مشاهدة النسخة كاملة : قصص القرآن
الطالب المجتهد
01-29-2010, 10:48 AM
المتصيدون في الماء العكر
المتصيدون في الماء العكر (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ أَمنُوا إِن تُطِيعُوا فَرِيقاً مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكم بَعْدَ إِيمَانِكُم كَافِرِينَ). (آل عمران 100). لقد سجَلَ لنا تاريخ الصراع بينَ الاوسيين والخزرجيين ما اسموه ب(اَيام العرب)، تلك الأيام (الحروب العصيبة) التي كادت ان تُفني القبيلتين، وتُهلك الحيين: واوّل فتنةٍ وقعت بينهما، تلك الوقعة الدامية التي تعرف ب(حرب سُمير)، التقى فيها الفريقان، واقتتلوا اقتتالاً شديداً، في جولتين شرستين، اشترك فيها سائر بطون القبيلتين.
ولقد كانت أصابع اليهود وراء اغلب تلك الحروب، خفيّةً تارة، وظاهرة أخرى، تثير النار التي تحت الرماد، وتُذكي ثارات العصبيّة الكامنة بالاحقاد، بينَ تينكَ القبيلتين اللتين تتفرعان من أصلٍ واحد!! البشرى بالخلاص وكم كانت فرحةُ إياس بن معاذ كبيرة حينما التقاهم ذلك الرجل العظيم في شعاب مكّة، عندما قدموا من المدينة يلتمسونَ الحلفَ من قريش على قومهم من الخزرج، فقال لهم الرسول الكريم صلّى اللّه عليه وآله وسلّم: هل لكم فيما هو خير لكم مما جئتم له؟. فقالوا: وما هو؟. فدعاهم الى الاسلام، وقرأَ عليهم القرآن، فقال اِياس، وكانَ أعقلهم رغم كونه اصغرهم: هذا واللّه خير مما جئنا له. ورجع هؤلاء الرجال يحملون بينَ جوانحهم بشائر المستقبل السعيد، وراحوا يحدّثون قومهم عن ذلك اللقاء الميمون، والرجل الذي كانوا بهِ يحلمون. وما اِن جاءَ العام المقبل حتى وافى الموسم اثنا عشَرَ رجُلاً من سادة الأوس والخزرج ونقبائهم، وكانَ الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم في العقبةِ بانتظارهم، فعقدوا البيعة الأولى. ولّما همّوا بالرجوع، طلبوا منهُ اَنْ يبعثَ معهم من يعلمهم الاسلام، ويدّرسهم القرآن، ويفقههم في الدين فانتدب الرسول لهذه المهمة الصحابي مصعب بن عمير وبعد ان حل موسم الحج التالي وإذا بذلك الشاب القرآني يعودُ الى المدينة، ومَعَهُ سبعون رجلاً من الأوس والخزرج، قد جاءوا مستَخفين لايشعر بهم أحد، تحتَ غطاء موسم الحج. لقد عاشَ الأوس والخزرج بأروعِ ما يكون التلاحم الايماني، وذهبت الاضغان من القلوب، (وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِى الأَرضِ جَمِيعاً مَّآ أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)(7). وشعر اليهود الذينَ كانوا يغذّونَ الخلافات ويُذكون العصبيات، بالخيبة المريرة، والفشل الذريع. ولقد أدرك اليهود أنهم لايستطيعون بعد اليوم أنْ يلعبوا بالمشاعر والعواطف، كما فعلوها يوم بُعاث وغيره من الأيام.. فقد تبدّلت الهموم الصغيرة والتطلعات الضيقة الى هموم كبيرة وتطلعات جسام. اِلاّ اَنَّ ذلك لم يجعل اليهود تكفّ عن محاولاتها اليائسة في اِثارة الفتنة، والتصيّد بالماء العكر، فراحوا يتحينونَ الفرصة المواتيه لاثارة الاحقاد الجاهلية والثارات العصبيّة.. وكادت محاولاتهم الأخيرة في صنع الفتنة اَنْ تفلح وتنجح!! فبينما كان جمعٌ من الأنصار (الاوس والخزرج) يعيشون الفاعليه معاً في بناء الدولة الاسلاميّة الفتيّةً، مَرَّ احد اقطاب اليهود (وكانَ شيخاً قد غبر في الجاهليّة، عظيم الكفر، شديد الغيظ على المسلمين، شديد الحسد لهم)، فغاظَهُ ما رأى من الفتهم بعد عداوه، ووحدتهم بعد فرقة، فأمَرَ رجلاً يهودّياً ليدخل بينَ صفوفهم، ويسعى بما يستطيع في اثارة الفتنةِ فيهم، ويذكّرهم بأيام حروبهم، وما نزف فيها من الدماء، وقيل من الاشعار في الفخر والهجاء. وذهب ذلك الرجل، وحاول بكلِّ مكرٍ ودهاء أنْ يثير الاحقاد الكامنة، والضغائن الدفينة، كما أوصاهُ سيده، فذكّرهم بما قاله شاعرهم الاوسي مفتخراً: ويوم بُعاثٍ اسلمتنا سيوفنا الى حسبٍ في جذم غسانَ ثاقبِ قتلناكُمُ يوم الفجار وقبله ويومُ بُعاثٍ كان يومَ التغالبِ اتت عُصَبٌ للأوس تخطر بالقنا كمشي الأسود في رشاش اَلأهاضبِ ثم انشد لهم جواب شاعرهم الخزرجي نحامي على احسابنا بتلادنا لمفتقر أو سائل الحق واجبِ واعمى هدته للسبيل سيوفُنا وخصمٍ أَقمنا بعد ما ثَجَّ ثاعِبِ وهم حسّرٌ لا في الدروع تخالهم اسوداً متى تُنْث الرماح تضارَبِ وعاد الى الخزرج لينشدهم ابيات شاعرهم حسّان بن ثابت، ليذكرهم بيوم السَّراره الذي وقعت فيه حرب شديدة: حسامٌ واَرماحٌ بأيدي اعزةٍ متى ترهم يا ابنَ الخطيم تلبَدِ اسودٌ لدى الاشبال يحمي عرينَها مداعيسُ بالخْطِّي في كُلِّ مشهدِ وما اجابه الشاعر قيس الأَوسى: لنا حائطانِ الموتُ اسفل منهما وجمعٌ متى تصرخْ بيثرب يصعدِ ترى اللآبة السوداء يحمرّ لونُها ويسهل منها كُلُّ ربعِ وفَدْفَدِ وما انفكَّ يحرَّض الفريقين، مذكراً لهم حتّى دبَّ النزاعُ بينَ رجال القبيلتين، واخذوا يتفاخرون ويتنازعون، حتّى وَصَلَ بهم الأمر الى أنْ يثبَ رجلٌ مِنَ الأوس وآخر من الخزرج، فدار بينهما جدالٌ عنيف (وقال احدهما لصاحبه: اِن شئتُ رددتها جَذعاً، وغضبَ الفريقان جميعاً، وقالا ارجعا: السلاَح السلاح.. موعدكم الظاهرة..
