قاهر الصعاب
08-24-2009, 11:31 AM
النية في الصيام
نسيت نية الصيام بالليل، ثم تذكرت بعد الفجر أنني لم أنو. فهل يصح صومي؟
الإجابة لفضيلة الشيخ عطية صقر -رئيس لجنة الفتوى بالأزهر سابقًا-
النية للصوم لا بد منها، ولا يصح بدونها، وأكثر الأئمة يشترط أن تكون لكل يوم نية، واكتفى بعضهم بنية واحدة في أول ليلة من رمضان عن الشهر كله، وقتها من غروب الشمس إلى طلوع الفجر، فإذا نوى الإنسان الصيام في أية ساعة من ساعات الليل كانت النية كافية، ولا يضره أن يأكل أو يشرب بعد النية ما دام ذلك كله قبل الفجر، روى أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه والترمذي أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "من لم يجمع الصيام قبل الفجر فلا صيام له".
ولا يشترط التلفظ بالنية، فإن محلها القلب، فلو عزم بقلبه على الصيام كفى ذلك، حتى لو تسحَّر بنية الصيام، أو شرب حتى لا يشعر بالعطس في أثناء النهار كان ذلك نية كافية، فمن لم يحصل منه ذلك في أثناء الليل لم يصح صومه، وعليه القضاء. هذا في صوم رمضان، أما صوم التطوع فتصح نيته نهارًا قبل الزوال
تبدل النية
هل يفسد صوم من نوى الإفطار؟
يجيب الدكتور عبد الكريم زيدان - أستاذ الشريعة الإسلامية -حفظه الله-:
من نوى الإفطار، فقد فسد صومه وأفطر:
ظاهر مذهب الحنابلة أن من نوى الإفطار فقد افطر، وهو قول الشافعي، وأبي ثور، وأصحاب الرأي، إلا أن أصحاب الرأي - أي الحنفية - قالوا: إن عاد فنوى قبل أن ينتصف النهار أجزأه، بناء على أصلهم أن الصوم يجزئ بنية من النهار.
وحكي عن ابن حامد من الحنابلة أن الصوم لا يفسد بذلك؛ لأنه عبادة يلزم المضي في فاسدة فلم تفسد بنية الخروج منها كالحج.
إلا أن الإمام ابن قدامة الحنبلي - رحمة الله تعالى - ردّ على قول ابن حامد: بأن الصوم عبادة من شرطها النية، فتفسد بنية الخروج منها كالصلاة؛ ولأن الأصل اعتبار النية في جميع أجزاء العبادة، ولكن لما شق اعتبار حقيقتها اعتبر بقاء حكمها، وهو أن لا ينوي قطعها، فإذا نواه زالت حقيقة وحكمًا فيفسد الصوم، لزوال شرطه، ولا يصح القياس على الحج، فإنه يصح بالنية المطلقة والمبهمة، وبالنية عن غيره إذا لم يكن حج عن نفسه فافترقا
النوم في نهار رمضان
هل كثرة النوم في نهار رمضان تبطل الصيام مع أنني أحافظ على أداء الصلوات في أوقاتها؟
يجيب فضيلة الشيخ عطية صقر -رئيس لجنة الفتوى بالأزهر سابقًا-
شهر رمضان شهر عبادة ليلاً ونهارًا؛ أما بالليل فبالقيام بصلاة التراويح وقراءة القرآن، وأما بالنهار فبالصيام، والجزاء على ذلك وردت فيه نصوص كثيرة، وفي حديث واحد جمع ثواب الصيام والقرآن، فقال -صلى الله عليه وسلم-: "الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام: يا رب منعته الطعام والشهوة بالنهار فشفعني فيه، ويقول القرآن: منعته النوم بالليل فشفعني فيه فيشفعان" -رواه أحمد والطبراني والحاكم وصححه-، ولو نام الصائم طول النهار فصيامه صحيح، وليس حرامًا عليه أن ينام كثيرًا ما دام يؤدي الصلوات في أوقاتها، وقد يكون النوم مانعًا له من التورط في أمور لا تليق بالصائم، وتتنافى مع حكمة مشروعية الصيام، وهي جهاد النفس ضد الشهوات والرغبات التي من أهمها شهوتا البطن وشهوة الفرج، ويدخل في الجهاد عدم التورط في المعاصي مثل الكذب والزور والغيبة، فقد صح في الحديث: "من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه" رواه البخاري. هذا ولم يصح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: نوم الصائم عبادة
حول المفطرات في رمضان
ما هو التفسير الحقيقي لمعنى "الأكل والشرب" الذي يبطل بهما الصيام؟ وهل من المبطلات: الحقن ووضع الإصبع في الأذن، والفحص المهبلي والتبرد بالماء والقيء؟
يجيب فضيلة الشيخ عطية صقر -رئيس لجنة الفتوى بالأزهر سابقًا-
قال تعالى في الصوم (فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ (. وروى الجماعة حديث صحابي قال للرسول -صلى الله عليه وسلم-: هلكت، فسأله "ما أهلكك"؟ قال: وقعت على امرأتي في رمضان، ثم بين له كيف يكفر عن ذلك كفارة عظمى.
