هدهد أوربا
10-16-2011, 12:27 AM
http://www.iraq4allnews.dk/showimg.php?fg=15102011052823.jpg
يؤمن اليوم قُرابة 85% من الأوربيين و 65% من الأمريكيين بنظرية التطور, بينما ينفي بعض العلماء ورجال الدين صحة هذه النظرية بأعتباراها تطرح نظرية مُخالفة لقصة الخلق الواردة في الكُتب الدينية, وهذا ما أثار جدلاً عنيفاً حول كتاب أصل الأنواع للعالم الأنجليزي تشارلز داروين سنة 1859, ووصلَ الخلاف حول النظرية الى القضاء سنة 1925, ومنذُ ذلك الحين أستمرَ النزاع بين أنصار نظرية التطور ومعارضيها.
"التطور حقيقة ثابتة مثلما أن حرارة الشمس حقيقة ثابتة", هذا ما يؤكده البرفسور الأنجليزي ريتشارد دوكِنز, وهو عالم بارز مؤيد للتطور يبلغ من العمر سبعين عاماً.
وبالتأكيد يمكن البرهان بالأختبار العلمي والملاحظة المُباشرة أن الشمس تولد الحرارة, ولكن هل يمكن أستخدام الأختبار العلمي والملاحظة المُباشرة للبرهان أن التطور واقع ثابت لا مجال للشك فيه ؟!
قبل الأجابة عن هذا السؤال, لابد من أيضاح امر هام, فقد لاحظَ علماء كثيرون أنه بمرور الوقت قد تظهر تغيرات طفيفة في النسل المتحدر من الكائنات الحية, وهي عملية دعاها تشارلز داروين "تحول النسل بعد ولادته", وقد جرت ملاحظة هذه التغيرات ملاحظة مُباشرة ووثقتها الأختبارات العلمية, كما أن مولّدي النبات والحيوان يستغلونها ببراعة في مجال عملهم, لذا يمكن أعتبار هذه التغيرات الطفيفة في خانة ما يُسمى "التطور الدقيق", وهذه التسمية بحد ذاتها تحمل أشارة ضمنية الى ما يؤكده علماء كثيرون: أن هذه التغيرات الطفيفة هي برهان الى عملية أخرى مختلفة كل الأختلاف لم يتمكن أحد من ملاحظتها, يطلقون عليها تسمية "التطور الجليل".
فالحقيقة هي أن داروين تمادى كثيراً في تفسير هذه التغيرات الملاحظة, فقد ذكر في كتابه الشهير أصل الأنواع باللغة الأنجليزية: "أرى ان كل الكائنات ليست مخلوقات أتت الى الوجود كل بذاته الخاصة, بل هي أنسال تحدّرت مُباشرة من عدد قليل من الكائنات", وقال داروين أن هذا "العدد القليل من الكائنات" أو ما يُدعى أشكال الحياة البسيطة, تطوّر ببطء على مدى فترات زمنية طويلة عن طريق "تحوّلات بسيطة للغاية", فنتجت منه ملايين الأشكال المُختلفة للحياة على الأرض, ويعلّم دعاة التطور أن هذه التغيرات الطفيفة تراكمت ونتجت عنها التغيرات الكُبرى التي حولت السمك الى برمائيات والقرود الى بشر !
ويعتبر كثيرون هذا الأدعاء الثاني منطقياً, فبحسب رأيهم, بما أن التغيرات الطفيفة يمكن أن تحدث ضمن النوع الواحد, فما المانع أن يُسبب التطور تغيرات كُبرى على مدى فترات زمنية طويلة ؟!
يرتكز تعليم التطور الجليل على ثلاثة أفتراضات رئيسية:
1- تشكّل الطفرات الأساس اللازم لظهور أنواع جديدة.
2- يؤدي الأنتقاء الطبيعي الى ظهور الأنواع الجديدة.
3- يؤكد سجل الأحافير حدوث التطور الجليل في البنات والحيوان.
فهل الأدلة على حدوث التطور الجليل دامغة جداً بحيث يمكن أعتباره واقعاً ؟!
