أبو نضارة
06-28-2007, 10:25 AM
المختصر/
- خطة الحسم العسكري وُضِعَت منذ بدء الانفلات الأمني ولم نورِّط الساسة
- المستندات التي حصلنا عليها خطيرة وتهدد الأمن القومي العربي
- مستعدون لمواجهة الحصار وسنلقِّن الصهاينة درسًا إذا اقتحموا غزة
- وجودنا في الضفة قويٌّ ولكن الظروف خدمتنا بشكل كبير في القطاع
- حماس أكبر من أن تمثِّل بالجثث والتحقيقات كشفت متورِّطي فتح
فلسطين مباشر / احتلت كتائب الشهيد عز الدين القسام مساحة كبرى من عناوين الأخبار الخاصة بفلسطين خلال الأيام الماضية، وتنوَّعت الكتابات والتحليلات المؤيِّدة لما قامت به القسام في عملية الحسم العسكري، بينما رأى البعض الآخر ما حدث وكأنه انقلابٌ داخل حماس نفسها عندما فرَض العسكريُّون كلمتَهم على الساسة، وأن قادة الحكومة- بمن فيهم رئيس الوزراء- وُضِع تحت الأمر الواقع، هذا بالإضافة إلي الاتهامات التي وُجِّهت للقسام بأنها تخلَّت عن مشروعها الجهادي مقابل حماية سلطة الحكومة، وغير ذلك من الأسئلة الشائكة عن هذه الكتائب، وهي الأسئلة نفسها التي طرحناها وغيرها على أبو حمزة أحد قادة كتائب الشهيد عز الدين القسام من خلال هذا الحوار:
* ألا ترى أن ما حدث كان تصعيدًا من كتائب القسَّام تحديدًا؟
** الأحداث لا تُدرَس بمعزل عن غيرها.. عندما انتخَب الشعبُ حماس كان ذلك أملاً في القضاء على الفساد والانفلات الأمني، وقد دخل الإخوة في حماس إلى الحكومة وتعاملوا بمنطق الأب الرحيم الذي يحتوي الجميع، لكنَّ المفسدين كانوا أغبياء..
فإن أنت أكرمت الكريم ملكتَه وإن أنت أكرمت اللئيم تمرَّدا
فقد تمرَّدوا وتعمَّدوا أن تزيد حالة الفلتان، ففي السابق كانت الأجهزة الأمنية الفاسدة تغضُّ الطرف عن السرقات والجرائم، لكن بعد فوز حماس في الانتخابات أصبحت هذه الأعمال منظَّمةً وممنهجةً، فهذا الجهاز مسئول عن السرقة هنا، وتلك المجموعة مسئولة عن إثارة الشغَب هناك، حتى وصل الشعب إلى حالةٍ من الإحباط، وكادت حماس أن تفقد شعبيتَها وتفقد ثقةَ أبنائها.
وقد حاولنا احتواءَ الموقف باتفاقات وقف إطلاق النار التي أُبرمت مرارًا وتكرارًا، ودائمًا كانت هذه الاتفاقات لا تُحتَرَم ولا تنفَّذ أصلاً، فضلاً عن اختراقها!! فكانت الاتفاقات تنص على: وقف إطلاق النار، وسحْب المسلَّحين من الشوارع، ورفع الحواجز، إلا أنه كان يتم فقط وقف إطلاق النار وتبقى الحواجز والكتل الإسمنتية، ويبقى المسلَّحون في كل مكان وفوق أسطح الأبراج، ثم أصبح من المستحيل أن تستمر هذه الأوضاع، ولم يعُد هناك حلٌّ آخر، والدليل على صحة ما أقول: انظروا إلى غزة الآن بعد الحسم العسكري، فطوال الفترة الماضية لم يُقضَ على الفساد، لكن الآن.. لا يوجد في شوارع غزة مَن يحمل طلقةً واحدةً.. اختفى المسلَّحون من الشوارع.. ظهرت قوةُ حماس وقدرتُها على حماية الشعب وتحقيق الأمن والاستقرار المنشود، وعلم الجميع أننا كنا نتعامل بالحسنى حقنًا للدماء وليس عن ضعف، وفهم الجميع أن حماس ستتصدَّى لكل مَن يهدد أمن البلاد.
