المنتمي
02-17-2007, 05:53 PM
محمود النجار
منذ بدايات الصراع العربي الصهيوني، وحتى بدايات الثمانينات من القرن العشرين، لم يكن مسوغاً التحدث عن سلام على أية صورة مع الكيان الصهيوني اللقيط على الصعيد الشعبي على الأقل، ولم يكن مقبولاً تسمية "الكيان الصهيوني باسم "إسرائيل" في كثير من وسائل الإعلام العربية، ولم يكن مسوغاً بحال من الأحوال أن تظهر نجمة داود أو علم الكيان على شاشات التلفزة العربية بهذا القدر من الوقاحة والصلافة.. ولم يكن في مقدور العقل الشعبي العربي أن يتخيل خريطة فلسطين في بعض وسائل الإعـلام العربية المرئية ممهورة باسم جديد: "إسرائيل".. ولم أكن شخصياً أتخيل مجرد تخيل أن ظهور هذه المشــاهد على الشاشــات العربية سيمــر دون عقــاب وسخط جماهيري عارم.. حتى أسقــط في يدي وأنا أستمــع إلى مراسلة إحدى المحطات التلفازية غير الرسمية ـ التي بقيت أحترمهــا ردحاً من الزمن ـ وهي تقول في تقريرها المعد: ".. بلدة ترشيحــا الإسرائيلية.." ؛ مما أصابني بقشعريرة الضلوع، وأحالني إلى ما يشبه اليأس، مع العلم بأن ترشيحا بلدة فلسطينية أصيلة في شمال فلسطين، تكاد تخلو من الوجود اليهودي، ولم يمض وقت طويل حتى فاجأتني المراسلة نفسها بالقول: "..في إسرائيل أو ما كان يسمى سابقاً فلسطين.."!! وكان أداء المراسلة في المرتين بارداً مستسلماً للمفهوم السياسي الصهيوني الأمريكي المسانَد بالخيانة العربية، حتى لكأن الأمر منتهٍ، وليس بوسعها إلا أن تنسجم مع هذا الإيقاع النشاز.. إنه إقرار جامع مانع من هذه المراسلة الغبية بأن ما كان يسمى فلسطين بالأمس، أصبح يسمى "إسرائيل" اليوم..!!
هكذا تم استدراج الكثيرين من السذج وضعاف النفوس شيئاً فشيئاً نحو الإقرار الواعي أو غير الواعي بأن فلسطين لم تعد موجودة في يافا وحيفا واللد والرملة وعكا وصفد وطبريا وبيسان والحولة وبئر السبع والنقب.. ولجأ بعض مدعي الثقافة منا إلى انتهاج أساليب غاية في الغرابة في قلب سحنة الواقع والهروب من تبعات القضايا الوطنية النازفة لصالح الحالة الصهيونية القائمة، ومشروع العولمة الطاغي بذريعة الورد والثلج والحب والسلام!! إنهم يريدوننا أن نرقص على الإيقاع الصهيوني الأمريكي.. بيد أنهم لا يدعوننا إلى ذلك مباشرة، بل تلميحاً وعلى استحياء؛ لأنهم هم أنفسهم وقعوا في شرك العولمة وتداعيات الفكر الحداثي وقوعاً غبياً، وأقروا بالحالة القائمة إقرار الباحث عن ذاته في الفكر المناوئ بعد أن لم يجد له مكاناً مرموقاً ودوراً محترماً في فكر أمته، لأنه في الأساس يعاني من انفصام شخصية وهشاشة فكرية حالت بينه وبين الدفء الاجتماعي والانتماء للأمة، فظن أنه سيجد نفسه في الدائرة الأخرى؛ فما إن فتح الباب الرسمي للتطبيع والانغماس في مستنقع الوحل الغربي الصهيوني حتى ألقى بنفسه في هذا المستنقع ظاناً أن ذلك سيكسبه