aamin
06-13-2007, 02:06 PM
أنا وليلى وعايدة ونادية *
د.أيمن محمد الجندى
من رحم الماضي خرجت تنفض غبار السنين.. عادت الوجوه القديمة وكأن عشرين عامًا لم تمر.. وقتها كنت طبيبًا نضرًا حديث التخرج.. والزمن لا نهاية له.. أما الكلام عن نهاية القرن العشرين فيبدو لي كالخيال العلمي.. نحن الآن في عام 1987، وكل أيامي أقضيها في العنبر المجاني بالمستشفى الجامعي بعد أن استلمت العمل كطبيب مقيم.. في الصباح كثير من المرضى والضوضاء، كثير من الغبار والحر. زد على ذلك سخافات الرؤساء.. أما المساء فيأتي بالسمر والسهر والأنسام الرحيمة مع هيئة التمريض: عايدة وليلى ونادية اللاتي كان يتصادف سهرهن معي في نوبتجية السهر.
عندما يهدأ الضجيج
حينما يسقط الليل ويهدأ الضجيج يتلبس العنبر بغلالة من الأحزان الرقيقة ويبدأ عالم المرضى الحقيقي.. الألم والصبر والأمل في الشفاء.. أقترب من عالم البسطاء وتنشأ بيننا حالة من الود على خلفية أزيز موقد يعمل بالكيروسين لإعداد الشاي، بينما تفوح رائحة الليل الغامضة المفعمة بالأسرار.
السهر بجوار سرير مريض محتضر يذيب الفوارق حتمًا بين طبيب وممرضة. حينما تصعد الروح إلى بارئها ويهمد الجسد عائدًا إلى أحضان أمه الأرض.. وقتها سيبدو لك الفارق بين طبيب وممرضة واهنًا ومصطنعًا.. صدقني.
بالتدريج نشأت بيننا مودة.. أجملهن عايدة وللجمال سلطان.. غزال وجل ينظر في رهبة.. ليلى سمراء رقيقة الملامح وماهرة في تثبيت الإبر الطبية إلى حد لا يصدق.. حينما يستعصي وريد على طبيب يبتلع كرامته ويلجأ إليها.. أما نادية فداكنة السمرة متسعة العينين تعطيك إيحاء مستمرًّا بالدهشة مع حنّية قلب وأمومة فطرية..
هذا هو عالمنا الصغير المنطوي على أسرار رهيبة نكتمها عمن سوانا.. القطط السوداء الغامضة التي تظهر على سلالم العنبر بعد وفاة كل مريض.. وهلع عايدة عندما حكيت لها بصوت منخفض عن القطة التي ظهرت بعد وفاة عم عبد التواب المُتوفَّى بالأمس..
وقالت إنها ستزورها في منزلها لتشكرها.. نادية تدق على صدرها وليلى تكتم ضحكة وتتظاهر بالهلع والتصديق..
رحلة الأيام
هكذا مرت أيامنا وليالينا لمدة ثلاث سنوات.. ثم حدث الشيء الذي لم أتصور حدوثه قط.. كبرت!!
انتهت فترة طبيب مقيم بخيرها وشرها وأصبحت مدرسًا مساعدًا في كلية الطب.. ودّعت السهر في العنابر المجانية غير آسف.. كانت أيامًا صعبة وأكون كاذبًا لو قلت سعيدة.. في الحق تم اعتصاري كليمونة.. يوجد قانون غير مكتوب يعتبر الطبيب المقيم بمثابة عبد مجاني ساقته الأقدار لأعضاء هيئة التدريس.. هذا ولم يكن الرفق بالعبيد من خصالهم أبدًا!!. كنت مسئولاً عن السباكة والنجارة والكهرباء ومداهنة صغار الموظفين وكل المهام القذرة التي تخطر ببال رؤساء لا ينقصهم الخيال.