انقلاب
* هل معنى هذا أنكم اتخذتم هذا القرار لأنه الحل الوحيد لتحقيق الأمن والاستقرار ولم تدرسوا عواقبه؟
** العواقب مدروسة، على أسوأ الأحوال هل كنا سنخسر مائة؟ نحن نخسر على المدى الطويل الآلاف، فأيهما أفضل؟! كما أن قرار الحسم العسكري اتُّخِذَ من قبل وتَمَّ التجهيز له بعد دراسته، ثم عدنا وتراجعْنا عنه بعد أحداث قناة (الجزيرة)؛ حيث فضَّلنا تأجيله وإمهال المفسدين فرصةً أخرى علَّهم يستوعبون الدرس.
* لكنَّ كثيرين وصفوه بأنه انقلاب!!
** انقلاب على مَن؟! حماس تمثِّل الأغلبية في السلطة التشريعية والتنفيذية، الانقلاب كان من الأجهزة الأمنية الفاسدة على حكومة حماس، وكما يحدث في جميع الدول عندما تنقلب بعض الأجهزة على الحكومة يُستدعَى الجيشُ ليُعيد النظام إلى البلاد، وهذا ما حدث في غزة.
* لا شكَّ أن الحسم العسكري أعاد الاستقرار كما ذكرت، ولكن كيف يقوم مقاتلو القسام بالتمثيل بالجُثَث، بل وقذْف أحد الأشخاص من الأدوار العالية وهو ما يخالف تعاليم الإسلام؟!
** سئل رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: أيسرق المؤمن حين يسرق وهو مؤمن؟ قال نعم أيفعل كذا..؟ أيفعل كذا..؟ قال نعم، ثم سئل: أيكذب المؤمن؟ قال لا، ولذلك فإن كل ما يقال من التمثيل بالجثث وما شابهه لا أساس له من الصحة، وكتائب القسام أكبر من أن تمثِّل بجثث أبناء شعبها أو تنتقم منهم، حتى لو كانوا من المخالفين لهم في التوجُّه والرأي، وما حدث أن التيار الانقلابي في فتح قومٌ خرَجوا من دائرة الإيمان بكثرة الكذب، فهم مَن ألقوا بأحد أفراد القسَّام من أعلى سطح إحدى البنايات، لكنَّ الرجل ينتمي لأسرة عريقة، فقامت أسرته بغلق الشارع والتصدِّي والتوعُّد لكل فتحاوي يمرُّ منه، وهناك شخص آخر سقط منهم خطأً، وهاتان هما حادثتا السقوط اللتان حدثتا ولم يحدث غيرهما.
أما التمثيل بالجثث.. فليأتوا بأسماء مَن مثَّلنا بهم، وليخضعوا للكشف عليهم، وليقرِّر الطب الشرعي ذلك، وليأخذ التحقيق مجراه!! بل وصل بهم الحدُّ أن يعتلُوا الأبراجَ ليهدِّدوا أمنَ الشعب، ثم يمروا لينشروا بين الناس أن انتبهوا.. القسام تعتلي الأبراج!! وقديمًا كان يساعدهم على ذلك الضعف الإعلامي لدينا.. لكن الآن وبعد وجود فضائية (الأقصى) اتَّضح كثيرٌ من الأمور للجميع في الداخل والخارج.
* بمناسبة ما أشرتَ إليه من كذبِ وتدليسِ التيار الانقلابي في فتح.. هل ترى أن ذلك هو السبب أيضًا في أن فتح رفضت تشكيلَ لجنة تقصِّي حقائق عربية؟!
** طبيعي أن ترفض، فعلى سبيل المثال قُتِلَ رجل من فرقة الموت- وهي إحدى الأجهزة الأمنية الفاسدة التابعة لدحلان- وهو رجل حوله الكثير من الشبهات.. سرقات وفساد وكثير من القضايا!! وبالتالي غير معلوم مَن الذي قتله، وقد قُتل هذا الرجل في الساعة الحادية عشرة بالقرب من مقر الرئيس، بعد ثلاث ساعات من هذا الحادث قُتل أربعة إخوة من القسَّام أمام منتدى الرئيس، هكذا دون تحقيق.. إذن هم غير معنيِّين بتقصِّي هذه الحقائق وكشفِها، وهذا على سبيل المثال لا الحصر.
* المجلس المركزي في حركة فتح طالَب بحلِّ الكتائب وحلِّ المقاومة.. ما تعليقكم؟!