الجاه والمنصب والثراء، وقد تحقق لكثير منهم مكاسب مادية، واستطاع بعضهم أن يتبوؤوا مناصب رفيعة في بلادهم.. بيد أن هؤلاء استلبوا من ضياعهم وعجز أمتهم استلاباً رمادياً مشيناً.. فهم يدعوننا إلى منطقة نفوذ لم يدخلوها بعد.. أو دخلوها ولما تتمكن منهم بعد؛ لأن خيطاً واهناً ما زال يربط بعضهم بحليب أمهاتهم.. وما استمراء الوضع القائم والسكوت عنه، بل الخوف من الاقتراب من مفرداته وتداعياته إلا دليلاً صارخاً على حالة الاستخذاء والتخاذل التي يعيشها اليوم من كانوا بالأمس أصحاب رأي وقلم.. كان فيما مضى ثمة شيء اسمه "لاءات الخرطوم الثلاث"، وليس بعيداً عنا ما واجهته دعوة الرئيس التونسي السابق بورقيبة الاستسلامية من استهجان ورفض، عبرت عنهما وسائل الإعلام العربية الرسمية والتظاهرات الشعبية التي عمت معظم أرجاء الوطن العربي العام 1964 قبيل ضياع بقية الأراضي الفلسطينية العام 1967.
وبالأمس القريب كانت شعارات الانتفاضة الأولى وممارساتها البطولية تحاكي بأعلى صوتها مواد وبنود الميثاق الوطني الفلسطيني "تحرير فلسطين من البحر إلى النهر"، فاستحقت الدعم المعنوي والمادي والتأييد الشعبي والرسمي في معظم الدول العربية والإسلامية، وكثير من دول العالم، وفتحت آفاقاً جديدة للصراع العربي الصهيوني امتازت بالعنفوان والغضب اللذين هزا أركان (البيت اليهودي) الهش وحطما أسطورة الجندي الصهيوني وآلته العسكرية؛ ما جعلنا نحس بوجودنا وكينونتنا بعد فقدان طويل..
وبين ليلة وضحاها وفي غمرة النشوة والإحساس بالذات، وبعد أن استوت لدينا معادلة الحياة والموت في سبيل كرامتنا الوطنية ومقدساتنا وأرضنا إبان الانتفاضة، جاءت أوسلو بكل تداعياتها في لحظة طيش وعبث فلسطينية كارثية؛ فانفلتت الثوابت من عقالها، وأصبح ممكناً جداً ما كان بالأمس مستحيلاً!! وضعنا أيدينا في أيدي عدونا التاريخي على أمل أن نسترد بعض حقوقنا، وذرفنا في سبيل تسويغ منطق التسوية الهش دموع التماسيح، وألقينا على مسامع الشرفاء من أبناء أمتنا ما مفاده أننا أصبحنا وحدنا بعد أن تخلى عنا الجميع، ولا مفر من السلام!! مع أن خيار الانتفاضة الباسلة كان قائماً، وخيار الموت بشرف كان متحققاً..!!
أجهضت الانتفاضة وتلاشت الآمال أمام اختيار طريق أوسلو بكلية هذا الخيار، ثم بخيار "غزة أريحا أولاً" بدايةً تحمل ما تحمل من التوريط الواعي أو غير الواعي؛ حيث يصعب التراجع عن الاتفاقات التي أبرمت حتى الآن ضمن منطق الاستسلام المشين!! إن أكثر ما يؤلم الواعين من أبناء هذه الأمة إدراكهم بأن ما تحقق وما يمكن أن يتحقق عن طريق مهزلة أوسلو كان يمكن أن يتحقق أفضل منه بكثير لو هم قبلوا بقرار الأمم المتحدة 194 العام 1948.. إنه لمما يبعث على وجع القلب أن تتوج كل تضحيات أبناء الشعب الفلسطيني الذين قدموا مئات الآلاف من الشهداء بهذا الاستسلام المحزي.