الطالب المجتهد
01-29-2010, 10:50 AM
قتل أصحاب الأخدود ,النار ذات الوقود , من هم أصحاب هذه القصـة
قتل أصحاب الأخدود 0 النار ذات الوقود 000 من هم أصحاب هذه القصـة قد اختلف أهل التفسير في أهل هذه القصة من هم؟ فعن علي أنهم أهل فارس حين أراد ملكهم تحليل تزويج المحارم فامتنع عليهم علماؤهم فعمد إلى حفر أخدود فقذف فيه من أنكر عليه منهم واستمر فيهم تحليل المحارم إلى اليوم. وعنه أنهم كانوا قوما باليمن اقتتل مؤمنوهم ومشركوهم فغلب مؤمنوهم على كفارهم ثم اقتتلوا فغلب الكفار المؤمنين فخدوا لهم الأخاديد وأحرقوهم فيها وعنه أنهم كانوا من أهل الحبشة واحدهم حبشي وقال العوفي عن ابن
عباس "قتل أصحاب الأخدود النار ذات الوقود" قال ناس من بني إسرائيل خدوا أخدودا فى الأرض ثم أوقدوا فيه نارا ثم أقاموا على ذلك الأخدود رجالا ونساء فعرضوا عليها وزعموا أنه دانيال وأصحابه وهكذا قال الضحاك بن مزاحم وقيل غير ذلك وقد قال الإمام أحمد حدثنا عفان حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت عن عبدالرحمن بن أبي ليلى عن صهيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "كان فيمن كان قبلكم ملك وكان له ساحر فلما كبر الساحر قال للملك إني قد كبر سني وحضر أجلي فادفع إلي غلاما لأعلمه السحر فدفع إليه غلاما كان يعلمه السحر وكان بين الساحر وبين الملك راهب فأتى الغلام على الراهب فسمع من كلامه فأعجبه نحوه وكلامه وكان إذا أتى الساحر ضربه وقال ما حبسك وإذا أتى أهله ضربوه وقالوا ما حبسك فشكا ذلك إلى الراهب فقال إذا أراد الساحر أن يضربك فقل حبسني أهلي وإذا أراد أهلك أن يضربوك فقل حبسني الساحر قال فبينما هو ذات يوم إذ أتى على دابة فظيعة عظيمة قد حبست الناس فلا يستطيعون أن يجوزوا فقال اليوم أعلم أمر الراهب أحب إلى الله أم أمر الساحر قال فأخذ حجرا فقال اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك وأرضى من الساحر فاقتل هذه الدابة حتى يجوز الناس ورماها فقتلها ومضى الناس فأخبر الراهب بذلك فقال أي بني أنت أفضل مني وإنك ستبتلى فإن ابتليت فلا تدل علي فكان الغلام يبرئ الأكمة والأبرص وسائر الأدواء ويشفيهم وكان للملك جليس فعمي فسمع به فأتاه بهدايا كثيرة فقال اشفني ولك ما ههنا أجمع فقال ما أنا أشفي أحدا إنما يشفي الله عز وجل فإن آمنت به دعوت الله فشفاك فآمن فدعا الله فشفاه. ثم أتى الملك فجلس منه نحو ما كان يجلس فقال له الملك يا فلان من رد عليك بصرك؟ فقال ربي فقال أنا؟
الطالب المجتهد
01-29-2010, 10:51 AM
قال لا ربي وربك الله قال ولك رب غيري؟ قال نعم ربي وربك الله فلم يزل يعذبه حتى دل على الغلام فبعث إليه فقال أي بني بلغ من سحرك أن تبريء الأكمه والأبرص وهذه الأدواء؟ قال ما أشفي أحدا إنما يشفي الله عز وجل قال أنا؟ قال لا. قال أولك رب غيري؟ قال ربي وربك الله فأخذه أيضا بالعذاب فلم يزل به حتى دل على الراهب فأتى بالراهب فقال ارجع عن دينك فأبى فوضع المنشار في مفرق رأسه حتى وقع شقاه وقال للأعمى ارجع عن دينك فأبى فوضع المنشار في مفرق رأسه حتى وقع شقاه إلى الأرض. وقال للغلام ارجع عن دينك فأبى فبعث به مع نفر إلى جبل كذا وكذا وقال إذا بلغتم ذروته فإن رجع عن دينه وإلا فدهدهوه فذهبوا به فلما علوا به الجبل قال: اللهم اكفنيهم بما شئت فرجف بهم الجبل فدهدهوا أجمعون وجاء الغلام يتلمس حتى دخل على الملك فقال ما فعل أصحابك؟ فقال كفانيهم الله تعالى فبعث به مع نفر في قرقور فقال إذا لججتم به البحر فإن رجع عن دينه وإلا فغرقوه في البحر فلججوا به البحر فقال الغلام اللهم اكفنيهم بما شئت فغرقوا أجمعون وجاء الغلام حتى دخل على الملك فقال ما فعل أصحابك؟ فقال كفانيهم الله تعالى. ثم قال للملك: إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به فإن أنت فعلت ما آمرك به قتلتني وإلا فإنك لا تستطيع قتلي قال وما هو؟ قال تجمع الناس في صعيد واحد ثم تصلبني على جذع وتأخذ سهما من كنانتي ثم قل بسم الله رب الغلام فإنك إذا فعلت ذلك قتلتني. ففعل ووضع السهم في كبد قوسه ثم رماه وقال بسم الله رب الغلام فوقع السهم في صدغه فوضع الغلام يده على موضع السهم ومات فقال الناس آمنا برب الغلام. فقيل للملك أرأيت ما كنت تحذر؟
الطالب المجتهد
01-29-2010, 10:52 AM
فقد والله نزل بك قد آمن الناس كلهم فأمر بأفواه السكك فخدت فيها الأخاديد وأضرمت فيها النيران وقال من رجع عن دينه فدعوه وإلا فأقحموه فيها قال فكانوا يتعادون فيها ويتدافعون فجاءت امرأة بابن لها ترضعه فكأنها تقاعست أن تقع في النار فقال الصبي اصبري يا أماه فإنك على الحق. وهكذا رواه مسلم في آخر الصحيح عن هدبة بن خالد عن حماد بن سلمة به نحوه ورواه النسائي عن أحمد بن سلمان عن عثمان عن حماد بن سلمة ومن طريق حماد بن زيد كلاهما عن ثابت به واختصروا أوله وقد جوده الإمام أبو عيسى الترمذي فرواه في تفسير هذه السورة عن محمود بن غيلان وعبد بن حميد - المعنى واحد - قالا أخبرنا عبدالرزاق عن معمر عن ثابت البناني عن عبدالرحمن بن أبي ليلى عن صهيب قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى العصر همس والهمس في بعض قولهم تحريك شفتيه كأنه يتكلم فقيل له إنك يا رسول الله إذا صليت العصر همست قال "إن نبيا