** هناك مثَل عربي يقول "دع الكلاب تنبح والقافلة تسير" من أين يستمد المجلس المركزي شرعيتَه؟ فمنظمة التحرير والمجلس الوطني وكذلك اللجنة التنفيذية المنبثق عنها المجلس المركزي.. جميعهم مبنيٌّ على أساس التمثيل النسبي للفصائل، هل منذ عام 90 حتى اليوم لم تتغيَّر هذه النسبة؟! هناك مَن مات ومَن اعتزل ومَن طُرِد، من أمثال ياسر عبد ربه الذي أصبح لا يمثِّل إلا نفسه ولا يوجد أي شرعية لاستمراره، أين تمثيل حماس وحركة الجهاد الإسلامي في هذا المجلس؟! على سبيل المثال لا الحصر مخيم اليرموك أكبر مخيم للاجئين خارج فلسطين.. هذا المخيم بالكامل يتبع حماس، أين مَن يمثله في هذا المجلس؟! وبالتالي هذا المجلس غير شرعي، وليس له حق اتخاذ مثل هذا القرار.
الوثائق والمستندات
* أكثر من مرة يخرج علينا أحد قادة حماس أو الحكومة أو حتى القسام ليؤكد وجود وثائق خطيرة تُدين قياداتٍ في فتح، ومع ذلك لم يتم نشْر أيٍّ من هذه الوثائق، فما السبب؟ أم أنها مجرد فرقعة إعلامية؟!
** بالتأكيد حصلنا على وثائق خطيرة حول كثير من قيادات فتح، وقد حصلنا على بعضها حتى قبل عملية الحسم العسكري، وتم تسليم بعضها للمسئولين المصريين عن طريق الدكتور موسى أبو مرزوق، وأثناء عمليات الحسم حصلنا على كثير من الوثائق التي تؤكد تورُّط التيار الانقلابي في أعمال غير مشروعة، وهناك تسجيلات ومستندات خطيرة لا تهدد الأمن الفلسطيني فقط وإنما تهدد الأمن القومي العربي ككل!!
* هل من الممكن أن تكشف لنا جزءًا من هذه المستندات؟
** هذه المستندات ملكٌ لقادة الحركة والمسئولين في الحكومة، وليس لنا حقٌّ في نشْر شيء منها، وأعتقد أن قادة الحركة سيعلنون هذه الوثائق في وقتها المناسب.
* ما علاقتكم بباقي الفصائل؟
** تقوَى أحيانًا وتضعُف أحيانًا، فبعض الفصائل الأخرى تركض وراء مصالحها الشخصية فقط، فالجبهة الديمقراطية- على سبيل المثال- كانت تملك قوةً مساويةً لفتح، ولكنها انحصرت بسبب المدِّ الإسلامي، فأصبحت تدور فقط حول موطئ قدم في الحكومة مهما كان حجم التنازلات، وهي الآن لا تملك جناحًا عسكريًّا أصلاً، فلا أراهن عليهم.
أما الجهاد الإسلامي فهي حركة منشقَّة عن حماس، عندما قرَّر الدكتور فتحي الشقاقي أنه لا وقت لدينا للتربية، وأن الجهاد أولى في الوقت الحالي، ثم عاد وندم وقال: "أتمنَّى أن أعود إلى الإخوان".
* هناك من وجَّه اتهاماتٍ لحماس بأن الدورَ الجهاديَّ تَراجَع عندها مقابل الدور السياسي بعد فوزها في الانتخابات وهو ما يترجمه الصراع على السلطة الذي حدث مؤخرًا؟!
** من يريد أن يعرف الحقيقة فليتابع أخبار غزة ويشاهد بعينيه مَن الذي يتصدَّى للاجتياحات، عندها سيعلم مَن الذي يقاوم ومَن الذي لا يهمه سوى السلطة.
مواجهة الحصار
* بعد الحسم العسكري فُرِضَ حصارٌ سياسيٌّ واقتصاديٌّ على غزة، كيف تواجهون ذلك، خاصةً مع التعهدات التي أطلقها رئيس الوزراء الصهيوني لرئيس السلطة الفلسطينية بدعمه لزيادة الرفاهية في الضفة الغربية؟!
** أولاً.. الحصار لن يستمر طويلاً!! وتعهُّدات أولمرت في القمة الرباعية خيرُ دليلٍ على ذلك، فضلاً على أن منظمات حقوق الإنسان وغيرها ستضغط في اتجاه فكِّ الحصار، كما أن لها مصالحَ اقتصاديةً ضخمةً في غزة لا تستطيع أن تفقدها هذا، بالإضافة إلى أن الكيان الصهيوني يخشى غزة!! فنحن الآن نستطيع ضربَ الكيان من وسط غزة وليس من أطرافها، ولذلك فالصهاينة لا يريدون استفزازَنا، فكما هو معلومٌ الكبتُ يولِّد الانفجار، فهل الكيان الصهيوني مستعدٌّ أن يتحمَّل انفجارَ أو انتحارَ الشعبِ الفلسطينيِّ، سنضرب في الفاضي والمليان، ألا نستطيع أن نرسل لهم ألفَ استشهاديٍّ!!