سعدت بتحرري ورحبت بالعمل في بلد أخرى.. بمشاعر محايدة رحت أرمق النيل وهو يبتعد من خلال زجاج الطائرة المضبب بأنفاسي حتى تحول إلى خط نحيل أزرق رسمه صبي حالم.
مر عام الغربة مثل قطار تقعقع عجلاته المعدنية بلا انقطاع ليدهمني بلا رحمة.. كنت أرمق الجبال من خلال نافذة المستشفى لأقارنها بجبال الحزن بداخلي.. اشتقت للبلد الذي كنت ألعنه وأحلم بالهروب منه.. اشتقت للعنبر المجاني ومريضاتي البائسات من أعماق الريف.. وتسليتي الكبرى -في كل مساء- أن أشطب يومًا من الرزمانة المعلقة بالجدار وأنتظر بفروغ صبر شمس جديدة مستحثًّا الجرم الأرضي الهائل على الدوران.. حينما انتهى العام وصعدت الطائرة لم أشعر بشيء بعد أن استنفذت مشاعري -طيلة عام كامل- في الحنين.. وحتى حينما بدا النيل كخط أزرق نحيل يكبر رويدًا لم أشعر بشيء.. صدقوني لم أشعر بشيء.
تراب وطني والضجيج المحبب.. لقاء الأصدقاء والعنبر المجاني والوجوه المألوفة المحببة.. عايدة تزوجت ورحلت وأغلب الظن لن أراها أبدًا.. ليلى ونادية أراهما مصادفة من وقت لآخر..
وتعاقبت الأيام مرة أخرى.. قطرات تجمعت لتصنع نهرًا.. تضع قاربك على صفحة النهر ليحملك الموج وفجأة تكتشف أنك أوشكت أن تبلغ نهايته.. تغير كل شيء حتى ملامح العنبر المجاني تبدلت.. أضافوا مبنى كبيرًا احتل الحديقة المقابلة.. واختفت تلك الغرفة الخشبية في نهاية الردهة المخصصة لهيئة التمريض.
عودة الماضي
فجأة وجدتني في الأربعين.. الشعر الأبيض انتشر بسرعة الحزن.. صرت بدينًا وهو أكثر شيء أكرهه في الحياة.. لم أفهم قط لماذا تكبر أجسادنا ونشقى في الوقت نفسه بطفولة أرواحنا؟.. تلك النفخة من روح الله المستعصية دائمًا وأبدًا على الزمن.
وإذا بها أمامي: عايدة. كانت هي ولم تكن هي.. وكنت أنا ولم أكن أنا.. النهر يتراجع في الاتجاه المستحيل مخترقًا الزمن عائدًا إلى عنصره الأول.. القطرة الأولى.. فجأة تقهقرت عشرين عامًا.. لم تكن هناك مرآة لأتطلع فيها، لكني لا أشك أن نضارة وجهي عاودتني.. شرعت أتأملها.. امتلأ جسدها وظهرت آثار السنين واضحة على وجهها.. عشرون عامًا ليست بالأمر الهين!! ولكني بمزيد من التدقيق استطعت مطالعة نظرتها القديمة.
رحبت بي ورحبت بها.. والتفت حولنا ليلى ونادية وعادت ذكريات.. مات المريض في النوبتجية فاستراح الجسد المعذب، لكن عينيه ظلتا مفتوحتين في إصرار عجيب.. قالت ليلى إن جذب أصبع قدمه يغلقه، ولم أكن متأكدًا من صحة المعلومة، لكنني كنت على استعداد أن أجرب.. أمرت عايدة أن تشد أصبعه الكبير فبكت خائفة.. نهرتها مبرطمًا عن دلع بنات اليوم والمياصة وعدم تحمل المسئولية.. ليلى احتضنتها في أمومة فطرية وشدت هي -وسط سخطي- أصبع الرجل المتوفى.. لا أذكر هل نجحت الحيلة أم لا؟.. اعذروني فقد صرت عجوزًا مخرفًا.
