التعمرى العربى
08-09-2009, 06:45 PM
"معروف الإسكافي"
في قديم الزمان, كان يعيش في مدينة القاهرة اسكافي فقير أسمه معروف.
ولشدة فقره لم يكن معروف يستطيع تأمين عيشه البسيط, ولم يكن يستطيع أيضا أن يلبي طلبات زوجته القاسية.
ولم تكن زوجته تقدر حالته الضيقة أو تتساهل في معاملته. فقد كانت شرسة الأخلاق, مبذرة, تلح عليه في إحضار ألوان
الطعام, وشراء الثياب بثمن مرتفع, ولو كان زوجها لا يملك شيئا من المال.
وطلبت الزوجة القاسية مرة إلى زوجها أن يحضر لهل فطيرا بالسكر والعسل, ومربى النارنج,
وأصرت عليه أن لا يعود في المساء إلى البيت الإ ومعه الحلوى التي طلبتها منه. فتوسل إليها معروف أن تمهله يوما
أو عدة أيام ريثما يرزقه الله ببعض المال, ولكن الزوجة أصرت عليه أن يتدبر أمره ولو أضطر إلى الاستدانة من الحلواني.
وذهب معروف إلى مكان عمله وأنتظر الزبائن....ولكن الله لم يوفقه بأي زبون يريد أن يرقع حذاءه, أو يصلح نعله. ولما كان يخشى
غضب زوجته فقد توجه إلى الحلواني وقص عليه قصته, وأخبره أنه إذا عاد إلى البيت من غير الحلوى فسيكون نصيبه من زوجته الخصام
والشجار, فأشفق عليه الحلواني وأعطاه فطيرا بالسكر والعسل. أما مربى النارنج فقد نفد من الدكان ولذلك لا يستطيع أن يقدم إليه شيئا منه.
ولما عاد معروف إلى البيت وقدم إليها الفطير, سألته عن المربى. ولم يكد يخبرها بأنه لم يجد منه شيئا عند الحلواني, حتى انهالت عليه بالضرب
وقذفت في وجهه طبق الفطير, وقلبت منضدته الصغيرة فأنقلب ما عليها من أدوات وعدة شغله, كالقدوم والمسامير وغيرها.
وأصاب الطبق وجه معروف فجرحه جرحا بالغا. ولم يعد معروف يستطيع أن يتحمل من زوجته أكثر مما تحمل,
فتركها تصيح وتلعن, وفتح باب البيت وخرج حزينا متألما, وعزم على أن لا يعود إلى زوجته التي لم يعرف قلبها الرحمة.
بعد أن مشى معروف مسافة طويلة أنهكه التعب, فجلس إلى جانب الطريق وأسند رأسه إلى الجدار يفكر في مصيره,
ويدعو الله أن يهديه إلى مكان يعيش فيه بعيدا عن زوجته, فلا يراها ولا تراه.
وفجأة سمع معروف ضجة كبيرة, وأنشق الجدار, وظهر مارد ضخم وقف أمام معروف وقال له:
- إني هنا لأحقق أمنيتك, اركب على كتفي. وذهل معروف من المفاجأة ونظر إلى المارد فوجده طويل القامة أنيق الثياب,
له عينان حادتان ولحية دقيقة. ولما أفاق من ذهوله, نفذ ما طلب إليه المارد, وصعد إلى كتفه.
حمل المارد معروفا ونقله إلى قمة جبل, وأنزله عليها. نظر معروف أمامه فرأى مدينة كبيرة فتوجه إليها.
مشى معروف في طرق المدينة الغريبة, فتجمع الناس حوله وسألوه: من أين أتى؟ فأجابهم انه جاء من القاهرة
التي تقع على ضفاف نهر النيل. فتقدم إليه من بين الناس المتجمعين حوله رجل وقال له: إنني أنا أيضا من القاهرة,
وقد جئت إلى هنا منذ عدة سنوات وأسمي علي وأعمل في التجارة.