لقد قدمت السلطة الوطنية التنازلات تلو التنازلات، وكأن فلسطين ملكية خاصة لهم يتصرفون بها أنى شاؤوا.. وكان أكبر تنازلاتهم عبر مناورة سلطوية أمريكية صهيونية، حين أسقط الميثاق الوطني الفلسطيني العام 1998 بدم بارد، والابتسامة على وجه عرفات ووجه ضيفه الرئيس الأمريكي كلنتون في مشهد مأساوي مريب.. لقد رأيت يومها الهرم الفلسطيني يتهاوى دفعة واحدة في مشهد تراجيدي مفزع، قوامه كثير من البلاهة، وكثير من الخيانة لدم الشهداء ودموع الأرامل والثكالى، وكان محمود عباس كما العادة عرّاب السقوط في كل مراحله؛ فقد أعلن بفرح غامر بأن الموافقة على إسقاط الميثاق جاءت بالإجماع، لولا أن اعترض نفر من الشرفاء قائلين: "ليس بالإجماع"، ليقر رغماً عنـه بما يشبه الإجماع!! كنت أتوقع ألا تمر مسرحية إلغاء الميثاف بهذه البساطة ممن اختارهم الشعب ليمثلوه، وإذا بي أرى غباء وعبثاً وفضيحة وطنية وخيبة أمل كارثية.. كانت أشلاء ما كان يسمى بالميثاق الوطني الفلسطيني تتدحرج تحت مقاعد السادة والسادة في نوم أبله عميق..!!
لقد كان الميثاق الوطني الفلسطيني بمثابة العقد الاجتماعي والوطني الذي يربط المنظمة بالشعب في فترة من الفترات.. بيد أن هذا العقد انفرط مبكراً مع أول حقنة أمريكية صهيونية تلقتها السلطة في الوريد؛ لتذبح حلم الأمة، وتبعثر آمالها التي دفعت في سبيلها الغالي والنفيس.. ويكفيني هنا أن أشير إلى تصريح وزير خارجية العدو آنذاك شمعون بيرز الذي قال: "إن إلغاء الميثاق الوطني الفلسطيني يعد أهم تحول أيديولوجي في القرن العشرين"، بينما يتجرأ أحد أقزام الوطنية من التافهين في حوار تلفزيوني فيقول بالحرف الواحد: "الميثاق الوطني الفلسطيني مجرد حبر على ورق، وهو ليس قرآناً كريماً.."، هذا الكلام يكون جميلاً ومقبولاً لو ألغي الميثاق ليستبدل به القرآن الكريم ميثاقاً للمنظمة، لكن المصيبة أن نتخلى عما هو أقل من القرآن الكريم لصالح أخس حالة سياسية فلسطينية عبر التاريخ!!
لقد منحت السلطة اليهود بسماحة وعن طيب خاطر ونيابة عن تسعة ملايين فلسطيني وثلاثمئة مليون عربي ومليار وثلاثمئة مليون مسلم 80 % من فلسطين، تاركة 20 % منها للتفاوض؛ مما جعل الحديث عن مسقط رأس أمي (يافا) جريمة خلقية يعاقب عليها القانون بعد أن تم التوقيع على التنازل عنها.. ومما جعل من يتحدث عن عسقلان أو عكا أو اللد أو الرملة أو صفد.. شخصاً لا يصلح لأن يكون من أبناء هذا العصر وهذا الكوكب!!
لقد استطاعت ثقافة التسوية أن تحدث شرخاً كبيراً في وعي كثير من أبناء شعب فلسطين، وأن تضعف من سقف مطالباتهم وأمانيهم، بل إن من يبثون هذه الثقافة ويروجون لها ممن شيدوا الفلل والقصور على حساب جماجم وأشلاء الشهداء؛ وهم العارفون بهوان هذه الثقافة، بدؤوا يصدقونها، ويعتقدون بشرعيتها.