هنالك تفاصيل كثيرة في النباتات والحيوانات تحددها المعلومات الموجودة في شفراتها الوراثية, أي مخططات بناء الكائن الحي التي تحتوي عليها نواة كُل خلية, وقد أكتشف الباحثون أن الطفرات أي التغيرات العشوائية في الشفرة الوراثية يمكن أن تنتج التعديلات في سلالات النباتات والحيوانات, لذلك في سنة 1946 أدعى الطبيب الأمريكي هرمان مولر الحائز على جائزة نوبل ومؤسس علم الوراثة الطفري: " أن تراكم التغيرات الكثيرة النادرة, والتي غالباً ما تكون صغيرة, ليس فقط الوسيلة الرئيسية التي يُدخل الأنسان بواسطتها التحسينات على الحيوانات والنباتات, ولكنه على نحو أهم الوسيلة التي حدث بها التطور, بتوجيه من الأنتقاء الطبيعي".
أذاً, أن فكرة التطور الجليل مبنية على الأدعاء أن الطفرات لا تنتج أنواعاً جديدة فقط, بل أيضاً فصائل جديدة من النباتات والحيوانات, فهل هنالك أي سبيل الى تأكيد هذا الأدعاء الجازم ؟!
في أواخر ثلاثينات القرن العشرين, تبنى العلماء بحماس الفكرة القائلة أنه أذا أمكن للأنتقاء الطبيعي أن ينتج أنواعاً جديدة من النباتات بواسطة الطفرات العشوائية, يمكن أن ينجح الأنسان أكثر في أنتاج أنواع نباتية جديدة أذا أنتقى الطفرات هو بنفسه, فقد "عمت الفرحة والحماس أوساط علماء الأحياء عموماً وعلماء الوراثة والأختصاصيين في توليد النباتات خصوصاً".
كما قالَ فولف-أكهارت لونيغ وهو عالم من معهد ماكس بلانك لأبحاث توليد النباتات في ألمانيا وأجرى على مدى 28 سنة تقريباً أبحاثاً في مجال علم الوراثة الطفري في النباتات: " ظنَ هؤلاء الباحثون أن الوقت قد حان لأحداث ثورة على الطرق التقليدية لأستيلاد النباتات والحيوانات, فقد أعتقدوا أنه بأستحداث الطفرات وأنتقاء المفيدة منها يمكنهم أن ينتجوا نباتات وحيوانات أفضل".
نتيجة لذلك أطلقَ العلماء في الولايات المتحدة وأسيا وأوروبا برامج أبحاث مموّلة برؤوس أموال ضخمة, مُستخدمين وسائل ظنوا أنها ستسرّع عملية التطور, وماذا كانت النتائج بعد أكثر من 40 سنة من الأبحاث المُكثفة ؟!
يقول الباحث بيتر فون زينغبوش: " رغم الأموال الطائلة التي صُرفت على هذه الأبحاث, فأن محاولة توليد ضروب عالية الأنتاجية بأستخدام الأشعة فشلت فشلاً ذريعاً".
وقال العالم الألماني لونيغ: " بحلول ثمانينات القرن العشرين كانت أمال العلماء وحماستهم الغامرة قد خبت نتيجة الفشل الذريع حول العالم, ولم يعد الأستيلاد عن طريق الطفرات يُعتبر حقل أبحاث قائماً بحد ذاته في البلدان الغربية, فجميع الطفرات تقريباً "قُيمت تقييماً سلبياً", أي أنها ماتت أو تبيّن أنها أضعف من الضروب الطبيعية".
رغم ذلك فأن البيانات التي تجمعت على مدى نحو 100 سنة من الدراسات حول الطفرات عامة و 70 سنة من الأستيلاد عن طريق الطفرات خاصة, تساعد العلماء على معرفة ما أذا كانت الطفرات قادرة على أنتاج أنواع جديدة من الكائنات الحية.
وبعد فحص هذه الأدلة أستنتج لونيغ: "لايمكن أن تجعل الطفرات نوعاً -من النباتات أو الحيوانات- يتحول الى نوع جديد مختلف كلياً, وهذا الأستنتاج يتوافق مع جميع نتائج الأختبارات التي أجريت في الدراسات حول الطفرات خلال القرن العشرين, فضلاً عن توافقه مع قوانين نظرية الأحتمالات, وهكذا أنسجاماً مع قانون التغير الوراثي المتكرر, فان الأنواع المتمايزة وراثياً لديها حدود لايمكن الغاؤها أو تخطيها عن طريق الطفرات العشوائية".