تدل الآية والحديث على أن الصيام إمساك عن الطعام والشراب والاتصال الجنسي، وأن الذي يتناول طعامًا أو شرابًا أو يتصل اتصالاً جنسيًا فقد أفطر، أي بطل صومه، وقد أجمع الفقهاء على أنه يجب عليه قضاء ما أفطره، لأنه دين، ودين الله أحق بالقضاء كما ثبت في الحديث الصحيح، وإلى جانب القضاء تجب بالاتصال الجنسي خاصة كفارة عظمى، وهي عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينًا.
وذهب الفقهاء مذاهب شتى في تفسير الأكل والشرب، ثم فرَّعوا على ذلك تفريعات متعددة، والمتتبع لأقوالهم يرى أن معظمها مبني على اصطلاحات ومفهومات حافظت في نظرهم على الشكل الذي يتحقق به الأكل والشرب المبطل للصوم دون الاهتمام بالحكمة المقصودة من الصيام، وهي كف النفس عن أسباب وجودها الشخصي والنوعي مدة من الزمان، ليقوى سلطان العقل عليها، وتصمد إرادته أمام المغريات والشهوات، وليتحقق معنى قوله تعالى: (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) فقالوا: إن الأكل والشرب يتحققان بدخول أي شيء إلى الجوف، واختلفوا في هذا الشيء: هل هو عام أو خاص بما فيه غذاء وتلبية لشهوة النفس؟ كما اختلفوا في المراد بالجوف: هل هو المعدة التي تتلقى الأكل والشرب، أو هو ما استتر من جسم الإنسان عند النظر إليه، أو هو ما يحيل الغذاء والدواء؟.
وترتب على هذا أن بعضهم قال: إن إدخال الإصبع في الأذن يبطل الصوم، لأنه أكل أو في معنى الأكل، في الوقت الذي يقولون فيه: لو وصل الغذاء إلى الجسم وتقوَّى به عن طريق غير مفتوح بالطبع كالإبر الحديثة لا يبطل الصوم، ويجيء آخرون فيقولون: لو وصل دون الشعر إلى الحلق من خلال المسامّ بطل الصوم، مع أنه وصل من منفذ غير طبيعي، في الوقت الذي يقولون فيه: إدخال حقنة في الإحليل لا تفسد الصوم مع أن الإحليل منفذ مفتوح.
وفي إهمال مراعاة الحكمة في الصوم وإطلاق الأكل على ما يشمل ما هو بعيد عن معناه لغة وعرفًا جاءت هذه الأحكام المختلفة. ولهذا أختار من أقوال الفقهاء المعروفين وغيرهم ما يلي:
1. لا يبطل الصوم بوضع الإصبع في الأذن أو تنظيفها بقطنة أو بمحلول؛ لأن الطبلة لا تسمح بوصول شيء من ذلك إلى داخل الدماغ، والدماغ ليس عضوًا يتلقى غذاء يستفيد منه الجسم.
2. لا يبطل الصوم بالفحص المهبلي أو الكشف على البواسير الداخلية أو الكشف على اللوز بنحو ملعقة.
3. الحقنة الشرجية لا تبطل الصيام إلا إذا وصلت إلى المعدة.
4. إبر الدواء في الوريد أو العضل أو تحت الجلد لا يفطر بها الصائم، لأنها ليست غذاءً يغني من جوع أو يروي من عطش.
5. إبر التغذية "الجلوكوز ونحوه" تُعَدّ أكلاً عرفًا يفطر به الصائم؛ لأن من يأخذها يستغني بها عن الطعام مدة طويلة، فهي تشبعه كما يشبعه الأكل العادي؛ ذلك أن الأكل الذي يصل إلى المعدة بعد هضمه وامتصاصه يوزعه الدم إلى الجسم ويكفيه حاجته، وإبر التغذية أدخلت الغذاء إلى الدم دون حاجة إلى إمراره على المعدة والأجهزة الهاضمة الأخرى.
