فارسة فلسطين
03-28-2006, 05:19 PM
]حدثّني بعد ، يا جدي ، عن فلسطين...
B]كنت قد جلست معه ، قربه ، أقول له : حدثني بعد يا جدي عن فلسطين... قال لي : مش عارف من وين أبداً.
لم تكوني قد ولدت بعد... أنت ماذا تريدي أن تعرفي بالضبط ؟ ... أقول لك أن فلسطين أحلى أرض ؟ ماذا تريدي أكثر؟ ...
يا جدي أخبرني ، كم كانت فلسطين جميلة ، هل كانت احلى من هذه الأرض ؟
إنت وين بتحكي يا جدي ؟ إيش تقولي ؟ فلسطين أحلى من أية أرض ، فيها الجرانك والفراولة ... فيها كل إشي.
كانت الدموع تغص في عينيه ، كان عندنا دونمات كثير... كنا نزرع الأرض بالبطيخ ، وكل شيء ونصدّر منها.
طيب ؟ كيف ضاعت منا يا جدي ...؟ كيف...
نظر إلى الطبيعة وقال : والله لو كان الأمر متروك لنا لما دخله يهودي !
طيب ليش ؟ ما كان في عندكم ذخيرة ...؟؟؟ إستنفرت كل القوى العربية وما حد ساعدكم ؟
آخ يا جدي ، إيش أقول لك ؟ ما حد ساعدنا ، ساعدوهم ، ممكن ، بس ساعدونا ! أبداً
تركوا بيوتهم في يافا ، تركوا الطبيخ على النار ، على أمل أن القوات العربية ستدخل وستنقذنا .
بيوتنا سكنها غيرنا . أخبار المجازر تتوارد إلينا ، لم نكن نخاف ، كنا صامدين ...
نزلت دمعة على خده .ولكن لم يبق منا إلا قليل كي يدافع...بلا ذخائر ، بلا رجال يتمنون الجنة.
ظل يحكي جدي ، حتى وجدت غصة في كلامه ورأيته يبكي . جدي الذي هو بالنسبة لي رمز القوة ، كان يبكي بحرقة . ركضت إليه بمحرمة ، وقلت له : لا تبكِ يا جدي ، لا تبكِ ... يا جدي ، أنت بالنسبة لي كل شيء ، بالله عليك لا تبكِ. أتعرف شيئاً ؟ أنا لم أطلب منك أن تحكي لي عن فلسطين إلا كي أقول لك شيئاً واحداً : نحن لن ننسى هذه الأرض. نحن صغار ولكننا عندما نكبر ، نريد أن نذهب لفلسطين ، نريد أن نحررها حتى آخر شبر .
وحياتك لن ننساها ، وحياة هذه الدموع الغالية ، لن أنسى فلسطين . يا جدي ، أنا لم أشأ أن أجعلك تبكي !
يعزّ علي بكاؤك أمامي . يا جدي ، أين مفتاح دارنا ؟
أخرج من جيبته صرّة صغيرة ، إبتسم وهو يبكي . فتح الصرّة وأعطاني مفتاحاً كبيراً ، وقال : هذا مفتاح البوابة الكبيرة ، ورائها الحديقة وهناك البيت ، تجدي مفتاح الدار قرب العتبة . لا تفرّطي في الدار، أرجوك لا تتركيها. ورجع يبكي.
صرت أقبّله وأمسح عبراته.
....
توفي جدي وكان عمري ستةعشر ربيعاً . أظلمت الدنيا في وجهي . لم أكن لأنساه ، شكله ، لحيته البيضاء ، كلامه الحنون وحديثه عن فلسطين : فلسطين الواقع ثم فلسطين الحلم ...
فلسطين التي تحيا فينا مع كل نبضة قلب، فلسطين التي نتنشقها مع الهواء ونشربها مع كل قطرة ماء....
أحببت الشيخ أحمد ياسين بعد جدي ، لأن شيئاً فيه كان يشبه جدي . جدي كان يحترمه ، يحترم بقاءه في أرضه ودفاعه عنها حتى عندما فقد كل حركة في جسده. كانت صوته المبحوح وكلماته تجسد واقعاً وأملاً نريد أن نحققه كلنا ، كل الفلسطينيين ، في المنفى وعلى أرض الوطن فلسطين.
عندما استشهد الشيخ أحمد ياسين أحسست أني فقدت جدي مرة أخرى . تماسكت ، قلت هناك الدكتور الرنتيسي ، بقي لدينا أسد فلسطين. بعد أقل من شهر ، بالضبط بعد خمسة وعشرين يوم ، استشهد الدكتور عبد العزيز الرنتيسي. بكيت بحرقة وكان حزني لا يقارن.
كنت قد كبرت ، جدي لا زال حياً بداخلي ، لم ولن أنس حلمه ، العيش في فلسطين والشهادة على أرضها الطاهرة.
لا زلت أحمل نفس الحلم ، نفس المفتاح .
قد لا أجد الدار ، أو البوابة أو الحديقة كما وصفها لي جدي .
قد لا أجده هناك ، ولكني أعلم أن ذكرياته بين طيات هذه الجدران لا أزال أحملها بين رئتيّ طالما أن هناك نفس يخرج من جسدي.
رحمك الله يا جدي ، رحمك الله يا شيخنا الجليل أحمد ياسين ، رحمك الله يا أسد فلسطين عبد العزيز الرنتيسي.