صواريخنا الآن تصل إلى عسقلان وإلى ما بعد عسقلان، وهم يعلمون ذلك، وقد قصفنا عسقلان بالفعل بعد اغتيال الشيخ أحمد ياسين.
من جهة أخرى نحن نعوِّل كثيرًا على مصر، فهي الآن ليس لها دورٌ مؤثِّرٌ لما يجري في لبنان والعراق، وانحصر دورها الإقليمي في القضية الفلسطينية فقط، وإلا ستفقد وزنَها الإقليمي تمامًا، وستُصبح مثل أي دولة أخرى، وبالتالي هي معنية بأن يبقى هذا الدور، وكذلك هي معنية بالحفاظ على علاقاتها مع الفصيل الأقوى في غزة؛ حفاظًا على أمن حدودها، أما عن كيفية مواجهة الحصار.. فإننا سنواجهه بأكثر مما تتخيَّلون.
* إذن أنتم لديكم سيناريو مرتقَب؟!
** ليس أمام الجميع سوى الحل السياسي، وحماس لديها أوراق قوية للضغط، إما أن ينكسر الحصار، وإما أن نصل إلى غزة أخرى بالضفة.
* وإذا لم تَسِرْ الأمورُ وفْقَ هذا السيناريو واتَّخذَ الكيان الحلَّ العسكريَّ.. هل تملكون قوةً عسكريةً قادرةً على مواجهته؟ وما موقف القسام في حال ما إذا اجتاح الكيان غزة؟!
** على أقل تقدير نحن قادرون على أن نكبِّد الكيان خسائرَ لا يستطيع أن يتحمَّلها، ولن يجتاح الصهاينة غزة، فبحسب إحصائياتهم نحن نملك 10 آلاف استشهادي، وبحسب إحصائياتهم أيضًا فإن نسبة شهدائنا إلى قتلاهم 1:10، أي مقابل كل 10 استشهاديين سيفقد الكيان أحد جنوده، معنى هذا أن اجتياح غزة سيكبِّد الكيانَ 1000 جندي، فهل الكيان مستعدٌّ لتكبُّد مثل هذه الخسائر؟!!
حماس في الضفة
* لماذا تتمتع حماس بهذه الشعبية في غزة بينما تفتقدها في الضفة؟
** هذه النظرة ليست دقيقة، فحماس حصلت على أكبر عدد من الأصوات في أكبر مدن الضفة، فمثلاً قلقيلية بالكامل تؤيد حماس، لكن لعلكِ تعنين ضعفَ الجناحَ العسكريَّ لحماس في الضفة عنه في غزة، وسبب هذا هو بدء المقاومة والعمليات الاستشهادية في الضفة قبل غزة؛ مما أدى إلى تركيز العدوّ عملياته العسكرية عليها، كذلك خوفًا من أرضها الجبلية الوعرة على العكس من أرض غزة الساحلية المفتوحة، فكان لا بد للعدوّ من إحكام سيطرته على الضفة لإيجاد حدود آمنة له هناك، والقضاء على أي قوة للمقاومة هناك.
ومما ساعد على سهولة اجتياح الضفة سعة شوارعها، وانخفاض كثافتها السكانية، كذلك أمِنَ العدوُّ جانبَ غزة المحاطة بالسلك الشائك من جميع جوانبها، فاستفادت غزة من هذا الانشغال بالضفة في تجهيز جيش بكامل عدته وعتاده، حتى السلاح أصبح يُصنَّع محليًّا، في حين تخلو الضفة من السلاح المقاوم تقريبًا، فضلاً عن اكتظاظ مدينة غزة بالسكان، خاصةً على تخوم المدينة، وصغر مساحتها وضيق شوارعها، وطبيعة سكان غزة، فمعظمهم مهجَّرون لاجئون، وليسوا بسكان أصليين للمدينة، خاصةً الذين يقطنون أطراف المدينة وحدودها، مثل مخيمي جباليا والشاطئ، هؤلاء اللاجئون تربَّوا على الكفاف، فهم أكثر صلابةً وقدرةً على المقاومة.
لكل هذه الأسباب مجتمعةً كانت غزة وما زالت شوكةً في حلق الاحتلال؛ مما جعل رابين يعلنها قائلاً: أتمنى أن أستيقظ يومًا فأجد غزة قد ابتلعها البحر، ومن هنا ظنَّ مَن يعيش خارج هذه الأوضاع أن موقف حماس في الضفة ضعيفٌ!! وهذا غير صحيح.
