أنين
04-08-2007, 08:32 PM
فضائل المسجد الحرام
مكة هي البيت العتيق ، وهي البلد الحرام ، والبلد الأمين ، شرفها الله عز وجل ورفع قدرها ، فلها المنزلة العظمى والمقام السامي الذي لا يدانيه مقام .
كيف لا وفيها بيته الذي هو أول بيت وضع للناس ، يعبدون فيه ربهم ويتقربون إليه ، وهو البيت الذي جدد بناءه خليل الرحمن إبراهيم عليه السلام ، وزاده الله رفعة وتعظيما بمبعث خاتم الرسل محمد عليه أفضل الصلاة والتسليم .
فهو مجمع الفضائل ومحط المكارم ، ففيه ترفع الدرجات وتغفر السيئات ، وفيه يتسابق المتسابقون في الخيرات فهو موطن رحمة ودار عبادة .
ففضائل مكة جمة ومزاياها كثيرة فلنستعرض شيئا منها ، حتى يعلم المسلم حرمة هذا البلد ومنزلته عند الله ، فمن فضائل مكة شرفها الله :
1- أن فيها أول بيت وضع لعبادة الله في الأرض : قال تعالى : {إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين } (آل عمران:96) قال الحسن : هو أول مسجد عبد الله فيه في الأرض .
2- أنها حرم الله ورسوله : قال تعالى { إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها وله كل شيء وأمرت أن أكون من المسلمين } فمكة حرمها الله على خلقه أن يسكفوا فيها دماً حراماً ، أو يظلموا فيها أحداً ، أو يصاد صيدها ، أو يختلى خلالها . وفي الصحيحين عن أبي شريح رضي الله عنه قال : قال صلى الله عليه وسلم : ( إن مكة حرمها الله تعالى ولم يحرمها الناس ، ولا يحل لأمريء يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دماً أو أن يعضد بها شجرة ، فإن أحد ترخص لقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقولوا له : إن الله أذن لرسوله صلى الله عليه وسلم ولم يأذن لك ، وإنما أذن لي فيها ساعة من نهار وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس وليبلغ الشاهد الغائب ).
3- أنها دار الأمن والأمان : قال تعالى { وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر قال ومن كفر فأمتعه قليلا ثم أضطره إلى عذاب النار وبئس المصير } (البقرة:126) قال أبو جعفر : " يعني بقوله آمنا ، آمناً من الجبابرة وغيرهم ، أن يسلطوا عليه ، ومن عقوبة الله أن تناله كما تنال سائر البلدان ، من خسف وائتفاك - انقلاب - وغرق ، وغير ذلك من سخط الله ومثلاته - عقوباته - التي تصيب سائر البلاد غيره "
4- أحب البلاد إلى الله وإلى رسوله : فعن عبد الله بن عدي بن حمراء الزهري قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على راحلته واقف بالجرول يقول : ( والله إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلى الله ولولا أني أخرجت منك ما خرجت ) رواه النسائي .
5- فضيلة الصلاة في مسجدها : وفضيلة الصلاة في المسجد الحرام لا تعدلها فضيلة فالصلاة فيه بمائة ألف صلاة فيما سواه من المساجد ، فقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم في الحديث أنه قال: ( صلاة في المسجد الحرام أفضل مما سواه من المساجد بمائة ألف صلاة ، وصلاة في مسجد المدينة أفضل من ألف صلاة فيما سواه ، وصلاة في مسجد بيت المقدس أفضل مما سواه من المساجد بخمسمائة صلاة ) . رواه الطبراني و ابن خزيمة .
6- محصنة من الدجال : فلا يدخلها الدجال حفظا من الله لها ، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ليس من بلد إلا سيطؤه الدجال إلا مكة والمدينة ، ليس له من نقابها نقب إلا عليه الملائكة صافين يحرسونها ، ثم ترجف المدينة بأهلها ثلاث رجفات فيخرج الله كل كافر ومنافق ) رواه البخاري .
7- زمزم: وهي كرامة إسماعيل عليه السلام وأمه ، حيث أنبع الله لهما هذه العين فصارت عينا معينا إلى يوم القيامة ، في بلد قفر لا شجر فيه ولا ماء ، وهي مع كونها تروي العطشان ، جعل الله فيها دواء وطعاماً لشاربيها ، فعن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( زمزم طعام طعم وشفاء سقم ) رواه البزار و الطبراني في الصغير وصححه الألباني .
