المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : يوميات لاجئة فلسطينية:القلادة .. وثيقة سفري إليك


شمس الوداع
06-07-2006, 08:51 AM
ما أجمل تلك السيدة الفلسطينية.. موقفها ..تحليلها للأمور..تمسكها بالعودة إلى فلسطين وأملها الراسخ بتلك العودة..
رغم كل ما حفرته تلك السنين من ألم وبؤس وشقاء في معالم وجهها ويديها..
من شدة إعجابي بما نطقت به تلك السيدة وبحماسها العالي تجاه القضية، لم أشعر بنفسي إلا وأنا أتأملها، وعلى الفور لمحت القلادة الفضية التي تضعها حول عنقها الضعيف.. كانت القلادة عبارة عن مجسم صغير لخريطة فلسطين، أطلت النظر في الخريطة وشغلتني جداً.. عدت بذاكرتي إلى قلادتي الصغيرة.. خريطة فلسطين الصغيرة التي أهدتني إياها أمي يوم تفوقي بالصف الأول في المرحلة الابتدائية، يومها كانت فرحتي بالغة جدا، شعرت وكأنني أتقلد وساماً غالياً جداً.. شرف عظيم لا يناله أي شخص، وكأن تفوقي كان العمل الصالح لنيلي واستحقاقي ذلك الوسام..

كانت أختي الكبرى تضع القلادة ذاتها حول عنقها، وكنت أتوق إلى يوم أستحق فيه حمل تلك الخريطة، تطلعت كثيراً إلى ذلك اليوم، إلى أن آن الأوان لأضمها إلى صدري، وأحملها وألوح بها وأركض واركض لتعلو وتتراقص كما قلبي الذي ضمها.. كانت كبطاقة الهوية الشخصية، تعلن للجميع ولكل من يراها ويراني أنني ابنة فلسطين وأحمل الهوية الفلسطينية..

كما أصبحت بطاقة تعارف بيني وبين جميع بنات فلسطين اللواتي يحملن الخريطة ذاتها، سواء ذهبية أو فضية .. أو غير ذلك، المهم أنها "فلسطين"..
حلم القلادة..

عندما وضعت أمي حول عنقي تلك القلادة همست في أذني "ستكبر تلك القلادة معك كلما كبرت، إلى أن تصبح كبيرة جدا.. كبيرة بحجم البلد، عندها ستعودين..ستدخلين إليها، ستسكنين فيها .. في وطنك إلى الأبد..".. لطالما راقبت القلادة وانتظرت أن تكبر.. كبرتُ وكبرت ولكم انتظرت ولكن وعد أمي لم يتحقق.. فلم تكبر القلادة ولم تحتويني.. ولم أعد بعد.. حتى أمي لم تعد بعد أيضاً..

أذكر أنني ذات يوم حدثت أمي بعتب كبير وبضجر أكبر، قلت لها أن صبري نفذ ولم تكبر بعد، فقالت ننتظر منذ خمسين عاماً ولم ينفذ صبرنا، قلت كيف تقدرون، قالت إنها معركة مصير، ومسألة حياة أو موت، إما أن نبلغها أو نموت دونها.

لم أفهم كثيراً ما تقوله أمي آنذاك، وشعرت برأسي يكاد ينفجر، قلت لها بضجر: أمي أرجوك متى ستكبر الخريطة، أنظري إليها لم تكبر أبدا رغم أني حافظت عليها جيداً..

عندها نظرت إلي وابتسمت شفتاها المتعبتان بتثاقل وقالت: ما هكذا نحافظ عليها، يجب أن نعمل لأجلها لا أن نكتفي بالمراقبة فقط.. وبدأت أمي تشرح لي الأمر.. واستمرت واستمرت.. لكني لم أرغب في الاستماع أكثر، كان كل ما يشغلني هو لماذا لم تكبر قلادتي.. هكذا كان تفكير الطفل داخلي.. أفهم وأعي لكني لا أريد أن أستيقظ على مرارة الواقع.. أود استمرار الحلم..

عندها علا صوت أمي بغضب يوحي لي بأن استيقظي.. وقالت: "لو كانت قلادتك ستكبر.. لكبرت قلادة الأجيال الكثيرة التي سبقتك.." ووضعت يدها في صدرها لتخرج قلادتها المخبأة.. إنها القلادة ذاتها.. وبالحجم ذاته.. كانت المرة الأولى التي أرى قلادة أمي فيها، عندها سقطت من عيني أمي دمعة لم أزل أذكرها ويستحيل علي نسيانها أبداً.. وفي اللحظة ذاتها استيقظت وفهمت جيداً أين أنا وأين وطني المغتصب.. ولماذا علي أن أتفوق دوماً وأن أتابع دراستي وأعلو في مراتبها أكثر وأكثر.. ومن يومها وأنا أحمل تلك المهمة وأحمل التعب كله.. تعب اعتدت على حمله منذ الصغر كما جميع الأطفال الفلسطينيين الذي يحملون المسؤولية والتعب والشقاء منذ صغرهم.
يحملون جوازات سفر.. ونحمل القلادة..

من ذلك الحين وأنا أنظر للخريطة كجزء من رباط مقدس يجمعني بوطني، بت أدرك الأمور جميعها.. رغم مرارتها الكبيرة، كل الناس يعبرون الحواجز كلها وتدل جوازات سفرهم على هويتهم وشخصياتهم، أما نحن فتدل القلادة علينا..أو ربما نحن ندل عليها.. نذكّر بها بموطننا الذي حرمنا منه صغاراً ولم نزل بسبب الغزاة الصهاينة... نحمله ويتعبنا.. نحمله وجميع ما نحب، ورغم أننا نفينا عنه وحرمنا منه منذ زمن إلا أننا لم نزل نحلم بلحظة العودة إليه..

كل البشر في هذا العالم يحملون جوازات سفر، أما نحن فنحمل القلادة.. وما زلنا نحمل القلادة.. كباراً وصغاراً.. شيوخاً ونساءً.. في جميع المخيمات وأينما وجدنا.. ما زلنا نحمل فلسطين.. فمتى ستكبر..؟ أو متى نكبر نحن وفعلنا.. لنعود إليها..

منقوووووووووووووول

محمود
06-07-2006, 09:17 AM
تسلمي اختي

يعطيك الف عافية ع الموضوع

قمر الخليل
06-07-2006, 09:48 AM
تسلمي اختي

شكرا كتير على المشاركة الحلوة

ابنة الشتات
06-08-2006, 07:01 PM
فلسطين الغالية تكبر بداخلنا كل يوم
(كل الناس لديهم وطن يعيشون فيه الا نحن لدينا وطن يعيش فينا)

شمس الوداع
06-16-2006, 07:46 PM
يسلمووووووووو كثير على مروركم الرائع منورين الموضوع