أذا كانَ العلماء المتخصصون عاجزين عن أنتاج أنواع جديدة من الكائنات الحية عن طريق أستحداث الطفرات اصطناعياً وأنتقاء المفيدة منها, فهل يُعقل أن تنتج في ذلك عملية عشوائية مجردة من أي ذكاء؟! وما دامت الأبحاث قد أظهرت أن الطفرات لا يمكن أن تجعل نوعاً من الكائنات الحية يتحول الى نوع جديد مختلف, فيكف يُفترض أن يكون التطور الجليل قد حدث ؟!
كانَ داروين مُقتنعاً بأن ما دعاه الأنتقاء الطبيعي يُعزز بقاء أشكال الحياة التي تتلاءم على أفضل نحو مع بيئتها, في حين أن الأشكال الأقل تلاؤماً تموت تدريجياً, ويعلّم دعاة التطور اليوم أنه فيما أنتشرت الأنواع وأنعزلت, أختارَ الأنتقاء الطبيعي الأنواع التي جعلتها طفراتها الوراثية أصلح لبيئتها الجديدة, ويُفترض دعاة التطور أنه نتيجة لذلك صارت هذه المجموعات المنعزلة مع الوقت أنواعاً جديدة كلياً من الكائنات الحية.
الأدلة التي أسفرت عنها الأبحاث تُشيرة بقوة الى أن الطفرات لايمكن أن تنتج أجناساً جديدة كلياً من النباتات والحيوانات, لكن ما الدليل الذي يقدمه دعاة التطور ليدعموا أدعاءهم أن الأنتقاء الطبيعي يختار الطفرات المفيدة لأنتاج أنواع جديدة ؟!
تقول كراسة أصدرها معهد العلوم الوطني في الولايات المتحدة سنة 1999: " المثال النموذجي لنشوء الأنواع الجديدة-عن طريق التطور-هو الأنواع الــ13 من الشراشير التي درسها داروين في جُزر غالاباغوس قبالة سواحل الأكوادور, والتي تُعرف الأن بعصافير داروينDarwin's finches ".
في سبعينات القرن العشرين أبتدأ فريق باحثين يرأسه بيتر وروزميري غرانت بدراسة هذه العصافير, وأكتشفوا أنه بعد سنة من الجفاف كان البقاء على قيد الحياة أسهل على الطيور ذات المناقير الأكبر بقليل منه على الطيور ذات المناقير الأصغر, وبما أن حجم المنقار وشكله هما من الطرائق الرئيسية لتحديد الأنواع الــ13 من العصافير, عُلّقت أهمية كبيرة على هذه النتائج.
تتابع الكراسة : "لقد خمّن -بيتر وروزميري- غرانت أنه أذا حدثَ جفاف في الجزيرة مرة كل 10 سنوات تقريباً, يكفي مرور 200 سنة لظهور أنواع جديدة من العصافير".
غير أن كراسة معهد العلوم الأمريكي لا تذكر وقائع مهمة ولكن مُحرجة, ففي السنوات التي تلت الجفاف تكاثرت العصافير ذات المناقير الأصغر من جديد وصارت هي الأغلبية, وهكذا كتبَ غرانت ومعاونه, طالب الدراسات العليا لايل غيبس, في مجلة الطبيعية العلمية البريطانية باللغة الأنجليزية سنة 1987 أنهما شهدا "أنحرافاً للأنتقاء الطبيعي بالأتجاه المُعاكس".
وكتب غرانت سنة 1991 أن "الجماعة التي تتعرض للأنتقاء الطبيعي تتأرجح جيئة وذهاباً" مع كُل تغير في المناخ.
وذكر الباحثون أيضاً ان بعض الأنواع المُختلفة من العصافير تتزاوج في ما بينها وتنتج نسلاً قادراً على القاء على قيد الحياة أكثر من أسلافه, وأستنتج بيتر وروزميري غرانت أنه اذا أستمر التزاوج فقد يُدمج نوعان في غضون 200 سنة فقط.
في سنة 1966 كتبَ عالم الأحياء الأمريكي جورج كريتستوفر وليمز المؤيد لنظرية التطور: "أجد من المؤسف أن تكون نظرية الأنتقاء الطبيعي قد وُضعت في الأصل تفسيراً للتغيرات التطورية, فهي أكثر فائدة في تفسير أستمرار التكيُّف".