8- حرمة استقبال الكعبة أو استدبارها عند قضاء الحاجة تكريما لها وتشريفا : فيحرم على المسلم إذا كان في فضاء من الأرض لا يحول بينه وبين القبلة شيء أن يستقبلها أو يستدبرها عند قضاء حاجته ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :( إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها ببول ولا غائط ، ولكن شرقوا أو غربوا ) رواه البخاري و مسلم واللفظ له .
9- مكة مركز اليابسة : وقد دلّ على ذلك قوله تعالى : { وكذلك أوحينا إليك قرآنا عربيا لتنذر أم القرى ومن حولها } ( الشورى:7 ) قال ابن عباس في تفسير الآية : " أم القرى ، مكة ، ومن حولها الأرض كلها ". وقد دلت الاكتشافات العلمية الحديثة أن مكة شرفها الله هي مركز اليابسة ، وقد توصل إلى هذه النتيجة عدد من الباحثين منهم الدكتور حسين كمال الدين العالم المصري الذي كان يحاول رسم خريطة للعالم يبين فيها للمسلمين في أنحاء العالم اتجاه القبلة ، فاتضح له أن مكة مركز اليابسة في العالم ، وأن اليابسة على سطح الكرة الأرضية موزعة حول مكة توزيعا منتظما .
10- مكة قبلة المسلمين : وهذه فضيلة أخرى من فضائل بيت الله الحرام ، فإليها يتوجه عموم المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها ، قال تعالى :{ قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره } (البقرة:144)
11- المحاسبة فيها على الهم بالسيئات : على خلاف غيرها من البلاد التي لايؤاخذ المرء فيها إلا على فعله أو قوله دون ما يهم به ، قال تعالى { ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم } سورة الحج ( الآية :25 ) والإلحاد هنا هوالميل والحيد عن دين الله الذي شرعه ، ويدخل في ذلك الشرك بالله في الحرم ، أو الكفر به ، أو فعل شيء مما حرمه الله ، أو ترك شيء مما أوجبه الله ، أو انتهاك حرمات الحرم .
فهذه بعض فضائل بيت الله الحرام ، نسأل المولى عز وجل أن يبلغنا إياه حاجين ومعتمرين مرات بعد مرات ؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه .
آداب زيارة المسجد الحرام
للمسجد الحرام آداب ينبغي للمسلم أن يتأدب بها عند دخوله ، وهي نظير الآداب في كل مسجد إلا أنها تعظم في المسجد الحرام لمكانته ومنزلته وحرمته، فمن آداب زيارة المسجد الحرام:
1- تقديم الرجل اليمني والإتيان بدعاء الدخول: فيندب عند دخول المسجد الحرام - كغيره من المساجد - أن يدعوا الداخل بهذا الدعاء: أعوذ بالله العظيم، وبوجهه الكريم، وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم، الحمد لله، اللهم صل وسلم على محمد وعلى آل محمد. اللهم اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب رحمتك، ثم يقول: باسم الله، ويقدم اليمنى في الدخول.
2- ومن الأدب الذي يجب أن يلتزمه الداخل أن ينزه المسجد عن الروائح الكريهة كالثوم والبصل والدخان، لقوله صلى الله عليه وسلم : ( من أكل ثوما أو بصلا فليعتزلنا - أو قال : فليعتزل مسجدنا ) . رواه البخاري و مسلم .
3- تحية البيت : وهي ركعتان يؤديها المسلم ، أما من قدم محرماً فيبدأ بالطواف أولا.
4- تنزيه المسجد عن الخصومة ورفع الصوت: فتكره الخصومة في المسجد، ورفع الصوت، ونشد الضالة، والبيع، لحديث أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد فقولوا: لا أربح الله تجارتك، وإذا رأيتم من ينشد فيه ضالة فقولوا: لا ردَّ الله عليك ) رواه الترمذي وصححه الألباني .
5- الاستكثار من الطاعة: لما في المسجد الحرام من مضاعفة الحسنات، فيكثر من الطواف والصلاة وقراءة القرآن والذكر والدعاء، ولا يضيع وقته فيما لا يعود عليه بالنفع في الآخرة .
