفاهم الجديد بين “إسرائيل” ورئاسة السلطة وحكومتها (غير المنبثقة عن البرلمان). غير أن معادلة “إسرائيل” المعلنة “الضفة مقابل القطاع” تضمر معادلة أخرى وهي الأكثر إفصاحاً عن جوهر السياسة الصهيونية، ومقتضاها: بعض الضفة مقابل إسقاط حق العودة واستعادة القدس (الشرقية). المساومة مع الضفة وحكامها في هذا الموضوع أيسر من المساومة مع الضفة والقطاع معاً، وأجزل عوائد على “إسرائيل”، إذ إن مصالح هذه تتأمن أكثر كلما أمكن إسقاط الوحدة الوطنية: أليس ذلك ما قالته تسيبي ليفني، وزيرة خارجية الكيان الصهيوني؟
ثم على أحد من المنساقين وراء الشعور بالانتشاء بطعم “الظفر” بالبغية في غزة ألا يظن بأن ما أتاه من فعل حسم عسكري هو مما ينتمي إلى الانتصار بأي معيار من المعايير: الوطنية أو السياسية أو الأخلاقية. النصر الوحيد الذي في مُكنِ “حماس” أن تفاخر به وتباهي هو الذي حققته في المنافسة الانتخابية على مقاعد المجلس التشريعي وعلى البلديات، وهو الذي كرس صورتها كحركة سياسية تتوسل بالخيار الديمقراطي وأدواته لكسب التأييد وتمثيل الشعب والتعبير عن إرادته. أما “نصر” غزة، فهزيمة قاسية لهذه الصورة وإساءة بالغة لكل التضحيات التي بذلتها “حماس” من أجل إقناع الجمهور بأنها أهل لصون الوحدة الوطنية وبناء المستقبل الديمقراطي، بما هما مكتسبان سياسيان للشعب والحركة الوطنية. وليس على أحد من المنتشين أولاء أن يماري في أن ذلك “النصر” يغرّم “حماس” كثيراً على الصعيد السياسي، بتوفيره أسباباً إضافية لضرب طوق العزلة عليها وعلى الغزاويين وتقييد يدها في الضفة، وتمكين خصومها في الداخل والخارج من فرصة مثالية لإخراجها من المشهد الفلسطيني. ثم بماذا تنتفع “حماس” لو ربحت غزة كلها وخسرت الوطن؟
ثمة حقائق يخطئ خطأ قاتلاً من يشيح عنها بوجهه أو لا يلقي بالاً لأمرها، في حمأة مراهنته غير المحسوبة على تفاهم سهل مع العدو على حساب نصف الوطن، أو في حمأة انتشائه الوهمي بالظفر ببغيته (الكانتون المعزول على حساب الوطن).
أولى تلك الحقائق أن فلسطين مازالت، حتى إشعار آخر، في مرحلة التحرر الوطني، وأن كل ما ابتني من مؤسسات فيها منذ العام ،1993 لا ينتمي إلى مشروع الاستقلال الوطني. وثانية تلك الحقائق أن التحرر الوطني لا يخاض في أي مجتمع ولا تكسب معركته إلا بالسلاح الأمضى عند كل شعب: الوحدة الوطنية في مواجهة العدو. وثالثتها أن الإطار الطبيعي والتنظيمي لوحدة الحركة الوطنية (الفلسطينية) هو منظمة التحرير وليس مؤسسات السلطة. ورابعتها أن المكان الطبيعي لتحقيق النظام التمثيلي والديمقراطي للمجتمع الفلسطيني في مرحلة التحرر الوطني هو منظمة التحرير وليس سلطة أوسلو.. وعاشرتها أن الاقتتال على سلطة وهمية هو أقصر الطرق إلى إسقاط القضية الوطنية الفلسطينية. ولكن أكثر الناس لا يعلمون.