وفي سنة 1999 كتبَ الدكتور الأمريكي جفري شوارتز, صاحب نظريات التطور, أنه اذا كانت أستنتاجات وليمز صحيحة, يكون الأنتقاء الطبيعي عاملاً مُساعداً للأنواع على التكيف وفق متطلبات البقاء المتغيرة, لكنه "لا يخلق أي شيء جديد".
وبالفعل أن عصافير داروين لا تصير "شيئاً جديداً", فما زالت شراشير, وواقع أنها تتزاوج في ما بينها يشكك في المعايير التي يتبعها بعض دعاة التطور لتحديد النوع, كما أنه دليل على أن المعاهد العلمية المشهورة أيضاً ليست منزهة عن نشر نتائج أبحاثها بطريقة متحيزة.
أن كراسة المعهد الوطني للعلوم المُقتبس منها انفاً تترك لدى القاريء الغربي الأنطباع أن الأحافير التي أكتشفها العلماء تعطي براهين وافية على التطور الجليل, فهي تذكر: " لقد أكتشفَ الكثير جداً من أشكال الحياة المتوسطة بين السمك والبرمائيات, بين البرمائيات والزواحف, بين الزواحف والثدييات, وصولاً الى سلالات رتبة الرئيسيات, بحيث يصعب جداً أن نحدد بدقة المرحلة التي حدثَ فيها التحول من نوع الى أخر".
أن هذا التصريح الجريء لمدهش فعلاً, لماذا ؟! في سنة 2004 وصفت مجلة ناشونال جيوغرافيك باللغة الأنجليزية سجل الأحافير بأنه يشبه "فيلماً عن التطور قُطعت منه في غرفة المونتاج 999 لقطة من كُل 1000 ".
وهل توثّق اللقطات البالغة نسبتها 1 في الألف سير عملية التطور الجليل حق التوثيق ؟! ماذا يكشف سجل الأحافير فعلياً ؟! يعترف نايلز ألدريدج, وهو من أشد المدافعين عن نظرية التطور, أن السجل يُظهر "عدم تراكم التغيرات التطورية أو تراكم القليل منها فقط في مُعظم الأنواع" على مدى فترات طويلة من الزمن.
لقد نبشَ العلماء حول العالم حتى اليوم نحو 200 مليون أحفورة كبيرة وبلايين الأحافير المجهرية وأعدّوا جداول بها, ويوافق باحثون كثيرون أن هذا السجل الكبير والمُفصل يُظهر أن كُل المجموعات الرئيسية من الحيوانات ظهرت فجأة ولم تطرأ عليها تغيرات تُذكر, في حين أن بعض الأنواع أختفت فجأة مثلما ظهرت.
ويكتب عالم الأحياء الأمريكي جوناثان ويلز بعد مُراجعة الدلائل التي يقدمها سجل الأحافير: "على مستوى العوالم والشّعب والصفوف -التصنيفات العليا للكائنات الحية- لا نلاحظ تحوّل النسل بعد ولادته, وأذا أخذنا في الأعتبار الأدلة الأحفورية والجُزيئية, لا يكون هنالك أساس متين لهذه النظرية".
لماذا يصرّ كثيرون من دعاة التطور البارزين أن التطور الجليل واقع ؟! كتبَ المؤيد البارز للتطور عالم الأحياء الأمريكي ريتشارد لِوُونتين, بعدما أنتقدَ بعض أفكار ريتشارد دوكِنز, أن علماء كثيرين مُستعدون لقبول الأدعاءات العلمية المُنافية للمنطق السليم "لأن لدينا ألتزاماً مُسبقاً, ألتزاماً بمذهب المادية, ولا نريد أن نترك أي مجال لأي تدخُل ألهي".
وفي هذا الخصوص أقتبست مجلة ساينتفيك أمريكان من عالم الأجتماع رودني ستارك قوله: " تروج منذ مئتي سنة دعاية مفادها أنك أذا أردت أن يكون تفكيرك علمياً فعليك أن تبقى حُراً من أغلال الدين, ومن مصلحة الذين يحتلون المناصب العليا في المجتمع العلمي أن يكونوا داروينيين".