- خطة الحسم العسكري وُضِعَت منذ بدء الانفلات الأمني ولم نورِّط الساسة
- المستندات التي حصلنا عليها خطيرة وتهدد الأمن القومي العربي
- مستعدون لمواجهة الحصار وسنلقِّن الصهاينة درسًا إذا اقتحموا غزة
- وجودنا في الضفة قويٌّ ولكن الظروف خدمتنا بشكل كبير في القطاع
- حماس أكبر من أن تمثِّل بالجثث والتحقيقات كشفت متورِّطي فتح
فلسطين مباشر / احتلت كتائب الشهيد عز الدين القسام مساحة كبرى من عناوين الأخبار الخاصة بفلسطين خلال الأيام الماضية، وتنوَّعت الكتابات والتحليلات المؤيِّدة لما قامت به القسام في عملية الحسم العسكري، بينما رأى البعض الآخر ما حدث وكأنه انقلابٌ داخل حماس نفسها عندما فرَض العسكريُّون كلمتَهم على الساسة، وأن قادة الحكومة- بمن فيهم رئيس الوزراء- وُضِع تحت الأمر الواقع، هذا بالإضافة إلي الاتهامات التي وُجِّهت للقسام بأنها تخلَّت عن مشروعها الجهادي مقابل حماية سلطة الحكومة، وغير ذلك من الأسئلة الشائكة عن هذه الكتائب، وهي الأسئلة نفسها التي طرحناها وغيرها على أبو حمزة أحد قادة كتائب الشهيد عز الدين القسام من خلال هذا الحوار:
* ألا ترى أن ما حدث كان تصعيدًا من كتائب القسَّام تحديدًا؟
** الأحداث لا تُدرَس بمعزل عن غيرها.. عندما انتخَب الشعبُ حماس كان ذلك أملاً في القضاء على الفساد والانفلات الأمني، وقد دخل الإخوة في حماس إلى الحكومة وتعاملوا بمنطق الأب الرحيم الذي يحتوي الجميع، لكنَّ المفسدين كانوا أغبياء..
فإن أنت أكرمت الكريم ملكتَه وإن أنت أكرمت اللئيم تمرَّدا
فقد تمرَّدوا وتعمَّدوا أن تزيد حالة الفلتان، ففي السابق كانت الأجهزة الأمنية الفاسدة تغضُّ الطرف عن السرقات والجرائم، لكن بعد فوز حماس في الانتخابات أصبحت هذه الأعمال منظَّمةً وممنهجةً، فهذا الجهاز مسئول عن السرقة هنا، وتلك المجموعة مسئولة عن إثارة الشغَب هناك، حتى وصل الشعب إلى حالةٍ من الإحباط، وكادت حماس أن تفقد شعبيتَها وتفقد ثقةَ أبنائها.
وقد حاولنا احتواءَ الموقف باتفاقات وقف إطلاق النار التي أُبرمت مرارًا وتكرارًا، ودائمًا كانت هذه الاتفاقات لا تُحتَرَم ولا تنفَّذ أصلاً، فضلاً عن اختراقها!! فكانت الاتفاقات تنص على: وقف إطلاق النار، وسحْب المسلَّحين من الشوارع، ورفع الحواجز، إلا أنه كان يتم فقط وقف إطلاق النار وتبقى الحواجز والكتل الإسمنتية، ويبقى المسلَّحون في كل مكان وفوق أسطح الأبراج، ثم أصبح من المستحيل أن تستمر هذه الأوضاع، ولم يعُد هناك حلٌّ آخر، والدليل على صحة ما أقول: انظروا إلى غزة الآن بعد الحسم العسكري، فطوال الفترة الماضية لم يُقضَ على الفساد، لكن الآن.. لا يوجد في شوارع غزة مَن يحمل طلقةً واحدةً.. اختفى المسلَّحون من الشوارع.. ظهرت قوةُ حماس وقدرتُها على حماية الشعب وتحقيق الأمن والاستقرار المنشود، وعلم الجميع أننا كنا نتعامل بالحسنى حقنًا للدماء وليس عن ضعف، وفهم الجميع أن حماس ستتصدَّى لكل مَن يهدد أمن البلاد.
انقلاب
* هل معنى هذا أنكم اتخذتم هذا القرار لأنه الحل الوحيد لتحقيق الأمن والاستقرار ولم تدرسوا عواقبه؟
** العواقب مدروسة، على أسوأ الأحوال هل كنا سنخسر مائة؟ نحن نخسر على المدى الطويل الآلاف، فأيهما أفضل؟! كما أن قرار الحسم العسكري اتُّخِذَ من قبل وتَمَّ التجهيز له بعد دراسته، ثم عدنا وتراجعْنا عنه بعد أحداث قناة (الجزيرة)؛ حيث فضَّلنا تأجيله وإمهال المفسدين فرصةً أخرى علَّهم يستوعبون الدرس.