وصرح ياسر عرفات عقب تحرير جنوب لبنان, قائلاً ما مفاده إن انسحاب جنود الاحتلال من جنوب لبنان لم يكن إلا انصياعاً لقرار الأمم المتحدة 425، مقللاً من الفعل البطولي لمقاتلي حزب الله.. مما حتم علي أن أعتذر باسمي واسم كل الشرفاء من أبناء شعبنا الفلسطيني الذين رشقوا جوسبان بالحجارة أو الذين بصقوا عليه من بيوتهم وهم يشاهدونه على شاشة التلفاز , إلى كل المناضلين الشرفاء في لبنان الذين لقنوا خونة هذه الأمة درساً لن ينسوه في البطولة والعناد، وأباحوا أرض الجنوب منتجعاً للشـرف والبطولـة.
إن أقسى ما يمكن أن نشاهده على المسرح السياسي العربي الراهن هو تفكيك ثوابت الأمة وبيعها قطعة قطعة في دهاليز سوق السياسة الدولية القائم على الغش والسحت والمؤامرة، ولقد قامت السلطة الوطنية بأسوأ دور على هذا المسرح، وهي التي كان ينتظر منها أن تقوم بأروع الأدوار عبر تضحيات أبنائها.. بدلاً من أن تقوم بدور الجلاد فتمارس الدكتاتورية والقمع على أبناء شعبها الشرفاء الذين يرفضون الذل والاستسلام، من خلال أربعة عشر جهازاً أمنياً فقط!! وهو رقم خيالي لكيان هش لم تقم له قائمة بعد!! ولا أظن أن هذا الرقم يمكن أن يوجد له مثيل في مكان آخر من العالم، مع أنني لا أملك إحصائيات حول هذا الموضوع.. ومن المسلم به في المفهوم الأمني والعسكري أنه كلما زادت أجهزة الأمن في دولة ما، أو كلما ازداد عدد أفرادها كلما كان الوضع مهزوزاً والأمن معدوماً.. ويكفي أن نؤكد على صحة ذلك بما قاله ياسر عرفات نفسه في شهر إبريل من العام 2000 وتناقلته وسائل الإعلام على لسانه من أنه أصبح يخشى على حياته من انتقام أبناء شعبه! لقد انتقلت السلطة، بكل أسف، من صفوف المناضلين الشرفاء إلى صفوف المعسكر المناوئ للثورة، عبر اعتقال الشرفاء من حركة حماس والجهاد الإسلامي والجبهة الشعبية والجبهة الديمقراطية، وغيرها من الحركات التي ترفض الذل والاستسلام، وعبر ما يسمى بالتنسيق الأمني مع الشين بيت والموساد والسي آي إى، حيث ثبت للعارفين بالأمور في الأرض المحتلة تورط السلطة في تسليم بعض الخلايا من حركة حماس للصهاينة عبر إعطاء معلومات دقيقة عن تحركاتها، وأبرز شاهد على ذلك تسليم خلية صوريف للشين بيت بداية العام 2000!
إن المؤامرة أبعد مما تتخيلها عقول البسطاء من الناس.. لقد بدأت فصول هذه المؤامرة عندما أجمع العرب ومعهم العالم على أن منظمة التحرير الفلسطينية هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني؛ بما يعني أنه لا يجوز لأحد أن يتدخل في قرارات المنظمة، بحيث تكون كل القوى الوطنية النظيفة داخل الأراضي المحتلة وخارجها، وكل الدول العربية والإسلامية التي لا تزال تتمتع بشيء من الخجل بعيدة عن مركز القرار.. وهو تمهيد مدروس بعناية كي تتخلى الأنظمة العربية عن دورها القومي تجاه قضية فلسطين التي هي جزء من الأمة العربية وبالتالي تترك الشعب الفلسطيني وحده في الميدان قاطعة عنه وسائل الدعم والكفاح, لتبدأ بجر قياداته نحو إنهاء الصراع بأي شكل من الأشكال..
إنها مؤامرات حيكت بليل.. أبطالها رموز أسقطتها المرحلة.. وقد آن أن تنسحب بهدوء.. !!