http://www.iraq4allnews.dk/photos/1(183).jpg
التطور حسب داروين
http://www.iraq4allnews.dk/photos/2(189).jpg
تشارلز داروين
المصدر: وكالة الأخبار العراقية المُستقلة واع:
http://www.iraq4allnews.dk/ShowNews.php?id=23117
يؤمن اليوم قُرابة 85% من الأوربيين و 65% من الأمريكيين بنظرية التطور, بينما ينفي بعض العلماء ورجال الدين صحة هذه النظرية بأعتباراها تطرح نظرية مُخالفة لقصة الخلق الواردة في الكُتب الدينية, وهذا ما أثار جدلاً عنيفاً حول كتاب أصل الأنواع للعالم الأنجليزي تشارلز داروين سنة 1859, ووصلَ الخلاف حول النظرية الى القضاء سنة 1925, ومنذُ ذلك الحين أستمرَ النزاع بين أنصار نظرية التطور ومعارضيها.
"التطور حقيقة ثابتة مثلما أن حرارة الشمس حقيقة ثابتة", هذا ما يؤكده البرفسور الأنجليزي ريتشارد دوكِنز, وهو عالم بارز مؤيد للتطور يبلغ من العمر سبعين عاماً.
وبالتأكيد يمكن البرهان بالأختبار العلمي والملاحظة المُباشرة أن الشمس تولد الحرارة, ولكن هل يمكن أستخدام الأختبار العلمي والملاحظة المُباشرة للبرهان أن التطور واقع ثابت لا مجال للشك فيه ؟!
قبل الأجابة عن هذا السؤال, لابد من أيضاح امر هام, فقد لاحظَ علماء كثيرون أنه بمرور الوقت قد تظهر تغيرات طفيفة في النسل المتحدر من الكائنات الحية, وهي عملية دعاها تشارلز داروين "تحول النسل بعد ولادته", وقد جرت ملاحظة هذه التغيرات ملاحظة مُباشرة ووثقتها الأختبارات العلمية, كما أن مولّدي النبات والحيوان يستغلونها ببراعة في مجال عملهم, لذا يمكن أعتبار هذه التغيرات الطفيفة في خانة ما يُسمى "التطور الدقيق", وهذه التسمية بحد ذاتها تحمل أشارة ضمنية الى ما يؤكده علماء كثيرون: أن هذه التغيرات الطفيفة هي برهان الى عملية أخرى مختلفة كل الأختلاف لم يتمكن أحد من ملاحظتها, يطلقون عليها تسمية "التطور الجليل".
فالحقيقة هي أن داروين تمادى كثيراً في تفسير هذه التغيرات الملاحظة, فقد ذكر في كتابه الشهير أصل الأنواع باللغة الأنجليزية: "أرى ان كل الكائنات ليست مخلوقات أتت الى الوجود كل بذاته الخاصة, بل هي أنسال تحدّرت مُباشرة من عدد قليل من الكائنات", وقال داروين أن هذا "العدد القليل من الكائنات" أو ما يُدعى أشكال الحياة البسيطة, تطوّر ببطء على مدى فترات زمنية طويلة عن طريق "تحوّلات بسيطة للغاية", فنتجت منه ملايين الأشكال المُختلفة للحياة على الأرض, ويعلّم دعاة التطور أن هذه التغيرات الطفيفة تراكمت ونتجت عنها التغيرات الكُبرى التي حولت السمك الى برمائيات والقرود الى بشر !
ويعتبر كثيرون هذا الأدعاء الثاني منطقياً, فبحسب رأيهم, بما أن التغيرات الطفيفة يمكن أن تحدث ضمن النوع الواحد, فما المانع أن يُسبب التطور تغيرات كُبرى على مدى فترات زمنية طويلة ؟!
يرتكز تعليم التطور الجليل على ثلاثة أفتراضات رئيسية:
1- تشكّل الطفرات الأساس اللازم لظهور أنواع جديدة.
2- يؤدي الأنتقاء الطبيعي الى ظهور الأنواع الجديدة.
3- يؤكد سجل الأحافير حدوث التطور الجليل في البنات والحيوان.
فهل الأدلة على حدوث التطور الجليل دامغة جداً بحيث يمكن أعتباره واقعاً ؟!