ودعا التاجر معروفا إلى منزله وأكرمه, وبعد أن روى معروف حكايته, تحدث التاجر عن قصته,
وأخبره بأنه جاء من القاهرة بحثا عن عمل, فلما دخل المدينة زعم لأهلها أنه تاجر غني, وهو
ينتظر وصول بضاعة له في وقت قريب. وهكذا أستطاع التاجر علي أن يستدين من تجار المدينة أموالا كثيرة.
وأن يشتري بضائع ويبيعها, فحقق بذلك ربحا وافرا, ولم يلبث أن سدد ديونه. وهكذا عرف التاجر بين أهل المدينة بالغنى والاستقامة.
وأقترح التاجر على معروف أن يشتري حمارا ويستأجر خادما. وسيقرضه
مالا ليتاجر به في سوق المدينة,وليحسن إلى الفقراء والمحتاجين بسخاء
فيتأكد الجميع أنه تاجر غني كريم.
ونفذ معروف ما نصحه به التاجر, فنال شهرة واسعة وأعجب به تجار المدينة
وعندما تأكد معروف أن التجار أصبحوا يثقون به, أستدان منهم أموالا كثيرة زاعما أنه ينتظر وصول بضاعة كثيرة, متنوعة الآصناف وتدر ربحا كبيرا.
ولكن عندما مضت الأيام من غير أن يصل إليه شيء, بدأ تجار المدينة يرتابون في أمره. وعندما طال تأخر وصول البضاعة كثيرا, ذهبوا الى الملك وشكوا اليه أنهم أقرضوا معروفا أموالا ولم يعدها إليهم, وما زال يماطل في تسديدها.
لم يصدق الملك شكواهم أول الآمر, وقال لهم: إن معروفا الذي ينفق هذه الأموال الكثيرة على المحتاجين, لا يمكن أن يكون فقيرا أو محتالا.
وتأخر وصول البضاعة يحدث لآي تاجر, فيقع في أزمة عابرة لا تلبث أن تزول.
وعندما خرج التجار من قصر الملك, أستدعى وزيره وتشاور معه, وأبلغه أنه
معجب بمعروف ونشاطه وكرمه, ولكي يؤكد الملك هذا الإعجاب أعلن أنه مستعد لآن يزوجه أبنته.
ولكن الوزير لم يكن مرتاحا لكلام الملك لأنه كان يطمع في أن يتزوج هو الأميرة, فقال: يظهر لي يا مولاي أن معروفا كذاب كبير ومحتال.
استدعى الملك معروفا وأبلغه شكوى التجار منه, فقال معروف:
عندما تصل بضاعتي في وقت قريب سأسدد لكل تاجر دينه.
وأراد الملك أن يتأكد من صدق معروف, فقدم إليه جوهرة وطلب إليه أن يقدر ثمنها.
أدرك معروف أن الملك يريد امتحانه في معرفة الجواهر, فقال للملك: أن هذه الجوهرة لا تزيد قيمتها عن عشرة الاف دينار, ولكن عندي ياقوتا يساوي مئة ألف دينار.
فصدق الملك معروفا, وطلب إلى التجار أن يصبروا عليه ويمهلوه إلى أن تصل القافلة التي تحمل بضاعته الى المدينة.
وقرر الملك أن يزوج معروفا أبنته.
وعندما علم معروف برغبة الملك تظاهر بالاعتذار لأنه لم يبق لديه مال كاف للإنفاق على حفلة الزفاف, ولتوزيعه على الفقراء كعادة الآغنياء في تلك المدينة. ولكن الملك سمح له بأن يأخذ من خزائنه ما يريد من المال, ما دام قد أصبح الآن زوج أبنته.
وهكذا كان, فقد غرف معروف من خزائن الملك كثيرا من المال, وأنفقه على شراء الهدايا لزوجته الأميرة, كما أنفق قسما منه على الفقراء والمحتاجين الذين تعودوا على كرمه.
وبعد مضي عدة أسابيع, دخل على الملك أمين الخزائن وأخبر الملك أن المملكة مهددة بالإفلاس, وأن قافلة معروف المزعومة لم تصل بعد.