منذ بدايات الصراع العربي الصهيوني، وحتى بدايات الثمانينات من القرن العشرين، لم يكن مسوغاً التحدث عن سلام على أية صورة مع الكيان الصهيوني اللقيط على الصعيد الشعبي على الأقل، ولم يكن مقبولاً تسمية "الكيان الصهيوني باسم "إسرائيل" في كثير من وسائل الإعلام العربية، ولم يكن مسوغاً بحال من الأحوال أن تظهر نجمة داود أو علم الكيان على شاشات التلفزة العربية بهذا القدر من الوقاحة والصلافة.. ولم يكن في مقدور العقل الشعبي العربي أن يتخيل خريطة فلسطين في بعض وسائل الإعـلام العربية المرئية ممهورة باسم جديد: "إسرائيل".. ولم أكن شخصياً أتخيل مجرد تخيل أن ظهور هذه المشــاهد على الشاشــات العربية سيمــر دون عقــاب وسخط جماهيري عارم.. حتى أسقــط في يدي وأنا أستمــع إلى مراسلة إحدى المحطات التلفازية غير الرسمية ـ التي بقيت أحترمهــا ردحاً من الزمن ـ وهي تقول في تقريرها المعد: ".. بلدة ترشيحــا الإسرائيلية.." ؛ مما أصابني بقشعريرة الضلوع، وأحالني إلى ما يشبه اليأس، مع العلم بأن ترشيحا بلدة فلسطينية أصيلة في شمال فلسطين، تكاد تخلو من الوجود اليهودي، ولم يمض وقت طويل حتى فاجأتني المراسلة نفسها بالقول: "..في إسرائيل أو ما كان يسمى سابقاً فلسطين.."!! وكان أداء المراسلة في المرتين بارداً مستسلماً للمفهوم السياسي الصهيوني الأمريكي المسانَد بالخيانة العربية، حتى لكأن الأمر منتهٍ، وليس بوسعها إلا أن تنسجم مع هذا الإيقاع النشاز.. إنه إقرار جامع مانع من هذه المراسلة الغبية بأن ما كان يسمى فلسطين بالأمس، أصبح يسمى "إسرائيل" اليوم..!!
هكذا تم استدراج الكثيرين من السذج وضعاف النفوس شيئاً فشيئاً نحو الإقرار الواعي أو غير الواعي بأن فلسطين لم تعد موجودة في يافا وحيفا واللد والرملة وعكا وصفد وطبريا وبيسان والحولة وبئر السبع والنقب.. ولجأ بعض مدعي الثقافة منا إلى انتهاج أساليب غاية في الغرابة في قلب سحنة الواقع والهروب من تبعات القضايا الوطنية النازفة لصالح الحالة الصهيونية القائمة، ومشروع العولمة الطاغي بذريعة الورد والثلج والحب والسلام!! إنهم يريدوننا أن نرقص على الإيقاع الصهيوني الأمريكي.. بيد أنهم لا يدعوننا إلى ذلك مباشرة، بل تلميحاً وعلى استحياء؛ لأنهم هم أنفسهم وقعوا في شرك العولمة وتداعيات الفكر الحداثي وقوعاً غبياً، وأقروا بالحالة القائمة إقرار الباحث عن ذاته في الفكر المناوئ بعد أن لم يجد له مكاناً مرموقاً ودوراً محترماً في فكر أمته، لأنه في الأساس يعاني من انفصام شخصية وهشاشة فكرية حالت بينه وبين الدفء الاجتماعي والانتماء للأمة، فظن أنه سيجد نفسه في الدائرة الأخرى؛ فما إن فتح الباب الرسمي للتطبيع والانغماس في مستنقع الوحل الغربي الصهيوني حتى ألقى بنفسه في هذا المستنقع ظاناً أن ذلك سيكسبه الجاه والمنصب والثراء، وقد