من الأنبياء كان أعجب بأمته فقال من يقوم لهؤلاء فأوحى الله إليه أن خيرهم بين أن أنتقم منهم وبين أن أسلط عليهم عدوهم فاختاروا النقمة فسلط الله عليهم الموت فمات منهم في يوم سبعون ألفا" قال وكان إذا حدث بهذا الحديث حدث بهذا الحديث الآخر قال: كان ملك من الملوك وكان لذلك الملك كاهن يتكهن له فقال الكاهن انظروا لي غلاما فهما أو قال فطنا لقنا فأعلمه علمي هذا فذكر القصة بتمامها وقال في آخره يقول الله عز وجل "قتل أصحاب الأخدود النار ذات الوقود - حتى بلغ - العزيز الحميد" قال فأما الغلام فإنه دفن فيذكر أنه أخرج في زمان عمر بن الخطاب وأصبعه على صدغه كما وضعها حين قتل ثم قال الترمذي حسن غريب. وهذا السياق ليس فيه صراحة أن سياق هذه القصة من كلام النبي صلى الله عليه وسلم قال شيخنا الحافظ أبوالحجاج المزي: فيحتمل أن يكون من كلام صهيب الرومي فإنه كان عنده علم من أخبار النصارى والله أعلم. وقد أورد محمد بن إسحاق بن يسار هذه القصة في السيرة بسياق آخر فيها مخالفة لما تقدم فقال حدثني يزيد بن زياد عن محمد بن كعب القرظي وحدثني أيضا بعض أهل نجران عن أهلها أن أهل نجران كانوا أهل شرك يعبدون الأوثان وكان في قرية من قراها قريبا من نجران - ونجران هي القرية العظمى التي إليها جماع أهل تلك البلاد - ساحر يعلم غلمان أهل نجران السحر فلما نزلها فيمون ولم يسموه لي بالاسم الذي سماه ابن منبه قالوا نزلها رجل فابتنى خيمة بين نجران وبين تلك القرية التي فيها الساحر وجعل أهل نجران يرسلون غلمانهم إلى ذلك الساحر يعلمهم السحر فبعث التامر ابنه عبدالله بن التامر مع غلمان أهل نجران فكان إذا مر بصاحب الخيمة أعجبه ما يرى من عبادته وصلاته فجعل يجلس إليه ويسمع منه حتى أسلم فوحد الله وعبده وجعل يسأله عن شرائع الإسلام حتى إذا فقه فيه جعل يسأله عن الاسم الأعظم وكان يعلمه فكتبه إياه وقال له يا ابن أخي إنك لن تحمله أخشى ضعفك عنه والتامر أبو عبدالله لا يظن إلا أن ابنه يختلف إلى الساحر كما يختلف الغلمان فلما رأى عبدالله أن صاحبه قد ضن به عنه وتخوف ضعفه فيه عمد إلى أقداح فجمعها ثم لم يبق لله اسما يعلمه إلا كتبه في قدح لكل اسم قدح حتى إذا أحصاها أوقد نارا ثم جعل يقذفها فيها قدحا قدحا حتى إذا مر بالاسم الأعظم قذف فيها بقدحه فوثب القدح حتى خرج منها لم يضره شيء فأخذه ثم أتى به صاحبه فأخبره أنه قد علم الاسم الأعظم الذي قد كتبه فقال وما هو؟ قال هو كذا وكذا قال وكيف علمته؟ فأخبره بما صنع فقال أي ابن أخي قد أصبته فأمسك على نفسك وما أظن أن تفعل فجعل عبدالله بن التامر إذا دخل نجران لم يلق أحدا به ضر إلا قال له يا عبدالله أتوحد الله وتدخل في ديني وأدعوا الله لك فيعافيك مما أنت فيه من البلاء؟ فيقول نعم فيوحد الله ويسلم فيدعو الله له فيشفى حتى لم يبق بنجران أحد به ضر إلا أتاه فاتبعه على أمره ودعا له فعوفي حتى رفع شأنه إلى ملك نجران فدعاه فقال له أفسدت علي أهل قريتي وخالفت ديني ودين آبائي لأمثلن بك قال لا تقدر على ذلك قال فجعل يرسل به إلى الجبل الطويل فيطرح على رأسه فيقع إلى الأرض ما به بأس وجعل يبعث به إلى مياه بنجران بحور لا يلقى فيها شيء إلا هلك فيلقى به فيها فيخرج ليس به بأس فلما غلبه قال له عبدالله بن التامر إنك والله لا تقدر على قتلي حتى تؤمن بما آمنت به وتوحد الله فإنك إن فعلت سلطت علي فقتلتني قال فوحد الله ذلك الملك وشهد شهادة عبدالله بن التامر ثم ضربه بعصا في يده فشجه شجة غير كبيرة فقتله وهلك الملك مكانه واستجمع أهل نجران على دين عبدالله بن التامر وكان على ما جاء به عيسى ابن مريم عليه السلام من الإنجيل وحكمه ثم أصابهم ما أصاب أهل دينهم من الأحداث فمن هنالك كان أصل دين النصرانية بنجران. قال ابن إسحاق فهذا حديث محمد بن كعب القرظي وبعض أهل نجران عن عبدالله بن التامر فالله أعلم أي ذلك كان قال فسار إليهم ذو نواس بجنده فدعاهم إلى اليهودية وخيرهم بين ذلك أو القتل فاختاروا القتل فخد الأخدود فحرق بالنار وقتل بالسيف ومثل بهم حتى قتل منهم قريبا من عشرين ألفا ففي ذي نواس وجنده أنزل الله عز وجل على رسوله صلى الله عليه وسلم "قتل أصحاب الأخدود النار ذات الوقود إذ هم عليها قعود وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد الذي له ملك السموات والأرض والله على كل شيء شهيد"
الطالب المجتهد
01-29-2010, 10:52 AM
هكذا ذكر محمد بن إسحاق في السيرة أن الذي قتل أصحاب الأخدود هو ذو نواس واسمه زرعة ويسمى في زمان مملكته بيوسف وهو ابن بيان أسعد أبي كريب وهو تبع الذي غزا المدينة وكسى الكعبة واستصحب معه حبرين من يهود المدينة فكان تهود من تهود من أهل اليمن على يديهما كما ذكره ابن إسحاق مبسوطا فقتل ذو نواس في غداة واحدة في الأخدود عشرين ألفا ولم ينج منهم سوى رجل واحد يقال له دوس ذو ثعلبان ذهب فارسا وطردوا وراءه فلم يقدروا عليه فذهب إلى قيصر ملك الشام فكتب إلى النجاشي ملك الحبشة فأرسل معه جيشا من نصارى الحبشة يقدمهم أرياط وأبرهة فاستنقذوا اليمن من أيدي اليهود وذهب ذو نواس هاربا فلجج في البحر فغرق واستمر ملك الحبشة في أيدي النصارى سبعين سنة ثم استنقذه سيف بن ذي يزن الحميري من أيدي النصارى لما استجاش بكسرى ملك الفرس فأرسل معه من في السجون