غضب الملك غضبا شديدا وأستدعى وزيره وأخبره بما حدث, فقال الوزير:
إن الأميرة هي التي تستطيع معرفة حقيقة زوجها معروف. فطلب الملك إلى أبنته أن تستدرج زوجها ليصارحها بحقيقة أمره.
وفي المساء, طلبت الأميرة إلى زوجها أن يروي لها قصته بصدق وصراحة,
وأنها ستساعده وستكون إلى جانبه. فأخبرها معروف بكل شيء.
طلبت الأميرة إلى زوجها معروف أن يلبس زي فارس من الفرسان, ويغادر المدينة إلى مدينة أخرى. وهناك يشتغل في التجارة, إلى أن يجمع مالا كافيا, وعندئذ يمكنه أن يعود ويظل زوجا للأميرة, ويتغلب على الوزير الذي يريد أن يشوه سمعته ليتمكن من طلب الزواج من الأميرة.
وفي اليوم التالي أخبرت الأميرة والدها الملك أن معروفا أضطر إلى السفر فجأة بعد أن جاءه أحد عماله وأخبره أن اللصوص قد هاجموا قافلته واستولوا عليها. ثم قالت لوالدها: لقد لبس معروف ملابس الفرسان وتوجه ليطارد اللصوص ويستعيد القافلة.
أما معروف فقد غادر المدينة وهو حزين لأنه قد فارق زوجته. وبينما هو يسير بعيدا عن المدينة, رأى فلاحا مشغولا بحراثة حقله, فحياه, فأجابه الفلاح: أهلا بفارس الملك. وأسرع الفلاح لكي يحضر لضيفه طعاما.
أعجب معروف بكرم الفلاح فأحب أن يساعده في حراثة أرضه حتى يعود. و بينما كان يدير المحراث لمح معروف حلقة من الذهب, ولما أخذ يتفحصها وجد الآرض تنشق عن سلم لولبي...
فأخذته الدهشة ولكنه تمالك نفسه وهو الذي تعود على المفاجآت, ونزل على السلم حتى وجد نفسه وسط أكوام من الذهب والجواهر.
ففرك عينيه ليتأكد هل هو في حلم أم يقظة. وأمسك بخاتم ذهبي كان يلمع وسط الجواهر,
ولم يكد يضعه في أصبعه حتى برز أمامه مارد طويل وقال بصوت قوي: إني خادم لمن يملك هذا الخاتم
أنت تأمر وأنا أطيع....
وأفاق معروف من ذهوله وأمره أن يجهز له خيمة يضع فيها كل هذه الثروة.
ولما عاد الفلاح بعد إعداد الطعام لمعروف وشاهده بين أكوام الذهب, أعتقد أنه الملك نفسه,
فخجل من الطعام الذي أعده وهو العدس, لذلك أستأذن معروفا في أن يغيب بعض الوقت ليحضر له خرافا
مشوية بدلا من العدس.
فضحك معروف وقال للفلاح: إني لست الملك, ولكني زوج ابنته وسوف أكافئك على كرمك عندما أعود.
وفي الصباح, كان المارد قد جهز لمعروف البغال لنقل الخيمة بما فيها من ذهب وخدم, وتوجه الجميع إلى المدينة وقصدوا قصر الملك.
وعندما دخلت هذه القافلة الكبيرة إلى المدينة دهش التجار, وفرح الملك, وأبتهجت زوجته,
وملأت المجوهرات خزائن القصر. ولكن زوجته التي تعرف قصة معروف, وحالته, دهشت من هذا الانقلاب السريع,
ومن سرعة حصوله على هذه الثروة الكبيرة.
أما الوزير فقد حقد على معروف وأخذ يدس عليه لدى الملك حتى جعل الملك يغضب عليه ويكرهه,
ثم يقرر أن يختبره. وفي يوم من الأيام, كان الملك والوزير ومعهما معروف يتحلقون حول مائدة في
حديقة القصر. وغافل الملك والوزير معروفا وجعلاه يشرب خمرا حتى أخذ يهذي من غير أن يعرف أنه باح بسره بعد أن سأله الوزير عن سر الخاتم الذهبي الذي يضعه في أصبعه.