* لكنَّ كثيرين وصفوه بأنه انقلاب!!
** انقلاب على مَن؟! حماس تمثِّل الأغلبية في السلطة التشريعية والتنفيذية، الانقلاب كان من الأجهزة الأمنية الفاسدة على حكومة حماس، وكما يحدث في جميع الدول عندما تنقلب بعض الأجهزة على الحكومة يُستدعَى الجيشُ ليُعيد النظام إلى البلاد، وهذا ما حدث في غزة.
* لا شكَّ أن الحسم العسكري أعاد الاستقرار كما ذكرت، ولكن كيف يقوم مقاتلو القسام بالتمثيل بالجُثَث، بل وقذْف أحد الأشخاص من الأدوار العالية وهو ما يخالف تعاليم الإسلام؟!
** سئل رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: أيسرق المؤمن حين يسرق وهو مؤمن؟ قال نعم أيفعل كذا..؟ أيفعل كذا..؟ قال نعم، ثم سئل: أيكذب المؤمن؟ قال لا، ولذلك فإن كل ما يقال من التمثيل بالجثث وما شابهه لا أساس له من الصحة، وكتائب القسام أكبر من أن تمثِّل بجثث أبناء شعبها أو تنتقم منهم، حتى لو كانوا من المخالفين لهم في التوجُّه والرأي، وما حدث أن التيار الانقلابي في فتح قومٌ خرَجوا من دائرة الإيمان بكثرة الكذب، فهم مَن ألقوا بأحد أفراد القسَّام من أعلى سطح إحدى البنايات، لكنَّ الرجل ينتمي لأسرة عريقة، فقامت أسرته بغلق الشارع والتصدِّي والتوعُّد لكل فتحاوي يمرُّ منه، وهناك شخص آخر سقط منهم خطأً، وهاتان هما حادثتا السقوط اللتان حدثتا ولم يحدث غيرهما.
أما التمثيل بالجثث.. فليأتوا بأسماء مَن مثَّلنا بهم، وليخضعوا للكشف عليهم، وليقرِّر الطب الشرعي ذلك، وليأخذ التحقيق مجراه!! بل وصل بهم الحدُّ أن يعتلُوا الأبراجَ ليهدِّدوا أمنَ الشعب، ثم يمروا لينشروا بين الناس أن انتبهوا.. القسام تعتلي الأبراج!! وقديمًا كان يساعدهم على ذلك الضعف الإعلامي لدينا.. لكن الآن وبعد وجود فضائية (الأقصى) اتَّضح كثيرٌ من الأمور للجميع في الداخل والخارج.
* بمناسبة ما أشرتَ إليه من كذبِ وتدليسِ التيار الانقلابي في فتح.. هل ترى أن ذلك هو السبب أيضًا في أن فتح رفضت تشكيلَ لجنة تقصِّي حقائق عربية؟!
** طبيعي أن ترفض، فعلى سبيل المثال قُتِلَ رجل من فرقة الموت- وهي إحدى الأجهزة الأمنية الفاسدة التابعة لدحلان- وهو رجل حوله الكثير من الشبهات.. سرقات وفساد وكثير من القضايا!! وبالتالي غير معلوم مَن الذي قتله، وقد قُتل هذا الرجل في الساعة الحادية عشرة بالقرب من مقر الرئيس، بعد ثلاث ساعات من هذا الحادث قُتل أربعة إخوة من القسَّام أمام منتدى الرئيس، هكذا دون تحقيق.. إذن هم غير معنيِّين بتقصِّي هذه الحقائق وكشفِها، وهذا على سبيل المثال لا الحصر.
* المجلس المركزي في حركة فتح طالَب بحلِّ الكتائب وحلِّ المقاومة.. ما تعليقكم؟!