6- اجتناب المعاصي والسيئات: فالموطن موطن عبادة، ويكفي في التحذير من المعاصي في المسجد الحرام أن الله يؤاخذ فيه بالهمّ بالسيئة فضلا عن فعلها، قال تعالى : { ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم } (الحج : 25) .
7- تجنب مزاحمة الناس ، لاسيما عند الحجر الأسود ؛ فإن استلام الحجر مستحب ، ومزاحمة الناس إذا ترتب عليها إضرار بهم حرمت .
8- دعاء الخروج: فإذا أراد المسلم الخروج من المسجد فيستحب أن يقدم رجله اليسرى، ويستحب أن يقول عند الخروج: " اللهم إني أسألك من فضلك " أو يقول : " رب اغفر لي ، وافتح لي أبواب فضلك " ، وذلك بعد الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم .
تلك هي جملة من الآداب التي ينبغي مراعاتها عند دخول المسجد الحرام ، وفقنا الله للعمل بها .
خصائص الحرم
أقسم الله تعالى بالبلد الحرام في موضعين من كتابه، فقال: { وهذا البلد الأمين } (التين:3)، وقال تعالى:{ لا أقسم بهذا البلد } (البلد:1)؛ وما ذلك إلا لفضل هذه البقعة المباركة وشرفها على غيرها، وليس على الأرض بقعة فرض الله على العباد قصدها والتوجّه إليها سوى هذه البلدة، فلا عجب إذاً أن تكون هذه الأرض المباركة أحب البقاع إلى الله، وأحب البقاع إلى قلب خير الأنبياء، وقلوب المؤمنين الصادقين .
وبالنظر في نصوص الوحيين نجد أن لمكة خصائص معينة ، تميّزت بها عن سواها ، وتعلقت بها جملة من الأحكام التي ينبغي مراعاتها ، لذا نرى لزاما علينا أن نقف على شيء من تلك الخصائص ، ونُجملها فيما يلي :
1- كونها قبلة للمؤمنين ، يقصدونها حين الصلاة ، قال الله عزوجل : { قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره } ( البقرة : 144 ) ، وقال عزوجل : { ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وإنه للحق من ربك وما الله بغافل عما تعملون } .
2- أن الله عزوجل جعلها أم القرى، قال الله عزوجل : { ولتنذر أم القرى ومن حولها } ( الأنعام : 92 ) ، يقول الإمام ابن كثير في تفسيره : " وسميت مكة أم القرى لأنها أشرف من سائر البلاد " ، فكل القرى تابعة لها ، وفرع عليها .
3- مضاعفة الحسنات فيها، لا سيما الصلوات، لقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( صلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة فيما سواه ) رواه أحمد و صححه الأرناؤوط ، ومضاعفة الحسنات فيها مبنيّ على حرمتها ومكانتها عند الله كما قرر ذلك كثير من العلماء .
4- عظم قدر السيئة فيها، وذلك مأخوذ من قول الله تعالى : { ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم } ( الحج : 25 ) ، فتوعّد على مجرّد إرادة السيئة في الحرم ، يقول الإمام ابن القيّم : " فالسيئة في حرم الله وبلده، آكد وأعظم منها في طرف من أطراف الأرض ، ولهذا ليس من عصى الملك على بساط ملكه كمن عصاه في الموضع البعيد من داره وبساطه " .
5- جعلها الله تعالى حرما آمنا يمتنع فيه القتال ، ولا يُعضد شجرها ، أو يُنّفر صيدها ، ويأمن الناس فيها على أنفسهم وأموالهم، فهي الأمان التام لكل خلق الله، قال الله تعالى: { ومن دخله كان آمنا } (آل عمران: 97)، وقال تعالى:{ إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها وله كل شيء وأمرت أن أكون من المسلمين } (النمل: 91)، وفي صحيح البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الله حرم مكة يوم خلق السماوات والأرض فهي حرام بحرام الله إلى يوم القيامة،لم تحل لأحد قبلي ولا تحل لأحد بعدي، ولم تحلل لي إلا ساعة من الدهر، لا ينفر صيدها ولا يعضد شوكها، ولا يختلى خلاها ) ولم يُستثن من ذلك سوى نبات الإذخر؛ للحاجة إليه، كما دلّت على ذلك الروايات الصحيحة .
