عاشقة فلسطين..
10-20-2009, 09:43 AM
قصة ياسر عرفات - الكتاب الأمريكيون جافوه والفرنسون أحبوه لكن العرب ظلّوا منقسمين حوله - رياض الصيداوي
انشغلت منذ بضعة أشهر بالبحث والتنقيب في شخصية ياسر عرفات لغرض تأليف كتاب حوله. استهوتني هذه الشخصية التي أصبحت رمزا للقضية الفلسطينية. فأبو عمار أكثر من قائد يقود الرجال في المعركة لأنه ببساطة فاق الدور الذي رسمه لنفسه ليتحول إلي رمز لآلام شعبه ورمز لتطلعاته إلي الحرية والاستقلال. واعترف أن ياسر عرفات لم يكن يستهويني كثيرا في الماضي حيث كانت شخصية جورج حبش أقرب إلي قلبي وفكري. وأذكر أنني التقيت بـ الحكيم في تونس وأجريت معه حوارا بداية سنة 1991، أي قبل قصف بغداد من قبل قوات التحالف ببضعة أسابيع. ومازلت احتفظ بالتسجيل للتاريخ. وأذكر أن حبش قال لي بالحرف الواحد نحن الآن مع أبي عمار في خندق واحد. ومن المفيد التذكير بأن الرجل نافس عرفات طويلا علي قيادة الثورة الفلسطينية، وكان تنافسهما شريفا ومبدئيا. وسوف يذكر التاريخ للحكيم كيف حذر أبا عمار ذات مرة من محاولة اغتيال دبرتها له دولة عربية، فأنقذه من موت محقق. وسوف يذكر التاريخ للحكيم أنه فهم المرحلة السياسية التي تخوضها الثورة الفلسطينية وأدرك معني انهيار الاتحاد السوفييتي ونهاية الحرب الباردة.. فوصل إلي نتيجة ضرورة ترك أبي عمار يقود السفينة وتنحي عن الطريق بصمت وشجاعة وأنهي مرحلة التنافس بشرف. لقد نشأت علاقة احترام وحب بين الطرفين منذ بداية الكفاح والتزم كل منهما خطا أحمر لا يتجاوزه في صراعه مع الآخر. أما رفاق أبي عمار الآخرين الذين اتهموه مرة بـ الخيانة ومرة أخري بـ ترك الخنادق من أجل الفنادق .. وزايدوا عليه ثورياً ، فإن صوتهم اختفي الآن كما أن بنادقهم التي رهنوها لدول عربية شقيقة لم تطلق رصاصها.. وحده أبو عمار واصل الكفاح مستخدما كل الأساليب المتاحة: الكفاح المسلح تارة، والتفاوض تارة أخري، ثم أخيرا سلاح الانتفاضة.
محترف الكاميرا
لقد رأيت ياسر عرفات لأول مرة في تونس في فندق أميلكار في بداية التسعينيات. وأذكر اني حضرت الندوة الصحفية التي أقامها مع وزيرة الخارجية آنئذ مادلين أولبرايت في مقر السفارة الأمريكية في جنيف منذ بضع سنين خلت. وشد انتباهي الحشد الهائل من الصحافيين والإعلاميين الذين حضروها. فأبو عمار محترف أمام كاميرات التلفزيون وعدسات المصورين. والمرة الأخيرة التي رأيته فيها كانت في منتجع دافوس السياحي في سويسرا أثناء مؤتمر دافوس العالمي. عام 2000. وكنت أغطي المؤتمر لتلفزيون عربي. وأذكر أن كاميرات صحافيي ومصوري العالم جميعا قد تركت رؤساء الدول ورؤساء الحكومات ورؤساء الشركات الكبري لترابط أمام الفندق الصغير الذي وصل إليه عرفات.
وأقر أن كتبا كثيرة كتبت عن عرفات، حيث تميزت الكتب الأمريكية ببعض الجفاء تجاهه في حين عامله الكتاب الفرنسيون بتعاطف كبير وإعجاب واضح وانقسم الكتاب العرب الذين تناولوه بين هجاء ومدح حسب مصالح دولهم!