** هناك مثَل عربي يقول "دع الكلاب تنبح والقافلة تسير" من أين يستمد المجلس المركزي شرعيتَه؟ فمنظمة التحرير والمجلس الوطني وكذلك اللجنة التنفيذية المنبثق عنها المجلس المركزي.. جميعهم مبنيٌّ على أساس التمثيل النسبي للفصائل، هل منذ عام 90 حتى اليوم لم تتغيَّر هذه النسبة؟! هناك مَن مات ومَن اعتزل ومَن طُرِد، من أمثال ياسر عبد ربه الذي أصبح لا يمثِّل إلا نفسه ولا يوجد أي شرعية لاستمراره، أين تمثيل حماس وحركة الجهاد الإسلامي في هذا المجلس؟! على سبيل المثال لا الحصر مخيم اليرموك أكبر مخيم للاجئين خارج فلسطين.. هذا المخيم بالكامل يتبع حماس، أين مَن يمثله في هذا المجلس؟! وبالتالي هذا المجلس غير شرعي، وليس له حق اتخاذ مثل هذا القرار.
الوثائق والمستندات
* أكثر من مرة يخرج علينا أحد قادة حماس أو الحكومة أو حتى القسام ليؤكد وجود وثائق خطيرة تُدين قياداتٍ في فتح، ومع ذلك لم يتم نشْر أيٍّ من هذه الوثائق، فما السبب؟ أم أنها مجرد فرقعة إعلامية؟!
** بالتأكيد حصلنا على وثائق خطيرة حول كثير من قيادات فتح، وقد حصلنا على بعضها حتى قبل عملية الحسم العسكري، وتم تسليم بعضها للمسئولين المصريين عن طريق الدكتور موسى أبو مرزوق، وأثناء عمليات الحسم حصلنا على كثير من الوثائق التي تؤكد تورُّط التيار الانقلابي في أعمال غير مشروعة، وهناك تسجيلات ومستندات خطيرة لا تهدد الأمن الفلسطيني فقط وإنما تهدد الأمن القومي العربي ككل!!
* هل من الممكن أن تكشف لنا جزءًا من هذه المستندات؟
** هذه المستندات ملكٌ لقادة الحركة والمسئولين في الحكومة، وليس لنا حقٌّ في نشْر شيء منها، وأعتقد أن قادة الحركة سيعلنون هذه الوثائق في وقتها المناسب.
* ما علاقتكم بباقي الفصائل؟
** تقوَى أحيانًا وتضعُف أحيانًا، فبعض الفصائل الأخرى تركض وراء مصالحها الشخصية فقط، فالجبهة الديمقراطية- على سبيل المثال- كانت تملك قوةً مساويةً لفتح، ولكنها انحصرت بسبب المدِّ الإسلامي، فأصبحت تدور فقط حول موطئ قدم في الحكومة مهما كان حجم التنازلات، وهي الآن لا تملك جناحًا عسكريًّا أصلاً، فلا أراهن عليهم.
أما الجهاد الإسلامي فهي حركة منشقَّة عن حماس، عندما قرَّر الدكتور فتحي الشقاقي أنه لا وقت لدينا للتربية، وأن الجهاد أولى في الوقت الحالي، ثم عاد وندم وقال: "أتمنَّى أن أعود إلى الإخوان".
* هناك من وجَّه اتهاماتٍ لحماس بأن الدورَ الجهاديَّ تَراجَع عندها مقابل الدور السياسي بعد فوزها في الانتخابات وهو ما يترجمه الصراع على السلطة الذي حدث مؤخرًا؟!
** من يريد أن يعرف الحقيقة فليتابع أخبار غزة ويشاهد بعينيه مَن الذي يتصدَّى للاجتياحات، عندها سيعلم مَن الذي يقاوم ومَن الذي لا يهمه سوى السلطة.
مواجهة الحصار
* بعد الحسم العسكري فُرِضَ حصارٌ سياسيٌّ واقتصاديٌّ على غزة، كيف تواجهون ذلك، خاصةً مع التعهدات التي أطلقها رئيس الوزراء الصهيوني لرئيس السلطة الفلسطينية بدعمه لزيادة الرفاهية في الضفة الغربية؟!
** أولاً.. الحصار لن يستمر طويلاً!! وتعهُّدات أولمرت في القمة الرباعية خيرُ دليلٍ على ذلك، فضلاً على أن منظمات حقوق الإنسان وغيرها ستضغط في اتجاه فكِّ الحصار، كما أن لها مصالحَ اقتصاديةً ضخمةً في غزة لا تستطيع أن تفقدها هذا، بالإضافة إلى أن الكيان الصهيوني يخشى غزة!! فنحن الآن نستطيع ضربَ الكيان من وسط غزة وليس من أطرافها، ولذلك فالصهاينة لا يريدون استفزازَنا، فكما هو معلومٌ الكبتُ يولِّد الانفجار، فهل الكيان الصهيوني مستعدٌّ أن يتحمَّل انفجارَ أو انتحارَ الشعبِ الفلسطينيِّ، سنضرب في الفاضي والمليان، ألا نستطيع أن نرسل لهم ألفَ استشهاديٍّ!!