6- كونها أحب البقاع إلى الله تعالى : فعن عبدالله بن عدي رضي الله عنه قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم على راحلته واقفاً بالحزْوَرَة يقول : ( والله إنك لخير أرض الله، وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أني أُخرجت منك ما خرجت ) رواه الترمذي و ابن ماجة .
7- كونها مظنّة إجابة الدعاء فيها ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( الحجاج والعمار وفد الله ، إن دعوه أجابهم ، وإن استغفروه غفر لهم ) رواه النسائي و ابن ماجة وصححه الألباني .
8- عدم جواز دخول المشركين فيها ، لقول الله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا } ( التوبة : 28 ) .
9- عدم جواز التقاط لقطتها إلا لمن أراد أن يعرّفها أبداً دون أن يتملّكها ، لحديث ابن عباس رضي الله عنه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لا تحل لقطتها إلا لمنشد ) رواه البخاري .
10- حرمة استقبالها واستدبارها عند قضاء الحاجة ، لقوله صلى الله عليه وسلم : ( إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها ، ولكن شرّقوا أو غرّبوا ) ، متفق عليه ، وهذا الحكم مختصٌ بمن كان في مكان خال دون من كان بالبنيان عند جمعٍ من أهل العلم .
11- أن الدجال لا يمكنه دخول مكة ولا المدينة ، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ليس من بلد إلا سيطؤه الدجال ، إلا مكة والمدينة ) ، رواه البخاري و مسلم .
12- أن الله تعالى تولّى الدفاع عنها ، كما حصل ذلك في عام الفيل ، وكما سيحصل في آخر الزمان ، فعن عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يغزو جيش الكعبة ، حتى إذا كانوا ببيداء من الأرض خُسف بأولهم وآخرهم ) رواه البخاري .
13- اختصاص تلك البلدة بانجذاب القلوب إليها ، ومحبة الخلق لها ، استجابة لدعوة أبينا إبراهيم عليه السلام : { ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم } ( إبراهيم : 37 ) .[/SIZE][/CENTER]
مكة هي البيت العتيق ، وهي البلد الحرام ، والبلد الأمين ، شرفها الله عز وجل ورفع قدرها ، فلها المنزلة العظمى والمقام السامي الذي لا يدانيه مقام .
كيف لا وفيها بيته الذي هو أول بيت وضع للناس ، يعبدون فيه ربهم ويتقربون إليه ، وهو البيت الذي جدد بناءه خليل الرحمن إبراهيم عليه السلام ، وزاده الله رفعة وتعظيما بمبعث خاتم الرسل محمد عليه أفضل الصلاة والتسليم .
فهو مجمع الفضائل ومحط المكارم ، ففيه ترفع الدرجات وتغفر السيئات ، وفيه يتسابق المتسابقون في الخيرات فهو موطن رحمة ودار عبادة .
ففضائل مكة جمة ومزاياها كثيرة فلنستعرض شيئا منها ، حتى يعلم المسلم حرمة هذا البلد ومنزلته عند الله ، فمن فضائل مكة شرفها الله :
1- أن فيها أول بيت وضع لعبادة الله في الأرض : قال تعالى : {إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين } (آل عمران:96) قال الحسن : هو أول مسجد عبد الله فيه في الأرض .
2- أنها حرم الله ورسوله : قال تعالى { إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها وله كل شيء وأمرت أن أكون من المسلمين } فمكة حرمها الله على خلقه أن يسكفوا فيها دماً حراماً ، أو يظلموا فيها أحداً ، أو يصاد صيدها ، أو يختلى خلالها . وفي الصحيحين عن أبي شريح رضي الله عنه قال : قال صلى الله عليه وسلم : ( إن مكة حرمها الله تعالى ولم يحرمها الناس ، ولا يحل لأمريء يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دماً أو أن يعضد بها شجرة ، فإن أحد ترخص لقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقولوا له : إن الله أذن لرسوله صلى الله عليه وسلم ولم يأذن لك ، وإنما أذن لي فيها ساعة من نهار وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس وليبلغ الشاهد الغائب ).