قدر مع الحياة
ولأبي عمار قصة أخري مع ثنائية الموت والحياة ، فالرجل شارف علي الموت مرات كثيرة في حياته ولكنه ينجو كل مرة منها بقدر ومعجزة إلهيين. فلا محاولات الاغتيال تمكنت منه برغم أنها حصدت أرواح رفاقه المخلصين من أبي جهاد إلي أبي أياد، ولا حتي حادث سقوط طائرته في الصحراء الليبية مسه بسوء.. برغم أنه حادث يندر النجاة منه، كل مرة يعيش بمعجزة مستجيباً لقدره في أن يحيا ويواصل مسيرة كفاحه من أجل فلسطين.
وهو اليوم محاصر من قبل دبابات شارون، مغضوب عليه أمريكيا، متجاهل من قبل أغلب الحكومات العربية..ويواجه كل ذلك بعناد وصبر كبيرين. فالرجل تعود علي الحصار وخرج منه دائما سالما أكثر عزما منه من قبل. وكثيرا ما كان حصار الأشقاء أشد مرارة علي قلبه من حصار الأعداء. والذين يراهنون علي عزله وتعويضه بأحد مساعديه يعيشون وهما كبيرا لأن من يحاول أن يأخذ مكان عرفات وهو مازال حي يرزق ينتحر بنفسه أمام الشعب الفلسطيني. ونذكر جميعا منذ بضعة أيام خلت كيف غضب الزعيم علي قائد جهاز الأمن الوقائي بالضفة الغربية، جبريل الرجوب، وشهر مسدسه في وجهه.. وكيف عاد إليه هذا الأخير مؤديا التحية العسكرية وواضعا نفسه تحت إمرته كجندي تحت تصرف قائده. وصفح عنه أبو عمار كما صفح عن كثيرين من قبله.
أبو عمار المقاتل
في بداية شبابه، لم يكن ياسر عرفات يؤمن بسبيل آخر لتحرير فلسطين غير الكفاح المسلح. وقد شارك في القتال مبكرا برغم صغر سنه. أعرض الآن مشهد أول معركة مسلحة يخوضها أبو عمار.
كلف القائد المصري الذي يقود كتيبة طلبة متطوعين للقتال في فلسطين سنة 1948 طالبا فلسطينيا اسمه محمد ياسر القدوة بمهمة إطلاق قذيفة مورتر علي أول مصفحة تتصدر الرتل الإسرائيلي قريبا من مدينة غزة. كان الكمين محكما وكانت مهمة الطالب الفلسطيني ستكون الأكثر حسما في نتيجة المعركة. تقدمت المصفحات وأطلق محمد ياسر القذيفة وأصابت الهدف وتوقف الرتل وتعالي الدخان الذي كان كثيفا..فسهلت مهمة المقاتلين في المعركة. كانت أول حربا مسلحة يخوضها من سيصبح اسمه في ما بعد ياسر عرفات أو أبا عمار. كان الشاب يؤمن إيمانا عميقا بأن طرد اليهود لن يتم إلا عبر القوة المسلحة.
خيبة الأمل
لكن الضابط المصري الكبير الذي جاءهم باسم تحرير فلسطين تقدم من عرفات ورفاقهم وطلب منهم تسليم أسلحتهم. علق عرفات لاحقا علي الحدث قائلا لا يمكنني أبدا أن أنسي ذلك المشهد. كنت في غزة حينما جاء ضابط مصري إلي مجموعتي وطلب منا أن نلقي بالسلاح. في البداية لم أكن أصدق ما أسمع. قلنا للضابط: لماذا ؟ فأجابنا الضابط بأن ذلك أمر من الجامعة العربية. كان احتجاجنا بلا صدي إجابي. وأعطاني الضابط وصل تسلم لبندقيتي مع وعد بإعادتها لي بعد انتهاء الحرب . انتشر الكلام عاليا لدي الفلسطينيين الذين قالوا إن عدوهم الأول بعد الإسرائيليين هم العرب أنفسهم. فقد انسحبت جيوشهم جميعا من المواقع التي احتلوها وحتي من مواقع كانت محررة من قبل بسبب قرار التقسيم. فباستثناء الجيش الأردني الذي حافظ علي الجزء العربي من القدس فقد تراجع البقية..كان الجميع يهتف علنا أم همسا: خيانة! بعد أربع سنوات فقط جاء جمال عبد الناصر إلي الحكم في مصر ليؤكد رأي الفلسطينيين في أن ما حدث كان خيانة وتحدث عبد الناصر طويلا عن الأسلحة الفاسدة وعن المرارة التي كان يشعر بها الضباط المصريون المحاصرون بسبب خيانة قيادتهم في القاهرة.