وأسرع الوزير وأنتزع الخاتم من معروف, ولبسه ثم حركه فظهر أمامه المارد وطلب إليه أن يأمره بما يريد.
طلب الوزير من المارد أن يأخذ الملك ومعروفا ويلقيهما في الصحراء من غير ماء أو طعام. فنفذ المارد رغبة الوزير فورا.
اعتلى الوزير العرش وأعلن أنه أصبح ملكا على البلاد, وأنه سيتزوج الأميرة. ولكن الأميرة إستمهلته وطلبت
إليه أن يتريث حتى تنتهي أيام الحداد على زوجها وأبيها.
وبعد أن مضت أيام الحداد, أجتمع الوزير بالأميرة, وبينما هما يتحدثان قالت له: إن هذا الخاتم
يخدشني ويضايقني, فخلعه الوزير من أصبعه ووضعه جانبا, فلبسته الأميرة وحركته في أصبعها وكلمح
البصر ظهر المارد ينتظر الآمر منها.
أمرت الأميرة المارد بأن يقيد الوزير ويضعه في السجن, ويحضر والدها الملك وزوجها معروفا,
فنفذ المارد الآمر, وعاد الملك ومعروف إلى المدينة.
فرح الشعب بعودة ملكه وعودة معروف الذي أصبح محبوبا بين الناس لأنه كان يشعر دائما أنه واحد منهم
ولو كان زوج الأميرة.
نال الوزير جزاء حقده وغشه, وعاشت البلاد هانئة سعيدة. وعندما مات الملك, خلفه معروف على العرش,
وأصبحت الأميرة ملكة.
أما الخاتم فقد وضعاه في صندوق, لأنهما ليسا في حاجة إليه بعد الآن. وعاش الجميع في سعادة واستقرار,
في جو لا يعرف الحقد والدس والحسد.
في قديم الزمان, كان يعيش في مدينة القاهرة اسكافي فقير أسمه معروف.
ولشدة فقره لم يكن معروف يستطيع تأمين عيشه البسيط, ولم يكن يستطيع أيضا أن يلبي طلبات زوجته القاسية.
ولم تكن زوجته تقدر حالته الضيقة أو تتساهل في معاملته. فقد كانت شرسة الأخلاق, مبذرة, تلح عليه في إحضار ألوان
الطعام, وشراء الثياب بثمن مرتفع, ولو كان زوجها لا يملك شيئا من المال.
وطلبت الزوجة القاسية مرة إلى زوجها أن يحضر لهل فطيرا بالسكر والعسل, ومربى النارنج,
وأصرت عليه أن لا يعود في المساء إلى البيت الإ ومعه الحلوى التي طلبتها منه. فتوسل إليها معروف أن تمهله يوما
أو عدة أيام ريثما يرزقه الله ببعض المال, ولكن الزوجة أصرت عليه أن يتدبر أمره ولو أضطر إلى الاستدانة من الحلواني.
وذهب معروف إلى مكان عمله وأنتظر الزبائن....ولكن الله لم يوفقه بأي زبون يريد أن يرقع حذاءه, أو يصلح نعله. ولما كان يخشى
غضب زوجته فقد توجه إلى الحلواني وقص عليه قصته, وأخبره أنه إذا عاد إلى البيت من غير الحلوى فسيكون نصيبه من زوجته الخصام
والشجار, فأشفق عليه الحلواني وأعطاه فطيرا بالسكر والعسل. أما مربى النارنج فقد نفد من الدكان ولذلك لا يستطيع أن يقدم إليه شيئا منه.
ولما عاد معروف إلى البيت وقدم إليها الفطير, سألته عن المربى. ولم يكد يخبرها بأنه لم يجد منه شيئا عند الحلواني, حتى انهالت عليه بالضرب
وقذفت في وجهه طبق الفطير, وقلبت منضدته الصغيرة فأنقلب ما عليها من أدوات وعدة شغله, كالقدوم والمسامير وغيرها.