من قال أننا سننسى ؟ من قال أننا تخلينا عن حلمنا ؟ لكأني أرى راية الجهاد ترتفع عالياً ، يعلم الله أننا نمشي وراءها..... لا نخشى إلا الله حتى لو قتلنا[/CENTER][/B]
B]كنت قد جلست معه ، قربه ، أقول له : حدثني بعد يا جدي عن فلسطين... قال لي : مش عارف من وين أبداً.
لم تكوني قد ولدت بعد... أنت ماذا تريدي أن تعرفي بالضبط ؟ ... أقول لك أن فلسطين أحلى أرض ؟ ماذا تريدي أكثر؟ ...
يا جدي أخبرني ، كم كانت فلسطين جميلة ، هل كانت احلى من هذه الأرض ؟
إنت وين بتحكي يا جدي ؟ إيش تقولي ؟ فلسطين أحلى من أية أرض ، فيها الجرانك والفراولة ... فيها كل إشي.
كانت الدموع تغص في عينيه ، كان عندنا دونمات كثير... كنا نزرع الأرض بالبطيخ ، وكل شيء ونصدّر منها.
طيب ؟ كيف ضاعت منا يا جدي ...؟ كيف...
نظر إلى الطبيعة وقال : والله لو كان الأمر متروك لنا لما دخله يهودي !
طيب ليش ؟ ما كان في عندكم ذخيرة ...؟؟؟ إستنفرت كل القوى العربية وما حد ساعدكم ؟
آخ يا جدي ، إيش أقول لك ؟ ما حد ساعدنا ، ساعدوهم ، ممكن ، بس ساعدونا ! أبداً
تركوا بيوتهم في يافا ، تركوا الطبيخ على النار ، على أمل أن القوات العربية ستدخل وستنقذنا .
بيوتنا سكنها غيرنا . أخبار المجازر تتوارد إلينا ، لم نكن نخاف ، كنا صامدين ...
نزلت دمعة على خده .ولكن لم يبق منا إلا قليل كي يدافع...بلا ذخائر ، بلا رجال يتمنون الجنة.
ظل يحكي جدي ، حتى وجدت غصة في كلامه ورأيته يبكي . جدي الذي هو بالنسبة لي رمز القوة ، كان يبكي بحرقة . ركضت إليه بمحرمة ، وقلت له : لا تبكِ يا جدي ، لا تبكِ ... يا جدي ، أنت بالنسبة لي كل شيء ، بالله عليك لا تبكِ. أتعرف شيئاً ؟ أنا لم أطلب منك أن تحكي لي عن فلسطين إلا كي أقول لك شيئاً واحداً : نحن لن ننسى هذه الأرض. نحن صغار ولكننا عندما نكبر ، نريد أن نذهب لفلسطين ، نريد أن نحررها حتى آخر شبر .
وحياتك لن ننساها ، وحياة هذه الدموع الغالية ، لن أنسى فلسطين . يا جدي ، أنا لم أشأ أن أجعلك تبكي !
يعزّ علي بكاؤك أمامي . يا جدي ، أين مفتاح دارنا ؟
أخرج من جيبته صرّة صغيرة ، إبتسم وهو يبكي . فتح الصرّة وأعطاني مفتاحاً كبيراً ، وقال : هذا مفتاح البوابة الكبيرة ، ورائها الحديقة وهناك البيت ، تجدي مفتاح الدار قرب العتبة . لا تفرّطي في الدار، أرجوك لا تتركيها. ورجع يبكي.
صرت أقبّله وأمسح عبراته.
....
توفي جدي وكان عمري ستةعشر ربيعاً . أظلمت الدنيا في وجهي . لم أكن لأنساه ، شكله ، لحيته البيضاء ، كلامه الحنون وحديثه عن فلسطين : فلسطين الواقع ثم فلسطين الحلم ...
فلسطين التي تحيا فينا مع كل نبضة قلب، فلسطين التي نتنشقها مع الهواء ونشربها مع كل قطرة ماء....
أحببت الشيخ أحمد ياسين بعد جدي ، لأن شيئاً فيه كان يشبه جدي . جدي كان يحترمه ، يحترم بقاءه في أرضه ودفاعه عنها حتى عندما فقد كل حركة في جسده. كانت صوته المبحوح وكلماته تجسد واقعاً وأملاً نريد أن نحققه كلنا ، كل الفلسطينيين ، في المنفى وعلى أرض الوطن فلسطين.
عندما استشهد الشيخ أحمد ياسين أحسست أني فقدت جدي مرة أخرى . تماسكت ، قلت هناك الدكتور الرنتيسي ، بقي لدينا أسد فلسطين. بعد أقل من شهر ، بالضبط بعد خمسة وعشرين يوم ، استشهد الدكتور عبد العزيز الرنتيسي. بكيت بحرقة وكان حزني لا يقارن.
كنت قد كبرت ، جدي لا زال حياً بداخلي ، لم ولن أنس حلمه ، العيش في فلسطين والشهادة على أرضها الطاهرة.
لا زلت أحمل نفس الحلم ، نفس المفتاح .
قد لا أجد الدار ، أو البوابة أو الحديقة كما وصفها لي جدي .
قد لا أجده هناك ، ولكني أعلم أن ذكرياته بين طيات هذه الجدران لا أزال أحملها بين رئتيّ طالما أن هناك نفس يخرج من جسدي.
رحمك الله يا جدي ، رحمك الله يا شيخنا الجليل أحمد ياسين ، رحمك الله يا أسد فلسطين عبد العزيز الرنتيسي.
من قال أننا سننسى ؟ من قال أننا تخلينا عن حلمنا ؟ لكأني أرى راية الجهاد ترتفع عالياً ، يعلم الله أننا نمشي وراءها..... لا نخشى إلا الله حتى لو قتلنا[/CENTER][/B]