3- أنها دار الأمن والأمان : قال تعالى { وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر قال ومن كفر فأمتعه قليلا ثم أضطره إلى عذاب النار وبئس المصير } (البقرة:126) قال أبو جعفر : " يعني بقوله آمنا ، آمناً من الجبابرة وغيرهم ، أن يسلطوا عليه ، ومن عقوبة الله أن تناله كما تنال سائر البلدان ، من خسف وائتفاك - انقلاب - وغرق ، وغير ذلك من سخط الله ومثلاته - عقوباته - التي تصيب سائر البلاد غيره "
4- أحب البلاد إلى الله وإلى رسوله : فعن عبد الله بن عدي بن حمراء الزهري قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على راحلته واقف بالجرول يقول : ( والله إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلى الله ولولا أني أخرجت منك ما خرجت ) رواه النسائي .
5- فضيلة الصلاة في مسجدها : وفضيلة الصلاة في المسجد الحرام لا تعدلها فضيلة فالصلاة فيه بمائة ألف صلاة فيما سواه من المساجد ، فقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم في الحديث أنه قال: ( صلاة في المسجد الحرام أفضل مما سواه من المساجد بمائة ألف صلاة ، وصلاة في مسجد المدينة أفضل من ألف صلاة فيما سواه ، وصلاة في مسجد بيت المقدس أفضل مما سواه من المساجد بخمسمائة صلاة ) . رواه الطبراني و ابن خزيمة .
6- محصنة من الدجال : فلا يدخلها الدجال حفظا من الله لها ، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ليس من بلد إلا سيطؤه الدجال إلا مكة والمدينة ، ليس له من نقابها نقب إلا عليه الملائكة صافين يحرسونها ، ثم ترجف المدينة بأهلها ثلاث رجفات فيخرج الله كل كافر ومنافق ) رواه البخاري .
7- زمزم: وهي كرامة إسماعيل عليه السلام وأمه ، حيث أنبع الله لهما هذه العين فصارت عينا معينا إلى يوم القيامة ، في بلد قفر لا شجر فيه ولا ماء ، وهي مع كونها تروي العطشان ، جعل الله فيها دواء وطعاماً لشاربيها ، فعن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( زمزم طعام طعم وشفاء سقم ) رواه البزار و الطبراني في الصغير وصححه الألباني .
8- حرمة استقبال الكعبة أو استدبارها عند قضاء الحاجة تكريما لها وتشريفا : فيحرم على المسلم إذا كان في فضاء من الأرض لا يحول بينه وبين القبلة شيء أن يستقبلها أو يستدبرها عند قضاء حاجته ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :( إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها ببول ولا غائط ، ولكن شرقوا أو غربوا ) رواه البخاري و مسلم واللفظ له .
9- مكة مركز اليابسة : وقد دلّ على ذلك قوله تعالى : { وكذلك أوحينا إليك قرآنا عربيا لتنذر أم القرى ومن حولها } ( الشورى:7 ) قال ابن عباس في تفسير الآية : " أم القرى ، مكة ، ومن حولها الأرض كلها ". وقد دلت الاكتشافات العلمية الحديثة أن مكة شرفها الله هي مركز اليابسة ، وقد توصل إلى هذه النتيجة عدد من الباحثين منهم الدكتور حسين كمال الدين العالم المصري الذي كان يحاول رسم خريطة للعالم يبين فيها للمسلمين في أنحاء العالم اتجاه القبلة ، فاتضح له أن مكة مركز اليابسة في العالم ، وأن اليابسة على سطح الكرة الأرضية موزعة حول مكة توزيعا منتظما .
10- مكة قبلة المسلمين : وهذه فضيلة أخرى من فضائل بيت الله الحرام ، فإليها يتوجه عموم المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها ، قال تعالى :{ قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره } (البقرة:144)
11- المحاسبة فيها على الهم بالسيئات : على خلاف غيرها من البلاد التي لايؤاخذ المرء فيها إلا على فعله أو قوله دون ما يهم به ، قال تعالى { ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم } سورة الحج ( الآية :25 ) والإلحاد هنا هوالميل والحيد عن دين الله الذي شرعه ، ويدخل في ذلك الشرك بالله في الحرم ، أو الكفر به ، أو فعل شيء مما حرمه الله ، أو ترك شيء مما أوجبه الله ، أو انتهاك حرمات الحرم .