هنالك تفاصيل كثيرة في النباتات والحيوانات تحددها المعلومات الموجودة في شفراتها الوراثية, أي مخططات بناء الكائن الحي التي تحتوي عليها نواة كُل خلية, وقد أكتشف الباحثون أن الطفرات أي التغيرات العشوائية في الشفرة الوراثية يمكن أن تنتج التعديلات في سلالات النباتات والحيوانات, لذلك في سنة 1946 أدعى الطبيب الأمريكي هرمان مولر الحائز على جائزة نوبل ومؤسس علم الوراثة الطفري: " أن تراكم التغيرات الكثيرة النادرة, والتي غالباً ما تكون صغيرة, ليس فقط الوسيلة الرئيسية التي يُدخل الأنسان بواسطتها التحسينات على الحيوانات والنباتات, ولكنه على نحو أهم الوسيلة التي حدث بها التطور, بتوجيه من الأنتقاء الطبيعي".
أذاً, أن فكرة التطور الجليل مبنية على الأدعاء أن الطفرات لا تنتج أنواعاً جديدة فقط, بل أيضاً فصائل جديدة من النباتات والحيوانات, فهل هنالك أي سبيل الى تأكيد هذا الأدعاء الجازم ؟!
في أواخر ثلاثينات القرن العشرين, تبنى العلماء بحماس الفكرة القائلة أنه أذا أمكن للأنتقاء الطبيعي أن ينتج أنواعاً جديدة من النباتات بواسطة الطفرات العشوائية, يمكن أن ينجح الأنسان أكثر في أنتاج أنواع نباتية جديدة أذا أنتقى الطفرات هو بنفسه, فقد "عمت الفرحة والحماس أوساط علماء الأحياء عموماً وعلماء الوراثة والأختصاصيين في توليد النباتات خصوصاً".
كما قالَ فولف-أكهارت لونيغ وهو عالم من معهد ماكس بلانك لأبحاث توليد النباتات في ألمانيا وأجرى على مدى 28 سنة تقريباً أبحاثاً في مجال علم الوراثة الطفري في النباتات: " ظنَ هؤلاء الباحثون أن الوقت قد حان لأحداث ثورة على الطرق التقليدية لأستيلاد النباتات والحيوانات, فقد أعتقدوا أنه بأستحداث الطفرات وأنتقاء المفيدة منها يمكنهم أن ينتجوا نباتات وحيوانات أفضل".
نتيجة لذلك أطلقَ العلماء في الولايات المتحدة وأسيا وأوروبا برامج أبحاث مموّلة برؤوس أموال ضخمة, مُستخدمين وسائل ظنوا أنها ستسرّع عملية التطور, وماذا كانت النتائج بعد أكثر من 40 سنة من الأبحاث المُكثفة ؟!
يقول الباحث بيتر فون زينغبوش: " رغم الأموال الطائلة التي صُرفت على هذه الأبحاث, فأن محاولة توليد ضروب عالية الأنتاجية بأستخدام الأشعة فشلت فشلاً ذريعاً".
وقال العالم الألماني لونيغ: " بحلول ثمانينات القرن العشرين كانت أمال العلماء وحماستهم الغامرة قد خبت نتيجة الفشل الذريع حول العالم, ولم يعد الأستيلاد عن طريق الطفرات يُعتبر حقل أبحاث قائماً بحد ذاته في البلدان الغربية, فجميع الطفرات تقريباً "قُيمت تقييماً سلبياً", أي أنها ماتت أو تبيّن أنها أضعف من الضروب الطبيعية".
رغم ذلك فأن البيانات التي تجمعت على مدى نحو 100 سنة من الدراسات حول الطفرات عامة و 70 سنة من الأستيلاد عن طريق الطفرات خاصة, تساعد العلماء على معرفة ما أذا كانت الطفرات قادرة على أنتاج أنواع جديدة من الكائنات الحية.
وبعد فحص هذه الأدلة أستنتج لونيغ: "لايمكن أن تجعل الطفرات نوعاً -من النباتات أو الحيوانات- يتحول الى نوع جديد مختلف كلياً, وهذا الأستنتاج يتوافق مع جميع نتائج الأختبارات التي أجريت في الدراسات حول الطفرات خلال القرن العشرين, فضلاً عن توافقه مع قوانين نظرية الأحتمالات, وهكذا أنسجاماً مع قانون التغير الوراثي المتكرر, فان الأنواع المتمايزة وراثياً لديها حدود لايمكن الغاؤها أو تخطيها عن طريق الطفرات العشوائية".