وأصاب الطبق وجه معروف فجرحه جرحا بالغا. ولم يعد معروف يستطيع أن يتحمل من زوجته أكثر مما تحمل,
فتركها تصيح وتلعن, وفتح باب البيت وخرج حزينا متألما, وعزم على أن لا يعود إلى زوجته التي لم يعرف قلبها الرحمة.
بعد أن مشى معروف مسافة طويلة أنهكه التعب, فجلس إلى جانب الطريق وأسند رأسه إلى الجدار يفكر في مصيره,
ويدعو الله أن يهديه إلى مكان يعيش فيه بعيدا عن زوجته, فلا يراها ولا تراه.
وفجأة سمع معروف ضجة كبيرة, وأنشق الجدار, وظهر مارد ضخم وقف أمام معروف وقال له:
- إني هنا لأحقق أمنيتك, اركب على كتفي. وذهل معروف من المفاجأة ونظر إلى المارد فوجده طويل القامة أنيق الثياب,
له عينان حادتان ولحية دقيقة. ولما أفاق من ذهوله, نفذ ما طلب إليه المارد, وصعد إلى كتفه.
حمل المارد معروفا ونقله إلى قمة جبل, وأنزله عليها. نظر معروف أمامه فرأى مدينة كبيرة فتوجه إليها.
مشى معروف في طرق المدينة الغريبة, فتجمع الناس حوله وسألوه: من أين أتى؟ فأجابهم انه جاء من القاهرة
التي تقع على ضفاف نهر النيل. فتقدم إليه من بين الناس المتجمعين حوله رجل وقال له: إنني أنا أيضا من القاهرة,
وقد جئت إلى هنا منذ عدة سنوات وأسمي علي وأعمل في التجارة.
ودعا التاجر معروفا إلى منزله وأكرمه, وبعد أن روى معروف حكايته, تحدث التاجر عن قصته,
وأخبره بأنه جاء من القاهرة بحثا عن عمل, فلما دخل المدينة زعم لأهلها أنه تاجر غني, وهو
ينتظر وصول بضاعة له في وقت قريب. وهكذا أستطاع التاجر علي أن يستدين من تجار المدينة أموالا كثيرة.
وأن يشتري بضائع ويبيعها, فحقق بذلك ربحا وافرا, ولم يلبث أن سدد ديونه. وهكذا عرف التاجر بين أهل المدينة بالغنى والاستقامة.
وأقترح التاجر على معروف أن يشتري حمارا ويستأجر خادما. وسيقرضه
مالا ليتاجر به في سوق المدينة,وليحسن إلى الفقراء والمحتاجين بسخاء
فيتأكد الجميع أنه تاجر غني كريم.
ونفذ معروف ما نصحه به التاجر, فنال شهرة واسعة وأعجب به تجار المدينة
وعندما تأكد معروف أن التجار أصبحوا يثقون به, أستدان منهم أموالا كثيرة زاعما أنه ينتظر وصول بضاعة كثيرة, متنوعة الآصناف وتدر ربحا كبيرا.
ولكن عندما مضت الأيام من غير أن يصل إليه شيء, بدأ تجار المدينة يرتابون في أمره. وعندما طال تأخر وصول البضاعة كثيرا, ذهبوا الى الملك وشكوا اليه أنهم أقرضوا معروفا أموالا ولم يعدها إليهم, وما زال يماطل في تسديدها.
لم يصدق الملك شكواهم أول الآمر, وقال لهم: إن معروفا الذي ينفق هذه الأموال الكثيرة على المحتاجين, لا يمكن أن يكون فقيرا أو محتالا.
وتأخر وصول البضاعة يحدث لآي تاجر, فيقع في أزمة عابرة لا تلبث أن تزول.