عاوزنا نرجع زي زمان؟
كان اقتراحًا مدهشًا فوجئت به.. الشلة القديمة تصادف اجتماعهن في نوبتجية واحدة.. قالت لي ليلى لماذا لا تسهر معنا هذه النوبتجية مثل ليالي زمان؟.
"عاوزنا نرجع زي زمان!! قول للزمان.. ارجع يا زمان".. أم كلثوم سخرت من الفكرة معلنة عدم إمكانية تنفيذها... برغم ذلك مست في روحي وترًا يعزف ألحان الماضي بلا انقطاع.
رحت أتذكر وأفكر.. كانت أيام بؤس تمنيت وقتها أن تمر بسرعة.. لكنها -برغم كل شيء- أيامي.. كنت تعيسًا جدًّا وسعيدًا جدًّا، لكني لم أفطن إلا إلى تعاستي.. واليوم يكويني الحنين إليها، فما تفسير ذلك؟.
تغير كل شيء والطبيب المقيم صار أستاذًا يبعث وجوده القلق في نفوس الأطباء الصغار، وبالتأكيد سيبدو حضوره نوبتجية السهر علامة استفهام. يصعب طبعًا أن أحدثهم عن الحنين.. طيلة اليوم أفكر.. أحسب الأمر وأقلبه على وجوهه الكثيرة وأرد على من يحدثني بذهن شارد.. وحتى شهيتي الممتازة فقدتها.. أتوق بكل قوة روحي إلى تلبية نداء الذكريات، ولكن..!!
قول للزمان.. ارجع يا زمان!
واستقر رأيي ألا أذهب.. استعادة الماضي حماقة وها أنا ذا أرتدي ثوب النوم معلنًا قراري النهائي.. ولأجلبن لنفسي النوم المستعصي بقراءة كتاب ممل محاولاً أن أصرف تفكيري عن حقيقة أنهن ينتظرنني.
هكذا اتخذت قراري وهكذا نفذته.. أما ما حدث بعد ذلك فلا شأن لي به.
قطط ووجوه وحنين
يقول الراوي إنه استيقظ على نداء غامض يناديه فراح يرتجف على سريره.. هواء الليل البارد يتسرب وأضواء تغمره.. ترشد سفينته التائهة إلى مرفأ الذكريات..
يقول الراوي إنه غادر بيته مأخوذًا.. أوصد الباب خلفه أم لم يوصده؟.. ارتدى ملابس الخروج أم لم يرتدِها؟.. ارتدى حذاءه أم سار حافيًا؟ هذه أشياء لم يعلمها أحد، لكن المؤكد أنه كان يخوض ظلام الطرقات مقتحمًا عمق الليل وسط صفير هواء ونباح كلاب وحفيف أشباح.
يقول الراوي إنه راح يقترب ويمعن في الاقتراب.. يأمر الزمان فيمتثل.. في عنبر الذكريات حدثت المعجزة.. تراجع الزمن واختفى البناء الملحق الحديث لتظهر الحديقة من جديد، ومن وديعة الماضي راحت الألواح الخشبية تطير في الهواء.. واحدة بعد الأخرى لتتكامل معًا وتصنع غرفة التمريض الخشبية وبداخلها الوجوه القديمة.. عايدة وليلى ونادية معًا.. دائمًا معًا!!..
القطط السوداء تعود وروح عم عبد التواب تجوب الردهة مهددة بزيارة منزلية.. وأم كلثوم تغني بصوت مثقل بالحنين "عاوزنا نرجع زي زمان؟"..
نعم أريد.. بكل ذرة من كياني أريد..
--------------------------------------------------------------------------------
طبيب وكاتب من زوار "إسلام أون لاين.نت"، للاستفسار والتعليق يمكنك التواصل معه عبر البريد الإلكتروني الخاص بالصفحة adam@iolteam.com.