فكانوا قريبا من سبعمائة ففتح بهم اليمن ورجع الملك إلى حمير وسنذكر طرفا من ذلك إن شاء الله في تفسير سورة "ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل" وقال ابن إسحاق وحدثني عبدالله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أنه حدث أن رجلا من أهل نجران كان في زمان عمر بن الخطاب حفر خربة من خرب نجران لبعض حاجته فوجد عبدالله بن التامر تحت دفن فيها قاعدا واضعا يده على ضربة في رأسه ممسكا عليها بيده فإذا أخذت يده عنها تنبعث دما وإذا أرسلت يده ردت عليها فأمسكت دمها وفي يده خاتم مكتوب فيه ربي الله فكتب فيه إلى عمر بن الخطاب يخبره بأمره فكتب عمر إليهم أن أقروه على حاله وردوا عليه الذي كان عليه ففعلوا. وقد قال أبو بكر عبدالله بن محمد بن أبي الدنيا رحمه الله حدثنا أبو بلال الأشعري حدثنا إبراهيم بن محمد عن عبدالله بن جعفر بن أبي طالب حدثني بعض أهل العلم أن أبا موسى لما افتتح أصبهان وجد حائطا من حيطان المدينة قد سقط فبناه فسقط ثم بناه فسقط فقيل له إن تحته رجلا صالحا فحفر الأساس فوجد فيه رجلا قائما معه سيف فيه مكتوب أنا الحارث بن مضاض نقمت على أصحاب الأخدود فاستخرجه أبو موسى وبنى الحائط فثبت "قلت" هو الحارث بن مضاض بن عمرو بن مضاض بن عمرو الجرهمي أحد ملوك جرهم الذين ولوا أمر الكعبة بعد ولد ثابت بن إسماعيل بن إبراهيم وولد الحارث هذا هو عمرو بن الحارث بن مضاض هو آخر ملوك جرهم بمكة لما أخرجتهم خزاعة وأجلوهم إلى اليمن وهو القائل في شعره الذي قال ابن هشام إنه أول شعر قالته العرب: كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا أنيس ولم يسمر بمكة سامر بلى نحن كنا أهلها فأبادنا صروف الليالي والجدود العواثر وهذا يقتضي أن هذه القصة كانت قديما بعد زمان إسماعيل عليه السلام بقرب من خمسمائة سنة أو نحوها وما ذكره ابن إسحاق يقتضي أن قصتهم كانت في زمان الفترة التي بين عيسى ومحمد عليهما من الله السلام وهو أشبه والله أعلم وقد يحتمل أن ذلك قد وقع في العالم كثيرا كما قال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا أبو اليمان أخبرنا صفوان عن عبدالرحمن بن جبير قال كانت الأخدود في اليمن زمان تبع وفي القسطنطينية زمان قسطنطين حين صرف النصارى قبلتهم عن دين المسيح والتوحيد فاتخذا أتونا وألقي فيه النصارى الذين كانوا على دين المسيح والتوحيد وفي العراق فى أرض بابل بختنصر الذي صنع الصنم وأمر الناس أن يسجدوا له فامتنع دانيال وصاحباه عزريا وميشائيل فأوقد لهم أتونا وألقى فيه الحطب والنار ثم ألقاهما فيه فجعلها الله تعالى عليهما بردا وسلاما وأنقذهما منها وألقى فيها الذين بغوا عليه وهم تسعة رهط فأكلتهم النار وقال أسباط عن السدي في قوله تعالى "قتل أصحاب الأخدود" قال كانت الأخدود ثلاثة: خد بالعراق وخد بالشام وخد باليمن.
الطالب المجتهد
01-29-2010, 10:53 AM
رواه ابن أبي حاتم وعن مقاتل قال كانت الأخدود ثلاثة: واحدة بنجران باليمن والأخرى بالشام والأخر بفارس حرقوا بالنار أما التي بالشام فهو انطنايوس الرومي وأما التي بفارس فهو بختنصر وأما التي بأرض العرب فهو يوسف ذو نواس فأما التي بفارس والشام فلم ينزل الله تعالى فيهم قرآنا وأنزل في التي كانت بنجران وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا أحمد بن عبدالرحمن الدشتكي حدثنا عبدالله بن أبي جعفر عن أبيه عن الربيع هو ابن أنس في قوله تعالى "قتل أصحاب الأخدود" قال سمعنا أنهم كانوا قوما فى زمان الفترة فلما رأوا ما وقع في الناس من الفتنة والشر وصاروا أحزابا كل حزب بما لديهم فرحون اعتزلوا إلى قرية سكنوها وأقاموا على عبادة الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فكان هذا أمرهم حتى سمع بهم جبار من الجبارين وحدث حديثهم فأرسل إليهم فأمرهم أن يعبدوا الأوثان التي اتخذوا وأنهم أبوا عليه كلهم وقالوا لا نعبد إلا الله وحده لا شريك له فقال لهم إن لم تعبدوا هذه الآلهة التي عبدت فإني قاتلكم فأبوا عليه فخد أخدوا من نار وقال لهم الجبار وقفهم عليها اختاروا هذه أو الذي نحن فيه فقالوا هذه أحب إلينا وفيهم نساء وذرية ففزعت الذرية فقالوا لهم أي آباؤهم لا نار من بعد اليوم فوقعوا فيها فقبضت أرواحهم من قبل أن يمسهم حرها وخرجت النار من مكانها فأحاطت بالجبارين فأحرقهم الله بها ففي ذلك أنزل الله عز وجل "قتل أصحاب الأخدود النار ذات الوقود إذ هم عليها قعود وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد الذي له ملك السموات والأرض والله على كل شيء شهيد" ورواه ابن جرير حدثت عن عمار عن عبدالله بن أبي جعفر به نحوه
الطالب المجتهد
01-29-2010, 10:54 AM
حوار بين الرب سبحانه والملائكة
حوار بين الرب سبحانه والملائكة قبل خلق آدم عليه السلام حدث حوار سماوي عظيم بين الرب سبحانه وتعالى والملائكة عليهم السلام قال تعالى { وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً (30) }البقرة. والخليفة هو الذي ينتج ويترك وراءه خلف تلو خلف ، وخليفة إيضا نائب ، أبو بكر خليفة الرسول -صلى الله عليه وسلم- يعني ناب عنه بعد وفاته ولله سبحانه وتعالى المثل الأعلى فالله سبحانه وتعالى أراد ان يجعل خليفة يحكم الأرض ويعمر ها ، يريد هذه الأرض أن تعمر .