وكان الأمين العام للجامعة العربية عبد الرحمن عزام في المشهد أيضا فقد أعلنت جامعته يوم 10 يونيو (حزيران) عام 1948 وقفا لإطلاق النار مدة ثلاثين يوما. خرج يومها عزام باشا من مكتبه متمتما لن يغفر لنا الشعب العربي أبدا ما فعلناه لفلسطين .
المهم، أن الشاب عرفات تأكد له أن تحرير فلسطين لن يتم إلا عن طريق الفلسطينيين أنفسهم وأن العرب، باستثناء الدعم الكلامي أو بعض الأموال، لن يقدموا لفلسطين كثيرا. وعادت به الأيام إلي طفولة بعيدة في أحد أحياء القاهرة المزدحمة.
من هو ومن أين جاء؟
الاسم الرسمي المسجل لابي عمار في دفتر الحالة المدنية هو محمد ياسر القدوة حيث تمت ولادته في مدينة القاهرة يوم السبت 29 أغسطس 1929. وهي السنة التي اشتد فيها القتال بين المقاومين العرب الفلسطينيين من جهة وقوات الاحتلال البريطاني وحلفائها من اليهود من جهة أخري. ولكن ما الذي دفع بعبد الرؤوف القدوة والد ياسر عرفات إلي الانتقال إلي مدينة القاهرة بدل العيش في فلسطين ؟ هناك إجابتان شائعتان: الأولي تقول ان رحيله كان بسبب طرد البريطانيين له ونفيه لما أبداه من أنشطة نضالية في مقاومتهم. أما الثانية، وهي الأكثر خبثا، فتقول ان السبب الحقيقي هو بيع والد عرفات لأراضيه لليهود نظرا للأسعار المغرية التي عرضوها عليه. كان الرجل ميسورا فهو تاجر معروف ولكنه اختار تأسيس مشروع آخر في القاهرة يتمثل في مصنع للأجبان. عوائد هذا المصنع وأرباحه كانت تذهب إلي فلسطين لدعم المقاومة والعائلات الفقيرة. من المؤكد أن عبد الرؤوف القدوة كان شديد الكرم ولم يكن تاجرا جشعا لا تهمه إلا مصلحته الخاصة. وكان ترتيب عرفات السادس في عائلة تتكون من سبعة أبناء. أمه تسمي زهوة (الاسم الذي أطلقه عرفات علي ابنته لاحقا)، وهي امرأة متحدرة من عائلة أبي سعود القاطنة بالقدس. وتتميز بخصال حميدة منها قوة الشخصية وحرارة التواصل مع الآخرين. أما أبيه فينتمي إلي فرع الحسيني بغزة علي عكس الشيخ أمين الحسيني الذي ينتمي إلي الفرع الأقوي المتمركز في مدينة القدس.
