نحن مع غزة
قديم 08-29-2012, 05:14 AM   #1
RiNoXE
Patria o Muerte
 
الصورة الرمزية RiNoXE

قوة السمعة: 143 RiNoXE has much to be proud ofRiNoXE has much to be proud ofRiNoXE has much to be proud ofRiNoXE has much to be proud ofRiNoXE has much to be proud ofRiNoXE has much to be proud ofRiNoXE has much to be proud ofRiNoXE has much to be proud ofRiNoXE has much to be proud of

افتراضي الاكتئاب سمة العصر

الاكتئاب سمة العصر
ناصر الحسن


الحديث عن الاكتئاب هو اكتئاب بحد ذاته . فلقد صنفه الأطباء بأنه المرض الثاني بين الأمراض الأكثر تأثيرا في العالم، فهو يعطل نشاط الفرد في المجتمع ، ويشل حركته حد البلاهة ! ولقد أصيب به كثير من الشعراء والأدباء ، والكتاب ، والفلاسفة ، والمفكرين، ولا غرو فهم دائمو التفكير ، ولقد عرفه القدماء ، ولكنه لم يكن بشكل جلي وظاهر ، ربما لأن رتم العصر الذي نعيشه ، والواقع المر جعله في المراتب المتقدمة ، وأصبح يصيب حتى الأطفال الذين أكبر همهم لعبة بسيطة!

من منا من أفلت من هذا المرض ؟ من منا من لم يمر بحالة من الحزن المفرط بسبب فراق صديق أو حبيب؟ من منا من لم يصاب بحالة اكتئاب حادة ؟ من منا من لم يصاب بالأرق ؟ يظن البعض أن مراجعة العيادة النفسية معناه الجنون والعتّه ، وللأسف ثقافتنا ترسخت فيها هذه المفاهيم ؛ لذلك نفضل أن نظل نعاني من أي مشكلة نفسية على الذهاب إلى مراجعة الطبيب ! كي لانوصم بالعار ولا أنكر حين أصابني أرق مزمن ، ونصحني أحد الأصدقاء بالذهاب إلى العيادة النفسية ترددت ، وكنت قلقا من أن يراني أحد ، حتى أني فكرت في وضع اللثام ، مع أني كنت أحب المغامرة والتجربة ! توقعت أن يضعني الطبيب على كرسي استرخاء تماما كفلم عربي قديم ، ولكن خاب ظني فلا يوجد شيء مما تصورته. ما بدد قلقي وشتت تفكيري هو جلوسي في غرفة الانتظار ، وتفحص وجوه المرضى والعابرين .. أحدهم كان يجلس " بسروال وفنيلة " حافي القدمين ، وفي يده كيس استشفيت منه ثوبا وقارورة ماء ، وبسكويت وغيرها. كان إصبعيه قرابة وجهه ، ويحرك شفتيه بتمتمة غير مفهومة ، وبعدها يفرط في الضحك بصوت خافت ! والضحك بطبيعته معدٍ حتى كدت انفجر من الضحك ، ولكن حمدت الله ، وهذا غيض من فيض حتى أني تساءلت في نفسي أن هذه الحالة متقدمة جداُ فكيف للطبيب أن يقدر على علاجه؟

المناخ الكئيب يجلب الكآبة ، ونحن لا ننفك من متابعة الأخبار ، والأحداث الدموية هنا وهناك ، وسيارات مفخخة ، وأحزمة ناسفة ، نجلب الكآبة لأنفسنا كأننا جُبلنا عليها منذ الصغر. لا توجد عندنا ثقافة الترفيه أو حتى أماكن للهو ، سوى البراري القفار ، " وكورنيش " قد امتلأ من الجرذان والقطط ، والحشرات ، ومدمني كرة القدم ، وفاقدي الذوق الذين ماشمّوا رائحة المدن بمفهومها المعاصر ، وشواطئ منع فيها الصيد والسباحة ؛ لأنها خطر على مرتاديها، وغير صالحة حتى للغسيل ! وحتى إذا خرجت للشارع لشم النسيم ، أو بقصد تغيير الأجواء تجد المدينة متشحة بالتراب والسواد ، تسد مسامات وجهك ، ويعلق الرمل في حنجرتك ورئتك حد الانسداد . مدينة غارقة في الزحمة، وأحياؤها تخلو من المناطق الخضراء والتشجير ، حتى الأرصفة التي نضّدت بالطوب الأحمر ، عادت إلى أصلها الرمادي ! أما المباني فهي غير متناسقة في الطول والشكل كأنها أسنان رجل هرم ، أما الشوارع العامة تجد بها جيف القطط تنهش منها الغربان ، ياله من منظر فظيع ! أما البعض ممن ليس لهم همّ أو عمل من فئة المراهقين يجوبون الشوارع عبثاً دون هدف معين ، والأسوأ من ذلك عدم انضباطهم في القيادة ، والاصطفاف بتناسق عند إشارة المرور ، وشاحنات كبيرة تنفث دخانها السام صوبك ، لذلك تضطر أن تقف عند كل إشارة فترة طويلة ، وهذا المنظر من الزحام يبعث على الكآبة. غدت المدن جافة بجفاف أهلها ، وعديمة اللون والحياة! كل تلك المناظر التي تبعث على الكآبة أستغرب من الإنسان كيف يبقى إلى هذا الوقت معافى ولم يصاب بالاكتئاب !! ربما ألفنا الأوبئة وألفتنا، والإنسان كالبعير يعشق ما يألف !

من أمثلة الأمراض النفسية التي نجلبها لأنفسنا هي: الملال والمزاج السوداوي ، والنظرة التشاؤمية ، والضجر ، والحزن المفرط ، والاكتئاب ، والقلق، والغضب من توافه الأمور، وهذه الأمراض بعض من أسبابها معروفة على سبيل المثال الإفراط في الملذات المادية ، أو الإفراط في الملذات المعنوية مثل التفكير بعمق! وهذه الحالة أصابت الكثير من المفكرين والفلاسفة مثل أنيس منصور الذي ما فتئ يكتب في مقالته اليومية في جريدة الشرق الأوسط عن الأرق الذي يلازمه منذ سنين. يقول الكاتب فهد الشقيران في مقالة له:
( المالنخوليا هي – المزاج السوداوي ، الملال ، اليأس - أصيب بأعراضها الكثير من الفلاسفة، فانتحر بعضهم مثل جيل دلوز، أو حاول الانتحار مثل كارل ماركس، وبعضهم تعاطى المخدرات مثل رولان بارت والبعض استمرّ في العبّ من ملذات الحياة حتى مات بأمراض جنسية مثل ميشيل فوكو والبعض الآخر وصل به القلق والأسى إلى الجنون الأليم مثل " نيتشه " وبعضهم أصيب بداء الكلب مثل " كانط " وبعضهم مرض بهلوسات نفسية مثل أوغست كونت).

علينا مراجعة التفكير في قضية ( العيادة النفسية ) فلم تعد تقتصر على الجنون والوساوس القهرية ، بل هناك عشرات الأمراض النفسية التي تصيبنا وربما تزول بعد فترة دون علاج تماما كالأمراض العضوية مثل الزكام. بعض الأمراض النفسية نحن نجلبها لأنفسنا ، وبعضها يصيبنا رغم عنا كالأمراض الوراثية ، وهذا ليس بعيب ، ولكن العيب أن نبقنا دون علاج مكابرة أو حياءاً.
  اقتباس المشاركة
إضافة رد

الكلمات الدلالية (Tags)
الاكتئاب, العصر


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 01:27 PM.