وعندما خرج التجار من قصر الملك, أستدعى وزيره وتشاور معه, وأبلغه أنه
معجب بمعروف ونشاطه وكرمه, ولكي يؤكد الملك هذا الإعجاب أعلن أنه مستعد لآن يزوجه أبنته.
ولكن الوزير لم يكن مرتاحا لكلام الملك لأنه كان يطمع في أن يتزوج هو الأميرة, فقال: يظهر لي يا مولاي أن معروفا كذاب كبير ومحتال.
استدعى الملك معروفا وأبلغه شكوى التجار منه, فقال معروف:
عندما تصل بضاعتي في وقت قريب سأسدد لكل تاجر دينه.
وأراد الملك أن يتأكد من صدق معروف, فقدم إليه جوهرة وطلب إليه أن يقدر ثمنها.
أدرك معروف أن الملك يريد امتحانه في معرفة الجواهر, فقال للملك: أن هذه الجوهرة لا تزيد قيمتها عن عشرة الاف دينار, ولكن عندي ياقوتا يساوي مئة ألف دينار.
فصدق الملك معروفا, وطلب إلى التجار أن يصبروا عليه ويمهلوه إلى أن تصل القافلة التي تحمل بضاعته الى المدينة.
وقرر الملك أن يزوج معروفا أبنته.
وعندما علم معروف برغبة الملك تظاهر بالاعتذار لأنه لم يبق لديه مال كاف للإنفاق على حفلة الزفاف, ولتوزيعه على الفقراء كعادة الآغنياء في تلك المدينة. ولكن الملك سمح له بأن يأخذ من خزائنه ما يريد من المال, ما دام قد أصبح الآن زوج أبنته.
وهكذا كان, فقد غرف معروف من خزائن الملك كثيرا من المال, وأنفقه على شراء الهدايا لزوجته الأميرة, كما أنفق قسما منه على الفقراء والمحتاجين الذين تعودوا على كرمه.
وبعد مضي عدة أسابيع, دخل على الملك أمين الخزائن وأخبر الملك أن المملكة مهددة بالإفلاس, وأن قافلة معروف المزعومة لم تصل بعد.
غضب الملك غضبا شديدا وأستدعى وزيره وأخبره بما حدث, فقال الوزير:
إن الأميرة هي التي تستطيع معرفة حقيقة زوجها معروف. فطلب الملك إلى أبنته أن تستدرج زوجها ليصارحها بحقيقة أمره.
وفي المساء, طلبت الأميرة إلى زوجها أن يروي لها قصته بصدق وصراحة,
وأنها ستساعده وستكون إلى جانبه. فأخبرها معروف بكل شيء.
طلبت الأميرة إلى زوجها معروف أن يلبس زي فارس من الفرسان, ويغادر المدينة إلى مدينة أخرى. وهناك يشتغل في التجارة, إلى أن يجمع مالا كافيا, وعندئذ يمكنه أن يعود ويظل زوجا للأميرة, ويتغلب على الوزير الذي يريد أن يشوه سمعته ليتمكن من طلب الزواج من الأميرة.
وفي اليوم التالي أخبرت الأميرة والدها الملك أن معروفا أضطر إلى السفر فجأة بعد أن جاءه أحد عماله وأخبره أن اللصوص قد هاجموا قافلته واستولوا عليها. ثم قالت لوالدها: لقد لبس معروف ملابس الفرسان وتوجه ليطارد اللصوص ويستعيد القافلة.
أما معروف فقد غادر المدينة وهو حزين لأنه قد فارق زوجته. وبينما هو يسير بعيدا عن المدينة, رأى فلاحا مشغولا بحراثة حقله, فحياه, فأجابه الفلاح: أهلا بفارس الملك. وأسرع الفلاح لكي يحضر لضيفه طعاما.
أعجب معروف بكرم الفلاح فأحب أن يساعده في حراثة أرضه حتى يعود. و بينما كان يدير المحراث لمح معروف حلقة من الذهب, ولما أخذ يتفحصها وجد الآرض تنشق عن سلم لولبي...