أبو عمار إذن قاهري المولد، نسبة إلي مدينة القاهرة، نشأ في أحيائها وأزقتها وهو ما أكسبه حب مصر مبكرا والالتجاء إليها كلما عاش موقفا صعبا يبحث فيه عن من ينجده. كما عاش طفولة غير عادية حيث استهواه النضال مبكرا وسرق منه كل سنوات عمره: الطفولة والمراهقة والشباب والكهولة ولم يتفطن لضرورة الزواج إلا وهو شيخ تجاوز الستين.
http://files.shabab.ps/vb/images_cash/up11/091020074317vpqw.jpg
انشغلت منذ بضعة أشهر بالبحث والتنقيب في شخصية ياسر عرفات لغرض تأليف كتاب حوله. استهوتني هذه الشخصية التي أصبحت رمزا للقضية الفلسطينية. فأبو عمار أكثر من قائد يقود الرجال في المعركة لأنه ببساطة فاق الدور الذي رسمه لنفسه ليتحول إلي رمز لآلام شعبه ورمز لتطلعاته إلي الحرية والاستقلال. واعترف أن ياسر عرفات لم يكن يستهويني كثيرا في الماضي حيث كانت شخصية جورج حبش أقرب إلي قلبي وفكري. وأذكر أنني التقيت بـ الحكيم في تونس وأجريت معه حوارا بداية سنة 1991، أي قبل قصف بغداد من قبل قوات التحالف ببضعة أسابيع. ومازلت احتفظ بالتسجيل للتاريخ. وأذكر أن حبش قال لي بالحرف الواحد نحن الآن مع أبي عمار في خندق واحد. ومن المفيد التذكير بأن الرجل نافس عرفات طويلا علي قيادة الثورة الفلسطينية، وكان تنافسهما شريفا ومبدئيا. وسوف يذكر التاريخ للحكيم كيف حذر أبا عمار ذات مرة من محاولة اغتيال دبرتها له دولة عربية، فأنقذه من موت محقق. وسوف يذكر التاريخ للحكيم أنه فهم المرحلة السياسية التي تخوضها الثورة الفلسطينية وأدرك معني انهيار الاتحاد السوفييتي ونهاية الحرب الباردة.. فوصل إلي نتيجة ضرورة ترك أبي عمار يقود السفينة وتنحي عن الطريق بصمت وشجاعة وأنهي مرحلة التنافس بشرف. لقد نشأت علاقة احترام وحب بين الطرفين منذ بداية الكفاح والتزم كل منهما خطا أحمر لا يتجاوزه في صراعه مع الآخر. أما رفاق أبي عمار الآخرين الذين اتهموه مرة بـ الخيانة ومرة أخري بـ ترك الخنادق من أجل الفنادق .. وزايدوا عليه ثورياً ، فإن صوتهم اختفي الآن كما أن بنادقهم التي رهنوها لدول عربية شقيقة لم تطلق رصاصها.. وحده أبو عمار واصل الكفاح مستخدما كل الأساليب المتاحة: الكفاح المسلح تارة، والتفاوض تارة أخري، ثم أخيرا سلاح الانتفاضة.
محترف الكاميرا
لقد رأيت ياسر عرفات لأول مرة في تونس في فندق أميلكار في بداية التسعينيات. وأذكر اني حضرت الندوة الصحفية التي أقامها مع وزيرة الخارجية آنئذ مادلين أولبرايت في مقر السفارة الأمريكية في جنيف منذ بضع سنين خلت. وشد انتباهي الحشد الهائل من الصحافيين والإعلاميين الذين حضروها. فأبو عمار محترف أمام كاميرات التلفزيون وعدسات المصورين. والمرة الأخيرة التي رأيته فيها كانت في منتجع دافوس السياحي في سويسرا أثناء مؤتمر دافوس العالمي. عام 2000. وكنت أغطي المؤتمر لتلفزيون عربي. وأذكر أن كاميرات صحافيي ومصوري العالم جميعا قد تركت رؤساء الدول ورؤساء الحكومات ورؤساء الشركات الكبري لترابط أمام الفندق الصغير الذي وصل إليه عرفات.
وأقر أن كتبا كثيرة كتبت عن عرفات، حيث تميزت الكتب الأمريكية ببعض الجفاء تجاهه في حين عامله الكتاب الفرنسيون بتعاطف كبير وإعجاب واضح وانقسم الكتاب العرب الذين تناولوه بين هجاء ومدح حسب مصالح دولهم!