6. ترطيب الجسم بالماء البارد أو ترطيب الفم بالمضمضة لا يفسد الصوم؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- رُؤِيَ وهو يصب الماء على رأسه من الحر وهو صائم، كما روه أحمد وأبو داود والنسائي بإسناد صحيح، على أن الترطيب ليس فيه دخول الماء إلى الجوف، بل هو لمنع العرق الخارج لتلطيف حرارة الجلد وإبقائه لحاجة الجسم إليه في التقليل من الشعور بالعطش.
7. القيء: روي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال:" من ذرعه القيء -أي غلبه- فليس عليه قضاء، ومن استقاء عمدًا فليقض" -رواه أحمد وأصحاب السنن إلا النسائي-.
قال الفقهاء: إن القيء وهو ما يخرج من المعدة عن طريق الفم إن كان خروجه اضطراريًا فلا يفسد الصوم، وإن كان عن تعمد فسد الصوم.
وقال ابن مسعود وعكرمه وربيعة: إن القيء لا يفسد الصوم على أي حال، محتجين بحديث فيه مقال، وردوا على الفقهاء بأن الحديث الذي اعتمدوا عليه موقوف وليس مرفوعًا إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-، وقال البخاري: لا أراه محفوظًا، وقد روي من غير وجه، ولا يصح إسناده، وأنكره أحمد. واحتج الجمهور أيضًا بحديث آخر، لكن في سنده اضطراب لا تقوم به حجه.
وإذا لم يوجد حديث متفق على رفعه وصحته فالأمر متروك للاجتهاد، وقد وجد من يخالف الجمهور، ويمكن أن يقال: إن القيء ليس فيه أكل ولا شرب، بل فيه إخراج أكل وشرب لمنع ضرره بالجسم، فهل يلحق بالحجامة التي هي أخذ دم من الرأس ومثلها الفصد، وهو أخذ دم من غير الرأس؟ إن الجمهور يقولون بعدم بطلان الصيام بالحجامة والفصد؛ لأن حديث "أفطر الحاجم والمحجوم" لم يسلم من النقد، إن لم يكن من جهة السند فمن جهة الدلالة
نسيت نية الصيام بالليل، ثم تذكرت بعد الفجر أنني لم أنو. فهل يصح صومي؟
الإجابة لفضيلة الشيخ عطية صقر -رئيس لجنة الفتوى بالأزهر سابقًا-
النية للصوم لا بد منها، ولا يصح بدونها، وأكثر الأئمة يشترط أن تكون لكل يوم نية، واكتفى بعضهم بنية واحدة في أول ليلة من رمضان عن الشهر كله، وقتها من غروب الشمس إلى طلوع الفجر، فإذا نوى الإنسان الصيام في أية ساعة من ساعات الليل كانت النية كافية، ولا يضره أن يأكل أو يشرب بعد النية ما دام ذلك كله قبل الفجر، روى أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه والترمذي أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "من لم يجمع الصيام قبل الفجر فلا صيام له".
ولا يشترط التلفظ بالنية، فإن محلها القلب، فلو عزم بقلبه على الصيام كفى ذلك، حتى لو تسحَّر بنية الصيام، أو شرب حتى لا يشعر بالعطس في أثناء النهار كان ذلك نية كافية، فمن لم يحصل منه ذلك في أثناء الليل لم يصح صومه، وعليه القضاء. هذا في صوم رمضان، أما صوم التطوع فتصح نيته نهارًا قبل الزوال
تبدل النية
هل يفسد صوم من نوى الإفطار؟
يجيب الدكتور عبد الكريم زيدان - أستاذ الشريعة الإسلامية -حفظه الله-:
من نوى الإفطار، فقد فسد صومه وأفطر:
ظاهر مذهب الحنابلة أن من نوى الإفطار فقد افطر، وهو قول الشافعي، وأبي ثور، وأصحاب الرأي، إلا أن أصحاب الرأي - أي الحنفية - قالوا: إن عاد فنوى قبل أن ينتصف النهار أجزأه، بناء على أصلهم أن الصوم يجزئ بنية من النهار.
وحكي عن ابن حامد من الحنابلة أن الصوم لا يفسد بذلك؛ لأنه عبادة يلزم المضي في فاسدة فلم تفسد بنية الخروج منها كالحج.