فالله سبحانه وتعالى خلق الإنسان في احسن تقويم صورة سبحانه احسن الصور ونفخ فيه من روحه فسألت الملائكة الرب عز وجل { قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ (30) } البقرة. كبف عرفت الملائكة إن آدم وذريته يفسدون في الأرض ويسفكون الدماء ، ما قالوا هذا على وجه الاعتراض ، كلا حاشاهم ، وانما قالوا على وجه الاستفسار يسألون بعدما رأوا من صنع الجن في الأرض ، فالله -سبحانه وتعالى- خلق الجن وأعطاهم التخيير ففسدوا وفسقوا في الأرض والآن سيخلق خلق آخر في الأرض لعله سيفسد كما أفسد الجن أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء كما فعل الجن يعني هذا معنى الآية فمستغربين وخشوا آن يكونوا قصروا في عبادة الله عز وجل فأرادوا آن يسألوا هل نحن قصرنا حتى تخلق خلقا غيرنا ولذلك جاء في كلامهم ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك يعني نحن هل قصرنا في تقديسنا وتسبيحنا حتى تخلق خلقا غيرنا إذا السؤال من جانبين هل ستخلق خلقا يفسدون في الأرض كما فعل الجن وهل نحن قصرنا حتى تخلق خلقا غيرنا هذا معنى الآيات . والله سبحانه وتعالى رد عليهم قال { قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ(30) }
الطالب المجتهد
01-29-2010, 10:54 AM
هنا تحدث الملائكة بينهم فقالوا ليخلق هنا ما شاء فلن يخلق خلقا إلا كن اكرم على الله منه وأعلم ، ويعلمون انهم الوحيدون الذين يسبحون الله تعالى لا يفترون ويفعلون ما يأمرون ويتحملون التكاليف من الله سبحانه وتعالى وينفذون أمره في السموات والأرض وهم أكرم الخلق عند الله عز وجل فقالوا لن يخلق الله تعالى خلقا إلا كن أكرم على الله منه وأعلم عند الله سبحانه وتعالى
الطالب المجتهد
01-29-2010, 10:55 AM
وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ
وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ (وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ أَمَنُوا مِنكُمْ… ).(1) كان شديد الحرصِ على حضورِ مجلس الرسول (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم)، ولم يكن هذا الحرص من أجل أنْ يستزيد علماً أو وعياً، وإنما من أجلِ أنْ يطلع على مخططات المؤمنين، وأوضاعهم، وتحركاتهم… ولهذا فقد كانت الأنباء تتسربُ، من خلالِهِ، الى المنافقين وأعداء الدين. قال لهُ: (قد قبلتُ مِنكَ فلاتفعل)!
الطالب المجتهد
01-29-2010, 10:55 AM
واستمرَّ الحالُ على هذا المنوال، رُغم أنّ المسلمين كانوا يحرصون على السرية والكتمان، فيما يخططون، لمواجهة مؤامرات الأعداء وإحباطها. ولخطورةِ الأمر جاءَ التسديدُ الإلهي للمسيرة الإيمانية، بنزول الوحي من السماء، ليخبر الرسول القائد (صلى اللّه عليه وآله وسلّم) بذلك (المنافق) الذي دسَّ نَفْسه في صفوف المؤمنين. وتألّمَ الرسولُ القائد لتلك الحال… فاستدعاه لاستجوابه، عما يقوم به من تسريب للمعلومات، وفضحٍ للمخططات. وما إن سَمعَ (المنافق) حديث الرسول معه، حتى راح يُقسم بأغلط الإيمان، بأنهُ لم يفعل ذلك أبداً، وإنَّ حضوره في المجلس لم يكن إلا من أجلِ التبرِّك والاستماع الى التعاليم القيمة وان ما يذاع عنه مجردُ إشاعات وإتهامات باطلة يطلقها المغرضون الذينَ يهدفونَ الى تشويه سمعة المؤمنين العاملين المخلصين!! ولكن الرسول القائد (صلى اللّه عليه وآله وسلّم) أخبره بأنْ هذه الأنباء قد جاءَ بها الوحي من السماء!.
الطالب المجتهد
01-29-2010, 10:56 AM
أصحاب الأخدود
لفضيلة الشيخ : عبد الوهاب الطريري
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
(والسماء ذات البروج، وشاهد ومشهود، قتل أصحاب الأخدود، النار ذات الوقود، إذ هم عليها قعود، وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود، وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد، الذي له ملك السماوات والأرض، والله على كل شيء شهيد).
إن هذه الآيات تحملُ قصةَ أصحابِ الأخدود، هؤلاء اللذين فتنوا في ديِنهم..
هؤلاء اللذين أحرقوا في خنادقِ النارِ مع نسائهم وأطفالِهم. وما نقموا منهم إلا أن يأمنوا بالله العزيز الحميد. وكان نكالاً دنيوياً بالغَ القسوة. وجريمةً نكراء عندما يقادُ أولئك المؤمنون الأطهارِ إلى خنادقَ وحفر أضرمت فيها النار هم ونسائهم وأطفالهم ليلقوا فيها لا لشيء إلا لأنهم أمنوا بالله جل وعلا. حتى تأتي المرأةُ معها طفلُها الرضيعُ تحملُه، حتى إذا أوقفت على شفيرِ الحفرةِ والنارُ تضطرمُ فيها تكعكعت، لا خوفاً من النار ولكن رحمةً بالطفل. فيُنطقُ اللهُ الطفلَ الرضيع ليقولَ لها مؤيدا مثبتاً مصبرا: يا أمه اصبري فأنك على الحق. فتتقحم المرأةُ الضعيفةُ والطفل الرضيع تتحقحمان هذه النار. إنه مشهدُ مريعُ وجريمةُ عظيمةٌ يقصُ القرآنُ خبرها ويخبر بشأنها فإذا هي قصةُ مليئةُ بالدروسُ مشحونة بالعبر فهل من مدكر؟
الطالب المجتهد
01-29-2010, 10:57 AM