قدر مع الحياة
ولأبي عمار قصة أخري مع ثنائية الموت والحياة ، فالرجل شارف علي الموت مرات كثيرة في حياته ولكنه ينجو كل مرة منها بقدر ومعجزة إلهيين. فلا محاولات الاغتيال تمكنت منه برغم أنها حصدت أرواح رفاقه المخلصين من أبي جهاد إلي أبي أياد، ولا حتي حادث سقوط طائرته في الصحراء الليبية مسه بسوء.. برغم أنه حادث يندر النجاة منه، كل مرة يعيش بمعجزة مستجيباً لقدره في أن يحيا ويواصل مسيرة كفاحه من أجل فلسطين.
وهو اليوم محاصر من قبل دبابات شارون، مغضوب عليه أمريكيا، متجاهل من قبل أغلب الحكومات العربية..ويواجه كل ذلك بعناد وصبر كبيرين. فالرجل تعود علي الحصار وخرج منه دائما سالما أكثر عزما منه من قبل. وكثيرا ما كان حصار الأشقاء أشد مرارة علي قلبه من حصار الأعداء. والذين يراهنون علي عزله وتعويضه بأحد مساعديه يعيشون وهما كبيرا لأن من يحاول أن يأخذ مكان عرفات وهو مازال حي يرزق ينتحر بنفسه أمام الشعب الفلسطيني. ونذكر جميعا منذ بضعة أيام خلت كيف غضب الزعيم علي قائد جهاز الأمن الوقائي بالضفة الغربية، جبريل الرجوب، وشهر مسدسه في وجهه.. وكيف عاد إليه هذا الأخير مؤديا التحية العسكرية وواضعا نفسه تحت إمرته كجندي تحت تصرف قائده. وصفح عنه أبو عمار كما صفح عن كثيرين من قبله.
أبو عمار المقاتل
في بداية شبابه، لم يكن ياسر عرفات يؤمن بسبيل آخر لتحرير فلسطين غير الكفاح المسلح. وقد شارك في القتال مبكرا برغم صغر سنه. أعرض الآن مشهد أول معركة مسلحة يخوضها أبو عمار.
كلف القائد المصري الذي يقود كتيبة طلبة متطوعين للقتال في فلسطين سنة 1948 طالبا فلسطينيا اسمه محمد ياسر القدوة بمهمة إطلاق قذيفة مورتر علي أول مصفحة تتصدر الرتل الإسرائيلي قريبا من مدينة غزة. كان الكمين محكما وكانت مهمة الطالب الفلسطيني ستكون الأكثر حسما في نتيجة المعركة. تقدمت المصفحات وأطلق محمد ياسر القذيفة وأصابت الهدف وتوقف الرتل وتعالي الدخان الذي كان كثيفا..فسهلت مهمة المقاتلين في المعركة. كانت أول حربا مسلحة يخوضها من سيصبح اسمه في ما بعد ياسر عرفات أو أبا عمار. كان الشاب يؤمن إيمانا عميقا بأن طرد اليهود لن يتم إلا عبر القوة المسلحة.
خيبة الأمل
لكن الضابط المصري الكبير الذي جاءهم باسم تحرير فلسطين تقدم من عرفات ورفاقهم وطلب منهم تسليم أسلحتهم. علق عرفات لاحقا علي الحدث قائلا لا يمكنني أبدا أن أنسي ذلك المشهد. كنت في غزة حينما جاء ضابط مصري إلي مجموعتي وطلب منا أن نلقي بالسلاح. في البداية لم أكن أصدق ما أسمع. قلنا للضابط: لماذا ؟ فأجابنا الضابط بأن ذلك أمر من الجامعة العربية. كان احتجاجنا بلا صدي إجابي. وأعطاني الضابط وصل تسلم لبندقيتي مع وعد بإعادتها لي بعد انتهاء الحرب . انتشر الكلام عاليا لدي الفلسطينيين الذين قالوا إن عدوهم الأول بعد الإسرائيليين هم العرب أنفسهم. فقد انسحبت جيوشهم جميعا من المواقع التي احتلوها وحتي من مواقع كانت محررة من قبل بسبب قرار التقسيم. فباستثناء الجيش الأردني الذي حافظ علي الجزء العربي من القدس فقد تراجع البقية..كان الجميع يهتف علنا أم همسا: خيانة! بعد أربع سنوات فقط جاء جمال عبد الناصر إلي الحكم في مصر ليؤكد رأي الفلسطينيين في أن ما حدث كان خيانة وتحدث عبد الناصر طويلا عن الأسلحة الفاسدة وعن المرارة التي كان يشعر بها الضباط المصريون المحاصرون بسبب خيانة قيادتهم في القاهرة.