أذا كانَ العلماء المتخصصون عاجزين عن أنتاج أنواع جديدة من الكائنات الحية عن طريق أستحداث الطفرات اصطناعياً وأنتقاء المفيدة منها, فهل يُعقل أن تنتج في ذلك عملية عشوائية مجردة من أي ذكاء؟! وما دامت الأبحاث قد أظهرت أن الطفرات لا يمكن أن تجعل نوعاً من الكائنات الحية يتحول الى نوع جديد مختلف, فيكف يُفترض أن يكون التطور الجليل قد حدث ؟!
كانَ داروين مُقتنعاً بأن ما دعاه الأنتقاء الطبيعي يُعزز بقاء أشكال الحياة التي تتلاءم على أفضل نحو مع بيئتها, في حين أن الأشكال الأقل تلاؤماً تموت تدريجياً, ويعلّم دعاة التطور اليوم أنه فيما أنتشرت الأنواع وأنعزلت, أختارَ الأنتقاء الطبيعي الأنواع التي جعلتها طفراتها الوراثية أصلح لبيئتها الجديدة, ويُفترض دعاة التطور أنه نتيجة لذلك صارت هذه المجموعات المنعزلة مع الوقت أنواعاً جديدة كلياً من الكائنات الحية.
الأدلة التي أسفرت عنها الأبحاث تُشيرة بقوة الى أن الطفرات لايمكن أن تنتج أجناساً جديدة كلياً من النباتات والحيوانات, لكن ما الدليل الذي يقدمه دعاة التطور ليدعموا أدعاءهم أن الأنتقاء الطبيعي يختار الطفرات المفيدة لأنتاج أنواع جديدة ؟!
تقول كراسة أصدرها معهد العلوم الوطني في الولايات المتحدة سنة 1999: " المثال النموذجي لنشوء الأنواع الجديدة-عن طريق التطور-هو الأنواع الــ13 من الشراشير التي درسها داروين في جُزر غالاباغوس قبالة سواحل الأكوادور, والتي تُعرف الأن بعصافير داروينDarwin's finches ".
في سبعينات القرن العشرين أبتدأ فريق باحثين يرأسه بيتر وروزميري غرانت بدراسة هذه العصافير, وأكتشفوا أنه بعد سنة من الجفاف كان البقاء على قيد الحياة أسهل على الطيور ذات المناقير الأكبر بقليل منه على الطيور ذات المناقير الأصغر, وبما أن حجم المنقار وشكله هما من الطرائق الرئيسية لتحديد الأنواع الــ13 من العصافير, عُلّقت أهمية كبيرة على هذه النتائج.
تتابع الكراسة : "لقد خمّن -بيتر وروزميري- غرانت أنه أذا حدثَ جفاف في الجزيرة مرة كل 10 سنوات تقريباً, يكفي مرور 200 سنة لظهور أنواع جديدة من العصافير".
غير أن كراسة معهد العلوم الأمريكي لا تذكر وقائع مهمة ولكن مُحرجة, ففي السنوات التي تلت الجفاف تكاثرت العصافير ذات المناقير الأصغر من جديد وصارت هي الأغلبية, وهكذا كتبَ غرانت ومعاونه, طالب الدراسات العليا لايل غيبس, في مجلة الطبيعية العلمية البريطانية باللغة الأنجليزية سنة 1987 أنهما شهدا "أنحرافاً للأنتقاء الطبيعي بالأتجاه المُعاكس".
وكتب غرانت سنة 1991 أن "الجماعة التي تتعرض للأنتقاء الطبيعي تتأرجح جيئة وذهاباً" مع كُل تغير في المناخ.
وذكر الباحثون أيضاً ان بعض الأنواع المُختلفة من العصافير تتزاوج في ما بينها وتنتج نسلاً قادراً على القاء على قيد الحياة أكثر من أسلافه, وأستنتج بيتر وروزميري غرانت أنه اذا أستمر التزاوج فقد يُدمج نوعان في غضون 200 سنة فقط.
في سنة 1966 كتبَ عالم الأحياء الأمريكي جورج كريتستوفر وليمز المؤيد لنظرية التطور: "أجد من المؤسف أن تكون نظرية الأنتقاء الطبيعي قد وُضعت في الأصل تفسيراً للتغيرات التطورية, فهي أكثر فائدة في تفسير أستمرار التكيُّف".