فهذه بعض فضائل بيت الله الحرام ، نسأل المولى عز وجل أن يبلغنا إياه حاجين ومعتمرين مرات بعد مرات ؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه .
آداب زيارة المسجد الحرام
للمسجد الحرام آداب ينبغي للمسلم أن يتأدب بها عند دخوله ، وهي نظير الآداب في كل مسجد إلا أنها تعظم في المسجد الحرام لمكانته ومنزلته وحرمته، فمن آداب زيارة المسجد الحرام:
1- تقديم الرجل اليمني والإتيان بدعاء الدخول: فيندب عند دخول المسجد الحرام - كغيره من المساجد - أن يدعوا الداخل بهذا الدعاء: أعوذ بالله العظيم، وبوجهه الكريم، وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم، الحمد لله، اللهم صل وسلم على محمد وعلى آل محمد. اللهم اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب رحمتك، ثم يقول: باسم الله، ويقدم اليمنى في الدخول.
2- ومن الأدب الذي يجب أن يلتزمه الداخل أن ينزه المسجد عن الروائح الكريهة كالثوم والبصل والدخان، لقوله صلى الله عليه وسلم : ( من أكل ثوما أو بصلا فليعتزلنا - أو قال : فليعتزل مسجدنا ) . رواه البخاري و مسلم .
3- تحية البيت : وهي ركعتان يؤديها المسلم ، أما من قدم محرماً فيبدأ بالطواف أولا.
4- تنزيه المسجد عن الخصومة ورفع الصوت: فتكره الخصومة في المسجد، ورفع الصوت، ونشد الضالة، والبيع، لحديث أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد فقولوا: لا أربح الله تجارتك، وإذا رأيتم من ينشد فيه ضالة فقولوا: لا ردَّ الله عليك ) رواه الترمذي وصححه الألباني .
5- الاستكثار من الطاعة: لما في المسجد الحرام من مضاعفة الحسنات، فيكثر من الطواف والصلاة وقراءة القرآن والذكر والدعاء، ولا يضيع وقته فيما لا يعود عليه بالنفع في الآخرة .
6- اجتناب المعاصي والسيئات: فالموطن موطن عبادة، ويكفي في التحذير من المعاصي في المسجد الحرام أن الله يؤاخذ فيه بالهمّ بالسيئة فضلا عن فعلها، قال تعالى : { ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم } (الحج : 25) .
7- تجنب مزاحمة الناس ، لاسيما عند الحجر الأسود ؛ فإن استلام الحجر مستحب ، ومزاحمة الناس إذا ترتب عليها إضرار بهم حرمت .
8- دعاء الخروج: فإذا أراد المسلم الخروج من المسجد فيستحب أن يقدم رجله اليسرى، ويستحب أن يقول عند الخروج: " اللهم إني أسألك من فضلك " أو يقول : " رب اغفر لي ، وافتح لي أبواب فضلك " ، وذلك بعد الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم .
تلك هي جملة من الآداب التي ينبغي مراعاتها عند دخول المسجد الحرام ، وفقنا الله للعمل بها .
خصائص الحرم
أقسم الله تعالى بالبلد الحرام في موضعين من كتابه، فقال: { وهذا البلد الأمين } (التين:3)، وقال تعالى:{ لا أقسم بهذا البلد } (البلد:1)؛ وما ذلك إلا لفضل هذه البقعة المباركة وشرفها على غيرها، وليس على الأرض بقعة فرض الله على العباد قصدها والتوجّه إليها سوى هذه البلدة، فلا عجب إذاً أن تكون هذه الأرض المباركة أحب البقاع إلى الله، وأحب البقاع إلى قلب خير الأنبياء، وقلوب المؤمنين الصادقين .
وبالنظر في نصوص الوحيين نجد أن لمكة خصائص معينة ، تميّزت بها عن سواها ، وتعلقت بها جملة من الأحكام التي ينبغي مراعاتها ، لذا نرى لزاما علينا أن نقف على شيء من تلك الخصائص ، ونُجملها فيما يلي :
1- كونها قبلة للمؤمنين ، يقصدونها حين الصلاة ، قال الله عزوجل : { قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره } ( البقرة : 144 ) ، وقال عزوجل : { ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وإنه للحق من ربك وما الله بغافل عما تعملون } .