وكان الأمين العام للجامعة العربية عبد الرحمن عزام في المشهد أيضا فقد أعلنت جامعته يوم 10 يونيو (حزيران) عام 1948 وقفا لإطلاق النار مدة ثلاثين يوما. خرج يومها عزام باشا من مكتبه متمتما لن يغفر لنا الشعب العربي أبدا ما فعلناه لفلسطين .
المهم، أن الشاب عرفات تأكد له أن تحرير فلسطين لن يتم إلا عن طريق الفلسطينيين أنفسهم وأن العرب، باستثناء الدعم الكلامي أو بعض الأموال، لن يقدموا لفلسطين كثيرا. وعادت به الأيام إلي طفولة بعيدة في أحد أحياء القاهرة المزدحمة.
من هو ومن أين جاء؟
الاسم الرسمي المسجل لابي عمار في دفتر الحالة المدنية هو محمد ياسر القدوة حيث تمت ولادته في مدينة القاهرة يوم السبت 29 أغسطس 1929. وهي السنة التي اشتد فيها القتال بين المقاومين العرب الفلسطينيين من جهة وقوات الاحتلال البريطاني وحلفائها من اليهود من جهة أخري. ولكن ما الذي دفع بعبد الرؤوف القدوة والد ياسر عرفات إلي الانتقال إلي مدينة القاهرة بدل العيش في فلسطين ؟ هناك إجابتان شائعتان: الأولي تقول ان رحيله كان بسبب طرد البريطانيين له ونفيه لما أبداه من أنشطة نضالية في مقاومتهم. أما الثانية، وهي الأكثر خبثا، فتقول ان السبب الحقيقي هو بيع والد عرفات لأراضيه لليهود نظرا للأسعار المغرية التي عرضوها عليه. كان الرجل ميسورا فهو تاجر معروف ولكنه اختار تأسيس مشروع آخر في القاهرة يتمثل في مصنع للأجبان. عوائد هذا المصنع وأرباحه كانت تذهب إلي فلسطين لدعم المقاومة والعائلات الفقيرة. من المؤكد أن عبد الرؤوف القدوة كان شديد الكرم ولم يكن تاجرا جشعا لا تهمه إلا مصلحته الخاصة. وكان ترتيب عرفات السادس في عائلة تتكون من سبعة أبناء. أمه تسمي زهوة (الاسم الذي أطلقه عرفات علي ابنته لاحقا)، وهي امرأة متحدرة من عائلة أبي سعود القاطنة بالقدس. وتتميز بخصال حميدة منها قوة الشخصية وحرارة التواصل مع الآخرين. أما أبيه فينتمي إلي فرع الحسيني بغزة علي عكس الشيخ أمين الحسيني الذي ينتمي إلي الفرع الأقوي المتمركز في مدينة القدس.
أبو عمار إذن قاهري المولد، نسبة إلي مدينة القاهرة، نشأ في أحيائها وأزقتها وهو ما أكسبه حب مصر مبكرا والالتجاء إليها كلما عاش موقفا صعبا يبحث فيه عن من ينجده. كما عاش طفولة غير عادية حيث استهواه النضال مبكرا وسرق منه كل سنوات عمره: الطفولة والمراهقة والشباب والكهولة ولم يتفطن لضرورة الزواج إلا وهو شيخ تجاوز الستين.
http://files.shabab.ps/vb/images_cash/up11/091020074317vpqw.jpg