ولكنا نطوي عبرَها كلها ونعبرَها لنقف مع آيةٍ عظمى، آية عظمى تومض من خلال هذا العرض للقصة، إن هذه الآيات قد ذكرت تلك الفتنة العظيمةَ وذكرت تلك النهايةُ المروعةُ الأليمة لتلك الفئةُ المؤمنة، والتي ذهبت مع آلامها الفاجعة في تلك الحفرُ التي أضرمت فيها النار. بينما لم يرد خبرُ في الآياتِ عن نهايةِ الظالمين اللذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات: لم تذكرُ الآياتُ عقوبةُ دنيوية حلت بهم. لم تذكر أن الأرض خسفت بهم. ولا أن قارعة من السماءِ نزلتَ عليهم. انتهاء عرضُ القصةِ بذكرِ مصيرِ المؤمنين وهم يُلقونَ في الأخدود. والإعراض عن نهاية الظالمين الذين قارفوا تلك الجريمة فلم تُذكر عقوبتهم الدنيوية ولا الانتقام الأرضي منهم. فلما أغفل مصيرُ الظالمينَ ؟ أهكذا ينتهي الأمر، أهكذا تذهبُ الفئةُ المؤمنةُ مع آلامها واحتراقها بنسائِها وأطفالِها في حريق الأخدود؟ بينما تذهب الفئةُ الباغية الطاغية التي قارفت تلك الجريمة تذهبُ ناجية؟ هنا تبرزٌ الحقيقةُ العظمى التي طالما أفادت فيها آياتُ الكتاب وأعادت، وكررت وأكدت وهي: أن ما يجري في هذا الكون لا يجري في غفلةٍ من اللهِ جل وعلا، وإنما يجري في ملكِه. ولذا جاء التعقيبُ بالغ الشفافية: ( وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد الذي له ملك السماوات والأرض). فهذا الذي جرى كلِه جرى في ملكِه ليس بعيدا عن سطوتِه، وليسَ بعيدا عن قدرتِه إنما في ملكه: (والله على كلِ شيء شهيد). فهذا الذي جرى لم يجري في غفلةٍ من الله ولا في سهو من الله. كلا… ولكن جرى والله على كل شيء شهيد، شهيدُ على ذلك مطلعُ عليه. إذا فأين جزاء هؤلاء الظالمين ؟ كيف يقترفون ما قارفوا، ويجترمون ما اجترموا ثم يفلتون من العقوبة؟ يأتي الجوابُ، كلا لم يفلتوا. إن مجال الجزاء ليس الأرضَ وحدَها. وليسَ الحياةَ الدنيا وحدها، إن الخاتمةَ الحقيقةَ لم تجئ بعد، وإن الجزاءَ الحقيقيُ لم يجئ بعد. وإن الذي جرى على الأرض ليسَ إلا الشطر الصغير الزهيد اليسير من القصة. أما الشطرُ الأوفى والخاتمةُ الحقيقةُ والجزاء الحقيقي فهناك: (إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق). هولا الذين أحرقوا المؤمنين في الأخدود سيحرقون ولكن أين؟ أين ؟ في جهنم. في جهنم، إن الذين أحرقوا المؤمنين في الدنيا سيحرقون ولكن في الآخرة. وما أعظمَ الفرقَ بين حريقٍ وحريق! أين حريقُ الدنيا بنارٍ يوقدُها الخلق، من حريقِِ الآخرةِ بنارٍ يوقدُها الخالق ؟ أين حريقُ الدنيا الذي ينتهي في لحظات، من حريقِِ الآخرةِ الذي يمتدُ إلى آبادٍ لا يعلمُها إلا الله ؟ أين حريقُ الدنيا الذي عاقبتُه رضوانُ الله، من حريقِ الآخرةِ ومعهُ غضبُ الله ؟ هذا المعنى الضخم الذي ينبغي أن تشخصَ الأبصارُ إليه وهو الارتباطُ بالجزاء الأخروي رهبة ورغبة. أما الدنيا فلو كانت تساوي عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربةَ ماء. إن الدنيا هينةُ على الله جل وعلا: مر النبيُ (صلى الله عليه وسلم) وأصحابُه معه، مروا في طريقهم فإذا سباطة قوم، تلقى عليها النفايات، الفضلات، الجيف. فإذا بالرسول (صلى الله عليه وسلم) ينفردُ عن أصحابه ويتجه صوب سباطة هؤلاء القوم ليأخذَ من القمامة الملاقاة عليها جيفة تيس مشوهِ الخلقةِ قد مات، مشوه الخلقة، صغير الأذن قد انكمشت أذنه. فأمسك النبيُ (صلى الله عليه وسلم) بهذا التيس الميتَ فرفعه. ثم أقام مزاداً علنياً ينادي على هذه الجيفة الميتة، فيقول مخاطبا أصحابه: آيكم يحبُ أن يكونَ هذا له بدرهم ؟ من يشتري هذا التيس المشوه بدرهم؟
الطالب المجتهد
01-29-2010, 10:57 AM
وعجب الصحابة من هذا المزاد على سلعة قيمتها الشرائية صفر. ليس لها قيمة شرائية ولذا ألقيت مع الفضلات. قالوا يا رسولَ الله، والله لقد هانَ هذا التيس على أهلهِ حتى ألقوه على هذه السباطة، لو كان حيا لما ساوى درها. لأنه مشوه. فكيف وهو ميت؟ لقد هان على أهله حتى ألقوه هنا، فكيف يزاد عليه بدرهم ؟ فألقاهُ النبي (صلى الله عليه وسلم) وهوت الجيفة على السباطة والنبي (صلى الله عليه وسلم) يقول: لدنيا أهونُ على الله من هذا على أحدِكم. إن الدنيا هينةُ على الله، ومن هوانها أنها أهونُ من هذه الجيفةُ التي ألقيتموها واستغربتم أن يزاد عليها ولو بدرهمٍ يسير. فقيمتها الشرائية صفر، ليس لها قيمة. وإذا كانتِ الدنيا هينةُ على اللهِ هذا الهوان، فإن اللهَ جلا جلاله لم يرضها جزاءً لأوليائِه. وأيضا لم يجعلَ العذابُ فيها والعقوبة فيها هي الجزاءُ الوحيدُ لأعدائه. كلا إن الدنيا أهونُ على الله، بل لولا أن يفتن الناس، لولا أن تصيبهم فتنة لجعل الله هذه الدنيا بحذافيرها وزينتها وبهجتها ومتاعها جعلها كلها للكافرين. أستمع إلى هذه الآيات: (ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة ومعارج عليها يظهرون، ولبيوتهم أبوابا وسررا عليها يتكئون، وزخرفا وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا والآخرة عند ربك للمتقين). أما الدنيا فأهون على الله من أن يجعلها للمتقين جزاء، أو يجعل العذاب فيها فقط جزاء الكافرين. كلا.. لولا أن تفتن قلوب الناس لأعطى الدنيا للكافرين، كل ذلك قليلُ وحقير وتافه: (وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا والآخرة عند ربك للمتقين). ولكن قلةَ هذا المتاع وضآلته وتفاهته لا تظهرُ إلا إذا قورن بالعمرِ الأبديِ الخالدِ في الآخرة. هناك تظهرُ قلةَ هذا المتاع. ولذا لما ذكر اللهُ زهو الكافرين ومظاهر القوة التي يتمتعون بها، وتقلبَهم في البلاد واستيلائهم عليها، ذكر ذلك وعبر عنه بقوله جل وعل متاع قليلا: (لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد). (قل تمتع بكفرك قليلا إنك من أصحاب النار). نعم قليلا، تمتع بكفرك قليلا، قد يكون هذا القليل ستون سنة. قد يكون سبعون، قد يكون مائة، ولكن كم تساوي هذه الومضة في عمر الخلود الأبدي في الآخرة؟ كم تساوي هذه الومضة في عمر أبدي خالد في دار الجزاء. (قال كم لبثتم في الأرض عدد سنين ،قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم فاسأل العادين). قالوا يوما..ثم تكاثروا اليوم فرجعوا أو بعض يوم فسأل العادين. (قال إن لبثتم إلا قليلا).