تحقق لكثير منهم مكاسب مادية، واستطاع بعضهم أن يتبوؤوا مناصب رفيعة في بلادهم.. بيد أن هؤلاء استلبوا من ضياعهم وعجز أمتهم استلاباً رمادياً مشيناً.. فهم يدعوننا إلى منطقة نفوذ لم يدخلوها بعد.. أو دخلوها ولما تتمكن منهم بعد؛ لأن خيطاً واهناً ما زال يربط بعضهم بحليب أمهاتهم.. وما استمراء الوضع القائم والسكوت عنه، بل الخوف من الاقتراب من مفرداته وتداعياته إلا دليلاً صارخاً على حالة الاستخذاء والتخاذل التي يعيشها اليوم من كانوا بالأمس أصحاب رأي وقلم.. كان فيما مضى ثمة شيء اسمه "لاءات الخرطوم الثلاث"، وليس بعيداً عنا ما واجهته دعوة الرئيس التونسي السابق بورقيبة الاستسلامية من استهجان ورفض، عبرت عنهما وسائل الإعلام العربية الرسمية والتظاهرات الشعبية التي عمت معظم أرجاء الوطن العربي العام 1964 قبيل ضياع بقية الأراضي الفلسطينية العام 1967.
وبالأمس القريب كانت شعارات الانتفاضة الأولى وممارساتها البطولية تحاكي بأعلى صوتها مواد وبنود الميثاق الوطني الفلسطيني "تحرير فلسطين من البحر إلى النهر"، فاستحقت الدعم المعنوي والمادي والتأييد الشعبي والرسمي في معظم الدول العربية والإسلامية، وكثير من دول العالم، وفتحت آفاقاً جديدة للصراع العربي الصهيوني امتازت بالعنفوان والغضب اللذين هزا أركان (البيت اليهودي) الهش وحطما أسطورة الجندي الصهيوني وآلته العسكرية؛ ما جعلنا نحس بوجودنا وكينونتنا بعد فقدان طويل..
وبين ليلة وضحاها وفي غمرة النشوة والإحساس بالذات، وبعد أن استوت لدينا معادلة الحياة والموت في سبيل كرامتنا الوطنية ومقدساتنا وأرضنا إبان الانتفاضة، جاءت أوسلو بكل تداعياتها في لحظة طيش وعبث فلسطينية كارثية؛ فانفلتت الثوابت من عقالها، وأصبح ممكناً جداً ما كان بالأمس مستحيلاً!! وضعنا أيدينا في أيدي عدونا التاريخي على أمل أن نسترد بعض حقوقنا، وذرفنا في سبيل تسويغ منطق التسوية الهش دموع التماسيح، وألقينا على مسامع الشرفاء من أبناء أمتنا ما مفاده أننا أصبحنا وحدنا بعد أن تخلى عنا الجميع، ولا مفر من السلام!! مع أن خيار الانتفاضة الباسلة كان قائماً، وخيار الموت بشرف كان متحققاً..!!
أجهضت الانتفاضة وتلاشت الآمال أمام اختيار طريق أوسلو بكلية هذا الخيار، ثم بخيار "غزة أريحا أولاً" بدايةً تحمل ما تحمل من التوريط الواعي أو غير الواعي؛ حيث يصعب التراجع عن الاتفاقات التي أبرمت حتى الآن ضمن منطق الاستسلام المشين!! إن أكثر ما يؤلم الواعين من أبناء هذه الأمة إدراكهم بأن ما تحقق وما يمكن أن يتحقق عن طريق مهزلة أوسلو كان يمكن أن يتحقق أفضل منه بكثير لو هم قبلوا بقرار الأمم المتحدة 194 العام 1948.. إنه لمما يبعث على وجع القلب أن تتوج كل تضحيات أبناء الشعب الفلسطيني الذين قدموا مئات الآلاف من الشهداء بهذا الاستسلام المحزي.