وفي سنة 1999 كتبَ الدكتور الأمريكي جفري شوارتز, صاحب نظريات التطور, أنه اذا كانت أستنتاجات وليمز صحيحة, يكون الأنتقاء الطبيعي عاملاً مُساعداً للأنواع على التكيف وفق متطلبات البقاء المتغيرة, لكنه "لا يخلق أي شيء جديد".
وبالفعل أن عصافير داروين لا تصير "شيئاً جديداً", فما زالت شراشير, وواقع أنها تتزاوج في ما بينها يشكك في المعايير التي يتبعها بعض دعاة التطور لتحديد النوع, كما أنه دليل على أن المعاهد العلمية المشهورة أيضاً ليست منزهة عن نشر نتائج أبحاثها بطريقة متحيزة.
أن كراسة المعهد الوطني للعلوم المُقتبس منها انفاً تترك لدى القاريء الغربي الأنطباع أن الأحافير التي أكتشفها العلماء تعطي براهين وافية على التطور الجليل, فهي تذكر: " لقد أكتشفَ الكثير جداً من أشكال الحياة المتوسطة بين السمك والبرمائيات, بين البرمائيات والزواحف, بين الزواحف والثدييات, وصولاً الى سلالات رتبة الرئيسيات, بحيث يصعب جداً أن نحدد بدقة المرحلة التي حدثَ فيها التحول من نوع الى أخر".
أن هذا التصريح الجريء لمدهش فعلاً, لماذا ؟! في سنة 2004 وصفت مجلة ناشونال جيوغرافيك باللغة الأنجليزية سجل الأحافير بأنه يشبه "فيلماً عن التطور قُطعت منه في غرفة المونتاج 999 لقطة من كُل 1000 ".
وهل توثّق اللقطات البالغة نسبتها 1 في الألف سير عملية التطور الجليل حق التوثيق ؟! ماذا يكشف سجل الأحافير فعلياً ؟! يعترف نايلز ألدريدج, وهو من أشد المدافعين عن نظرية التطور, أن السجل يُظهر "عدم تراكم التغيرات التطورية أو تراكم القليل منها فقط في مُعظم الأنواع" على مدى فترات طويلة من الزمن.
لقد نبشَ العلماء حول العالم حتى اليوم نحو 200 مليون أحفورة كبيرة وبلايين الأحافير المجهرية وأعدّوا جداول بها, ويوافق باحثون كثيرون أن هذا السجل الكبير والمُفصل يُظهر أن كُل المجموعات الرئيسية من الحيوانات ظهرت فجأة ولم تطرأ عليها تغيرات تُذكر, في حين أن بعض الأنواع أختفت فجأة مثلما ظهرت.
ويكتب عالم الأحياء الأمريكي جوناثان ويلز بعد مُراجعة الدلائل التي يقدمها سجل الأحافير: "على مستوى العوالم والشّعب والصفوف -التصنيفات العليا للكائنات الحية- لا نلاحظ تحوّل النسل بعد ولادته, وأذا أخذنا في الأعتبار الأدلة الأحفورية والجُزيئية, لا يكون هنالك أساس متين لهذه النظرية".
لماذا يصرّ كثيرون من دعاة التطور البارزين أن التطور الجليل واقع ؟! كتبَ المؤيد البارز للتطور عالم الأحياء الأمريكي ريتشارد لِوُونتين, بعدما أنتقدَ بعض أفكار ريتشارد دوكِنز, أن علماء كثيرين مُستعدون لقبول الأدعاءات العلمية المُنافية للمنطق السليم "لأن لدينا ألتزاماً مُسبقاً, ألتزاماً بمذهب المادية, ولا نريد أن نترك أي مجال لأي تدخُل ألهي".
وفي هذا الخصوص أقتبست مجلة ساينتفيك أمريكان من عالم الأجتماع رودني ستارك قوله: " تروج منذ مئتي سنة دعاية مفادها أنك أذا أردت أن يكون تفكيرك علمياً فعليك أن تبقى حُراً من أغلال الدين, ومن مصلحة الذين يحتلون المناصب العليا في المجتمع العلمي أن يكونوا داروينيين".
http://www.iraq4allnews.dk/photos/1(183).jpg
التطور حسب داروين
http://www.iraq4allnews.dk/photos/2(189).jpg
تشارلز داروين
المصدر: وكالة الأخبار العراقية المُستقلة واع:
http://www.iraq4allnews.dk/ShowNews.php?id=23117