الطالب المجتهد
01-29-2010, 10:58 AM
كان هذا القليل عشرات السنين، ولكنها أصبحت في عمر الخلود الأبدي في الآخرة يوما، كلا فاليوم كثير، بعض يوم، بعض يوم وهم مستيقنون أنه بعض يوم فاسأل العادين. (قال إن لبثتم إلا قليلا لو أنكم كنت تعلمون). هناك يأتي الجزاءُ الحقيقي. ولذا كانت آياتُ القرآنِ تتنزل على رسول الله (صلى الله عليه وسلم) تخاطبه وتلفتُ أنظارَ المؤمنين معه إلى أن القِصاص الحقيقي، والعقوبةَ الحقيقةَ والجزاءُ الذي ينتظرُ الظالمين والمتكبرين والمتجبرين من الكفار والفجرة والظلمة هناك: (إن إلينا إيابهم ثم إن علينا حسابهم). (وإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإلينا مرجعهم ثم الله شهيد على ما يفعلون). قد ترى شيئا من عقوبتهم وقد يتوفاك قبل ذلك. ولكن العبرةُ بالمرجع إلينا، وهناك سيلفون على ربٍ كان شهيداً على فعلهم كلِه، كلِ الذي فعلُوه لم يكن خافيا على الله، كان مطلعاً عليه: (فذرهم يخوضوا ويلعبوا، حتى يلاقوا يومَهم الذي يوعدون). حينها كيف سيكون حالهم؟ (يوم يخرجون من الأجداث سراعا كأنهم إلى نصب يوفون، خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة ذلك اليوم الذي كانوا يوعدون). وطالما نظرت أبصارهم بجرائه. وطالما اشمخرت أنوفهم بكبرياء. أما اليوم فأبصارهم خاشعة، وكبريائهم ذليلة، لماذا ؟ ذلك اليوم الذي كانوا يوعدون. لأنهم في يوم الموعد، لقد وعدوا ذلك اليومَ. وعدوا به في الدنيا ولكن استهانوا واستخفوا فما بالوا وما اكترثوا ولا استعدوا فما أسرعَ ما لقوه. وما أسرع ما شاهدوه. وما أسرع ما أحاطَ بهم أمره، ذلك اليوم الذي كانوا يوعدون. هنا أيها المؤمنون بلقاء الله جل وعلا تأثرُ هذه الحقيقةُ العظمى في نفسِ المؤمنِ ووجدانِه. فيعلم أن من اجترأ على الله وإن عاش كما يعيشُ الناس. بل ومات كما يموت الناس فإن الجزاء الحقيقيَ ينتظر هناك. إن الدنيا ليست دارُ جزاء ولكن دارُ عمل، وأما الآخرةُ فهي دارُ جزاء ولا عمل. نعم قد يعجلُ اللهُ العقوبة لبعضِ المتمردين لحكمةٍ يعلمها. فأهلك قومَ نوحٍ، وقوم هود وقوم صالح، أهلك أمما، وأهلك أفرادا. أهلك فرعون وقارون وهامان وأبا جهل وأبي ابن خلف. ولكن هذا تعجيل لبعض العقوبة، وقد يتخلف هذا التأجيل فتدخر العقوبةُ كلُها ليوافي المجرم يوم القيامة فإذا عقوبته كاملة لم يعجل له منها شيء. ولكن كل ما قارفَه في الدنيا، وإن عاش في الدنيا كما يعيش الناس، وتمتع في الدنيا كما يتمتع الناس، ثم مات ميتة طبيعية كما يموت الناس فإن كل ما فعله لم يكن يتم في غفلة من الله: (ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار، ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار، مهطعين مقنعي رؤوسهم لا يرتد إليهم طرفهم وأفئدتهم هواء).
الطالب المجتهد
01-29-2010, 10:58 AM
هنا نعلم أنه ليس بالحتم أن تحلَ العقوبةُ بالظالمينَ في الدنيا. ليس بالحتم أن يعجلوا بالعقوبة. ولكن الذي نحن منه على يقين أن ظلمَهم واجترائَهم على الله، وانتهاكَهم لحرماتِ الله،لم يجري في غفلةٍ من الله. ثم ليست كلُ عقوبةٍ لابد أن تكون ماثلةً للعيان، فهناك عقوباتُ تدبُ وتسرب إلى المعاقبينَ بخفية، تسري فيهم وتمضي منهم وتتمكن من هؤلاء وهم لمكر الله بهم لا يشعرون. قد يملي اللهُ لظالمِ ولكن ليزدادَ من الإثمِ وليحيطَ به الظلمُ، ثم يوافي اللهَ بآثام كلِها وجرائمهِ كلِها ليوافي حينئذٍ جزاءه عند ربٍ كان في الدنيا مطلعاً عليه شهيداً عليه رقيبا عليه. (ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ولهم عذاب مهين). ليزدادوا إثما، وأنظر إلى عقوبة أخرى: (ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين، فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون). فماذا كانت العقوبة ؟ هل احترقت أموالهم؟ هل قصمت أعمارهم؟ هل نزلت عليهم قارعة من السماء؟ هل ابتلعتهم الأرض؟ ماذا كانت العقوبة التي حلت بهم؟ أستمع إلى العقوبة: (فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون). كان الجزاء أن أعقبهم الله نفاقا مستحكما في القلوب إلى يوم يلقونه، فهو حكم عليهم بسوء الخاتمة. (كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون). (بل طبع الله عليها بكفرهم).