منقول عن اسلام اون لاين
د.أيمن محمد الجندى
من رحم الماضي خرجت تنفض غبار السنين.. عادت الوجوه القديمة وكأن عشرين عامًا لم تمر.. وقتها كنت طبيبًا نضرًا حديث التخرج.. والزمن لا نهاية له.. أما الكلام عن نهاية القرن العشرين فيبدو لي كالخيال العلمي.. نحن الآن في عام 1987، وكل أيامي أقضيها في العنبر المجاني بالمستشفى الجامعي بعد أن استلمت العمل كطبيب مقيم.. في الصباح كثير من المرضى والضوضاء، كثير من الغبار والحر. زد على ذلك سخافات الرؤساء.. أما المساء فيأتي بالسمر والسهر والأنسام الرحيمة مع هيئة التمريض: عايدة وليلى ونادية اللاتي كان يتصادف سهرهن معي في نوبتجية السهر.
عندما يهدأ الضجيج
حينما يسقط الليل ويهدأ الضجيج يتلبس العنبر بغلالة من الأحزان الرقيقة ويبدأ عالم المرضى الحقيقي.. الألم والصبر والأمل في الشفاء.. أقترب من عالم البسطاء وتنشأ بيننا حالة من الود على خلفية أزيز موقد يعمل بالكيروسين لإعداد الشاي، بينما تفوح رائحة الليل الغامضة المفعمة بالأسرار.
السهر بجوار سرير مريض محتضر يذيب الفوارق حتمًا بين طبيب وممرضة. حينما تصعد الروح إلى بارئها ويهمد الجسد عائدًا إلى أحضان أمه الأرض.. وقتها سيبدو لك الفارق بين طبيب وممرضة واهنًا ومصطنعًا.. صدقني.
بالتدريج نشأت بيننا مودة.. أجملهن عايدة وللجمال سلطان.. غزال وجل ينظر في رهبة.. ليلى سمراء رقيقة الملامح وماهرة في تثبيت الإبر الطبية إلى حد لا يصدق.. حينما يستعصي وريد على طبيب يبتلع كرامته ويلجأ إليها.. أما نادية فداكنة السمرة متسعة العينين تعطيك إيحاء مستمرًّا بالدهشة مع حنّية قلب وأمومة فطرية..
هذا هو عالمنا الصغير المنطوي على أسرار رهيبة نكتمها عمن سوانا.. القطط السوداء الغامضة التي تظهر على سلالم العنبر بعد وفاة كل مريض.. وهلع عايدة عندما حكيت لها بصوت منخفض عن القطة التي ظهرت بعد وفاة عم عبد التواب المُتوفَّى بالأمس..
وقالت إنها ستزورها في منزلها لتشكرها.. نادية تدق على صدرها وليلى تكتم ضحكة وتتظاهر بالهلع والتصديق..
رحلة الأيام
هكذا مرت أيامنا وليالينا لمدة ثلاث سنوات.. ثم حدث الشيء الذي لم أتصور حدوثه قط.. كبرت!!
انتهت فترة طبيب مقيم بخيرها وشرها وأصبحت مدرسًا مساعدًا في كلية الطب.. ودّعت السهر في العنابر المجانية غير آسف.. كانت أيامًا صعبة وأكون كاذبًا لو قلت سعيدة.. في الحق تم اعتصاري كليمونة.. يوجد قانون غير مكتوب يعتبر الطبيب المقيم بمثابة عبد مجاني ساقته الأقدار لأعضاء هيئة التدريس.. هذا ولم يكن الرفق بالعبيد من خصالهم أبدًا!!. كنت مسئولاً عن السباكة والنجارة والكهرباء ومداهنة صغار الموظفين وكل المهام القذرة التي تخطر ببال رؤساء لا ينقصهم الخيال.