2- أن الله عزوجل جعلها أم القرى، قال الله عزوجل : { ولتنذر أم القرى ومن حولها } ( الأنعام : 92 ) ، يقول الإمام ابن كثير في تفسيره : " وسميت مكة أم القرى لأنها أشرف من سائر البلاد " ، فكل القرى تابعة لها ، وفرع عليها .
3- مضاعفة الحسنات فيها، لا سيما الصلوات، لقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( صلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة فيما سواه ) رواه أحمد و صححه الأرناؤوط ، ومضاعفة الحسنات فيها مبنيّ على حرمتها ومكانتها عند الله كما قرر ذلك كثير من العلماء .
4- عظم قدر السيئة فيها، وذلك مأخوذ من قول الله تعالى : { ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم } ( الحج : 25 ) ، فتوعّد على مجرّد إرادة السيئة في الحرم ، يقول الإمام ابن القيّم : " فالسيئة في حرم الله وبلده، آكد وأعظم منها في طرف من أطراف الأرض ، ولهذا ليس من عصى الملك على بساط ملكه كمن عصاه في الموضع البعيد من داره وبساطه " .
5- جعلها الله تعالى حرما آمنا يمتنع فيه القتال ، ولا يُعضد شجرها ، أو يُنّفر صيدها ، ويأمن الناس فيها على أنفسهم وأموالهم، فهي الأمان التام لكل خلق الله، قال الله تعالى: { ومن دخله كان آمنا } (آل عمران: 97)، وقال تعالى:{ إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها وله كل شيء وأمرت أن أكون من المسلمين } (النمل: 91)، وفي صحيح البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الله حرم مكة يوم خلق السماوات والأرض فهي حرام بحرام الله إلى يوم القيامة،لم تحل لأحد قبلي ولا تحل لأحد بعدي، ولم تحلل لي إلا ساعة من الدهر، لا ينفر صيدها ولا يعضد شوكها، ولا يختلى خلاها ) ولم يُستثن من ذلك سوى نبات الإذخر؛ للحاجة إليه، كما دلّت على ذلك الروايات الصحيحة .
6- كونها أحب البقاع إلى الله تعالى : فعن عبدالله بن عدي رضي الله عنه قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم على راحلته واقفاً بالحزْوَرَة يقول : ( والله إنك لخير أرض الله، وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أني أُخرجت منك ما خرجت ) رواه الترمذي و ابن ماجة .
7- كونها مظنّة إجابة الدعاء فيها ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( الحجاج والعمار وفد الله ، إن دعوه أجابهم ، وإن استغفروه غفر لهم ) رواه النسائي و ابن ماجة وصححه الألباني .
8- عدم جواز دخول المشركين فيها ، لقول الله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا } ( التوبة : 28 ) .
9- عدم جواز التقاط لقطتها إلا لمن أراد أن يعرّفها أبداً دون أن يتملّكها ، لحديث ابن عباس رضي الله عنه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لا تحل لقطتها إلا لمنشد ) رواه البخاري .
10- حرمة استقبالها واستدبارها عند قضاء الحاجة ، لقوله صلى الله عليه وسلم : ( إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها ، ولكن شرّقوا أو غرّبوا ) ، متفق عليه ، وهذا الحكم مختصٌ بمن كان في مكان خال دون من كان بالبنيان عند جمعٍ من أهل العلم .
11- أن الدجال لا يمكنه دخول مكة ولا المدينة ، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ليس من بلد إلا سيطؤه الدجال ، إلا مكة والمدينة ) ، رواه البخاري و مسلم .
12- أن الله تعالى تولّى الدفاع عنها ، كما حصل ذلك في عام الفيل ، وكما سيحصل في آخر الزمان ، فعن عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يغزو جيش الكعبة ، حتى إذا كانوا ببيداء من الأرض خُسف بأولهم وآخرهم ) رواه البخاري .
13- اختصاص تلك البلدة بانجذاب القلوب إليها ، ومحبة الخلق لها ، استجابة لدعوة أبينا إبراهيم عليه السلام : { ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم } ( إبراهيم : 37 ) .[/SIZE][/CENTER]