الطالب المجتهد
01-29-2010, 10:58 AM
هذه عقوبات تسرب إلى القلوب في غفلة من الناس ومن الظالمِ نفسه، ولكنها عقوبات بالغة الخطورة. ولكن العبرة بالمصير، بالمصير يوم يفضي هذا الظالم إلى الله جل جلاله فيوافي عقوبة لا يستطيع أحدا من البشر، من الخلق الذين كانوا في الدنيا يحبونه، ويوالونه وينصرونه، لا يستطيع أحد منهم أن ينصره أو يكفيه أو يتحمل عنه شيئا من العذاب. كانوا في الدنيا يقولون له نحن فداك، نحن نكفيك. لكن في الآخرة لا فداء لأن الفداء نار تلظى، لأن الفداء نار شديدة محرقة وخلود فيها، فمن الذي يفدي؟ (يبصرونهم يود المجرم لو يفتدي من عذاب يومئذ ببنيه، وصاحبته وأخيه، وفصيلته التي تؤويه، ومن في الأرض جميعا ثم ينجيه). يود ذلك! لكن يأتي الجواب ..كلا: (كلا إنها لظى، نزاعة للشوى، تدعو من أدبر وتولى). فمن الذي عنده استعداد للفداء. أمة الإسلام، أيها المؤمنون بالله ولقائه نفضي من هذا كله إلى وقفات سريعة: الوقـفة الأولى: أنا إذا رأينا أملا اللهِ للظالمين وتمكينه للمجرمين فينبغي أن نعلم باليقين وإلا فنحن نعلم بالإيمان أن الجزاءَ مدخرٌ هناك، ولذا فلا دعي للبحث عن كوارث دنيوية تحل بهم. إنك تشفق على بعض الطيبين عندما تراهم يجهدون أنفسهم في البحث عن عقوبة دنيوية حلت بهذا الظالم أو ذاك المجرم، حتى إذا لم يجدوا شيئا قالوا الموت هو العقوبة.. كلا. لقد مات الأطهار والأبرار والرسل الكرام، ولكن العبرة هناك في دار الجزاء. الوقـفة الثانية: أن لا يغترَ أحدُ بأي مظهرٍ من مظاهر القوةِ أُتيها، فمظاهرُ القوةِ في الدنيا نسبية، ولكنها كلها على تفاوتها تتعطل حينما يوقفُ العبدُ بين يدي اللهَ جل جلاله. إن الرجل يتمتع بقوة نسبية على المرأة تلك التي لا تملك إلا الدموع تستنصر بها. لكن عليه أن يتذكر أنه إن ظلمها فلم تستطع أن تنتصر منه في الدنيا ومشى أمام الناس بطوله ورجولته فهناك موعد تذهب فيه قوته وقوامته ويتم القِصاص منه للمظلوم ولو كان ضعيفا. يتذكر شرطي المرور أو الدوريات: أنه عندما يأمر بمسكين إلى التوقيف، ثم يوقف ذلك المسكين دون أن يسائل هو، وإن سؤل فهو المصدق، ثم يذهب هو إلى بيته ويجلس إلى أهله ويتناول طعامه. وذاك في التوقيف يحاول الاتصال بأهله هاتفيا وقد لا يستطيع. ليتذكر أن هذه القوة الدنيوية ستنمحي، ستنمحي وسيوقف هو وهذا الذي ظلمه فلم يجد في الدنيا من ينتصر له، سيوقف هو وإياه بين يدي من ينتصر له. ليتذكر الكفيل غربة العامل وحاجة العامل: فيجور عليه ويكلفه بما ليس من عمله ويماطله في حقه، ليتذكر أن هذه الفوارق ستنتهي. وهذه القوة الجزئية التي يتمتع بها ستنمحي. وهذا الضعف الذي يهيمن على هذا العامل الآن سيذهب. وسيوقفان جميعا بين يدي رب لا يظلم أحدا، وليس أمامه تمايز في القوى. إن القوة التي تستمدها من جنسيتك أو بلدك ستذهب لأنك ستحشر ولك ليس في بلدك وستوقف أمام الله وليست معك جنسيتك، ولكن بين يدي رب لا يظلم أحدا. ليتذكر المسؤول الإداري مهما كانت منزلته، مهما كانت مسئوليته: أنه عندما يجور على موظف بنقل تعسفي. أو جور إداري وهو مطمئن إلى أن هذا الموظف لا يستطيع أن ينتصف منه في الدنيا. وأن المسؤول الأعلى وإن علا مصدق له مكذب للموظف المسكين. ليتذكر أن هذا يدور في أرض لا يعزب عن الله فيها شيء، وأن هذا التفاوت في القوة سينتهي وينمحي وستوقف أنت وإياه بين يدي رب لا يظلم أحد.
الطالب المجتهد
01-29-2010, 10:59 AM
قد لا تفضي إليك العقوبة في الدنيا، قد تنال ترقياتك كاملة ورواتبك موفاة وتنال تقاعدك أو تأمينك بانتظام، بل وتموت من غير عاهة مستعصية، ولكن كل ذلك لا يعني أنك قد أفلت من عقوبة. التاجر الذي يستغل ذكائه التجاري فيدلس على محتاج أتى إلى سلعة: ويستغل عبارة ركيكة مكتوبة في آخر الوصفة (البضاعة التي تشترى لا ترد ولا تستبدل). ينبغي أن يتذكر أن هناك موقفا لا تجديه فيه هذه الورقة، ولا ينفعه فيه الذكاء التجاري لأنه موقف بين يدي علام الغيوب المطلع على السر وأخفى. ليتذكر كل من يتمتع بأي مظهر من مظاهر هذه القوة: أن هذه القوة وإن كثرت وقويت فهي تنتهي سريعا وتمضي جميعا. والعبرة بالمثول بين يدي رب تنتهي كل موازين القوى أمامه جل وتقدس وتعالى. أما أنت أيها المظلوم فتذكر أن الله ناصرك لا محالةَ لأنك في ملكِ من حرم الظلمَ على نفسه، وحرمَه بين عباده، وسينتهي بك المصيرُ إلى يومٍ يقتصُ اللهُ فيه للشاة الجماء من الشاة القرناء، فكيف بك أنت! لن يفوت شيء من حقك في الآخرة وإن فات في الدنيا. الوقفة الثالثة: أن هذا المعنى وهو انتظار الجزاء الأخروي كما هو دافع رهبة فهو دافع رغبة. توفي زين العابدين على أبن الحسين، فلما وضع على لوح الغسل وجد المغسلون في أكتافه ندوبا سوداء، فتفكروا ! مما أتت هذه الندوب في ظهر هذا الرجل الصالح؟ وأكتشف الأمر بعد، لقد كان هذا العابد يستتر بظلمة الليل وحلكة الظلام ينقل أكياس الطعام إلى أسر فقيرة لا يدرون من الذي كان يأتيهم بها، عرفوا بعدما مات فانقطعت تلك الصلة من الطعام. ما الذي يحمل زيد العابدين على أن يتوارى بعمل الخير ويستتر به ؟ إن الذي يحمله على ذلك انتظار الجزاء الأخروي، يريد أن يوافي ربه بأجره موفورا. وكذا كل منا عليه أن يجعل بينه وبين ربه معاملة خاصة سر بينه وبين الله يجهد جهده أن لا يطلع عليها أحد من الخلق حتى يوافي ربه بعمل يستوفي جزاءه منه. الوقفة الأخيرة: وما هي بأخيرة، أن في استحضار هذا الأمر مدد للسائرين في طريق العمل للدين والدعوة إلى الله. إن الذي يشخص ببصره إلى الجزاء الأخروي ينظر إلى العوائق فإذا هي يسيرة. وإلى الصعوبات فإذا هي هينة. وإلى الضيق فإذا هو سعة لأنه ينتظر جزاء أتم وأوفى. قتل مصعب أبن عمير، وقتل حمزة أبن عبد المطلب فلم يوجد ما يوارى به أحدهم إلا بردة إن غطي بها رأسه بدت رجلاه وإن غطيت بها رجلاه بدأ رأسه، فأمر نبيك (صلى الله عليه وسلم) أن تغطى رؤوسهما وأن يوضع على أرجلهما من ورق الشجر. هكذا انتهت حياة العمل للدين من غير أن يتعجل شيء من أجورهم أو يروا شيئا من جزائهم. ولكن عند الله الموعد وعنده الجزاء الأوفى.
vBulletin® v3.8.4, Copyright ©2000-2026, Jelsoft Enterprises Ltd.