إلا أن الإمام ابن قدامة الحنبلي - رحمة الله تعالى - ردّ على قول ابن حامد: بأن الصوم عبادة من شرطها النية، فتفسد بنية الخروج منها كالصلاة؛ ولأن الأصل اعتبار النية في جميع أجزاء العبادة، ولكن لما شق اعتبار حقيقتها اعتبر بقاء حكمها، وهو أن لا ينوي قطعها، فإذا نواه زالت حقيقة وحكمًا فيفسد الصوم، لزوال شرطه، ولا يصح القياس على الحج، فإنه يصح بالنية المطلقة والمبهمة، وبالنية عن غيره إذا لم يكن حج عن نفسه فافترقا
النوم في نهار رمضان
هل كثرة النوم في نهار رمضان تبطل الصيام مع أنني أحافظ على أداء الصلوات في أوقاتها؟
يجيب فضيلة الشيخ عطية صقر -رئيس لجنة الفتوى بالأزهر سابقًا-
شهر رمضان شهر عبادة ليلاً ونهارًا؛ أما بالليل فبالقيام بصلاة التراويح وقراءة القرآن، وأما بالنهار فبالصيام، والجزاء على ذلك وردت فيه نصوص كثيرة، وفي حديث واحد جمع ثواب الصيام والقرآن، فقال -صلى الله عليه وسلم-: "الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام: يا رب منعته الطعام والشهوة بالنهار فشفعني فيه، ويقول القرآن: منعته النوم بالليل فشفعني فيه فيشفعان" -رواه أحمد والطبراني والحاكم وصححه-، ولو نام الصائم طول النهار فصيامه صحيح، وليس حرامًا عليه أن ينام كثيرًا ما دام يؤدي الصلوات في أوقاتها، وقد يكون النوم مانعًا له من التورط في أمور لا تليق بالصائم، وتتنافى مع حكمة مشروعية الصيام، وهي جهاد النفس ضد الشهوات والرغبات التي من أهمها شهوتا البطن وشهوة الفرج، ويدخل في الجهاد عدم التورط في المعاصي مثل الكذب والزور والغيبة، فقد صح في الحديث: "من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه" رواه البخاري. هذا ولم يصح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: نوم الصائم عبادة
حول المفطرات في رمضان
ما هو التفسير الحقيقي لمعنى "الأكل والشرب" الذي يبطل بهما الصيام؟ وهل من المبطلات: الحقن ووضع الإصبع في الأذن، والفحص المهبلي والتبرد بالماء والقيء؟
يجيب فضيلة الشيخ عطية صقر -رئيس لجنة الفتوى بالأزهر سابقًا-
قال تعالى في الصوم (فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ (. وروى الجماعة حديث صحابي قال للرسول -صلى الله عليه وسلم-: هلكت، فسأله "ما أهلكك"؟ قال: وقعت على امرأتي في رمضان، ثم بين له كيف يكفر عن ذلك كفارة عظمى.
تدل الآية والحديث على أن الصيام إمساك عن الطعام والشراب والاتصال الجنسي، وأن الذي يتناول طعامًا أو شرابًا أو يتصل اتصالاً جنسيًا فقد أفطر، أي بطل صومه، وقد أجمع الفقهاء على أنه يجب عليه قضاء ما أفطره، لأنه دين، ودين الله أحق بالقضاء كما ثبت في الحديث الصحيح، وإلى جانب القضاء تجب بالاتصال الجنسي خاصة كفارة عظمى، وهي عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينًا.
وذهب الفقهاء مذاهب شتى في تفسير الأكل والشرب، ثم فرَّعوا على ذلك تفريعات متعددة، والمتتبع لأقوالهم يرى أن معظمها مبني على اصطلاحات ومفهومات حافظت في نظرهم على الشكل الذي يتحقق به الأكل والشرب المبطل للصوم دون الاهتمام بالحكمة المقصودة من الصيام، وهي كف النفس عن أسباب وجودها الشخصي والنوعي مدة من الزمان، ليقوى سلطان العقل عليها، وتصمد إرادته أمام المغريات والشهوات، وليتحقق معنى قوله تعالى: (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) فقالوا: إن الأكل والشرب يتحققان بدخول أي شيء إلى الجوف، واختلفوا في هذا الشيء: هل هو عام أو خاص بما فيه غذاء وتلبية لشهوة النفس؟ كما اختلفوا في المراد بالجوف: هل هو المعدة التي تتلقى الأكل والشرب، أو هو ما استتر من جسم الإنسان عند النظر إليه، أو هو ما يحيل الغذاء والدواء؟.