سعدت بتحرري ورحبت بالعمل في بلد أخرى.. بمشاعر محايدة رحت أرمق النيل وهو يبتعد من خلال زجاج الطائرة المضبب بأنفاسي حتى تحول إلى خط نحيل أزرق رسمه صبي حالم.
مر عام الغربة مثل قطار تقعقع عجلاته المعدنية بلا انقطاع ليدهمني بلا رحمة.. كنت أرمق الجبال من خلال نافذة المستشفى لأقارنها بجبال الحزن بداخلي.. اشتقت للبلد الذي كنت ألعنه وأحلم بالهروب منه.. اشتقت للعنبر المجاني ومريضاتي البائسات من أعماق الريف.. وتسليتي الكبرى -في كل مساء- أن أشطب يومًا من الرزمانة المعلقة بالجدار وأنتظر بفروغ صبر شمس جديدة مستحثًّا الجرم الأرضي الهائل على الدوران.. حينما انتهى العام وصعدت الطائرة لم أشعر بشيء بعد أن استنفذت مشاعري -طيلة عام كامل- في الحنين.. وحتى حينما بدا النيل كخط أزرق نحيل يكبر رويدًا لم أشعر بشيء.. صدقوني لم أشعر بشيء.
تراب وطني والضجيج المحبب.. لقاء الأصدقاء والعنبر المجاني والوجوه المألوفة المحببة.. عايدة تزوجت ورحلت وأغلب الظن لن أراها أبدًا.. ليلى ونادية أراهما مصادفة من وقت لآخر..
وتعاقبت الأيام مرة أخرى.. قطرات تجمعت لتصنع نهرًا.. تضع قاربك على صفحة النهر ليحملك الموج وفجأة تكتشف أنك أوشكت أن تبلغ نهايته.. تغير كل شيء حتى ملامح العنبر المجاني تبدلت.. أضافوا مبنى كبيرًا احتل الحديقة المقابلة.. واختفت تلك الغرفة الخشبية في نهاية الردهة المخصصة لهيئة التمريض.
عودة الماضي
فجأة وجدتني في الأربعين.. الشعر الأبيض انتشر بسرعة الحزن.. صرت بدينًا وهو أكثر شيء أكرهه في الحياة.. لم أفهم قط لماذا تكبر أجسادنا ونشقى في الوقت نفسه بطفولة أرواحنا؟.. تلك النفخة من روح الله المستعصية دائمًا وأبدًا على الزمن.
وإذا بها أمامي: عايدة. كانت هي ولم تكن هي.. وكنت أنا ولم أكن أنا.. النهر يتراجع في الاتجاه المستحيل مخترقًا الزمن عائدًا إلى عنصره الأول.. القطرة الأولى.. فجأة تقهقرت عشرين عامًا.. لم تكن هناك مرآة لأتطلع فيها، لكني لا أشك أن نضارة وجهي عاودتني.. شرعت أتأملها.. امتلأ جسدها وظهرت آثار السنين واضحة على وجهها.. عشرون عامًا ليست بالأمر الهين!! ولكني بمزيد من التدقيق استطعت مطالعة نظرتها القديمة.
رحبت بي ورحبت بها.. والتفت حولنا ليلى ونادية وعادت ذكريات.. مات المريض في النوبتجية فاستراح الجسد المعذب، لكن عينيه ظلتا مفتوحتين في إصرار عجيب.. قالت ليلى إن جذب أصبع قدمه يغلقه، ولم أكن متأكدًا من صحة المعلومة، لكنني كنت على استعداد أن أجرب.. أمرت عايدة أن تشد أصبعه الكبير فبكت خائفة.. نهرتها مبرطمًا عن دلع بنات اليوم والمياصة وعدم تحمل المسئولية.. ليلى احتضنتها في أمومة فطرية وشدت هي -وسط سخطي- أصبع الرجل المتوفى.. لا أذكر هل نجحت الحيلة أم لا؟.. اعذروني فقد صرت عجوزًا مخرفًا.