صواريخنا الآن تصل إلى عسقلان وإلى ما بعد عسقلان، وهم يعلمون ذلك، وقد قصفنا عسقلان بالفعل بعد اغتيال الشيخ أحمد ياسين.
من جهة أخرى نحن نعوِّل كثيرًا على مصر، فهي الآن ليس لها دورٌ مؤثِّرٌ لما يجري في لبنان والعراق، وانحصر دورها الإقليمي في القضية الفلسطينية فقط، وإلا ستفقد وزنَها الإقليمي تمامًا، وستُصبح مثل أي دولة أخرى، وبالتالي هي معنية بأن يبقى هذا الدور، وكذلك هي معنية بالحفاظ على علاقاتها مع الفصيل الأقوى في غزة؛ حفاظًا على أمن حدودها، أما عن كيفية مواجهة الحصار.. فإننا سنواجهه بأكثر مما تتخيَّلون.
* إذن أنتم لديكم سيناريو مرتقَب؟!
** ليس أمام الجميع سوى الحل السياسي، وحماس لديها أوراق قوية للضغط، إما أن ينكسر الحصار، وإما أن نصل إلى غزة أخرى بالضفة.
* وإذا لم تَسِرْ الأمورُ وفْقَ هذا السيناريو واتَّخذَ الكيان الحلَّ العسكريَّ.. هل تملكون قوةً عسكريةً قادرةً على مواجهته؟ وما موقف القسام في حال ما إذا اجتاح الكيان غزة؟!
** على أقل تقدير نحن قادرون على أن نكبِّد الكيان خسائرَ لا يستطيع أن يتحمَّلها، ولن يجتاح الصهاينة غزة، فبحسب إحصائياتهم نحن نملك 10 آلاف استشهادي، وبحسب إحصائياتهم أيضًا فإن نسبة شهدائنا إلى قتلاهم 1:10، أي مقابل كل 10 استشهاديين سيفقد الكيان أحد جنوده، معنى هذا أن اجتياح غزة سيكبِّد الكيانَ 1000 جندي، فهل الكيان مستعدٌّ لتكبُّد مثل هذه الخسائر؟!!
حماس في الضفة
* لماذا تتمتع حماس بهذه الشعبية في غزة بينما تفتقدها في الضفة؟
** هذه النظرة ليست دقيقة، فحماس حصلت على أكبر عدد من الأصوات في أكبر مدن الضفة، فمثلاً قلقيلية بالكامل تؤيد حماس، لكن لعلكِ تعنين ضعفَ الجناحَ العسكريَّ لحماس في الضفة عنه في غزة، وسبب هذا هو بدء المقاومة والعمليات الاستشهادية في الضفة قبل غزة؛ مما أدى إلى تركيز العدوّ عملياته العسكرية عليها، كذلك خوفًا من أرضها الجبلية الوعرة على العكس من أرض غزة الساحلية المفتوحة، فكان لا بد للعدوّ من إحكام سيطرته على الضفة لإيجاد حدود آمنة له هناك، والقضاء على أي قوة للمقاومة هناك.
ومما ساعد على سهولة اجتياح الضفة سعة شوارعها، وانخفاض كثافتها السكانية، كذلك أمِنَ العدوُّ جانبَ غزة المحاطة بالسلك الشائك من جميع جوانبها، فاستفادت غزة من هذا الانشغال بالضفة في تجهيز جيش بكامل عدته وعتاده، حتى السلاح أصبح يُصنَّع محليًّا، في حين تخلو الضفة من السلاح المقاوم تقريبًا، فضلاً عن اكتظاظ مدينة غزة بالسكان، خاصةً على تخوم المدينة، وصغر مساحتها وضيق شوارعها، وطبيعة سكان غزة، فمعظمهم مهجَّرون لاجئون، وليسوا بسكان أصليين للمدينة، خاصةً الذين يقطنون أطراف المدينة وحدودها، مثل مخيمي جباليا والشاطئ، هؤلاء اللاجئون تربَّوا على الكفاف، فهم أكثر صلابةً وقدرةً على المقاومة.
لكل هذه الأسباب مجتمعةً كانت غزة وما زالت شوكةً في حلق الاحتلال؛ مما جعل رابين يعلنها قائلاً: أتمنى أن أستيقظ يومًا فأجد غزة قد ابتلعها البحر، ومن هنا ظنَّ مَن يعيش خارج هذه الأوضاع أن موقف حماس في الضفة ضعيفٌ!! وهذا غير صحيح.