وترتب على هذا أن بعضهم قال: إن إدخال الإصبع في الأذن يبطل الصوم، لأنه أكل أو في معنى الأكل، في الوقت الذي يقولون فيه: لو وصل الغذاء إلى الجسم وتقوَّى به عن طريق غير مفتوح بالطبع كالإبر الحديثة لا يبطل الصوم، ويجيء آخرون فيقولون: لو وصل دون الشعر إلى الحلق من خلال المسامّ بطل الصوم، مع أنه وصل من منفذ غير طبيعي، في الوقت الذي يقولون فيه: إدخال حقنة في الإحليل لا تفسد الصوم مع أن الإحليل منفذ مفتوح.
وفي إهمال مراعاة الحكمة في الصوم وإطلاق الأكل على ما يشمل ما هو بعيد عن معناه لغة وعرفًا جاءت هذه الأحكام المختلفة. ولهذا أختار من أقوال الفقهاء المعروفين وغيرهم ما يلي:
1. لا يبطل الصوم بوضع الإصبع في الأذن أو تنظيفها بقطنة أو بمحلول؛ لأن الطبلة لا تسمح بوصول شيء من ذلك إلى داخل الدماغ، والدماغ ليس عضوًا يتلقى غذاء يستفيد منه الجسم.
2. لا يبطل الصوم بالفحص المهبلي أو الكشف على البواسير الداخلية أو الكشف على اللوز بنحو ملعقة.
3. الحقنة الشرجية لا تبطل الصيام إلا إذا وصلت إلى المعدة.
4. إبر الدواء في الوريد أو العضل أو تحت الجلد لا يفطر بها الصائم، لأنها ليست غذاءً يغني من جوع أو يروي من عطش.
5. إبر التغذية "الجلوكوز ونحوه" تُعَدّ أكلاً عرفًا يفطر به الصائم؛ لأن من يأخذها يستغني بها عن الطعام مدة طويلة، فهي تشبعه كما يشبعه الأكل العادي؛ ذلك أن الأكل الذي يصل إلى المعدة بعد هضمه وامتصاصه يوزعه الدم إلى الجسم ويكفيه حاجته، وإبر التغذية أدخلت الغذاء إلى الدم دون حاجة إلى إمراره على المعدة والأجهزة الهاضمة الأخرى.
6. ترطيب الجسم بالماء البارد أو ترطيب الفم بالمضمضة لا يفسد الصوم؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- رُؤِيَ وهو يصب الماء على رأسه من الحر وهو صائم، كما روه أحمد وأبو داود والنسائي بإسناد صحيح، على أن الترطيب ليس فيه دخول الماء إلى الجوف، بل هو لمنع العرق الخارج لتلطيف حرارة الجلد وإبقائه لحاجة الجسم إليه في التقليل من الشعور بالعطش.
7. القيء: روي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال:" من ذرعه القيء -أي غلبه- فليس عليه قضاء، ومن استقاء عمدًا فليقض" -رواه أحمد وأصحاب السنن إلا النسائي-.
قال الفقهاء: إن القيء وهو ما يخرج من المعدة عن طريق الفم إن كان خروجه اضطراريًا فلا يفسد الصوم، وإن كان عن تعمد فسد الصوم.
وقال ابن مسعود وعكرمه وربيعة: إن القيء لا يفسد الصوم على أي حال، محتجين بحديث فيه مقال، وردوا على الفقهاء بأن الحديث الذي اعتمدوا عليه موقوف وليس مرفوعًا إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-، وقال البخاري: لا أراه محفوظًا، وقد روي من غير وجه، ولا يصح إسناده، وأنكره أحمد. واحتج الجمهور أيضًا بحديث آخر، لكن في سنده اضطراب لا تقوم به حجه.
وإذا لم يوجد حديث متفق على رفعه وصحته فالأمر متروك للاجتهاد، وقد وجد من يخالف الجمهور، ويمكن أن يقال: إن القيء ليس فيه أكل ولا شرب، بل فيه إخراج أكل وشرب لمنع ضرره بالجسم، فهل يلحق بالحجامة التي هي أخذ دم من الرأس ومثلها الفصد، وهو أخذ دم من غير الرأس؟ إن الجمهور يقولون بعدم بطلان الصيام بالحجامة والفصد؛ لأن حديث "أفطر الحاجم والمحجوم" لم يسلم من النقد، إن لم يكن من جهة السند فمن جهة الدلالة