عاوزنا نرجع زي زمان؟
كان اقتراحًا مدهشًا فوجئت به.. الشلة القديمة تصادف اجتماعهن في نوبتجية واحدة.. قالت لي ليلى لماذا لا تسهر معنا هذه النوبتجية مثل ليالي زمان؟.
"عاوزنا نرجع زي زمان!! قول للزمان.. ارجع يا زمان".. أم كلثوم سخرت من الفكرة معلنة عدم إمكانية تنفيذها... برغم ذلك مست في روحي وترًا يعزف ألحان الماضي بلا انقطاع.
رحت أتذكر وأفكر.. كانت أيام بؤس تمنيت وقتها أن تمر بسرعة.. لكنها -برغم كل شيء- أيامي.. كنت تعيسًا جدًّا وسعيدًا جدًّا، لكني لم أفطن إلا إلى تعاستي.. واليوم يكويني الحنين إليها، فما تفسير ذلك؟.
تغير كل شيء والطبيب المقيم صار أستاذًا يبعث وجوده القلق في نفوس الأطباء الصغار، وبالتأكيد سيبدو حضوره نوبتجية السهر علامة استفهام. يصعب طبعًا أن أحدثهم عن الحنين.. طيلة اليوم أفكر.. أحسب الأمر وأقلبه على وجوهه الكثيرة وأرد على من يحدثني بذهن شارد.. وحتى شهيتي الممتازة فقدتها.. أتوق بكل قوة روحي إلى تلبية نداء الذكريات، ولكن..!!
قول للزمان.. ارجع يا زمان!
واستقر رأيي ألا أذهب.. استعادة الماضي حماقة وها أنا ذا أرتدي ثوب النوم معلنًا قراري النهائي.. ولأجلبن لنفسي النوم المستعصي بقراءة كتاب ممل محاولاً أن أصرف تفكيري عن حقيقة أنهن ينتظرنني.
هكذا اتخذت قراري وهكذا نفذته.. أما ما حدث بعد ذلك فلا شأن لي به.
قطط ووجوه وحنين
يقول الراوي إنه استيقظ على نداء غامض يناديه فراح يرتجف على سريره.. هواء الليل البارد يتسرب وأضواء تغمره.. ترشد سفينته التائهة إلى مرفأ الذكريات..
يقول الراوي إنه غادر بيته مأخوذًا.. أوصد الباب خلفه أم لم يوصده؟.. ارتدى ملابس الخروج أم لم يرتدِها؟.. ارتدى حذاءه أم سار حافيًا؟ هذه أشياء لم يعلمها أحد، لكن المؤكد أنه كان يخوض ظلام الطرقات مقتحمًا عمق الليل وسط صفير هواء ونباح كلاب وحفيف أشباح.
يقول الراوي إنه راح يقترب ويمعن في الاقتراب.. يأمر الزمان فيمتثل.. في عنبر الذكريات حدثت المعجزة.. تراجع الزمن واختفى البناء الملحق الحديث لتظهر الحديقة من جديد، ومن وديعة الماضي راحت الألواح الخشبية تطير في الهواء.. واحدة بعد الأخرى لتتكامل معًا وتصنع غرفة التمريض الخشبية وبداخلها الوجوه القديمة.. عايدة وليلى ونادية معًا.. دائمًا معًا!!..
القطط السوداء تعود وروح عم عبد التواب تجوب الردهة مهددة بزيارة منزلية.. وأم كلثوم تغني بصوت مثقل بالحنين "عاوزنا نرجع زي زمان؟"..
نعم أريد.. بكل ذرة من كياني أريد..
--------------------------------------------------------------------------------
طبيب وكاتب من زوار "إسلام أون لاين.نت"، للاستفسار والتعليق يمكنك التواصل معه عبر البريد الإلكتروني الخاص بالصفحة adam@iolteam.com.
منقول عن اسلام اون لاين