فأخذته الدهشة ولكنه تمالك نفسه وهو الذي تعود على المفاجآت, ونزل على السلم حتى وجد نفسه وسط أكوام من الذهب والجواهر.
ففرك عينيه ليتأكد هل هو في حلم أم يقظة. وأمسك بخاتم ذهبي كان يلمع وسط الجواهر,
ولم يكد يضعه في أصبعه حتى برز أمامه مارد طويل وقال بصوت قوي: إني خادم لمن يملك هذا الخاتم
أنت تأمر وأنا أطيع....
وأفاق معروف من ذهوله وأمره أن يجهز له خيمة يضع فيها كل هذه الثروة.
ولما عاد الفلاح بعد إعداد الطعام لمعروف وشاهده بين أكوام الذهب, أعتقد أنه الملك نفسه,
فخجل من الطعام الذي أعده وهو العدس, لذلك أستأذن معروفا في أن يغيب بعض الوقت ليحضر له خرافا
مشوية بدلا من العدس.
فضحك معروف وقال للفلاح: إني لست الملك, ولكني زوج ابنته وسوف أكافئك على كرمك عندما أعود.
وفي الصباح, كان المارد قد جهز لمعروف البغال لنقل الخيمة بما فيها من ذهب وخدم, وتوجه الجميع إلى المدينة وقصدوا قصر الملك.
وعندما دخلت هذه القافلة الكبيرة إلى المدينة دهش التجار, وفرح الملك, وأبتهجت زوجته,
وملأت المجوهرات خزائن القصر. ولكن زوجته التي تعرف قصة معروف, وحالته, دهشت من هذا الانقلاب السريع,
ومن سرعة حصوله على هذه الثروة الكبيرة.
أما الوزير فقد حقد على معروف وأخذ يدس عليه لدى الملك حتى جعل الملك يغضب عليه ويكرهه,
ثم يقرر أن يختبره. وفي يوم من الأيام, كان الملك والوزير ومعهما معروف يتحلقون حول مائدة في
حديقة القصر. وغافل الملك والوزير معروفا وجعلاه يشرب خمرا حتى أخذ يهذي من غير أن يعرف أنه باح بسره بعد أن سأله الوزير عن سر الخاتم الذهبي الذي يضعه في أصبعه.
وأسرع الوزير وأنتزع الخاتم من معروف, ولبسه ثم حركه فظهر أمامه المارد وطلب إليه أن يأمره بما يريد.
طلب الوزير من المارد أن يأخذ الملك ومعروفا ويلقيهما في الصحراء من غير ماء أو طعام. فنفذ المارد رغبة الوزير فورا.
اعتلى الوزير العرش وأعلن أنه أصبح ملكا على البلاد, وأنه سيتزوج الأميرة. ولكن الأميرة إستمهلته وطلبت
إليه أن يتريث حتى تنتهي أيام الحداد على زوجها وأبيها.
وبعد أن مضت أيام الحداد, أجتمع الوزير بالأميرة, وبينما هما يتحدثان قالت له: إن هذا الخاتم
يخدشني ويضايقني, فخلعه الوزير من أصبعه ووضعه جانبا, فلبسته الأميرة وحركته في أصبعها وكلمح
البصر ظهر المارد ينتظر الآمر منها.
أمرت الأميرة المارد بأن يقيد الوزير ويضعه في السجن, ويحضر والدها الملك وزوجها معروفا,
فنفذ المارد الآمر, وعاد الملك ومعروف إلى المدينة.
فرح الشعب بعودة ملكه وعودة معروف الذي أصبح محبوبا بين الناس لأنه كان يشعر دائما أنه واحد منهم
ولو كان زوج الأميرة.
نال الوزير جزاء حقده وغشه, وعاشت البلاد هانئة سعيدة. وعندما مات الملك, خلفه معروف على العرش,
وأصبحت الأميرة ملكة.
أما الخاتم فقد وضعاه في صندوق, لأنهما ليسا في حاجة إليه بعد الآن. وعاش الجميع في سعادة واستقرار,
في جو لا يعرف الحقد والدس والحسد.