لقد قدمت السلطة الوطنية التنازلات تلو التنازلات، وكأن فلسطين ملكية خاصة لهم يتصرفون بها أنى شاؤوا.. وكان أكبر تنازلاتهم عبر مناورة سلطوية أمريكية صهيونية، حين أسقط الميثاق الوطني الفلسطيني العام 1998 بدم بارد، والابتسامة على وجه عرفات ووجه ضيفه الرئيس الأمريكي كلنتون في مشهد مأساوي مريب.. لقد رأيت يومها الهرم الفلسطيني يتهاوى دفعة واحدة في مشهد تراجيدي مفزع، قوامه كثير من البلاهة، وكثير من الخيانة لدم الشهداء ودموع الأرامل والثكالى، وكان محمود عباس كما العادة عرّاب السقوط في كل مراحله؛ فقد أعلن بفرح غامر بأن الموافقة على إسقاط الميثاق جاءت بالإجماع، لولا أن اعترض نفر من الشرفاء قائلين: "ليس بالإجماع"، ليقر رغماً عنـه بما يشبه الإجماع!! كنت أتوقع ألا تمر مسرحية إلغاء الميثاف بهذه البساطة ممن اختارهم الشعب ليمثلوه، وإذا بي أرى غباء وعبثاً وفضيحة وطنية وخيبة أمل كارثية.. كانت أشلاء ما كان يسمى بالميثاق الوطني الفلسطيني تتدحرج تحت مقاعد السادة والسادة في نوم أبله عميق..!!
لقد كان الميثاق الوطني الفلسطيني بمثابة العقد الاجتماعي والوطني الذي يربط المنظمة بالشعب في فترة من الفترات.. بيد أن هذا العقد انفرط مبكراً مع أول حقنة أمريكية صهيونية تلقتها السلطة في الوريد؛ لتذبح حلم الأمة، وتبعثر آمالها التي دفعت في سبيلها الغالي والنفيس.. ويكفيني هنا أن أشير إلى تصريح وزير خارجية العدو آنذاك شمعون بيرز الذي قال: "إن إلغاء الميثاق الوطني الفلسطيني يعد أهم تحول أيديولوجي في القرن العشرين"، بينما يتجرأ أحد أقزام الوطنية من التافهين في حوار تلفزيوني فيقول بالحرف الواحد: "الميثاق الوطني الفلسطيني مجرد حبر على ورق، وهو ليس قرآناً كريماً.."، هذا الكلام يكون جميلاً ومقبولاً لو ألغي الميثاق ليستبدل به القرآن الكريم ميثاقاً للمنظمة، لكن المصيبة أن نتخلى عما هو أقل من القرآن الكريم لصالح أخس حالة سياسية فلسطينية عبر التاريخ!!
لقد منحت السلطة اليهود بسماحة وعن طيب خاطر ونيابة عن تسعة ملايين فلسطيني وثلاثمئة مليون عربي ومليار وثلاثمئة مليون مسلم 80 % من فلسطين، تاركة 20 % منها للتفاوض؛ مما جعل الحديث عن مسقط رأس أمي (يافا) جريمة خلقية يعاقب عليها القانون بعد أن تم التوقيع على التنازل عنها.. ومما جعل من يتحدث عن عسقلان أو عكا أو اللد أو الرملة أو صفد.. شخصاً لا يصلح لأن يكون من أبناء هذا العصر وهذا الكوكب!!
لقد استطاعت ثقافة التسوية أن تحدث شرخاً كبيراً في وعي كثير من أبناء شعب فلسطين، وأن تضعف من سقف مطالباتهم وأمانيهم، بل إن من يبثون هذه الثقافة ويروجون لها ممن شيدوا الفلل والقصور على حساب جماجم وأشلاء الشهداء؛ وهم العارفون بهوان هذه الثقافة، بدؤوا يصدقونها، ويعتقدون بشرعيتها.
وصرح ياسر عرفات عقب تحرير جنوب لبنان, قائلاً ما مفاده إن انسحاب جنود الاحتلال من جنوب لبنان لم يكن إلا انصياعاً لقرار الأمم المتحدة 425، مقللاً من الفعل البطولي لمقاتلي حزب الله.. مما حتم علي أن أعتذر باسمي واسم كل الشرفاء من أبناء شعبنا الفلسطيني الذين رشقوا جوسبان بالحجارة أو الذين بصقوا عليه من بيوتهم وهم يشاهدونه على شاشة التلفاز , إلى كل المناضلين الشرفاء في لبنان الذين لقنوا خونة هذه الأمة درساً لن ينسوه في البطولة والعناد، وأباحوا أرض الجنوب منتجعاً للشـرف والبطولـة.
إن أقسى ما يمكن أن نشاهده على المسرح السياسي العربي الراهن هو تفكيك ثوابت الأمة وبيعها قطعة قطعة في دهاليز سوق السياسة الدولية القائم على الغش والسحت والمؤامرة، ولقد قامت السلطة الوطنية بأسوأ دور على هذا المسرح، وهي التي كان ينتظر منها أن تقوم بأروع الأدوار عبر تضحيات أبنائها.. بدلاً من أن تقوم بدور الجلاد فتمارس الدكتاتورية والقمع على أبناء شعبها الشرفاء الذين يرفضون الذل والاستسلام، من خلال أربعة عشر جهازاً أمنياً فقط!! وهو رقم خيالي لكيان هش لم تقم له قائمة بعد!! ولا أظن أن هذا الرقم يمكن أن يوجد له مثيل في مكان آخر من العالم، مع أنني لا أملك إحصائيات حول هذا الموضوع.. ومن المسلم به في المفهوم الأمني والعسكري أنه كلما زادت أجهزة الأمن في دولة ما، أو كلما ازداد عدد أفرادها كلما كان الوضع مهزوزاً والأمن معدوماً.. ويكفي أن نؤكد على صحة ذلك بما قاله ياسر عرفات نفسه في شهر إبريل من العام 2000 وتناقلته وسائل الإعلام على لسانه من أنه أصبح يخشى على حياته من انتقام أبناء شعبه! لقد انتقلت السلطة، بكل أسف، من صفوف المناضلين الشرفاء إلى صفوف المعسكر المناوئ للثورة، عبر اعتقال الشرفاء من حركة حماس والجهاد الإسلامي والجبهة الشعبية والجبهة الديمقراطية، وغيرها من الحركات التي ترفض الذل والاستسلام، وعبر ما يسمى بالتنسيق الأمني مع الشين بيت والموساد والسي آي إى، حيث ثبت للعارفين بالأمور في الأرض المحتلة تورط السلطة في تسليم بعض الخلايا من حركة حماس للصهاينة عبر إعطاء معلومات دقيقة عن تحركاتها، وأبرز شاهد على ذلك تسليم خلية صوريف للشين بيت بداية العام 2000!
إن المؤامرة أبعد مما تتخيلها عقول البسطاء من الناس.. لقد بدأت فصول هذه المؤامرة عندما أجمع العرب ومعهم العالم على أن منظمة التحرير الفلسطينية هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني؛ بما يعني أنه لا يجوز لأحد أن يتدخل في قرارات المنظمة، بحيث تكون كل القوى الوطنية النظيفة داخل الأراضي المحتلة وخارجها، وكل الدول العربية والإسلامية التي لا تزال تتمتع بشيء من الخجل بعيدة عن مركز القرار.. وهو تمهيد مدروس بعناية كي تتخلى الأنظمة العربية عن دورها القومي تجاه قضية فلسطين التي هي جزء من الأمة العربية وبالتالي تترك الشعب الفلسطيني وحده في الميدان قاطعة عنه وسائل الدعم والكفاح, لتبدأ بجر قياداته نحو إنهاء الصراع بأي شكل من الأشكال..
إنها مؤامرات حيكت بليل.. أبطالها رموز أسقطتها المرحلة.. وقد آن أن تنسحب بهدوء.. !!